لقمان هاجو: مسؤولية الأستاذ عن فعل التلميذ في القانون المغربي

لقمان هاجو دكتور في القانون الخاص
مقدمة
تحتل نظرية المسؤولية المدنية عن فعل الغير مكانة محورية ضمن النظرية العامة للالتزامات، بوصفها استثناء عن المبدأ الأصلي القاضي بألا يسأل الشخص إلا عن فعله الشخصي؛ إذ اقتضت ضرورات الحياة الاجتماعية توسيع دائرة المسؤولية لتشمل الأشخاص الذين تربطهم بمن هم تحت رقابتهم علاقة تبعية أو إشراف، تحقيقا لمقتضيات العدالة وضمانا لحقوق المتضررين.
وتعد مسؤولية الأستاذ عن فعل التلميذ إحدى أبرز تطبيقات هذه النظرية، بالنظر إلى ما تفرضه العلاقة التربوية من واجب رقابة وإشراف يقع على عاتق الأستاذ تجاه تلامذته طيلة الوقت الذي يتواجدون فيه تحت مسؤوليته، سواء داخل الفضاء المدرسي أو في الأنشطة الملحقة به.
ولم تكن هذه المسؤولية على الصورة التي هي عليها اليوم، بل عرفت تطورا تشريعيا تدرجيا منذ قانون 23 شتنبر 1929 الذي أدرج مسؤولية المعلمين ضمن الفصل 85 من قانون الالتزامات والعقود على أساس الخطأ المفترض وتحمل الدولة له، مرورا بقانون 19 يوليوز 1937 الذي أحدث الفصل 85 مكرر وحول الخطأ من مفترض إلى واجب الإثبات، وصولا إلى ظهير 4 ماي 1942 الذي وسع دائرة المستفيدين لتشمل موظفي الشبيبة والرياضة، وظهير 26 أكتوبر 1942 المحدث لنظام تعويضي احتياطي عن الحوادث المدرسية.
وتتجلى أهمية هذا الموضوع في كونه يطرح إشكالية التوفيق بين نظامين قانونيين متزامنين: نظام ضمان احتياطي قائم على فكرة المخاطر، ونظام مسؤولية تقصيرية قائم على الخطأ الواجب الإثبات فضلا عن تزايد الحوادث المدرسية وتعدد صور الاجتهاد القضائي المتضارب بشأنها، وما يطرحه ذلك من حاجة إلى الاستقرار القانوني وحماية طرفي العلاقة التربوية معا: التلميذ الضحية والأستاذ المسؤول.
ويرجع اختيار هذا الموضوع إلى ما يعرفه من فراغ تشريعي نسبي في ضبط حدود مسؤولية الأستاذ وضماناته، وإلى الحاجة إلى قراءة نقدية للاجتهاد القضائي المغربي المتضارب أحيانا بين مختلف محاكم القضاءين الإداري والمدني.
وتهدف هذه الدراسة إلى تحديد الأساس القانوني لمسؤولية الأستاذ عن فعل التلميذ، والوقوف على شروط قيامها ووسائل إثباتها ودفعها، وتقييم مدى كفاية الضمانات القانونية المخولة للأستاذ في مواجهة هذه المسؤولية، تمهيدا لاقتراح سبل تطويرها.
واعتمدت الدراسة على المنهج التحليلي في مقاربة النصوص القانونية ذات الصلة، مدعما بالمنهج الاستقرائي في تتبع الاجتهاد القضائي المغربي والمقارن، وصولا إلى استخلاص النتائج والمقترحات.
وتأسيسا على ما سبق، تتحدد الإشكالية المركزية لهذه الدراسة في التساؤل الآتي: إلى أي حد استطاع المشرع المغربي التوفيق بين ضمان حق التلميذ المتضرر في التعويض وحماية الأستاذ من إفراط المساءلة، في ظل ازدواجية الأساس القانوني لمسؤوليته؟
ويتفرع عن هذه الإشكالية جملة من الأسئلة، أبرزها: ما الأساس القانوني الذي تقوم عليه مسؤولية الأستاذ في التشريع المغربي؟ وما الشروط اللازمة لقيامها؟ وعلى من يقع عبء إثباتها؟ وما السبل المتاحة أمام الأستاذ لدفعها؟ وإلى أي مدى وفر المشرع والقضاء المغربيان الحماية اللازمة للأستاذ في مواجهتها؟
وللإجابة عن هذه الإشكالية والأسئلة المتفرعة عنها، سيقسم الموضوع إلى ثلاثة مطالب: يتناول المطلب الأول الإطار المفاهيمي والقانوني لمسؤولية الأستاذ، ويعالج المطلب الثاني إثبات هذه المسؤولية وطرق دفعها ونظام حلول الدولة محل الأستاذ، في حين يخصص المطلب الثالث لتقييم الضمانات القانونية المخولة للأستاذ واستشراف آفاق تطويرها.
المطلب الأول: الإطار المفاهيمي والأساس القانوني وشروط قيام مسؤولية الأستاذ
الفقرة الأولى: مفهوم مسؤولية الأستاذ
يحيل التشريع لغة على معنى الشروع والابتداء في الأمر، وهو في الاصطلاح القضائي مجموع القوانين السارية في بلد معين[1]. أما التشريع المدرسي، بوصفه مركبا إضافيا نسبة إلى المدرسة، فيراد به مجموع القوانين والمراسيم والقرارات والمذكرات والأعراف المنظمة لأوضاع الحياة المهنية للأستاذ ولمجال التربية والتكوين، باعتبار المدرسة المؤسسة العمومية المكلفة بالتنشئة الاجتماعية وفق برامج يحدد مجالها القانون. ويستمد هذا التشريع مقوماته، شأنه شأن باقي فروع القانون المغربي، من الاجتهادات الفقهية المبنية على مقاصد الشريعة الإسلامية، ومن الواقع الاجتماعي والعرف، ومن مبادئ الاتفاقيات الدولية المصادق عليها.
وتتأسس القواعد المكونة لهذا التشريع، شأنها شأن كل قاعدة قانونية، على عناصر ثلاثة تميزها عن غيرها من القواعد الاجتماعية: الطابع الاجتماعي بوصفها قاعدة سلوك تنشأ داخل الجماعة وتتطور بتطورها؛ والعمومية والتجريد، بحيث لا تخص شخصا بذاته أو واقعة بعينها، بل تسري على كل من تتوافر فيه شروطها، دون أن يخل بذلك تخصيصها لفئة مهنية معينة كالأساتذة أو تطبيقها في نطاق جغرافي أو زمني محدد؛ والإلزام المقترن بجزاء، بحيث يخضع لها الأفراد خضوعا إراديا تحقيقا للمصلحة العامة، مع اقترانها بجزاء ردعي يكفل احترامها[2].
الفقرة الثانية: الأساس القانوني وشروط قيام مسؤولية الأستاذ
أولا: ظهير 26 أكتوبر 1942 والفصل 85 مكرر من ق.ل.ع كأساس مزدوج للمسؤولية
قبل صدور ظهير 26 أكتوبر 1942 المتعلق بتعويض الأضرار الناتجة عن الحوادث المدرسية، كانت مسؤولية رجال ونساء التعليم قائمة على الخطأ الشخصي، ما لم يثبت رجوع الخطأ إلى الغير، كما قضت بذلك المحكمة الابتدائية بمراكش في نازلة فقدان أحد التلاميذ إحدى عينيه[3]. ويمنح هذا الظهير للمتضرر تعويضا جزافيا لا يغطي كامل الضرر، خلافا للقواعد العامة في التعويض المنصوص عليها في الفصل 98 من ق.ل.ع، مما دفع المشرع إلى تمكين الضحية، متى ثبتت مسؤولية الأستاذ، من الرجوع على الدولة بتعويض تكميلي طبقا للفصل 8 من الظهير المذكور[4]. ويقوم هذا النظام على ضمان تعويض التلميذ بمجرد وقوع الضرر، بصرف النظر عن إثبات الخطأ أو العلاقة السببية، ليشمل بذلك كل الحوادث ولو كانت مجهولة المصدر، دون أن يحول ذلك دون إمكانية إقامة الدعوى المدنية التبعية للدعوى العمومية طبقا للمادة 7 من قانون المسطرة الجنائية.
وقد اشترطت بعض المحاكم تدرجا مسطريا يقتضي اللجوء أولا إلى مسطرة ظهير 1942 قبل أي مطالبة قضائية في إطار الفصل 85 مكرر، كما قضت بذلك محكمة النقض في نازلة سقوط تلميذة من نافذة الطابق الثاني لمؤسستها[5]. ويقتصر نطاق الاستفادة من هذا الظهير على تلاميذ المدارس العمومية دون الخاصة، وتشمل الحماية الفترة الممتدة من دخول التلميذ المؤسسة إلى حين مغادرتها[6]، وإن أثار تحديد هذه الفترة تباينا قضائيا؛ فقد ذهبت محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط إلى تحميل المؤسسة مسؤولية غرق تلميذة بعد مغادرتها المدرسة في وقت كان ينبغي أن تتواجد فيه داخلها[7]، في حين اعتبرت المحكمة الإدارية بمكناس أن الحادثة الموجبة للتعويض هي فقط ما وقع أثناء التواجد الفعلي بالمؤسسة، مقرونا بإهمال الطاقم التربوي المشرف عليها. ويبدو هذا الاتجاه الثاني أقرب إلى المنطق القانوني السليم، إذ لا يستقيم تحميل المؤسسة التعليمية مسؤولية حادث تسبب فيه فعليا من أشرف على بناء منشأة عمومية أخرى، كالقنطرة موضوع النازلة.
أما الفصل 85 مكرر من ق.ل.ع، فقد نص على أن مسؤولية الأستاذ عن أفعال تلامذته لا يفترض فيها الخطأ، بل يتعين على المضرور إثبات خطئه في الرقابة والإشراف، مع تعذر مقاضاته مباشرة إذ ينعقد الاختصاص للدولة التي تحل محله[8]. ويكون التعويض في هذه الحالة الأخيرة كاملا بخلاف التعويض الجزافي المقرر بموجب ظهير 1942، على أن الفقه والقضاء استقرا على استبعاد فئتين من نطاق تطبيق هذا الفصل: أساتذة التعليم العالي الباحثين، وأساتذة الدروس الخصوصية بالمنازل والمدارس الخاصة[9].
ثانيا: شروط قيام مسؤولية الأستاذ
تنص المادة 77 من ق.ل.ع على قيام المسؤولية كلما ثبت أن فعلا صادرا عن بينة واختيار ودون سند قانوني كان السبب المباشر في إحداث ضرر للغير. وتأسيسا على ذلك، تتوقف مسؤولية الأستاذ على اجتماع أركان ثلاثة: الخطأ، والضرر، والعلاقة السببية.
فبخصوص الخطأ، يقضي الفصل 85 مكرر بمساءلة المعلمين وموظفي الشبيبة والرياضة عن الضرر الحاصل للأطفال والشباب خلال الوقت الذي يوجدون فيه تحت رقابتهم، وهو ما يفرض على الأستاذ التزاما ببذل عناية لا التزاما بتحقيق نتيجة، يتحقق الإخلال به إما بانعدام الرقابة أو الإهمال فيها، وإما بعدم اتخاذ الاحتياطات اللازمة لتجنب وقوع الضرر.
أما الضرر، فيمثل الركن الذي يميز المسؤولية المدنية عن المسؤولية الجنائية التي يكفي فيها في حالات عدة مجرد الفعل المجرم، ويشمل كل ضرر يصيب التلميذ، سواء وقع بفعل زميله -كما في نازلة فقدان تلميذ عينه بأداة (البركار) خلال فترة الاستراحة، حيث قضت محكمة النقض بمسؤولية الدولة[10]– أو بفعل الأستاذ نفسه، كما في نازلة إصابة تلميذ بشلل نصفي وضعف في البصر إثر ضربة بمسطرة حديدية، حيث ألزمت المحكمة الإدارية بمكناس وزارة التربية الوطنية بتعويض قدره 150.000 درهم[11]، أو بفعل نقص تجهيزات المؤسسة وعدم صيانتها، كما في نازلة وفاة تلميذ بوجدة إثر انهيار جدار مدرسي طبق عليها الفصل 89 من ق.ل.ع المتعلق بمسؤولية مالك البناء[12]، وقد رفضت المحكمة في نازلة مماثلة بالناظور دفع الإدارة بالقوة القاهرة (الرياح العاتية)، لثبوت عيب في البناء ذاته يكفي وحده لترتيب المسؤولية[13].
وأخيرا، لا تقوم المسؤولية بمجرد اجتماع الخطأ والضرر، بل يتعين إضافة إلى ذلك قيام رابطة سببية بينهما، وللمحكمة في تقديرها سلطة واسعة.
ثالثا: التمييز بين الخطأ المدني والخطأ الجنائي في رقابة الأستاذ
إذا كان خطأ الأستاذ في الرقابة مجرد خطأ مدني، فلا صعوبة في تطبيق الفصل 85 من ق.ل.ع بحلول الدولة محله. غير أن الإشكال يثور حين يكتسي هذا الخطأ وصف الخطأ الجنائي، ذلك أن الفصل 85 مكرر لا يمنع من مقاضاة الأستاذ مدنيا أمام المحاكم المدنية، في حين لا يجوز مطالبة الدولة مدنيا أمام القضاء الجنائي. وقد أثيرت هذه الإشكالية في نازلة أدين فيها معلم جنائيا بالحبس والتعويض المدني بعد أن أدى ضربه لتلميذ إلى بتر رجله، ثم ثبت إعساره، فلجأ ذوو الضحية إلى مقاضاة الدولة استنادا إلى الفصل 85 من ق.ل.ع[14]؛ ودفعت الدولة بعدم إمكانية الاحتجاج بالحكم الجنائي في مواجهتها، غير أن القضاء صرح بعدم اختصاصه للنظر في مواجهة الدولة إلا عند إعسار تابعيها، طبقا للفصل 80 من ق.ل.ع.
ولئن لم نعثر على موقف قضائي مغربي صريح بهذا الخصوص، فقد اتخذت محكمة النقض الفرنسية موقفا وسطا في قرارها الصادر عن الغرفة الجنائية بتاريخ 8 يوليوز 1971، مفاده أن تعذر مقاضاة المعلم شخصيا للحصول على التعويض لا يمنع من قبول المطالبة بالحق المدني أمام القضاء الجنائي، تحقيقا لغاية أخرى غير التعويض هي السماح بانطلاق الدعوى العمومية[15]. وهو موقف نراه جديرا بالتأييد لكونه يوازن بين ضرورة إعمال نظام الحلول من جهة، وعدم إفلات الأستاذ من العقاب متى كان خطؤه جنائيا من جهة أخرى، على أن يتوجه المتضرر بعد صدور الحكم الجنائي بالإدانة إلى القضاء المدني لمطالبة الدولة بالتعويض[16].
المطلب الثاني: إثبات المسؤولية وطرق دفعها ونظام حلول الدولة
الفقرة الأولى: إثبات المسؤولية ووسائل دفعها
يقع عبء إثبات الأضرار اللاحقة بالتلميذ -سواء صدرت عن الغير أو عن التلميذ نفسه أو عن الأستاذ- على عاتق المضرور، وفق القواعد العامة للإثبات، إذ يشترط القانون المغربي لقيام مسؤولية الأستاذ إثبات صدور الخطأ عنه طبقا لقواعد المسؤولية الشخصية[17]. وقد استقر الاجتهاد القضائي الإداري على أن مسؤولية الدولة عن الحوادث المدرسية مسؤولية قائمة على خطأ واجب الإثبات لا مسؤولية مفترضة، كما قضت بذلك المحكمة الإدارية بمكناس في حكم جاء فيه أن على المدعي إثبات الخطأ أو عدم الحيطة أو الإهمال المنسوب إلى الطاقم التربوي، وأن مجرد تصريح مدير المؤسسة بوقوع الحادثة لا يرقى إلى إثبات الخطأ[18]، وهو ما أكدته كذلك محكمة الاستئناف الإدارية بمراكش. غير أن المحكمة الإدارية بالدار البيضاء ذهبت في اتجاه مغاير، فقضت بمسؤولية الإدارة عن الأضرار اللاحقة بالتلاميذ دون اشتراط إثبات الخطأ من جانبها، وهو موقف يخالف صراحة مقتضيات الفصل 85 مكرر بتأسيسه المسؤولية على الخطأ المفترض، وإن كان يصب في مصلحة التلميذ المتضرر الذي قد يتعذر عليه إثبات الخطأ[19].
وتتعدد وسائل دفع الأستاذ لهذه المسؤولية بحسب طبيعة الخطأ المنسوب إليه. ففي حالة الخطأ المفترض، يقع على الأستاذ عبء نفيه بإثبات قيامه بواجب الرقابة واتخاذه الاحتياطات المعقولة الكفيلة بمنع الضرر، باعتبار التزامه التزاما ببذل عناية لا بتحقيق نتيجة. وإن تعذر عليه نفي الخطأ، أمكنه دفع المسؤولية بنفي العلاقة السببية عبر إثبات السبب الأجنبي، سواء تمثل في حادث فجائي أو قوة قاهرة[20].
أما في حالة الخطأ الواجب الإثبات -وهو الأصل في مسؤولية رجال ونساء التعليم[21][22]– فيقوم الدفع على هدم أركان المسؤولية، إما بنفي الخطأ عبر تبرير الفعل الضار، وإما بنفي العلاقة السببية. ويندرج ضمن الوسيلة الأولى كل من الدفاع الشرعي، المرتبط بضرورة وجود خطر حال على النفس أو المال ناتج عن عمل غير مشروع[23]؛ وحالة الضرورة، رهينة بتوافر شرط اتقاء خطر جسيم لا علاقة للأستاذ بنشوئه، وانصباب الضرر على ما هو حال[24]؛ وتنفيذ أمر الرئيس أو القانون، الذي يرفع صفة عدم المشروعية عن الفعل. أما الوسيلة الثانية -نفي العلاقة السببية- فتقوم على إثبات سبب أجنبي يتمثل في القوة القاهرة أو الحادث الفجائي، أو خطأ المضرور، أو خطأ الغير، وإن لم ينص قانون الالتزامات والعقود صراحة على هذين الأخيرين خلافا لبعض التشريعات المقارنة[25].
ولم يتناول القانون المغربي خطأ المضرور صراحة ضمن أسباب انتفاء المسؤولية، خلافا للقانون المصري وبعض التشريعات المقارنة التي جعلت منه سببا أجنبيا مستقلا[26]. وقد اعتد القضاء المغربي مع ذلك بخطأ المضرور سببا كافيا للإعفاء من المسؤولية، طبقا لما قضت به محكمة النقض[27]. كما اعتد الفقه وجانب من القضاء بخطأ الغير -المتمثل في تدخل شخص يحول دون ممارسة الأستاذ لرقابته- سببا نافيا للعلاقة السببية[28]، رغم سكوت المشرع المغربي عنه صراحة خلافا لبعض التشريعات المقارنة كالقانون المدني المصري[29].
الفقرة الثانية: نظام حلول الدولة محل الأستاذ وشروطه
يخول الفصل 85 مكرر -في فقرته الثانية- للمتضرر الرجوع على الدولة عن الأضرار الناتجة عن الحوادث الواقعة بالمدارس العمومية، ويستفيد المتضرر من هذا الحلول حتى عند إعسار الأستاذ المسؤول شخصيا، كما في نازلة قضت فيها المحكمة الإقليمية بتازة بإحلال الدولة محل معلم أدين جنائيا بسبب ضربه تلميذا أدى إلى بتر رجله، بعد أن ثبت إعساره عن أداء التعويض المحكوم به[30].
ويتوقف إعمال هذا النظام على توافر شروط تتعلق بالأشخاص، إذ يقتصر الاستفادة منه على أعضاء التعليم العام دون الخاص، أيا كان التلاميذ المستفيدون منه، وسواء تعلق الأمر بأنشطة داخل المدرسة أو خارجها ما دام غرضها تعليميا -وهو ما يكشف تأثر المشرع المغربي بنظيره الفرنسي في وضع هذا الفصل. كما يتوقف على شروط متعلقة بخطأ الأستاذ، إذ يستبعد الحلول كلما كان الأستاذ الفاعل المباشر للضرر -كضربه للتلميذ أو توجيه عبارات مهينة إليه- أو كان الضرر لاحقا بأشخاص من غير التلاميذ الخاضعين لرقابته، ويقتضي الأمر لسريان الحلول ارتباط الضرر بوظيفة الأستاذ التعليمية.
ويثير هذا الشرط الأخير التمييز بين الخطأ المصلحي والخطأ الشخصي؛ فطبقا للقواعد العامة للمسؤولية الإدارية، لا يسأل الموظف عن ضرر وقع أثناء ممارسة وظيفته إلا إذا نسب إليه خطأ شخصي (عمدي أو جسيم)، أما الخطأ المصلحي أو المرفقي فلا تنعقد بسببه سوى مسؤولية الدولة أمام القضاء الإداري دون رجوع عليه[31]. وبالنسبة للخطأ الشخصي، فإن الدولة تحل محل الأستاذ في المسؤولية طبقا للفصل 85 مكرر متى كان الأمر يتعلق بمعلم.
المطلب الثالث: الضمانات القانونية لحماية الأستاذ وآفاق تطويرها
الفقرة الأولى: إشكالية غياب الحماية التشريعية والقضائية
يعاني الإطار القانوني المنظم لمهنة التدريس من فراغ تشريعي على مستوى الحماية الخاصة الواجب توفيرها للأستاذ، بحيث لا يجد هذا الأخير -في غياب نصوص داخلية أو تشريعية كافية- حماية تكفل له الاطمئنان اللازم لأداء مهامه، الأمر الذي يجعله في وضعية أقرب إلى حارس الشيء ضمن قواعد المسؤولية المدنية العامة. ويتجلى ذلك عمليا في تعدد الدعاوى والمتابعات التي يتعرض لها الأساتذة عن وقائع تتصل بممارستهم لمهامهم التربوية.
وعلى المستوى القضائي، سجلت بعض الأحكام والقرارات مواقف تنم عن تشدد إزاء الأساتذة المتابعين، من ذلك رفض إحدى المحاكم الابتدائية منح السراح المؤقت لمدرس متابع بدعوى خطورة الفعل المنسوب إليه، رغم ما يقتضيه مبدأ قرينة البراءة المكرس بموجب المادة الأولى من قانون المسطرة الجنائية[32]. كما تناولت بعض وسائل الإعلام قضايا مدرسية بشكل يثير تساؤلات حول مدى مراعاة هذا المبدأ في التعاطي الإعلامي مع الأستاذ المتابع[33].
وتأسيسا على ما تقدم، يظهر أن الفراغ التشريعي في هذا الباب، مقرونا بتفاوت المواقف القضائية أحيانا، يستدعي تدخلا تشريعيا يعيد التوازن بين ضمان حقوق التلميذ المتضرر من جهة، وحماية الأستاذ من إفراط المساءلة من جهة أخرى، بما يحفظ للمهنة هيبتها ويعزز استقرار من يمارسها.
الفقرة الثانية: قراءة نقدية ومقترحات لتعزيز الحماية القانونية للأستاذ
يظهر مما سبق أن المنظومة القانونية المنظمة لمسؤولية الأستاذ تحتاج إلى مراجعة تشريعية تراعي ثلاثة مستويات: أولها توضيح النطاق الزمني والمكاني لرقابة الأستاذ تفاديا للتضارب القضائي الحاصل بين مختلف محاكم القضاء الإداري؛ وثانيها تخويل الأستاذ ضمانات إجرائية خاصة في مواجهة الدعاوى الجنائية المرتبطة بممارسته لمهامه التربوية، تحول دون تحول كل حادث مدرسي إلى متابعة جنائية تلقائية؛ وثالثها تكريس حصانة وظيفية نسبية للأستاذ فيما يخص الدعوى المدنية التابعة، على غرار بعض الضمانات المخولة لفئات مهنية أخرى، دون أن يمس ذلك بحق التلميذ الضحية في التعويض العادل الذي يظل مكفولا في مواجهة الدولة عملا بنظام الحلول.
خاتمة
تفضي هذه الدراسة إلى مجموعة من النتائج، أبرزها أن مسؤولية الأستاذ عن فعل التلميذ في القانون المغربي تقوم على أساس مزدوج يجمع بين نظام ضمان احتياطي بموجب ظهير 26 أكتوبر 1942 قائم على فكرة المخاطر بمعزل عن الخطأ، ونظام مسؤولية تقصيرية بموجب الفصل 85 مكرر من ق.ل.ع قائم على خطأ واجب الإثبات لا مفترض، وأن قيام هذه المسؤولية الأخيرة يستلزم اجتماع الخطأ والضرر والعلاقة السببية.
كما تبين أن الاجتهاد القضائي المغربي، ولا سيما على مستوى القضاء الإداري، لا يزال يعرف تباينا في تحديد النطاق الزمني لرقابة الأستاذ وفي شروط قيام مسؤولية الدولة، بين اتجاه يشترط إثبات الخطأ تطبيقا صريحا للفصل 85 مكرر، واتجاه آخر يقيم المسؤولية على أساس مفترض حماية للتلميذ المتضرر.
ويستنتج من ذلك أن التوازن المنشود بين حماية حق التلميذ في التعويض وحماية الأستاذ من إفراط المساءلة لم يتحقق بعد على الوجه الأمثل، بفعل الفراغ التشريعي الذي يعتري الضمانات الخاصة بالأستاذ، سواء على مستوى الدعوى المدنية التابعة للدعوى الجنائية أو على مستوى الحصانة الوظيفية.
وعليه، تقترح الدراسة على المستوى التشريعي تعديل الفصل 85 مكرر من ق.ل.ع بما يوضح النطاق الزماني والمكاني لرقابة الأستاذ، وسن نص خاص يخول الأستاذ ضمانات إجرائية في مواجهة الدعاوى الناشئة عن ممارسته لمهامه التربوية. وعلى المستوى القضائي الدعوة إلى توحيد الاجتهاد القضائي الإداري بشأن معيار الخطأ الواجب الإثبات، وإلى مراعاة مبدأ قرينة البراءة عند البت في طلبات السراح المؤقت المتعلقة بالمتابعات الموجهة ضد الأساتذة.
وتبقى آفاق البحث في هذا الموضوع مفتوحة على دراسة أثر التعليم عن بعد في تحديد نطاق رقابة الأستاذ ومسؤوليته، وعلى مقارنة النظام المغربي بالأنظمة المقارنة التي كرست حصانة وظيفية أوسع لفئة الأساتذة.
[1]– أحمد اباش : “التشريع المدرسي وأخلاقيات المهنة”، د.ط، ص: 5.
[2]– بوشعيب أوعبي : “المبتدأ في العلوم القانونية”، مطبعة دار القلم –الرباط، 2015، ص: 25.
[3]– حكم أورده، فارس يعيش : “المسؤولية المدنية للمعلم في القانون المغربي والمقارن”، نشر البديع، طبعة 2001، ص: 49.
[4]– ياسين المنصوري : “المسؤولية التقصيرية للمعلمين في ضوء العمل القضائي”، رسالة لنيل دبلوم الماستر في العلوم القانونية، السنة الجامعية: 2018/2019، ص: 14.
[5]– قرار محكمة النقض عدد 20، رقم الملف المدني 1524/1/3/2013 بتاريخ 13 يناير 2015، منشور بمجلة قرارات محكمة النقض، الغرفة المدنية، ص: 73.
[6]– محمد البخاري : “دعوى المسؤولية الإدارية على ضوء إحداث المحاكم الإدارية”، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مواضيع الساعة، العدد 9، ص: 17.
[7]– حكم أورده ياسين المنصوري، م.س، ص: 22.
[8]– عبد القادر بوبكري : “محاضرات في المسؤولية المدنية”، مطبعة سجلماسة –مكناس، السنة الجامعية: 2015/2016، ص: 83.
[9]– فارسي يعيش، م.س، ص: 82.
[10]– قرار المجلس الأعلى عدد 6824 الصادر في 03/10/1998 في الملف المدني رقم 13/545.
[11]– حكم أورده ياسين المنصوري، م.س، ص: 31.
[12]– حكم ابتدائية وجدة، عدد 1394/92 الصادر بتاريخ 15/04/1992 في الملف عدد 1114/91، نشرته مديرية الشؤون القانونية والمنازعات، يناير 2008، ص: 11.
[13]– ياسين المنصوري، مرجع سابق، ص: 33.
[14]– حكم عدد 71/835 بتاريخ 26/10/1971 في الملف المدني عدد 71/30140، أورده فارسي يعيش، مرجع سابق، ص: 141.
[15]– قرار محكمة النقض الفرنسية، بتاريخ 8 يوليوز 1971، أورده فارسي يعيش، مرجع سابق، ص: 137.
[16]– محسن عبد الحميد البنه، المسؤولية المدنية للمعلم، مكتبة الجلاء الجديدة المنصورة، طبعة 1993، ص: 176.
[17]– فؤاد معلال : “التعويض عن الحوادث المدرسية بين ظهير 26 أكتوبر 1942 والقواعد العامة للمسؤولية التقصيرية”، مجلة الإشعاع، العدد 14/1996، ص: 22.
[18]– حكم المحكمة الإدارية بمكناس رقم 226/7112/2016 بتاريخ 04/05/2017، أورده ياسين المنصوري، مرجع سابق، ص: 38.
[19]– حكم المحكمة الإدارية بالدار البيضاء صدر بتاريخ 12/11/2003 رقم: 734 في الملف رقم 22/3، منشور بمجلة محاكمة، عدد 7-8، ص: 327.
[20]– فارسي يعيش، م.س، ص: 126.
[21]– محمد الشرقاني : “المسؤولية المدنية”، جامعة مولاي إسماعيل، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، طبعة 2011، ص: 127.
[22]– عبد الكريم شهبون : “شرح ق.ل.ع”، الجزء الأول: مصادر الالتزام، طبعة 2002، ص: 446.
[23]– جمال علي الدهشان : “المسؤولية المدنية للمعلم”، ط. 2001، ص: 25.
[24]– فارسي يعيش، م.س، ص: 129.
[25]– إلهام الهواس : “محاضرات في المسؤولية المدنية”، ص: 93.
[26]– ياسين المنصوري، مرجع سابق، ص: 49.
[27]– قرار المجلس الأعلى عدد 36، الصادر بتاريخ 14 فبراير 1985 في الملف الإداري رقم 4705، منشور بموقع محكمة النقض.
[28]– فاريسي يعيش، م.س، ص: 132.
[29]– عبد الرحمان الشرقاوي، م.س، ص: 133.
[30]– حكم عدد 71/835 بتاريخ 26/10/1971 في الملف المدني عدد 71/30140، أورده فارسي يعيش، مرجع سابق، ص: 141.
[31]– عبد الكريم شهبون : “الشافي في شرح قانون الالتزامات والعقود المغربي”، الجزء الأول، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الأولى، 1999، ص: 315.
[32]– المرشد التضامن الجامعي 2020/2021، ص: 86.
[33]– مرشد التضامن الجامعي 2020/2021، ص: 90.
