مجلة مغرب القانونالقانون العاممصطفى بنشريف: في عدم دستورية المادة 35 من مشروع القانون رقم: 66.23 المنظم لمهنة المحاماة كما صادق عليه البرلمان

مصطفى بنشريف: في عدم دستورية المادة 35 من مشروع القانون رقم: 66.23 المنظم لمهنة المحاماة كما صادق عليه البرلمان

مصطفى بنشريف دكتور في الحقوق 

محام بهيئة المحامين بوجدة


أولا: من حيث طبيعة المقتضيات الواردة في المادة 35 من مشروع القانون:

يستفاد من أحكام المادة 35 أنها تنص على القواعد التالية:

  • أنها تتسم بالطابع الإستثنائي، و تندرج ضمن مجال القانون؛

و جاء فيها: بإمكان وزير العدل، بالإذن للمكاتب الأجنبية للمحاماة، لا تربط بلدانهم، بإتفاقية مع المغرب، بممارسة المهام المنصوص عليها في المادة 33؛

  • أن يكون مكتب المحاماة مرتبط بعقد مع شركة أجنبية تنجز مشاريع استثمارية أو صفقات عمومية بالمغرب؛
  • أن تسجل المكاتب الأجنبية بلائحة مستقلة لدى هيئة المحامين التي ينفذ ضمن دائرتها أو نفوذها المشروع أو الصفقة؛
  • إذا كان المشروع الإستثماري أو الصفقة يشمل دائرة نفوذ أكثر من هيئة محامين، وجب على مكتب المحاماة الأجنبي التسجيل بلائحة مستقلة بهيئة المحامين بالرباط؛
  • يتعين على مكتب المحاماة الأجنبي تعيين محل مخابرة معه بمكتب أحد المحامين بالهيئة المقيد بلائحتها؛
  • عدم الجواز لمكتب المحاماة الأجنبي أن يمارس المهنة خارج نطاق المشروع الإستثماري أو الصفقة موضوع الإذن؛
  • تنتهي صلاحية الإذن الصادر عن وزير العدل بإنتهاء المشروع الإستثماري أو الصفقة، ما لم يكن هناك نزاع، على أن يخبر مكتب المحاماة الأجنبي نقيب الهيئة المعني بذلك؛

و يجب على النقيب إشعار كل من وزير العدل و الوكيل العام للملك المختص بذلك.

و هكذا يتبين من أحكام المادة 35 أعلاه، أنها تتسم بالإستثناء، و بطابعها التنظيمي، بموجبها يمكن لمكاتب المحاماة الأجنبية التي لا تربط بلدانهم بإتفاقية مع المغرب، ممارسة المهنة، بإذن من وزير العدل، لكن شريطة أن تكون مكاتب المحاماة ترتبط بعقد مع شركة أجنبية تنجز مشاريع استثمارية أو صفقات عمومية بالمغرب.

و من جهة ثانية، يلاحظ بأن المادة 35 هي من المستجدات التشريعية التي تضمنها المشروع رقم: 66.23، بحيث لم تعرف القوانين التي تعاقبت على تنظيم مهنة المحاماة هذه المقتضيات.

ذلك، أن المشرع و في ظل القوانين المنظمة لمهنة المحاماة، مقيد بروح الدستور، و بالإتفاقيات الدولية، و لم يشكل موضوع تدفق الإستثمارات الأجنبية على المغرب سببا لتشريع نص إستثنائي، و في ظل غياب اتفاقية ثنائية تربط بلد مكتب المحاماة الأجنبي بالمغرب.

و هكذا، ينكشف بأن مؤدى نص المادة 35 يروم الترخيص بصفة استثنائية، لوزير العدل بأن يأذن لمكتب أجنبي للمحاماة، بممارسة المهنة في المغرب، ضمن شروط محددة، لكن خارج الضوابط العادية المقررة في المادة 34 من نفس مشروع القانون.

و من جهة ثالثة، أن البت في طلبات التسجيل في الجدول هو من الإختصاصات الحصرية لمجالس الهيئات، و أن تفويض المشرع لوزير العدل، بإصدار الإذن للمكاتب الأجنبية لممارسة مهنة المحاماة وفق شروط معينة، إنما يعتبر ذلك تعديا على اختصاصات غير قابلة للتفويض، إضافة إلى أن الإذن الوزاري فيه ما يخالف النظام العام المغربي في ظل غياب اتفاقية ثنائية، تجمع بين بلد مكتب المحاماة الأجنبي و المغرب، كما أن المادة تقوض أسس السيادة الوطنية التشريعية.

ثانيا: من حيث قيام شبهة عدم دستورية المادة 35:

بداية نتساءل، هل يحق للمشرع أن يرخص لوزير العدل بأن يأذن لمكتب محاماة أجنبي لا تربط بلده بالمغرب اتفاقية ثنائية، بأن يمارس مهنة المحاماة في المغرب؟

بالرجوع إلى تصدير الدستور، يستفاد منه أنه يتضمن مبادئ ملزمة، و هي:

  • أن المملكة المغربية ذات السيادة الكاملة؛
  • أن الاتفاقيات الدولية، كما صادق عليها المغرب، و في نطاق أحكام الدستور، و قوانين المملكة، (….)، تسمو فور نشرها، على التشريعات الوطنية (…..).
مقال قد يهمك :   إدارية الرباط : قيام رجل الشرطة بحجز الدراجة لانعدام الخوذة الواقية يخالف أحكام مدونة السير

و لما كان تصدير الدستور، جزءا لا يتجزأ من الدستور، و بأن الإتفاقيات الدولية تعلو على القوانين الوطنية، و بأن المغرب ذات سيادة كاملة، و من بينها السيادة التشريعية التي يتعين ممارستها وفقا للدستور و للإتفاقيات الدولية، مما يتعين على المشرع التقيد بهذه القواعد و الضوابط.

و من جهة ثانية، يؤخذ من المادة 35 المنعي عليها، أنها تتضمن مقتضيات يجب أن تكون مؤطرة بإتفاقية دولية، في حين أن المشرع خالف هذه القاعدة، لما شرع خارج هذا الضابط الجوهري، كقاعدة آمرة (Erga omnes, régle impérative)، لا يمكن مخالفتها، -اتفاقية ثنائية،- لممارسة مهنة المحاماة بالمغرب، وفق شروط معينة، و تبعا لذلك تكون المادة غير مطابقة لأحكام الفصلين 6 و 55 من الدستور، خاصة و أن الدستور أعطى للإتفاقية الدولية، قيمة تعادل القواعد الدستورية، لما نص و بشكل صريح على تعديل نص دستوري، لما يكون في وضعية مخالفة للمعاهدة الدولية.

و حيث أنه و في ظل غياب معاهدة دولية، بين بلد مكتب المحاماة الأجنبي و المغرب، فإنه المشرع ليس من اختصاصه الإذن لأي مكتب محاماة أجنبي، لا تربطه بالمملكة اتفاقية ثنائية، بالنظر لإنعدام السند الدستوري لذلك.

كما يجب التذكير، بأن مشرع المادة 35 أغفل قاعدة أساسية تتمثل في عدم استحضاره في التشريع المذكور، لمبدأ يفترض في دولة مكتب المحاماة الأجنبي أن تطبق نفس المبادئ، لكن في غياب اتفاقية ثنائية يتعذر مطلقا إعمال ذلك.

و لما كان المشرع قد تجاوز اختصاصاته الدستورية، و شرع بالمادة 35 المنعي عليها مقتضيات مخالفة لروح الدستور، بجعله قاعدة قانونية لا تطابق القاعدة الدستورية، و نظرا لكون المسألة تؤطرها مبدئيا قواعد الإتفاقيات الدولية، فهل يجوز تعديل الدستور من أجل أن تصير المادة 35 أعلاه، قابلة للتطبيق، و هذا أمر جد مستبعد نظرا للتعقيدات المسطرية.

و من جهة اخرى، إن نص المادة 35 يندرج في مجال القانون، و عملا بأحكام الفصل 6/فقرة 3 من الدستور و التي تنظم دستورية و تراتبية القواعد القانونية، فإنه لا يجوز لقانون عادي أن يتوغل بالتشريع في مجال قاعدة قانونية أعلى (الدستور أو القوانين التنظيمية)، فإنه فيه ما يخالف أحكام الدستور، لأن النص خلق امتيازات للأجانب خارج قواعد الدستور.

و حيث إن البين من نص المادة 35 أنه منح امتيازات للمكاتب الأجنبية، و في ظل عدم وجود اتفاقيات تربط بلدانها بالمغرب، الأمر الذي يكون معه المشرع قد خالف قواعد الفصلين 6 و 55 من الدستور.

و لما كان الدستور قد أسند للسلطة التشريعية اختصاص سن القوانين وفقا لأحكام الفصل 70 من الدستور، فإن ذلك لا يخولها التدخل بالتشريع في مجال لم يسندها إليها الدستور أمام الإغفال الواضح لأهمية الاتفاقيات الدولية.

و يلاحظ أيضا بأن نص المادة 35 يعكس بأن المشرع تبناها، و رخص للمكاتب الأجنبية لممارسة المحاماة، و ربطها بالإستثمارات و الصفقات العمومية، و كأن الأمر يندرج في إطار نظرية «الأعمال السياسية»، التي تخرج عن الولاية الرقابية للمحكمة الدستورية، و الحال أن الأمر ليس كذلك.

مقال قد يهمك :   غاية القانون و حاجة التقدم: دراسة مونادولوجية في فلسفة القانون

كما أن النص يخالف مبدأ المساواة الذي نص عليه الدستور في الفصلين 6 و 19، و ذلك لما منح المكاتب الأجنبية إمتيازات، و حصانة لم تتقرر بالنسبة لباقي المحامين غير الحاصلين للجنسية المغربية، الأمر الذي يجافي المصلحة العامة التي تعتبر احدى الغايات التي يسعى إليها المشرع، بالنظر إلى كون المادة 35 المنعي عليها لا تقتضيها الضرورة التشريعية. علما أن مراقبة دستورية القوانين شكلا و جوهرا، تستلزم استحضار المقاصد التي ابتغاها الدستور، (راجع قرار المجلس الدستوري رقم: 937، بتاريخ: 29 مارس 2014).

و هكذا جاء في حكم المحكمة العليا في مصر الصادر بتاريخ: 1976/7/3 بأنه «و إن كانت الرقابة القضائية على دستورية التشريع لا تمتد إلى ملائمة إصداره، باعتبار أن ملائمة التشريع من اخص مظاهر السلطة التقديرية للشارع، إلا أن ذلك لا يعني اطلاق هذه السلطة في سن القوانين دون تقييد الحدود و الضوابط التي نص عليها الدستور، و التي يتعين إلتزامها، و إلا كان التشريع مخالفا للدستور»، (راجع حكم المحكمة العليا، في الدعوى رقم: (5) قضائية عليا «دستورية» جلسة 1976/4/3، مجموعة أحكام و قرارات المحكمة العليا، ج1 ص: 414).

ثالثا: من حيث الإعتراف الضمني بأن المادة 35 تسمو على الإتفاقيات الدولية و على الدستور:

إن إقرار المشرع لقاعدة قانونية تقضي بإسناد وزير العدل، وظيفة إصدار الإذن للمكاتب الأجنبية لممارسة المحاماة، و في غياب وجود اتفاقية دولية، تربط بلدانهم بالمغرب، و هو ما يعتبر مخالفة دستورية بصريح أحكام الفصلين 6 و 55 من الدستور.

و لما كان نص المادة 35، يهم طائفة من المكاتب الأجنبية التي لا تربط بلدانهم بالمغرب إتفاقية دولية، و رغم ذلك فوض المشرع لوزير العدل بأن يتولى الإذن لهم بممارسة مهنة المحاماة وفق شروط معينة، تكون المادة 35 في حالة تصادم مع أحكام الدستور (الفصلين 6 و 55) و مع أحكام المادة 34 من مشروع القانون رقم: 66-23، و مع مبدأ السيادة الوطنية الغير القابل للخرق أو المساس (راجع تصدير الدستور).

و من جهة ثانية، كيف يصار إلى الإذن للمكاتب الأجنبية بممارسة مهنة المحاماة بالمغرب، و في ظل غياب أي اتفاقية مع بلدانهم، فإن تبرير المشرع لذلك، ارتباطهم بعقد مع شركة أجنبية تنجز مشروعا استثماريا أو صفقة بالمغرب، لكن هذه العلة لا تشكل مبررا لإصدار تشريع إستثنائي و خارج ضوابط الدستورية و القانونية.

و هكذا، نجد بأن المشرع الفرنسي و إن كان يأخذ بمبدأ تسجيل المحامين الأجانب لممارسة المهنة بفرنسا، لكن ضمن شروط محددة، تتمثل فيما يلي:

  • أن يكون المحامي الأجنبي من غير دول الإتحاد الأوروبي، و مسجلا بالهيئة في بلده بتاريخ تقديم الطلب؛
  • على المحامي الأجنبي طالب التسجيل بإحدى الهيئات الفرنسية، الإدلاء بأن دولة الأصل (Pays d’origine) تمنح للمحامين الفرنسيين، حق ممارسة المهنة وفق نفس الشروط؛
  • تقديم الطلب إلى رئيس المجلس الوطني للهيئات؛
  • يبت المجلس الوطني للهيئات في الطلب داخل أجل شهرين على الأكثر؛
  • اجراء اختبار لمراقبة معرفة المحامي الأجنبي للقانون الفرنسي، و هو اجراء إجباري؛
  • يتم تنظيم امتحان لرقابة المعرفة بالقانون الفرنسي، و لا يمكن قبول تسجيل المترشح إلا بحصوله على نقطة 10/20 على الأقل؛
  • يتضمن الإمتحان، اختبار كتابي نطاقه المادة المدنية، و اختبار كتابي في المواد الإدارية و التجارية و قانون الشغل و القانون الجنائي، و اختبارين شفويين نطاقهما المسطرة المدنية و الجنائية أو الإدارية، التنظيم القضائي الفرنسي، إضافة إلى مقابلة شفوية حول تنظيم و أخلاقيات مهنة المحاماة، (راجع القانون 1971/12/31، المعدل بالمرسوم رقم: 2019-849 بتاريخ: 20 غشت 2019 – المادتان 11 و 3 و المادة 100 من المرسوم رقم: 91-1197 بتاريخ: 27 نونبر 1991 المنظم لمهنة المحاماة بفرنسا).
مقال قد يهمك :   الهام لحجامي: مظاهر اختلال التوازن العقدي في بيع العقار في طور الإنجاز

و هكذا، يتبين من خلال القانون الفرنسي، أنه قرر مبادئ و قواعد ملزمة لقبول تسجيل محامين أجانب بإحدى الهيئات بفرنسا، من أهمها: المعرفة بالقانون الفرنسي، الإلمام باللغة الفرنسية، أن يكونوا مسجلين بإحدى الهيئات ببلدانهم الأصلية، أن توجد اتفاقية ثنائية تجمع بلدهم بفرنسا، و أن تتضمن نفس الشروط الواردة في التشريع الفرنسي المنظم لمهنة المحاماة.

لكن المادة 35 المنعي عليها، جاءت متسمة بالاغفال التشريعي، بحيث أنه لم يرد ضمن أحكامها، الشروط التي يتعين توفرها في مكاتب المحاماة الأجنبية، التي ترغب لممارسة المهنة بمدلول المادة المذكورة، و بصفة استثنائية، كالإلمام بلغة المرافعات أمام المحاكم المغربية وجوب وجود اتفاقية ثنائية بين بلدانهم و المغرب، و هذا ما يشكل مخالفة صريحة لأحكام الدستور.

و حيث ان المسلم به، أن فصول الدستور يتعين أن ينظر إليها بإعتبارها وحدة واحدة يكمل بعضها البعض، بحيث لا يجوز تفسير فصل منه بمعزل عن فصوله الأخرى، بل يجب اعتماد قاعدة التساند بين فصول الدستور.

أنه و إن كان للمشرع سلطة تقديرية في التشريع، إلا أن سلطته تجد حدها في عدم الخروج على القيود و الضوابط و المبادئ التي نص عليها الدستور، و عدم المساس بالحقوق و الحريات التي كفلتها فصوله، عملا بمبدأ الوحدة العضوية للنصوص الدستورية.

و حيث إن المادة 35 تتصادم مع المادة 34 من نفس المشروع أدت إلى التمييز بين طائفتين من المحامين الأجانب الذين يرغبون في ممارسة المهنة بالمغرب، و هو ما يشكل خرقا لمبدأ المساواة، و كان حريا بالمشرع أن يخضعهم جميعا لقاعدة قانونية موحدة و مجردة، بالنظر إلى كون التفرقة بين المجموعتين لا ترتكز في واقعها على أساس تتصل بالهدف الذي توخاه المشرع من تقرير تنظيم ممارسة الأجانب لمهنة المحاماة في المغرب، فإن حرمان طائفة معينة من المحامين الأجانب من الحق الذي يحميه الدستور، لأن من شأن التفرقة بين طائفتين من المحامين يترتب عنها الإخلال بمراكز قانونية متماثلة و مساسا بمبدأ المساواة بينهم.

و من المقرر في قضاء المحكمة الدستورية أن الدساتير المغربية جميعها بدأ من دستور 1962 و انتهاء من دستور 2011، أكدت جميعها على مبدأ المساواة أمام القانون، و لذلك فإنه من غير المقبول أن يتضمن التشريع قواعد قانونية تنبني على التفرقة أو تقييد، أو تفضيل ينال من الحقوق و الحريات التي يكفلها الدستور أو القانون، (راجع قرار المجلس الدستوري رقم: 817 بتاريخ: 13 أكتوبر 2011)، علما أن تحقيق الأهداف الواردة في الدستور يجب أن يتم دون الإخلال بالمبادئ الدستورية، (راجع قرار المجلس الدستوري رقم: 924 بتاريخ: 22 غشت 2013).

error: عذرا, لا يمكن حاليا نسخ او طباعة محتوى الموقع للمزيد من المعلومات المرجوا التواصل مع فريق الموقع عبر البريد الالكتروني : [email protected]