مجلة مغرب القانونالقانون الخاصعبد الحق أعنوز: المسؤولية المدنية للطبيب عن بعد في عصر الذكاء الاصطناعي

عبد الحق أعنوز: المسؤولية المدنية للطبيب عن بعد في عصر الذكاء الاصطناعي

عبد الحق أعنوز

باحث بسلك الدكتوراه

مختبر البحث في قانون العقار والتعمير ومتطلبات الحكامة الترابية

الكلية متعددة التخصصات -الناظور-

جامعة محمد الأول -وجدة-


ملخص:

يشهد المجال الصحي تحولات متسارعة بفعل توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي والطب عن بعد مما أدى إلى ظهور أنماط حديثة للممارسة الطبية تعتمد على الوسائط الرقمية والخوارزميات الذكية، ورغم مساهمة هذه التقنيات في تحسين جودة الخدمات الصحية وتوسيع الولوج إلى العلاج فإنها أفرزت إشكالات قانونية معقدة تتعلق بتحديد المسؤولية الطبية عند وقوع الضرر للمريض، فإدماج الأنظمة الذكية في التشخيص والعلاج يثير صعوبات مرتبطة بتحديد الخطأ الطبي وطبيعة الالتزام الواقع على الطبيب فضلا عن تحديد الجهات المسؤولة بين الطبيب والمؤسسة الصحية ومطور النظام الذكي، كما تتعقد مسألة إثبات العلاقة السببية في ظل استقلالية بعض الخوارزميات مما يكشف محدودية القواعد التقليدية للمسؤولية والإثبات، لذلك تبرز الحاجة إلى إطار تشريعي وتنظيمي حديث يضمن حماية المريض ويواكب خصوصيات الذكاء الاصطناعي والطب الرقمي.

الكلمات المفتاحية: المسؤولية الطبية – الذكاء الاصطناعي – الطب عن بعد – المسؤولية المدنية – المسؤولية الجنائية.


Abstract :

The healthcare sector is witnessing rapid transformations due to the employment of artificial intelligence technologies and telemedicine, which has led to the emergence of modern patterns of medical practice based on digital media and intelligent algorithms, Although these technologies have contributed to improving the quality of healthcare services and expanding access to treatment, they have also generated complex legal issues related to determining medical liability when harm occurs to the patient, The integration of intelligent systems in diagnosis and treatment raises difficulties associated with identifying medical error and the nature of the obligation imposed on the physician, in addition to determining the responsible parties among the physician, the healthcare institution, and the developer of the intelligent system, The issue of proving causality also becomes more complicated given the autonomy of some algorithms revealing the limitations of traditional rules of liability and evidence, Therefore, there is a need for a modern legislative and regulatory framework that ensures patient protection and keeps pace with the specificities of artificial intelligence and digital medicine.

Keywords : medical liability – artificial intelligence – telemedicine – civil liability – criminal liability


مقدمة:

يشهد العالم المعاصر تحولات عميقة بفعل التطور التكنولوجي المتسارع، الذي لم يقتصر أثره على المجالات الاقتصادية أو الصناعية فحسب، بل امتد ليطال أحد أكثر القطاعات حساسية وارتباطًا بالحق في الحياة، وهو القطاع الصحي. فقد أفرزت الثورة الرقمية أنماطًا جديدة من الممارسة الطبية، تقوم على توظيف الذكاء الاصطناعي والاعتماد المتزايد على تقنيات الطب عن بعد، بما أعاد تشكيل العلاقة التقليدية بين الطبيب والمريض، وغيّر من آليات التشخيص والعلاج واتخاذ القرار الطبي.

وقد عايشنا خلال جائحة كوفيد – 19 دفعة قوية في تعميم استعمالات تكنولوجيا التواصل والتعلم الآلي ومختلف الأشكال الأخرى للذكاء الاصطناعي والروبوت. حيث كانت فترات الحجر الصحي التي عاشتها الإنسانية مرحلة تمهيدية لترويض البشرية على قبول العرض الآلي الجديد في تدبير الحياة العامة انطلاقا من الذكاء الاصطناعي، الروبوت ونماذج المدن الذكية. وبلغ توظيف وسائل التواصل الخدماتي عن بعد خلال مرحلة الذروة لأزمة كوفيد – 19، إلى تحويل تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي إلى لاعب مركزي في سد الفجوة الخدماتية للأفراد في المواقع النائية أو في المناطق التي تفتقر إلى الخدمات، مما ساعد على موازنة فرص الوصول إلى الرعاية الصحية النفسية على مستوى الخريطة الترابية الوطنية للدول. يضاف إلى ذلك، أن قدرة الذكاء الاصطناعي المتزايدة الفاعلية على تسهيل الكشف المبكر والوقاية من المشكلات الصحية النفسية تعطى حلولا مبهرة في ظل عالم يسوده الكدر والاضطرابات، وما لهما من تداعيات على الناس. وبدا واضحا اليوم أنه من خلال تحليل مصادر بيانات متنوعة، بما في ذلك التفاعلات على وسائل التواصل الاجتماعي، وبيانات الأجهزة القابلة للارتداء، والسجلات الصحية الإلكترونية، مما يمكن الخوارزميات الذكاء الاصطناعي تحديد أنماط تشير إلى مخاوف صحية نفسية ناشئة، مما يتيح فرص التدخل في الوقت المناسب[1].

وفي هذا السياق العام، لم يعد الفعل الطبي حبيس العلاقة المباشرة بين طبيب ومريض داخل مؤسسة صحية تقليدية، بل أصبح في كثير من الحالات نتيجة تفاعل معقد بين عناصر متعددة، تشمل نظم خوارزمية ذكية، ومنصات رقمية، ومطوّري برمجيات، ومؤسسات وسيطة، وهو ما يطرح تساؤلات قانونية عميقة حول مدى قدرة القواعد القانونية الكلاسيكية للمسؤولية الطبية على استيعاب هذه التحولات وضبط آثارها.

أما في السياق الخاص، فإن اعتماد الذكاء الاصطناعي في التشخيص الطبي، وتحليل الصور، واقتراح البروتوكولات العلاجية، إلى جانب انتشار خدمات الاستشارة الطبية عن بعد، قد أفرز إشكالات قانونية دقيقة تتعلق بتحديد طبيعة الخطأ الطبي، وإثبات العلاقة السببية، وتعيين أطراف المسؤولية، خاصة في الحالات التي يتداخل فيها القرار البشري مع القرار الآلي، أو يغيب فيها التواصل المباشر بين الطبيب والمريض.

ويقتضي تناول هذا الموضوع تأصيلًا مفاهيميًا لمصطلحات العنوان؛ فالمسؤولية الطبية تُعد فرعًا خاصًا من المسؤولية المدنية والجنائية، تقوم على مساءلة الطبيب أو المؤسسة الصحية عن الأضرار الناتجة عن الإخلال بواجبات المهنة.

يتم تعريف الذكاء الاصطناعي في الرعاية الأولية حسب الكلية الملكية البريطانية للممارسين العامين (RCGP) كبرنامج أو نظام يتميز بقدرة اتخاذ القرارات بطريقة آلية اعتمادًا على تحليل البيانات أو قواعد محددة، ويمكن تصنيفه إلى ثلاث مستويات رئيسية حسب مدى تعقيد عمليات اتخاذ القرار وقدرته على التعلم والتكيف[2] (الذكاء الاصطناعي القائم على القواعد، ثم الذكاء الاصطناعي الضيّق، الذكاء الاصطناعي العام).

والذكاء الاصطناعي في المجال الصحي هو مصطلح عام يعبر عن استخدام خوارزميات التعلم الآلي وبرامجه (أي الذكاء الاصطناعي) لمحاكاة الإدراك البشري في تحليل البيانات الطبية والصحية المعقدة إضافة لتقديمها وفهمها. وعلى وجه التحديد يعير مصطلح الذكاء الاصطناعي عن قدرة خوارزميات الكمبيوتر على تقريب الاستنتاجات بناءً على البيانات المدخلة فقط[3].

في حين يُقصد بالطب عن بعد ممارسة العمل الطبي باستخدام وسائل الاتصال الحديثة دون الحضور المادي المتزامن للأطراف.

وقد عرف موضوع المسؤولية الطبية تطورًا تاريخيًا ملحوظًا؛ إذ انتقل من مرحلة إنكار المسؤولية أو تضييق نطاقها بدعوى قدسية المهنة الطبية، إلى مرحلة الاعتراف بها في إطار الخطأ الشخصي، ثم إلى توسيع نطاقها مع تطور القضاء والفقه، وصولًا إلى تكريس حماية أكبر للمريض. غير أن هذا التطور ظل مرتبطًا بنموذج طبي تقليدي، ما يجعل استحضاره اليوم في سياق الممارسات الطبية الرقمية محل مساءلة قانونية حقيقية.

وتكمن أهمية هذا الموضوع في كونه يجمع بين بعدين أساسيين: بعد حماية حقوق المرضى وضمان سلامتهم القانونية، وبعد تشجيع الابتكار الطبي وعدم تعطيله بقيود قانونية غير ملائمة. كما تبرز أهميته من خلال ما يثيره من إشكالات عملية أمام القضاء، وحاجة المشرّع إلى إعادة التفكير في أدواته التنظيمية بما يواكب التحول الرقمي دون المساس بالأمن القانوني.

وانطلاقًا مما سبق، تتحدد الإشكالية المحورية لهذا البحث في السؤال التالي:

ما مدى ملاءمة القواعد القانونية التقليدية للمسؤولية الطبية لتنظيم الممارسات الطبية القائمة على الذكاء الاصطناعي والطب عن بعد، في ظل ما تثيره من صعوبات قانونية مرتبطة بإثبات الخطأ وتحديد أطراف المسؤولية وحدودها؟

وتتفرع عن هذه الإشكالية مجموعة من الأسئلة الفرعية، من أبرزها:

  • إلى أي حد يمكن تكييف مفاهيم الخطأ الطبي والضرر والعلاقة السببية مع خصوصيات الممارسة الطبية الرقمية؟
  • من يتحمل المسؤولية القانونية عند تدخل نظم الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرار الطبي: الطبيب، أم المؤسسة الصحية، أم مطوّر النظام الذكي؟
  • ما هي حدود المسؤولية المدنية والجنائية في حالات الطب عن بعد؟
  • وهل يستدعي تنظيم المسؤولية الطبية الرقمية تدخلاً تشريعيًا خاصًا أم يكفي تفعيل الاجتهاد القضائي وتطوير التفسير القانوني؟

للإجابة على هذه الأسئلة سيتم مجابهة هذا الموضوع وفق التقسيم التالي:

  • المحور الأول: الأسس القانونية للمسؤولية الطبية في البيئة الرقمية
  • المحور الثاني: تحديات إسناد المسؤولية الطبية وآفاق تنظيمها تشريعيًا

المحور الأول: الأسس القانونية للمسؤولية المدنية الطبية في البيئة الرقمية

يقتضي البحث في المسؤولية الطبية في البيئة الرقمية الوقوف أولًا عند الأسس القانونية المؤطرة لها، باعتبارها المدخل الضروري لفهم الإشكالات التي تثيرها الممارسات الطبية القائمة على الذكاء الاصطناعي والطب عن بعد. فقبل مناقشة صعوبات إسناد المسؤولية أو حدودها، يصبح من اللازم تأصيل القواعد العامة للمسؤولية الطبية، واستجلاء خصوصياتها في السياق الرقمي(أولا)، مع تحديد الطبيعة القانونية للتقنيات المستعملة(ثانيا)، وكذا الأشخاص المحتمل مساءلتهم عن الأضرار الناتجة عنها (ثالثا)، ومن ثم، يشكّل هذا المحور إطارًا تحليليًا يمهّد لضبط المفاهيم وتحديد المرجعيات القانونية الناظمة للمسؤولية الطبية الرقمية.

أولا: التأصيل القانوني للمسؤولية المدنية الطبية بين القواعد العامة والخصوصيات الرقمية

على الرغم من الحماس الذي تبديه الهيئات الصحية العالمية في دعم الجهود المتعلقة باستعمالات التكنولوجيات الحديثة والذكاء الاصطناعي لفائدة الصحة العامة، بما يشمل تحقيق أهداف التنمية المستدامة المتعلقة بالصحة للجميع ، فإن منظمة الصحة العالمية أبدت مخاوفها بخصوص المخاطر التي تتعلق بإنتاج “بيانات خاطئة، أو غير دقيقة، أو متحيزة، أو ناقصة”، مما قد يلحق الضرر بمن يستخدمون تلك المعلومات في اتخاذ قرارات بشأن الصحة، سواء ارتبط ذلك بجودة البيانات المستعملة، أو بالمنهجيات المعتمدة، أو بوازع إرادي متحي، أو بسبب مخاطر ترتبط بإجراءات الأمن السيبراني، و غيرها من الخلفيات الأخرى المتعددة[4].

مقال قد يهمك :   اجتهاد قضائي:مادام الحكم الأجنبي مؤسس على أسباب لا تتنافى مع أحكام مدونة الأسرة فإنه يجوز تذييله بالصيغة التنفيذية

وقد أصدرت منظمة الصحة العالمية حزمة من الإرشادات المتعلقة باستعمالات الذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي، تغطي خمسة تطبيقات تشمل الاستعمالات المتعلقة بالتشخيص والرعاية السريرية، مثل التفاعل مع أسئلة واستشارات المرضى، ثم الاستعمالات المتعلقة بالبحث وتحليل الأعراض المرضية، وتوفير العلاجات المناسبة للمرضى، بالإضافة إلى استعمال البيانات لتحري الأعراض وتوفير العلاج، وكذلك الاستعمالات المكتبية والإدارية والتوثيقية والأرشيف المتعلقة بتنظيم الخدمات الصحية وبناء سجلات صحية إلكترونية، ثم الاستعمالات التربوية والتعليمية التعليم في قطاعي الطب والتمريض، بما يشمل التداريب التفاعلية والمحاكاتية للتفاعلات بين المتدربين والمرضى، ثم الاستعمالات المرتبطة بالبحث العلمي وتطوير قطاع الصيدلية وصناعة العقاقير[5].

وتتأسس المسؤولية الطبية في التشريع المغربي على القواعد العامة للمسؤولية سواءً المسؤولية المدنية أو الجنائية، كما نظمها ظهير الالتزامات والعقود والقانون الجنائي، مع ما أفرزته الممارسة الطبية الحديثة من خصوصيات مرتبطة بالتحول الرقمي. الذي يعتبر في القطاع الصحي على أنه عملية رقمنة الخدمات الصحية من خلال منصات إلكترونية وأنظمة معلوماتية تهدف إلى تقريب المرفق الصحي من المواطن وتحسين جودة الخدمة المقدمة، كما أنه اعتماد للتقنيات الرقمية مثل الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة لتطوير أداء المؤسسات الصحية وتحسين تجربة المريض وتقليل التكاليف التشغيلية[6].

 فعلى المستوى المدني، تخضع المسؤولية الطبية لمقتضيات الفصلين 77 و78 من قانون الالتزامات والعقود، اللذين يقرران أن كل فعل يرتكبه الشخص عن بينة واختيار، أو كل خطأ غير عمدي ناتج عن الإهمال أو عدم الاحتياط، يوجب التعويض متى ترتب عنه ضرر وثبتت العلاقة السببية. وقد استقر الفقه والقضاء على إخضاع الخطأ الطبي لهذه القواعد، مع مراعاة طبيعة الالتزام الملقى على عاتق الطبيب، والذي يعد في الأصل التزامًا ببذل عناية لا بتحقيق نتيجة. فبالعودة إلى تعريف المسؤولية المدنية نجدها أنها التزام قانوني يرتبه المشرّع على عاتق كل شخص تسبب بخطئه في إلحاق ضرر بالغير، يقضي بإصلاح ذلك الضرر عن طريق التعويض، سواء كان مصدر الالتزام إخلالًا بعقد (مسؤولية عقدية) أو فعلًا ضارًا مستقلًا عن أي علاقة تعاقدية (تسمى المسؤولية التقصيرية). وبالتالي سنكون أما نوعين من المسؤولية:

  • مسؤولية عقدية: عند الإخلال بالتزام ناشئ عن عقد (الفصول 230 وما يليها من ظهير الالتزامات والعقود).
  • مسؤولية تقصيرية: عند الإخلال بواجب قانوني عام بعدم الإضرار بالغير (الفصول 77 وما بعدها).

ويستند تعريف المسؤولية المدنية أعلاه إلى مقتضيات الفصل 77 من قانون الالتزامات والعقود، الذي ينص على أن: “كل فعل ارتكبه الإنسان عن بينة واختيار، ومن غير أن يسمح له به القانون، فأحدث ضررًا ماديًا أو معنويًا للغير، ألزم مرتكبه بتعويض هذا الضرر…”، كما يؤكد الفصل 78 من نفس القانون أن: “كل شخص مسؤول عن الضرر المعنوي أو المادي الذي أحدثه لا بفعله فقط، ولكن بخطئه أيضًا، وذلك عندما يثبت أن هذا الخطأ هو السبب المباشر في ذلك الضرر…”.

ويُستفاد من هذين النصين أن أركان المسؤولية المدنية في القانون المغربي تقوم على ثلاثة عناصر أساسية وهي: (الخطأ، الضرر، العلاقة السببية).

أما على المستوى الجنائي فتقوم المسؤولية الجنائية على تحمل الشخص لتبعات أفعاله التي تعد جرائم وتعتبر هذه المسؤولية لا تطال كمبدأ عام إلا الإنسان المرتكب للفعل الجرمي تكريساً لأحد المبادئ المؤطرة للقانون الجنائي الكلاسيكي ألا وهو مبدأ شخصية العقوبة الجنائية، إلا أنه وأمام التطورات والتحولات التي عرفها الأفراد والمجتمعات، واستيعابها لأنشطة صناعية جديدة وزيادة مساحة الخطر الذي يهدد الأفراد بسبب هذه الأنشطة، وتبعاً لذلك طرح تساؤل قانوني عن إمكانية مسائلة الروبوت كأحد الفاعلين لهذه الأنشطة[7]. بالمقابل يمكن مساءلة الطبيب استنادًا إلى مقتضيات القانون الجنائي المغربي، خاصة في الحالات التي يثبت فيها الإهمال أو عدم الاحتياط أو مخالفة القوانين والأنظمة المهنية، كما هو الشأن بالنسبة للجرائم غير العمدية الماسة بسلامة الأشخاص. غير أن تطبيق هذه المقتضيات يظل مشروطًا بإثبات الخطأ الشخصي للطبيب، وهو ما يزداد تعقيدًا في ظل تدخل الوسائط الرقمية والأنظمة الذكية في الفعل الطبي.

تقع المسؤولية الجنائية على عاتق المصنع أو المنتج عن الجرائم التي ترتكبها روبوتات الذكاء الاصطناعي في المجال الطبي، وتعد المسؤولية الجنائية لمصنع أو منتج الروبوتات من أهم ما يثار عند ارتكاب هذا الأخير لأي سلوك يشكل جريمة طبقا للقانون، وبالتالي كان البحث في المسؤولية الجنائية للمصنع أو المنتج ضرورة لتوضيح مدى دوره في المسؤولية الجنائية، للمصنع أو المنتج ضرورة لتوضيح مدى دوره في المسؤولية الجنائية حيث قد يحمي المصنع نفسه من خلال بنود يذكرها في اتفاقية الاستخدام والتي يوقع عليها المالك وتحمل المالك وحده المسؤولية الجنائية عن الجرائم المرتكبة من طرف هذا الروبوت[8]، كما تقع المسؤولية على عاتق المالك أو المستخدم نتيجة سلوكه لمفرده او نتيجة سلوكه بالاشتراك مع أحد الأطراف[9].

أما من حيث الإطار القانوني الخاص بالممارسة الطبية، فإن القانون رقم 131.13[10] المتعلق بمزاولة مهنة الطب يؤكد على المسؤولية المهنية للطبيب، ويلزمه باحترام أخلاقيات المهنة والقواعد العلمية المعترف بها، دون أن يتضمن تنظيمًا صريحًا للممارسات الطبية الرقمية أو لتدخل الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرار الطبي. كما تبرز القانون رقم 09.08[11] المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي كمرجع أساسي في حماية المعطيات الصحية، خاصة في سياق الطب عن بعد، حيث تشكل سلامة المعطيات وسريتها عنصرًا جوهريًا في تحديد المسؤولية.

ويُستخلص من ذلك أن التأصيل القانوني للمسؤولية الطبية في المغرب ما يزال يستند إلى منظومة تقليدية، صيغت في سياق طبي كلاسيكي، الأمر الذي يطرح تساؤلات جدية حول مدى كفايتها لاستيعاب الخصوصيات الرقمية، خاصة في الحالات التي يتداخل فيها القرار الطبي البشري مع القرار الخوارزمي، أو تتوزع فيها المسؤولية بين عدة فاعلين لا ينتمون بالضرورة إلى الحقل الطبي بالمعنى التقليدي.

ثانيا: الطبيعة القانونية للذكاء الاصطناعي والطب عن بعد وأثرها على قيام المسؤولية

تتميز تقنية الذكاء الاصطناعي عن التقنيات التقليدية المستخدمة في الرعاية الصحية بالقدرة على جمع البيانات ومعالجتها وإعطاء نتائج واضحة للمستخدم النهائي. يعتمد الذكاء الاصطناعي على خوارزميات التعلم الآلي والمتعمق للوصول إلى النتائج. ويمكن لهذه الخوارزميات التعرف على أنماط السلوك، وتستطيع إنشاء تسلسل منطقي خاص بها. للحصول على رؤى وتوقعات مفيدة، يجب تدريب نماذج التعلم الآلي على التعامل مع كميات كبيرة من البيانات المدخلة حيث تتصرف خوارزميات الذكاء الاصطناعي بشكل مختلف[12].

يثير تحديد الطبيعة القانونية لكل من الذكاء الاصطناعي والطب عن بعد إشكالًا جوهريًا في قيام المسؤولية الطبية، ذلك أن التشريع المغربي، إلى حدود الساعة، لا يعترف للأنظمة الذكية بأي شخصية قانونية مستقلة، ولا يخصّها بنظام مسؤولية ذاتي، مما يجعلها تُعامل قانونًا باعتبارها وسائل تقنية أو أدوات مساعدة يوظفها الإنسان في ممارسة نشاطه المهني. وبناءً عليه، فإن الذكاء الاصطناعي الطبي، مهما بلغ من درجة الاستقلالية التقنية، يظل خاضعًا من حيث الأصل لقواعد المسؤولية غير المباشرة، سواء باعتباره أداة في يد الطبيب، أو منتجًا تقنيًا خاضعًا لمسؤولية الصانع وفق القواعد العامة.

أما الطب عن بعد، فيُعد امتدادًا لممارسة مهنة الطب بوسائل إلكترونية، ولا يخرج من حيث المبدأ عن الإطار القانوني المنصوص عليه في القانون رقم 131.13 المتعلق بمزاولة مهنة الطب، الذي يشترط الأهلية المهنية، واحترام أخلاقيات المهنة، والتقيد بالمعايير العلمية المعترف بها، بغض النظر عن وسيلة تقديم الخدمة الطبية. غير أن غياب تنظيم تشريعي خاص بالطب عن بعد يطرح صعوبات عملية في تكييف طبيعة العلاقة القانونية بين الطبيب والمريض، وتحديد ما إذا كانت المسؤولية تقوم على أساس عقدي أم تقصيري، خاصة في ظل الاعتماد على منصات رقمية أو وسطاء تقنيين.

ويترتب عن هذا الوضع أن قيام المسؤولية الطبية يظل مرتبطًا بإسناد الفعل الضار إلى شخص طبيعي أو معنوي محدد، وفقًا لمقتضيات الفصلين 77 و78 من ظهير الالتزامات والعقود، وهو ما يصبح أكثر تعقيدًا عندما يكون الضرر ناتجًا عن توصية أو تشخيص صادر عن نظام ذكي، أو عن خلل تقني في منصة طبية رقمية. كما أن تدخل أطراف جديدة، مثل مطوّري البرمجيات أو مزوّدي الخدمات الرقمية، يفرض توسيع دائرة التحليل القانوني للمسؤولية، دون أن يعني ذلك الاعتراف للذكاء الاصطناعي بذاتية قانونية مستقلة.

ويُستفاد من ذلك أن الطبيعة القانونية الحالية للذكاء الاصطناعي والطب عن بعد، كما يستشفها الإطار التشريعي المغربي، تؤثر بشكل مباشر على قيام المسؤولية الطبية، إذ تُبقي هذه الأخيرة رهينة بمنطق تقليدي قائم على الفعل الإنساني والخطأ الشخصي، وهو منطق قد لا ينسجم دائمًا مع تعقيد الممارسة الطبية الرقمية وتعدد المتدخلين فيها.

ثالثا: تحديد أشخاص المسؤولية الطبية في الممارسة الطبية الرقمية

يؤدي التحول الرقمي في المجال الصحي إلى توسيع دائرة المتدخلين في الفعل الطبي، الأمر الذي ينعكس مباشرة على تحديد أشخاص المسؤولية الطبية. فبعد أن كانت هذه الأخيرة تنحصر تقليديًا في الطبيب أو المؤسسة الصحية، أفرزت الممارسة الطبية الرقمية فاعلين جدد، تتوزع بينهم أدوار تقنية ومهنية، مما يفرض إعادة النظر في آليات إسناد المسؤولية دون الخروج عن القواعد القانونية العامة. ويظل الطبيب، وفقًا لمقتضيات القانون رقم 131.13 المتعلق بمزاولة مهنة الطب، المسؤول الأول عن العمل الطبي، باعتباره صاحب القرار العلاجي والملتزم باحترام القواعد العلمية وأخلاقيات المهنة، حتى في الحالات التي يستعين فيها بتقنيات الذكاء الاصطناعي أو يمارس الطب عن بعد.

مقال قد يهمك :   وهبي : القاضي النزيه لا ترهبه تصريحات الوزراء و السياسي الحقيقي لا تخيفه لغة المتابعة

إلى جانب الطبيب، يمكن مساءلة المؤسسة الصحية أو الجهة المشغّلة، متى ثبت أن الضرر ناتج عن خلل تنظيمي أو تقني، أو عن تقصير في توفير الشروط الملائمة لممارسة الطب الرقمي، وذلك استنادًا إلى قواعد المسؤولية عن فعل الغير أو عن الأشياء، كما نظمها ظهير الالتزامات والعقود، خاصة في إطار العلاقة التبعية أو المسؤولية المفترضة عن الأضرار. كما يثار دور مزوّدي الخدمات الرقمية ومنصات الطب عن بعد، الذين قد تترتب مسؤوليتهم المدنية إذا ثبت إخلالهم بالتزاماتهم التقنية أو التعاقدية، لا سيما فيما يتعلق بأمن الأنظمة وسلامة المعطيات الصحية.

وفي هذا السياق، يكتسي القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي أهمية خاصة، إذ يمكن أن تقوم مسؤولية مستقلة على عاتق كل من يثبت تورطه في خرق سرية المعطيات الصحية أو سوء معالجتها في إطار الممارسة الطبية الرقمية، سواء كان طبيبًا أو مؤسسة أو فاعلًا تقنيًا. غير أن الذكاء الاصطناعي ذاته لا يمكن اعتباره شخصًا مسؤولًا من الناحية القانونية، لانتفاء الشخصية القانونية، مما يجعل المسؤولية تُسند، بحسب الأحوال، إلى من صمّم النظام أو شغّله أو اعتمد نتائجه دون التحقق من سلامتها.

بالإضافة إلى ذلك لا يمكن تغييب مسؤولية المصنع والمالك للشيء وللذكاء الاصطناعي نفسه، فالمصنع هو كل شخص صانع للسلعة في شكلها النهائي أو أجزاء منها أو شارك في تركيبها أو أعد المنتجات الأولية لها وتعد المسؤولية الجنائية للمصنع أهم ما يثار عند ارتكاب هذا الأخير لأي سلوك يشكل في نظر القانون جريمة فيعتبر المنتج أو المصنع مسؤولا جنائيا عن كل ما ينجم عنهما من أفعال نتيجة عيوب في الصناعة[13].

ويُستفاد من ذلك أن تحديد أشخاص المسؤولية الطبية في الممارسة الطبية الرقمية يظل خاضعًا لمنطق الإسناد البشري أو المؤسسي، وفق القواعد العامة للمسؤولية، مع ما يفرضه تعدد المتدخلين من صعوبات عملية، تُبرز الحاجة إلى تدخل تشريعي أو اجتهاد قضائي يُدقق حدود المسؤولية ويوزّعها بشكل يحقق الأمن القانوني وحماية المريض.

المحور الثاني: تحديات إسناد المسؤولية الطبية وآفاق تنظيمها تشريعيًا

إن المسؤولية القانونية هي الأساس القانوني الذي يتم بناء عليه توجيه الاتهام بارتكاب الجريمة لشخص معين، ولا بد أن تكون هناك عناصر معينة تقوم عليها، ففي الركن المادي يكون بارتكاب فعل أو عدة أفعال مادية تمثل الفعل الغير مشروع ويعاقب القانون على ارتكابه، والركن المعنوي اللازم لارتكاب الجريمة[14].

على الرغم من أن الذكاء الاصطناعي قد لا يحل محل العاملين في المجال الطبي من البشر، إلا أنه يكمل عملهم في مجالات مختلفة من العمليات الجراحية الروبوتية والمساعدين الصحيين الافتراضيين إلى أدوات التشخيص المتقدمة وأنظمة إدارة المرضى يعمل الذكاء الاصطناعي على تحسين مشهد الرعاية الصحية إن دمج الذكاء الاصطناعي (AI) في الرعاية الصحية يدل على نقلة نوعية وتحويل رعاية المرضى والعمليات الإدارية على حد سواء. فيما يلي أدوار الذكاء الاصطناعي في مختلف مجالات الرعاية الصحية، مع توضيح تعقيداته وتطبيقاته العملية[15].

إذا كانت الأسس القانونية للمسؤولية الطبية في البيئة الرقمية تمثل الإطار النظري الناظم لها، فإن تنزيلها على مستوى الممارسة العملية يثير تحديات قانونية معقدة، ترتبط أساسًا بصعوبة إسناد المسؤولية في ظل تدخل النظم الذكية وتراجع الحضور المباشر للطبيب. فخصوصية الطب عن بعد والذكاء الاصطناعي الطبي تطرح إشكالات دقيقة تتعلق بتحديد الخطأ الطبي، وإثبات العلاقة السببية (أولا)، وضبط حدود المسؤولية المدنية والجنائية (ثانيا)، بما يستدعي مساءلة مدى كفاية القواعد القائمة، واستشراف آفاق تدخل تشريعي وقضائي قادر على تحقيق التوازن بين حماية المريض وتشجيع الابتكار الطبي (ثالثا).

أولا: إشكالية الخطأ الطبي وإثبات العلاقة السببية في الطب عن بعد والذكاء الاصطناعي

يُعد إثبات الخطأ الطبي والعلاقة السببية من الركائز الأساسية لقيام المسؤولية الطبية وفق القواعد العامة، غير أن الممارسة الطبية الرقمية تطرح صعوبات قانونية غير مسبوقة في هذا المجال. فطبقًا لمقتضيات ظهير الالتزامات والعقود[16]، لا تقوم المسؤولية إلا بتوافر ثلاثة عناصر متلازمة: الخطأ، والضرر، والعلاقة السببية، وهي عناصر صيغت في سياق يفترض تدخلًا بشريًا مباشرًا في الفعل الضار. غير أن اعتماد الطب عن بعد والذكاء الاصطناعي يُضعف من وضوح الخطأ الطبي، خاصة عندما يكون الضرر ناتجًا عن توصية خوارزمية أو عن تشخيص آلي اعتمد عليه الطبيب دون أن يكون هو مصدر القرار النهائي.

ويتعقد إثبات الخطأ الطبي في الطب عن بعد بفعل غياب المعاينة السريرية المباشرة، واعتماد الطبيب على معطيات رقمية أو صور أو تصريحات المريض عبر وسائل الاتصال، مما يثير التساؤل حول معيار العناية الواجبة الواجب اعتماده، وما إذا كان ينبغي تقييم سلوك الطبيب وفق نفس المعايير المطبقة في الطب الحضوري. كما أن تدخل الذكاء الاصطناعي في تحليل المعطيات الطبية يخلق صعوبة إضافية، تتمثل في الطابع التقني المعقّد للخوارزميات، وصعوبة الوقوف على منطق اشتغالها، الأمر الذي يجعل إثبات الخطأ أمرًا عسيرًا على المريض، ويُضعف فعالية الحماية القانونية المقررة له.

أما بخصوص العلاقة السببية، فإن إثباتها يصبح أكثر تعقيدًا عندما تتداخل عدة عوامل في إحداث الضرر، من بينها تدخل الطبيب، وخيارات النظام الذكي، وجودة المعطيات المدخلة، أو خلل تقني في المنصة الرقمية. وفي ظل غياب نصوص خاصة تُنظم هذه الحالات، يظل القاضي ملزمًا بالاحتكام إلى القواعد العامة في الإثبات، وهو ما قد يؤدي عمليًا إلى صعوبة تحميل المسؤولية لأي طرف بشكل واضح، خاصة إذا تعذر تحديد السبب المباشر والمنتج للضرر.

ولا يمكن إقرار المسؤولية الجنائية لروبوتات الذكاء الاصطناعي عن الأفعال المجرمة التي تصدر عنهم إلا بتوفر ثلاثة شروط أساسية كالتالي:

– يجب أن تكون هذه الروبوتات مزودة بخوارزميات وبرمجيات تمكنها من التصرف بشكل مستقل فيما يتعلق بالقرارات التي تتخذها؛

– كما يجب أن تكون لهذه الروبوتات القدرة على توصيل هذه القرارات إلى البشر؛

– كما يتعين أن يكون مسموح لهذه الروبوتات الذكية العمل في البيئة المحيطة بدون إشراف بشري عليه.

وعليه فأي روبوت تتوافر فيه هذه الشروط يمكن إطلاق عليه الروبوت الذكي[17].

ويترتب عن ذلك أن إشكالية الخطأ الطبي والعلاقة السببية في الممارسة الطبية الرقمية تكشف عن محدودية الإطار القانوني التقليدي في مواكبة تعقيد الفعل الطبي الحديث، وتبرز الحاجة إلى تطوير آليات إثبات أكثر مرونة، سواء عبر تخفيف عبء الإثبات عن المريض، أو عبر اعتماد قرائن قانونية أو فنية تتلاءم مع خصوصيات الطب عن بعد والذكاء الاصطناعي.

ثانيا: حدود المسؤولية المدنية والجنائية في حالة الاعتماد على النظم الذكية

يشكل الاعتماد على النظم الذكية في الفعل الطبي تحديًا جوهريًا لتحديد حدود المسؤولية، سواء على المستوى المدني أو الجنائي. فوفق الفصلين 77 و78 من ظهير الالتزامات والعقود، تقوم المسؤولية المدنية على توافر الخطأ والضرر والعلاقة السببية، إلا أن تدخل الذكاء الاصطناعي يخلق حالة تداخل بين فعل الطبيب البشري والقرار الآلي للنظام الذكي، مما يجعل تحديد مسؤولية كل طرف أمرًا معقدًا. فالخطأ الناتج عن توصية خوارزمية أو خلل برمجي لا يمكن تحميل النظام الذكي وحده المسؤولية القانونية، لانتفاء الشخصية القانونية، ويظل الإسناد منصبًا على الطبيب، أو المؤسسة الصحية، أو مطوّر النظام وفق طبيعة العلاقة التعاقدية أو التنظيمية القائمة.

إلا انه ولأهمية التكليف يمكن أن تنعدم أو تصير في حكم العدم فيتعذر إسناد المسؤولية الجنائية للروبوتات هناك حالات تبطل فيها المسؤولية الجنائية بحكم القانون ورغم توفير الشروط الموضوعية، لقيامها وتعرف هذه الحالات بحالات الإباحة في التشريع الجنائي[18].

بشكل عام، وعلى المستوى الأوروبي فإنه تغطي القواعد الحالية للمسؤولية الحالات التي يمكن فيها إرجاع أفعال الروبوتات أو إغفالها إلى وكيل بشري معين كالشركة المصنعة، أو المالك أو المستخدم، بحيث يمكن أن يكون إمكانية لتنبؤ الوكيل بذلك، وقد تم وضع بعض التصورات للمسؤولية الجنائية فيما يخص كيانات وبرامج الذكاء الاصطناعي، أولها أن تكون المسؤولية لارتكاب الجريمة بواسطة شخص آخر، وستكون التهمة حينها موجهة للمنتج، أو المبرمج أو المستخدم النهائي والتصور الآخر في حالة المسؤولية المحتملة والعواقب غير المتوقعة وهنا يتم استبعاد المبرمج أو العنصر البشري من تحمل المسؤولية وذلك لعدم تورطه، ويتم ارجاع السبب إلى وجود خلل بالطريقة التي كان يجب أن يفكر بها الكيان[19].

 وبالرغم من ذلك تظل مسؤولية الطبيب خاضعة لمقتضيات القانون الجنائي المغربي، خاصة فيما يتعلق بالإهمال أو الخطأ غير العمدي الناتج عن مخالفة القواعد العلمية أو أخلاقيات المهنة، كما ينص عليه القانون رقم 131.13 المتعلق بمزاولة مهنة الطب، غير أن صعوبة تحديد الخطأ البشري في ظل الاعتماد على الذكاء الاصطناعي تُضعف القدرة على مساءلة الطبيب جنائيًا، ما يبرز ثغرة عملية في ضبط المسؤولية الجنائية في الممارسة الطبية الرقمية. وفي المقابل، يمكن مساءلة مزوّدي النظام الرقمي أو المؤسسات المشغّلة عن أي تقصير مهني أو خلل تنظيمي، ضمن نطاق المسؤولية المدنية أو التعاقدية، دون التطرق إلى مسؤولية جنائية مباشرة للنظام التقني نفسه.

مقال قد يهمك :   التامك: ارتفاع عدد السجناء بالمغرب بنسبة 10 % بما في ذلك نسبة المعتقلين الاحتياطيين

ويستخلص من ذلك أن حدود المسؤولية المدنية والجنائية في حالة الاعتماد على النظم الذكية تتسم بالضبابية القانونية، إذ تظل المسؤولية مرتبطة أساسًا بالفاعلين البشريين والمؤسسات، مع ما يفرضه تعقيد الممارسة الرقمية من إعادة النظر في أساليب إثبات الخطأ، وتحديد المسؤوليات، وتطوير آليات قانونية تتماشى مع خصوصيات الطب الرقمي دون المساس بمبدأ حماية المريض.

ثالثا: آفاق التدخل التشريعي والقضائي لضبط المسؤولية الطبية الرقمية

تتفوق أنظمة الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات التشخيصية المعقدة. ومن خلال الخوارزميات المتقدمة، يمكن لهذه الأنظمة التعرف على أنماط الأشعة السينية، أو التصوير بالرنين المغناطيسي، أو المعلومات الجينية، وغالبًا ما تكتشف أمراضا مثل السرطان بسرعة أكبر وبدقة أكبر من الطرق التقليدية. على سبيل المثال، أثبتت خوارزميات الذكاء الاصطناعي في طب الأمراض الجلدية فعاليتها في التمييز بين الآفات الجلدية الحميدة والخبيثة بدقة ملحوظة، مما يساعد أطباء الجلد في الكشف المبكر عن السرطان[20].

إن التعقيدات التي أفرزها اعتماد الطب عن بعد والذكاء الاصطناعي في الفعل الطبي تجعل من التدخل التشريعي والقضائي ضرورة ملحّة لضمان حماية المريض، مع تمكين الابتكار الطبي الرقمي. فمن الناحية التشريعية، يبرز الحاجة إلى وضع نصوص واضحة تحدد نطاق مسؤولية كل طرف، سواء الطبيب، المؤسسة الصحية، أو مزوّد النظام الرقمي، مع ضبط قواعد إثبات الخطأ والعلاقة السببية في الحالات الرقمية، وهو ما قد يتطلب استلهام التجارب المقارنة، مثل القانون الفرنسي المتعلق بالمسؤولية الطبية الرقمية، أو التوجيهات الأوروبية حول الذكاء الاصطناعي في المجال الصحي.

وعلى مستوى الاجتهاد القضائي، يظل للقضاء دور أساسي في تفسير القواعد العامة للمسؤولية الطبية بما يتلاءم مع خصوصيات الممارسة الرقمية، من خلال اعتماد قرائن تقنية أو توسيع نطاق المسؤولية المفترضة عند تعذر إثبات الخطأ البشري المباشر، مع مراعاة مبادئ العدالة وحماية المريض. كما يمكن للقضاء أن يسهم في تحديد المعايير الواجب اعتمادها لتقييم أداء الطبيب عند الاعتماد على أنظمة ذكية، وتقدير مدى التزامه بواجب العناية المقرّر قانونيًا وأخلاقيًا.

تشمل التحديات حماية خصوصية وسرية بيانات، المرضى ومعالجة التحيزات المحتملة في خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي قد على التشخيص والعدالة العلاجية تنتفي مسؤولية الاستبدال الكامل للطبيب إذ تبقى المسؤولية القانونية والطابع الإنساني في التواصل الطبي ركيزتين أساسيتين. كما يؤكد المقال نقص التدريب والتأهيل في مجال الذكاء الاصطناعي بين الأطباء وهو ما يعيق تقدمهم مقارنة بأقرانهم. إلى ذلك تواجه تطبيقات الذكاء الاصطناعي تحديات تقنية وأخلاقية مثل الشفافية تكاليف التنفيذ والاستدامة. تحقيق موازنة فعالة يضمن تكامل مسؤول يدعم جودة الرعاية الصحية مع احترام القيم الإنسانية والمهنية[21].

وفي هذا الإطار، يشكّل القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية المعطيات الشخصية قاعدة أساسية لتعزيز مسؤولية الأطراف كافة تجاه سلامة وسرية المعلومات الصحية، بما يضمن توجيه المسؤولية القانونية نحو الأشخاص الطبيعيين والمؤسسات، دون الاعتراف للذكاء الاصطناعي بذاتية قانونية مستقلة. ويستفاد من ذلك أن آفاق التدخل التشريعي والقضائي تقتضي مزيجًا من ضبط تشريعي محدد وتطوير الاجتهاد القضائي، لضمان توازن دقيق بين حماية المريض وتعزيز الثقة في الابتكار الطبي الرقمي.

خاتمة:

في ختام هذا البحث، يتضح أن المسؤولية الطبية في عصر الذكاء الاصطناعي والطب عن بعد تمثل تحديًا قانونيًا معقدًا، يجمع بين أبعاد تقليدية مرتبطة بالقواعد العامة للمسؤولية، وأبعاد جديدة ناشئة عن التحولات الرقمية في الممارسة الطبية. فقد أظهر التحليل أن الإطار القانوني المغربي، القائم على ظهير الالتزامات والعقود والقانون الجنائي والقانون رقم 131.13 المتعلق بمزاولة مهنة الطب، يظل فعالًا في تأطير المسؤولية الطبية التقليدية، لكنه يواجه صعوبة في استيعاب خصوصيات الطب الرقمي، خاصة فيما يتعلق بإثبات الخطأ، وتحديد العلاقة السببية، وتعيين الأشخاص المسؤولين عن الأضرار الناشئة عن تدخل النظم الذكية.

كما أبرزت الدراسة أن الطبيعة القانونية للذكاء الاصطناعي والطب عن بعد تجعل المسؤولية محصورة في الأشخاص الطبيعيين والمؤسسات، مع تزايد تعقيدات الإثبات القانونية والفنية، مما يفرض ضرورة تطوير التدابير القانونية. ويستدعي ذلك تدخلاً تشريعيًا يوضح حدود مسؤولية الأطراف المختلفة، واستمرارًا في الاجتهاد القضائي الذي يكيّف قواعد المسؤولية التقليدية مع تعقيدات الممارسة الرقمية، لضمان حماية المريض دون الإضرار بالابتكار الطبي.

ويمكن استنتاج أن تحديات المسؤولية الطبية الرقمية ليست مجرد مسألة نظرية، بل تمس صميم الأمن القانوني والحقوق الأساسية للمريض، كما تتطلب توازناً دقيقًا بين حماية الحقوق الفردية وتشجيع الابتكار في المجال الصحي. لذلك، فإن تطوير التشريع ومواكبة الاجتهاد القضائي لخصوصيات الذكاء الاصطناعي والطب عن بعد يمثلان المدخل الأساسي لضمان فعالية المسؤولية الطبية في العصر الرقمي، بما يحقق توازنًا بين حقوق الأفراد واحتياجات المجتمع الصحي الحديث.


لائحة المراجع:

  • المصطفى الرزرازي، مسارات تعزيز الرعاية الصحية النفسية من خلال تكنولوجيا الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي: الفرص والتحديات والاتجاهات المستقبلية، مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية لأكاديمية المملكة المغربية، مجلد 3 العدد1، 2024.
  • حنان الادريسي واخرون، الذكاء الاصطناعي في خدمة الطب العام: تطبيقات عملية من خلال PERPLIXITY وNOTEBOOK LM، المجلة الصحية المغربية، العدد 43، شتنبر 2025.
  • كوثر اهرايم، دور الرقمنة والذكاء الاصطناعي في تطوير نظام الصحة، المجلة المغربية للدراسات القانونية والاقتصادية، المجلد1، العدد 20، شتنبر 2025.
  • حسيني ابتسام، وخير الدين جمعة، دور التحول الرقمي في تحسين الخدمة الصحية: دراسة حالة المؤسسة الاستشفائية المتخصصة في طب التوليد، طب الأطفال ببسكرة، مجلة الاقتصاديات المالية البنكية وإدارة الأعمال، المجلد 14/ العدد 2، 2025.
  • بن عودة حسن مراد، “إشكالية تطبيق أحكام المسؤولية الجنائية على جرائم الذكاء الاصطناعي” مجلة الحقوق والعلوم الانسانية، المجلد 15، العدد 1، جامعة تلمسان، الجزائر، 2022.
  • أيوب البلغيتي، المسؤولية القانونية لروبوتات الذكاء الاصطناعي، رسالة لنيل شهادة الماستر في القانون الخاص، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية فاس، الموسم الجامعي 2021-2022.
  • ظهير شريف رقم 1.15.26 ‏صادر في29 ‏ من ربيع الآخر 1436 (19 ‏فبراير 2015‏) بتنفيذ القانون رقم 131.13 ‏المتعلق بمزاولة مهنة الطب، الجريدة الرسمية عدد 6342 بتاريخ 21 جمادى الأولى 1436 (12 مارس 2015‏).
  • القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي الصادر بتنفيذه الظهير رقم 1.09.15 الصادر في 22 من صفر 1430 (18 فبراير 2009)، منشور بالجريدة الرسمية عدد 5711 بتاريخ 27 صفر 1430 (23 فبراير 2009).
  • وفاء محمد ابو المعاطي صقر، المسؤولية الجنائية عن جرائم الذكاء الاصطناعي – دراسة تحليلية استشرافية، مجلة روح القوانين، العدد96، أكتوبر 2021.
  • محمد علي أبو علي، المسؤولية الجنائية عن أضرار الذكاء الاصطناعي، دار النهضة العربية، القاهرة، الطبعة الأولى، 2024.

الهوامش:

[1] المصطفى الرزرازي، مسارات تعزيز الرعاية الصحية النفسية من خلال تكنولوجيا الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي: الفرص والتحديات والاتجاهات المستقبلية، مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية لأكاديمية المملكة المغربية، مجلد 3 العدد1، 2024، ص 338.

[2]  حنان الادريسي واخرون، الذكاء الاصطناعي في خدمة الطب العام: تطبيقات عملية من خلال PERPLIXITY وNOTEBOOK LM، المجلة الصحية المغربية، العدد 43، شتنبر 2025، ص 57.

[3]  كوثر اهرايم، دور الرقمنة والذكاء الاصطناعي في تطوير نظام الصحة، المجلة المغربية للدراسات القانونية والاقتصادية، المجلد1، العدد 20، شتنبر 2025، ص 59.

[4]  المصطفى الرزرازي، مرجع سابق، ص 340.

[5]  المصطفى الرزرازي، نفسه، ص 340-341.

[6] حسيني ابتسام، وخير الدين جمعة، دور التحول الرقمي في تحسين الخدمة الصحية: دراسة حالة المؤسسة الاستشفائية المتخصصة في طب التوليد، طب الأطفال ببسكرة، مجلة الاقتصاديات المالية البنكية وإدارة الأعمال، المجلد 14/ العدد 2، 2025، ص 438.

[7] محمد علي أبو علي، مرجع سابق، ص 84.

[8]  بن عودة حسن مراد، “إشكالية تطبيق أحكام المسؤولية الجنائية على جرائم الذكاء الاصطناعي” مجلة الحقوق والعلوم الانسانية، المجلد 15، العدد 1، جامعة تلمسان، الجزائر، 2022، ص 157.

[9] أيوب البلغيتي، المسؤولية القانونية لروبوتات الذكاء الاصطناعي، رسالة لنيل شهادة الماستر في القانون الخاص، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية فاس، الموسم الجامعي 2021-2022، ص 96-97.

[10] ظهير شريف رقم 1.15.26 ‏صادر في29 ‏ من ربيع الآخر 1436 (19 ‏فبراير 2015‏) بتنفيذ القانون رقم 131.13 ‏المتعلق بمزاولة مهنة الطب، الجريدة الرسمية عدد 6342 بتاريخ 21 جمادى الأولى 1436 (12 مارس 2015‏)؛ ص 1607.

[11] القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي الصادر بتنفيذه الظهير رقم 1.09.15 الصادر في 22 من صفر 1430 (18 فبراير 2009)، منشور بالجريدة الرسمية عدد 5711 بتاريخ 27 صفر 1430 (23 فبراير 2009)، ص: 552.

[12] كوثر اهرايم، مرجع سابق، ص 59.

[13]  وفاء محمد ابو المعاطي صقر، المسؤولية الجنائية عن جرائم الذكاء الاصطناعي – دراسة تحليلية استشرافية، مجلة روح القوانين، ع96 أكتوبر 2021، ص 124.

[14] محمد علي أبو علي، المسؤولية الجنائية عن أضرار الذكاء الاصطناعي، دار النهضة العربية، القاهرة، الطبعة الأولى، 2024، ص 84.

[15]  كوثر اهرايم، مرجع سابق، ص 63.

[16]  الفصلين 77 و78 من قانون الالتزامات والعقود.

[17]  أيوب البلغيتي، مرجع سابق، ص 102-103.

[18]محمد علي أبو علي، مرجع سابق، ص 86.

[19] نفسه، ص 86.

[20]  كوثر اهرايم، مرجع سابق، ص 63

[21]  حنان الادريسي واخرون، مرجع سابق، ص 58.

error: عذرا, لا يمكن حاليا نسخ او طباعة محتوى الموقع للمزيد من المعلومات المرجوا التواصل مع فريق الموقع عبر البريد الالكتروني : [email protected]