مجلة مغرب القانونالقانون الخاصيوسف الكاملي: التكييف القانوني للرموز المميزة المدعومة بالأصول -قراءة نقدية في مشروع القانون رقم 42.25-

يوسف الكاملي: التكييف القانوني للرموز المميزة المدعومة بالأصول -قراءة نقدية في مشروع القانون رقم 42.25-

يوسف الكاملي باحث في القانون الخاص حاصل على شهادة الماستر في القانون المدني والتجاري – تخصص قانون الأعمال بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية عين الشق جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء


الملخص:

يهدف هذا المقال إلى دراسة التكييف القانوني للرموز المميزة المدعومة بالأصول في ضوء مشروع القانون المغربي رقم 42.25 المتعلق بالأصول المشفرة، وذلك من خلال تحليل مفهوم هذه الرموز وطبيعتها القانونية، والوقوف على الأسس التي اعتمدها المشروع لإفرادها بتنظيم قانوني خاص داخل منظومة الأصول المشفرة، وينطلق البحث من إشكالية تتعلق بمدى انسجام التكييف القانوني المعتمد لهذه الرموز مع خصائصها القانونية ووظيفتها الاقتصادية، ومدى تأثير الاعتبارات المرتبطة بحماية المجال النقدي في هذا الاختيار التشريعي.

واعتمدت الدراسة المنهج التحليلي المقارن من خلال تحليل مقتضيات مشروع القانون رقم 42.25 ومقارنتها ببعض التجارب المقارنة، ولاسيما لائحة أسواق الأصول المشفرة الأوروبية (MICA)، وقد خلصت الدراسة إلى أن الرموز المميزة المدعومة بالأصول تمثل فئة خاصة داخل منظومة الأصول المشفرة، وأن إخضاعها لتكييف قانوني مستقل لا يرتبط فقط بطبيعتها القانونية ووظيفتها الاقتصادية، وإنما يتأثر أيضاً باعتبارات تتعلق بحماية المجال النقدي والمحافظة على الاستقرار المالي. كما كشفت الدراسة عن بعض مواطن التردد في البناء القانوني الذي اعتمده المشروع، خاصة فيما يتعلق بتحديد الأصول المرجعية لهذه الرموز وطبيعة الحقوق المخولة لحامليها.

الكلمات المفاتيح: الأصول المشفرة، الرموز المميزة المدعومة بالأصول، مشروع القانون رقم 42.25.


المقدمة

أدت الثورة الرقمية التي يشهدها العالم إلى بروز تحولات في مختلف المجالات، حيث أسهمت تقنيات السجلات الموزعة، وفي مقدمتها تقنية البلوكشين، في ظهور فئة جديدة من الأصول الرقمية عرفت بالأصول المشفرة، والتي أتاحت إمكانية تمثيل القيمة وتداولها داخل بيئة رقمية دون الحاجة إلى الاعتماد على الوسائط التقليدية.

ومع تنوع هذه الأصول وتعدد وظائفها، برزت فئات جديدة تختلف عن العملات المشفرة، ومن أبرزها الرموز المميزة المدعومة بالأصول التي تتميز بارتباطها بأصول أو قيم مرجعية.

وقد ارتبط ظهور هذه الرموز بالتحديات التي أفرزتها العملات المشفرة، ولاسيما التقلبات التي تشهدها والتي تحد من قدرتها على أداء بعض الوظائف الاقتصادية بصورة مستقرة، الأمر الذي أدى إلى تطوير نماذج جديدة من الأصول المشفرة المرتبطة بأصول أو قيم مرجعية بهدف الحد من تقلبات الأسعار.

ومع الإقبال المتزايد على هذه الأصول وتنامي تأثيرها الاقتصادي، أصبح من الضروري وضع إطار قانوني خاص ينظمها، وهو ما تجسد في لائحة أسواق الأصول المشفرة الأوروبية (MICA) [1]، كما كرسه مشروع القانون رقم 42.25 المتعلق بالأصول المشفرة[2] من خلال إفراد الرموز المميزة المدعومة بالأصول بمجموعة من الأحكام الخاصة.

وتكتسي هذه الرموز خصوصية قانونية واقتصادية بالنظر إلى موقعها الذي يصعب إدراجه ضمن التصنيفات القانونية التقليدية، فهي لا تندمج بصورة كاملة في فئة النقود أو الأدوات النقدية، كما لا تقتصر على كونها مجرد أصول مشفرة خاضعة لمنطق المضاربة وتقلب الأسعار، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن طبيعتها القانونية والأسس التي تبرر إخضاعها لنظام قانوني مستقل.

أهمية الموضوع

تتجلى أهمية الموضوع في حداثة هذا النوع من الأصول وارتباطه بمشروع القانون رقم 42.25 باعتباره أول محاولة لتنظيم الأصول المشفرة بالمغرب، فضلا عما تثيره من صعوبات تتعلق بتحديد طبيعتها القانونية ومدى ملاءمة التكييف الذي اعتمده مشروع القانون رقم 42.25 لها.

الإشكالية

يثير تنظيم الرموز المميزة المدعومة بالأصول في مشروع القانون رقم 42.25 إشكالات تتعلق بمدى ملاءمة التكييف القانوني المعتمد في هذا المشروع مع خصائصها ووظيفتها، فهذه الرموز تصدر مقابل أصول قد تتمثل في عملة قانونية أو غيرها من الأصول، وتصدرها مؤسسات تخضع لرقابة بنك المغرب، كما تمثل دينا في ذمة مصدرها، ويتمتع حاملها بحق استرداد قيمتها الاسمية في أي وقت، وهي عناصر تجعلها تقترب من بعض الأدوات النقدية الرقمية، غير أن مشروع القانون رقم 42.25 استبعد عنها صفة وسيلة الأداء والنقود الإلكترونية والرواج القانوني، وأدرجها ضمن فئة الأصول المشفرة، كما لم يرتب على حيازتها أي حق في الاستفادة من العوائد الناتجة عن استثمار الأصول أو الأموال المتلقاة مقابل إصدارها، رغم ما تخوله لحاملها من حق في الاسترداد، كما أن بعض المصطلحات التي اعتمدها مشروع القانون السالف الذكر تثير بدورها إشكالات تتعلق بمدى انسجامها مع المواد المنظمة لها.

وبالتالي، يثار إشكال تحديد الطبيعة القانونية للرموز المميزة المدعومة بالأصول، ومدى انسجام التكييف الذي اعتمده مشروع القانون رقم 42.25 مع خصائصها القانونية ووظيفتها الاقتصادية، وتأثير الاعتبارات المرتبطة بحماية المجال النقدي في هذا الاختيار.

وعليه، يبدو أن التكييف القانوني الذي اعتمده مشروع القانون رقم 42.25 للرموز المميزة المدعومة بالأصول لا يرتبط فقط بطبيعتها القانونية ووظيفتها الاقتصادية، وإنما تحكمه أيضا اعتبارات تتعلق بحماية المجال النقدي والمحافظة على الاستقرار المالي، وهو ما انعكس على خصوصية النظام القانوني المقرر لها.

منهجية البحث

لمعالجة إشكالية هذا الموضوع، سيتم اعتماد منهج وصفي تحليلي، وذلك من خلال وصف مختلف الإشكالات التي تحيط بموضوع الرموز المميزة المدعومة بالأصول، والإحاطة بجوانبه القانونية والاقتصادية والتقنية، ثم تحليل النصوص القانونية المتعلقة بها، كما سيتم الاستئناس بالمنهج المقارن في بعض نقاط البحث، وذلك من خلال عرض المواقف المتباينة لأهم التشريعات العربية والأجنبية المنظمة للأصول المشفرة.

وللإحاطة بجميع جوانب هذا الموضوع، يقتضي الأمر الوقوف على ماهية الرموز المميزة المدعومة بالأصول من خلال تحديد مفهومها وبيان طبيعتها القانونية في ضوء الحقوق التي تخولها لحامليها (المبحث الأول)، على أن يتم بعد ذلك تناول مرتكزات التكييف القانوني للرموز المميزة المدعومة بالأصول من خلال بحث الأسس التي قام عليها التكييف الذي اعتمده مشروع القانون رقم 42.25 لهذه الفئة من الأصول المشفرة، والوقوف على مبررات إفرادها بتنظيم خاص، ثم تقييم هذا الاختيار في ضوء بعض مقتضيات المشروع والتجارب المقارنة (المبحث الثاني).

  • المبحث الأول: ماهية الرموز المميزة المدعومة بالأصول
  • المبحث الثاني: مرتكزات التكييف القانوني للرموز المميزة المدعومة بالأصول

المبحث الأول: ماهية الرموز المميزة المدعومة بالأصول

ينتج عن إدراج الرموز المميزة المدعومة بالأصول ضمن منظومة الأصول المشفرة إشكالات قانونية متعددة تتجاوز مجرد تحديد مفهومها، وتحديد طبيعتها القانونية في ضوء الحقوق التي تخولها لحامليها والوظائف الاقتصادية التي تؤديها، لذلك تقتضي دراسة الإطار القانوني لهذا النوع من الأصول المشفرة التطرق أولا إلى مفهوم الرموز المميزة المدعومة بالأصول (المطلب الأول)، ثم الانتقال إلى بيان طبيعتها القانونية (المطلب الثاني).

المطلب الأول: مفهوم الرموز المميزة المدعومة بالأصول

يقتضي تحديد مفهوم الرموز المميزة المدعومة بالأصول الوقوف على تعريفها (الفقرة الأولى) وخصائصها (الفقرة الثانية)، ثم تمييزها عن بعض النظم المشابهة لها (الفقرة الثالثة).

الفقرة الأولى: تعريف الرموز المميزة المدعومة بالأصول

لم تحظ الرموز المميزة المدعومة بالأصول بتعريف فقهي بالنظر إلى حداثة ظهورها وارتباطها بالتطورات التشريعية والتنظيمية التي عرفها قطاع الأصول المشفرة، الأمر الذي يجعل التعريفات القانونية والتنظيمية الصادرة عن مختلف التشريعات منطلقا أساسيا لتحديد مفهومها.

وقد عرفت المادة الثانية من مشروع القانون رقم 42.25 المتعلق بالأصول المشفرة الرمز المميز المدعوم بالأصول بأنه: أي أصل مشفر يهدف إلى الحفاظ على قيمة مستقرة بالرجوع الى أي قيمة أو حق أو مزيج منهما، بما في ذلك عملة رسمية واحدة أو أكثر.

في حين عرفته لائحة أسواق الأصول المشفرة الأوروبية (MICA) بأنه: نوع من الأصول المشفرة لا يعد رمزا للنقود الإلكترونية، ويهدف إلى الحفاظ على قيمة مستقرة من خلال الاستناد إلى قيمة أخرى أو حق أو مزيج منهما، بما في ذلك عملة رسمية واحدة أو أكثر[3].

ويلاحظ من خلال التعريفين السابقين أن مشروع القانون رقم 42.25 استلهم بصورة شبه حرفية تعريف الرمز المميز المدعوم بالأصول الوارد في لائحة MICA، سواء من حيث اعتباره نوعا من الأصول المشفرة أو من حيث ربط استقرار قيمته بالاستناد إلى قيمة أو حق أو مجموعة من القيم أو الحقوق، بما في ذلك العملات الرسمية.

أما على مستوى دولة الإمارات العربية المتحدة، فلم يتضمن القانون الاتحادي المنظم للأصول الافتراضية ومزودي خدماتها[4] تعريفا خاصا للرموز المميزة المدعومة بالأصول، وإنما اقتصر على تنظيم الأصول الافتراضية بصفة عامة. في المقابل، عرف قانون تنظيم الأصول الافتراضية بإمارة دبي[5] “الرموز المميزة الافتراضية” باعتبارها تمثيلا رقميا لمجموعة من الحقوق التي يمكن طرحها وتداولها رقميا من خلال منصة الأصول الافتراضية[6]، وهو تعريف يركز على الوظيفة التمثيلية والتداولية للرمز دون أن يفرد الرموز المميزة المدعومة بالأصول بتنظيم مستقل كما هو الشأن في لائحة MICA ومشروع القانون رقم 42.25.

ويستفاد من التعريفات السابقة أن الرمز المميز المدعوم بالأصول يقوم على ثلاثة عناصر أساسية؛ أولها انتماؤه إلى فئة الأصول المشفرة، وثانيها سعيه إلى الحفاظ على قيمة مستقرة، وثالثها ارتباط هذه القيمة بأصل أو حق مرجعي أو بمجموعة من الأصول والحقوق، بما في ذلك العملات الرسمية، ومن ثم فإن المعيار الذي يقوم عليه هذا النوع من الرموز لا يتمثل في طبيعة الجهة المصدرة له أو في طبيعة الأصل المرجعي الذي يستند إليه، وإنما في الوظيفة الاقتصادية المتمثلة في تحقيق قدر من استقرار القيمة مقارنة بالأصول المشفرة التقليدية المعروفة بتقلباتها الحادة.

ومن خلال ما سبق، يمكن تعريف الأصول المميزة المدعومة بالأصول بأنها أصول رقمية تصدر مقابل أصول أو أموال مرجعية، وتهدف إلى المحافظة على قيمة مستقرة بالارتباط بقيمة أو حق أو أصل مرجعي.

الفقرة الثانية: خصائص الرموز المميزة المدعومة بالأصول

تتميز الرموز المميزة المدعومة بالأصول بمجموعة من الخصائص التي تمنحها موقعا خاصا ضمن فئة الأصول المشفرة، وتكسبها في الوقت ذاته قدرا من التميز عن العملات المشفرة التقليدية، وترتبط هذه الخصائص أساسا بطبيعة هذه الرموز باعتبارها أصولا مشفرة (أولا) تهدف للحفاظ على قيمة مستقرة (ثانيا) من خلال ارتباطها بقيمة أو حق أو مزيج منهما (ثالثا)، الأمر الذي أفرز نموذجا يجمع بين خصائص الأصول المشفرة وبعض السمات التي تقترب من الأدوات النقدية الرقمية.

أولا: الانتماء إلى فئة الأصول المشفرة

تتمثل أولى خصائص الرموز المميزة المدعومة بالأصول في انتمائها إلى فئة الأصول المشفرة، وهو ما يتضح من خلال كل من مشروع القانون رقم 42.25 ولائحة أسواق الأصول المشفرة الأوروبية (MICA)، اللذين اعتبراها نوعا من الأصول المشفرة قبل أي وصف آخر، ولا يقتصر أثر هذا التصنيف على الجانب الشكلي، بل يعكس إرادة تنظيمية تسعى إلى إخضاع هذه الرموز للإطار القانوني المنظم للأصول المشفرة، رغم ما تتميز به من خصائص تتعلق باستقرار القيمة وآلية الارتباط بقيمة أو حق مرجعي. ومن ثم فإن المعيار الأول الذي يحدد موقعها القانوني يتمثل في انتمائها إلى منظومة الأصول المشفرة، الأمر الذي يجعلها تخضع من حيث المبدأ للقواعد العامة المنظمة لهذه الفئة.

ثانيا: الحفاظ على قيمة مستقرة

تتمثل الخاصية الثانية للرموز المميزة المدعومة بالأصول في استهدافها الحفاظ على قيمة مستقرة، وهو العنصر الذي يشكل جوهر هذه الفئة ويميزها عن مجموعة من الأصول المشفرة، فبينما تتسم العديد من الأصول المشفرة، وعلى رأسها العملات الرقمية المشفرة اللامركزية بتقلبات سعرية حادة ناتجة عن تغيرات العرض والطلب والمضاربة، تسعى الرموز المميزة المدعومة بالأصول إلى الحد من هذه التقلبات من خلال ربط قيمتها بعناصر مرجعية محددة، ولذلك جعل كل من مشروع القانون رقم 42.25 ولائحة أسواق الأصول المشفرة الأوروبية (MICA) من المحافظة على قيمة مستقرة عنصرا أساسيا في تعريف هذه الرموز، الأمر الذي يعكس أن الوظيفة الاقتصادية التي تؤديها لا تتمثل في تحقيق مكاسب ناتجة عن تقلبات الأسعار، وإنما في توفير أصل رقمي يتمتع بقدر أكبر من الاستقرار مقارنة  بالأصول المشفرة التقليدية.

ثالثا: الارتباط بقيمة أو حق

إذا كان الهدف من الرموز المميزة المدعومة بالأصول يتمثل في الحفاظ على قدر من استقرار القيمة، فإن تحقيق هذا الهدف يقتضي ارتباطها بقيمة أو حق مرجعي أو بمزيج منهما، ولذلك نص كل من مشروع القانون رقم 42.25 ولائحة أسواق الأصول المشفرة الأوروبية (MICA) على أن هذه الرموز تستمد استقرارها من الرجوع إلى قيمة أو حق أو مجموعة من القيم والحقوق، بما في ذلك العملات الرسمية، ويستفاد من ذلك أن استقرار قيمة هذه الرموز لا يتحقق بصورة ذاتية أو نتيجة آليات السوق وحدها، وإنما يرتبط بوجود مرجع خارجي يتم الاستناد إليه في تحديد قيمتها، كما أن هذا المرجع لا يقتصر على العملات الرسمية، وإنما قد يشمل قيما أو حقوقا أخرى، وهو ما يعكس اتساع نطاق القيم والحقوق التي يمكن أن تشكل مرجعا لاستقرار هذا النوع من الرموز.

مقال قد يهمك :   محكمة النقض: مدى قابلية مسطرة الصلح للطعن بعد صدور الحكم بالتطليق للشقاق

ولا يقتصر أثر الارتباط بقيمة أو حق مرجعي على تحديد الأساس الذي تستند إليه قيمة الرمز المميز المدعوم بالأصول، بل يمتد كذلك إلى درجة استقرار هذه القيمة ووظيفتها الاقتصادية، فكلما استند الأصل المشفر إلى عملات ورقية أو ذهب أو أصول وحقوق مالية قابلة للتقييم، أمكن الحد من تقلباته بدرجات متفاوتة مقارنة بالأصول المشفرة غير المدعومة بأصول، الأمر الذي يجعل طبيعة المرجع المعتمد عاملا مؤثرا في تحديد مستوى استقرار الأصل المشفر والوظيفة التي يؤديها داخل المنظومة الاقتصادية[7].

الفقرة الثالثة: تمييز الرموز المميزة المدعومة بالأصول عن الأنظمة المشابهة

يقتضي تحديد مفهوم الرموز المميزة المدعومة بالأصول تمييزها عن عدد من النظم المشابهة لها، ذلك أن الخصائص التي تتمتع بها تجعلها تتقاطع مع فئات مختلفة من الأصول والأدوات المالية دون أن تندمج في أي منها، الأمر الذي يستوجب بيان أوجه الاختلاف بينها وبين العملات المشفرة (أولا)، ورموز المنفعة (ثانيا)، والعملات الرقمية للبنوك المركزية (ثالثا)، والنقود الإلكترونية (رابعا)، ووسائل الأداء (خامسا).

أولا: تمييز الرموز المميزة المدعومة بالأصول عن العملات المشفرة

تكشف المقارنة بين الرموز المميزة المدعومة بالأصول والعملات المشفرة عن اختلاف في الأساس الذي تستند إليه قيمة كل منهما والوظيفة التي تؤديها، فبينما تتميز العملات المشفرة بكونها أصولا رقمية لا مركزية[8]، تتحدد قيمتها تبعا لآليات العرض والطلب وثقة المتعاملين بها، وتعرف تقلبات سعرية نتيجة المضاربات والتطورات الاقتصادية والتنظيمية[9]، فإن الرموز المميزة المدعومة بالأصول تهدف إلى الحفاظ على قدر من استقرار القيمة من خلال ارتباطها بأصل أو قيمة أو حق مرجعي، ويترتب على ذلك أن القيمة الاقتصادية للعملات المشفرة تظل رهينة لتغيرات السوق، في حين ترتبط قيمة الرموز المميزة المدعومة بالأصول بأصل أو قيمة أو حق يراد منه الحد من التقلبات وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار. ومن ثم، ورغم انتماء الفئتين معا إلى منظومة الأصول المشفرة، فإنهما تختلفان من حيث آلية تحديد القيمة والغاية التي أنشئ كل منهما لتحقيقها.

ثانيا: تمييز الرموز المميزة المدعومة بالأصول عن رموز المنفعة

يتضح التمييز بين الرموز المميزة المدعومة بالأصول ورموز المنفعة[10] من خلال الغاية التي أنشئ كل منهما لتحقيقها، فإذا كانت رموز المنفعة تمنح حامليها حق الولوج إلى سلعة أو خدمة أو منفعة رقمية يقدمها المصدر داخل منظومة أو منصة معينة، فإن الرموز المميزة المدعومة بالأصول لا ترتبط بمنفعة أو خدمة محددة، وإنما تهدف إلى الحفاظ على قدر من استقرار القيمة من خلال الاستناد إلى أصل أو قيمة أو حق مرجعي، ويترتب على ذلك أن قيمة رمز المنفعة ترتبط أساسا بالمنفعة التي يتيحها لحامله وبمدى الإقبال على الخدمة أو المنصة المرتبطة به، في حين ترتبط قيمة الرموز المميزة المدعومة بالأصول بالأصل أو المرجع الذي تستند إليه. ومن ثم، ورغم انتماء الفئتين إلى منظومة الأصول المشفرة، فإنهما تختلفان من حيث الوظيفة التي يؤديها كل منهما والغاية التي أنشئ لتحقيقها.

ثالثا: تمييز الرموز المميزة المدعومة بالأصول عن العملات الرقمية للبنوك المركزية

يكمن الفرق بين الرموز المميزة المدعومة بالأصول والعملات الرقمية للبنوك المركزية في اختلاف الطبيعة القانونية لكل منهما، حيث تعتبر هذه الأخيرة تجسيدا رقميا للعملة الرسمية التي تصدرها البنوك المركزية[11]، خلافا للرموز المميزة المدعومة بالأصول التي تندرج ضمن فئة الأصول المشفرة التي يصدرها أشخاص القانون الخاص وفق الشروط المقررة قانونا، كما أن العملات الرقمية للبنوك المركزية تستمد قيمتها من العملة السيادية التي تمثلها، في حين يستند استقرار الثانية إلى أصل أو قيمة مرجعية مستقلة، ويترتب على ذلك أن العملات الرقمية للبنوك المركزية تظل جزءا من النظام النقدي الرسمي للدولة، بينما تبقى الرموز المميزة المدعومة بالأصول أصولا مشفرة وإن ارتبطت بآليات تستهدف الحد من تقلب قيمتها.

رابعا: تمييز الرموز المميزة المدعومة بالأصول عن النقود الإلكترونية

يستند التمييز بين الرموز المميزة المدعومة بالأصول والنقود الإلكترونية إلى اختلاف الغاية التي أنشئ كل منهما لتحقيقها وطبيعة القيمة التي يمثلها، فإذا كانت النقود الإلكترونية تمثل قيمة نقدية مخزنة إلكترونيا، وتصدر مقابل تسليم أموال بمبلغ لا تقل قيمته عن القيمة النقدية المصدرة، وتستعمل كوسيلة أداء وتعتبر دينا على مصدرها[12]، فإن الرموز المميزة المدعومة بالأصول تندرج ضمن فئة الأصول المشفرة التي تستهدف الحفاظ على قيمة مستقرة من خلال الارتباط بأصل أو قيمة مرجعية، كما أن القيمة التي تمثلها النقود الإلكترونية تعد امتدادا رقميا للنقود التقليدية، في حين لا تكتسب الرموز المميزة المدعومة بالأصول صفة النقود ولا صفة وسيلة الأداء لمجرد صدورها مقابل أموال أو أصول. ومن ثم، ورغم وجود بعض أوجه التشابه بين الفئتين من حيث إصدارهما مقابل أصول أو أموال معينة وإمكانية استرداد القيمة الممثلة فيهما، فإن الاختلاف يظل قائما من حيث الطبيعة القانونية والوظيفة التي يؤديها كل منهما.

المطلب الثاني: الطبيعة القانونية للرموز المميزة المدعومة بالأصول

يفرض تحديد الطبيعة القانونية للرموز المميزة المدعومة بالأصول الوقوف على المركز القانوني الذي يتمتع به الحامل، سواء في علاقته بالمصدر (الفقرة الأولى) أو تجاه الرمز نفسه (الفقرة الثانية)، وهو ما يفضي إلى استخلاص التكييف القانوني الذي ينسجم مع الوظيفة الاقتصادية التي تؤديها هذه الرموز.

الفقرة الأولى: طبيعة العلاقة القانونية بين الحامل والمصدر

تثير العلاقة القانونية التي تنشأ بين مصدر الرموز المميزة المدعومة بالأصول وحاملها إشكالات خاصة بالنظر إلى الخصائص التي أضفاها مشروع القانون رقم 42.25 على هذه الرموز، إذ رتب لحاملها حق استرداد قيمتها الإسمية، واعتبرها دينا في ذمة المصدر، دون أن يرتب في المقابل أي حق في الاستفادة من العوائد الناتجة عن استثمار الأصول أو الأموال المتلقاة مقابل إصدارها، وهو ما يقتضي البحث في طبيعة الرابطة القانونية التي تجمع الطرفين، وما إذا كانت تقترب من العلاقة الدائنية، أم أنها تكرس نموذجا قانونيا متميزا يختلف عن الأشكال المعروفة في المعاملات المالية.

أولا: اعتبار الرمز المميز المدعوم بالأصول دينا في ذمة المصدر

يترتب على اعتبار الرموز المميزة المدعومة بالأصول دينا في ذمة المصدر نشوء علاقة قانونية خاصة بينه وبين الحامل، ذلك أن مشروع القانون رقم 42.25 لم يكتف بمنح الحامل حق استرداد قيمة الرمز، وإنما أقر صراحة بوجود دين في مواجهة المصدر[13]، ويستفاد من ذلك أن العلاقة التي تنشأ بين الطرفين لا تقوم على مجرد حيازة أصل مشفر، وإنما تتضمن رابطة التزام يكون بمقتضاها المصدر مدينا للحامل بقيمة الرمز المميز المدعوم بالأصول.

ولا يعد اعتبار الرمز المميز المدعوم بالأصول دينا في ذمة المصدر توجها خاصا بمشروع القانون رقم 42.25، بل يجد سنده أيضا في لائحة MICA الأوروبية، التي ألزمت مصدر الرمز بتكوين احتياطي من الأصول مخصص لدعمه، مع فصله عن ذمته المالية ومنع دائنيه من الرجوع عليه، وهو ما يكشف عن وجود التزام قانوني تجاه حاملي الرموز ويقرب مركزهم من مركز الدائنين[14].

ثانيا: حق الحامل في استرداد القيمة الاسمية للرمز

يعد حق الاسترداد من أهم الحقوق المخولة لحامل الرمز المميز المدعوم بالأصول، إذ يتيح له مطالبة المصدر برد قيمتها، ولا تنحصر أهمية هذا الحق في كونه أثرا من آثار العلاقة القانونية القائمة بين الحامل والمصدر، بل تمتد إلى كونه يشكل إحدى الآليات التي اعتمدها مشروع القانون رقم 42.25 لضمان استقرار هذا النوع من الأصول المشفرة، ويتأكد ذلك من خلال ربط الاسترداد بالقيمة الاسمية للرمز[15]، بما يضمن للحامل استرجاع القيمة المقررة قانونا بعيدا عن التقلبات التي قد تؤثر في قيمته.

كما يتوافق ذلك مع لائحة MICA التي قررت لحاملي الرموز المرتبطة بالأصول حقوقا تجاه الجهة المصدرة في إطار نظام يقوم على وجود احتياطات داعمة لهذه الرموز، وهو ما يعكس تقاربا بين التنظيمين المغربي والأوروبي في إقرار حق الحامل في الرجوع على المصدر للمطالبة بالقيمة المرتبطة بالرمز[16].

ثالثا: عدم تمتع الحامل بحق في عوائد استثمار الأصول أو الأموال المتلقاة

يستبعد مشروع القانون رقم 42.25 تمتع حامل الرمز المميز المدعوم بالأصول بأي حق في العوائد أو الأرباح الناتجة عن استثمار الأصول أو الأموال المتلقاة مقابل الإصدار، وهو ما يشكل إحدى الخصائص المميزة للعلاقة القانونية التي تربطه بالمصدر، فبالرغم من انتقال الأموال أو الأصول المرجعية إلى هذا الأخير واستثمارها في مشاريع آمنة ومنخفضة المخاطر[17]، فإن الحامل لا يكتسب أي حق في العوائد التي قد تنتج عنها، وإنما يظل حقه منحصرا في المطالبة باسترداد قيمتها الإسمية، ويؤدي ذلك إلى الفصل بين حق الحامل في استرداد القيمة وبين أي حق في المشاركة في الأرباح أو تحمل الخسائر المترتبة على إدارة الاحتياطات أو استثمارها، الأمر الذي يميز هذه العلاقة عن بعض الأنظمة القانونية التي تقوم على اقتسام العوائد أو الأرباح بين الأطراف.

ويستفاد من ذلك أن العلاقة القانونية التي تربط الحامل بالمصدر تقوم على حق في الاسترداد دون حق في العائد، يكون بمقتضاها المصدر مدينا برد القيمة الإسمية للرمز، بينما يقتصر مركز الحامل على حق الاسترداد دون أن يمتد إلى المشاركة في العوائد الناتجة عن استثمار الأصول أو الأموال المتلقاة مقابل الإصدار.

الفقرة الثانية: المركز القانوني لحامل الرمز المميز المدعوم بالأصول

تثير الطبيعة القانونية للرموز المميزة المدعومة بالأصول تساؤلا يتجاوز طبيعة العلاقة التي تربط الحامل بمصدر الرمز، ليمتد إلى تحديد المركز القانوني الذي يتمتع به الحامل تجاه الرمز ذاته، وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة بالنظر إلى الخصائص التي تتميز بها هذه الفئة من الأصول المشفرة، ولاسيما ارتباطها بقيمة أو حق مرجعي وحق الحامل في استرداد قيمتها الاسمية.

يقتضي تحديد طبيعة العلاقة بين الحامل والرمز المميز المدعوم بالأصول البحث في مدى تمتع هذا الأخير بصفة وسيلة أداء (أولا)، ومدى تمتعه بالرواج القانوني (ثانيا)، ثم بيان أثر ذلك على المركز القانوني للحامل (ثالثا).

أولا: عدم تمتع الرمز المميز المدعوم بالأصول بصفة وسيلة أداء

رغم أن الرموز المميزة المدعومة بالأصول ترتبط بقيمة أو حق مرجعي يهدف إلى الحد من تقلبات قيمتها، إلا أنها لا تتمتع بصفة وسيلة أداء[18]، فبالرغم من قابليتها للتداول وارتباطها بقيمة مستقرة نسبيا، فإنها لا تؤدي الوظيفة القانونية التي تضطلع بها وسائل الأداء في الوفاء بالالتزامات المالية، ويترتب على ذلك أن الغاية من حيازتها أو تداولها تتمثل في اعتبارها تمثيلا لقيمة أو حق في صورة أصل مشفر قابل للتداول والاسترداد فقط، فليس كل ما يمثل قيمة قابلة للتداول يصلح للوفاء بالديون، لأن صفة وسيلة الأداء لا تستمد من قيمة الشيء، وإنما من الاعتراف القانوني بإمكان استعماله كوسيلة أداء.

ثانيا: عدم تمتع الرمز المميز المدعوم بالأصول بحق الرواج القانوني

يفتقد الرمز المميز المدعوم بالأصول صفة الرواج القانوني[19]، رغم ارتباطه بقيمة أو حق مرجعي وقابليته للتداول بين الأشخاص، ويكشف ذلك عن التمييز بين قابلية الأصل للتداول وبين تمتعه بالمركز القانوني المقرر للنقود داخل النظام النقدي، بحيث لا يكفي تداوله أو استعماله في بعض المبادلات لإضفاء صفة الرواج القانوني عليه.

ويترتب على انتفاء هذه الصفة أن تداول الرمز يظل قائما على قبول المتعاملين به، دون أن تترتب على مجرد حيازته أو عرضه الآثار القانونية الملازمة للنقود الرائجة قانونا. ومن ثم، يظل محتفظا بطبيعته كأصل مشفر ولو أمكن استعماله في بعض المعاملات على سبيل الاتفاق.

ثالثا: أثر عدم تمتع الرمز المميز المدعوم بالأصول بصفة وسيلة أداء وحق الرواج القانوني على المركز القانوني للحامل

يؤثر عدم تمتع الرمز المميز المدعوم بالأصول بصفة وسيلة أداء أو بحق الرواج القانوني على المركز القانوني لحامله، فالحامل رغم امتلاكه لرمز يرتبط بقيمة أو حق مرجعي، لا يكتسب السلطة التي تخوله استعماله كوسيلة للوفاء بالالتزامات المالية أو إلزام الغير بقبوله في المعاملات.

مقال قد يهمك :   مذكرة المحافظ العام بخصوص التدبير الإلكتروني لعمليات التحفيظ العقاري

ويترتب على ذلك أن مجرد عرض الرمز المميز المدعوم بالأصول على الدائن لا يؤدي إلى انقضاء الالتزام، كما لا يخول لحامله التمسك بأي أثر إبرائي يترتب على حيازته أو تداوله، ويظل قبول هذا الرمز رهينا بإرادة الأطراف واتفاقهم على التعامل به، دون أن يترتب على رفضه أي أثر قانوني مماثل لذلك المقرر بالنسبة للنقود.

ومن ثم، لا يتمثل المركز القانوني للحامل في كونه مالكا لأداة وفاء أو لوسيلة أداء تتمتع بالرواج القانوني، وإنما في كونه صاحب حق على أصل مشفر يخوله الاستفادة من الحقوق المرتبطة به وفق الشروط والضوابط المقررة لذلك.

ويستفاد مما سبق، أن حيازة الرمز المميز المدعوم بالأصول، تنشئ لصالح حامله حقا شخصيا في مواجهة المصدر يتمثل في دين يمكن استرداد قيمته الاسمية، دون أن يمتد هذا الحق إلى عوائد استثمار الأصول أو الأموال المتلقاة مقابل إصداره، وفي المقابل، لا يخول الرمز لحامله استعماله كوسيلة أداء تتمتع بالقوة الإبرائية أو بحق الرواج القانوني، رغم ما يتميز به من استقرار نسبي في القيمة.

ويكشف اجتماع هذه العناصر عن طبيعة قانونية خاصة تجعل الرمز المميز المدعوم بالأصول يتجاوز التصنيفات التقليدية للنقود ووسائل الأداء، دون أن يفقد انتماءه إلى منظومة الأصول المشفرة، وهو ما يثير التساؤل حول الأسس التي بررت إفرادها بأحكام خاصة، وهي المسألة التي تقتضي بحث مرتكزات التكييف القانوني الذي اعتمده مشروع القانون رقم 42.25.

المبحث الثاني: مرتكزات التكييف القانوني للرموز المميزة المدعومة بالأصول

تظهر دراسة الطبيعة القانونية للرموز المميزة المدعومة بالأصول أنها تشكل فئة خاصة داخل منظومة الأصول المشفرة، غير أن الوقوف عند هذه النتيجة لا يكفي لفهم الاختيار الذي اعتمده مشروع القانون رقم 42.25 بشأنها، إذ يظل من الضروري البحث في الأسس التي بررت إفرادها بتنظيم قانوني خاص، ومدى انسجام هذا الاختيار مع الخصائص القانونية والاقتصادية التي تتميز بها.

ومن ثم، يقتضي الأمر الوقوف على الأسس المبررة للتكييف القانوني للرموز المميزة المدعومة بالأصول (المطلب الأول)، قبل الانتقال إلى دراسة إشكالات التكييف القانوني لهذه الرموز ومدى انسجامه مع بعض مقتضيات المشروع في ضوء التجارب المقارنة (المطلب الثاني).

المطلب الأول: مبررات التكييف القانوني للرموز المميزة المدعومة بالأصول

يرتبط إفراد الرموز المميزة المدعومة بالأصول بتنظيم قانوني مستقل بجملة من الاعتبارات التي تتجاوز طبيعتها التقنية والقانونية، وتمتد إلى الوظيفة الاقتصادية التي تؤديها وإلى الآثار التي قد تترتب على انتشارها، ويستدعي ذلك الوقوف على خصوصية هذه الوظيفة (الفقرة الأولى)، ثم بيان دور الاعتبارات النقدية في توجيه الاختيارات التي اعتمدها مشروع القانون رقم 42.25 (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: خصوصية الوظيفة الاقتصادية للرموز المميزة المدعومة بالأصول

تكشف دراسة الرموز المميزة المدعومة بالأصول أن خصوصيتها لا ترجع إلى بنيتها التقنية أو طبيعتها القانونية فحسب، وإنما إلى الوظيفة الاقتصادية التي تؤديها داخل منظومة الأصول المشفرة، فهذه الرموز تحتل موقعا متميزا بين فئات الأصول الرقمية بالنظر إلى سعيها إلى تحقيق قدر من الاستقرار في القيمة مع احتفاظها بخصائص التداول الرقمي (أولا)، وهو ما أفرز نموذجا يصعب إدراجه ضمن التصنيفات التقليدية للأصول المشفرة أو الأدوات النقدية (ثانيا).

أولا: الجمع بين قابلية التداول الرقمي واستقرار القيمة

تتميز الرموز المميزة المدعومة بالأصول بقدرتها على الجمع بين خاصيتين تميزانها عن غالبية الأصول المشفرة، تتمثل الأولى في قابليتها للتداول الرقمي داخل بيئة قائمة على تقنيات السجلات الموزعة، بينما تتمثل الثانية في سعيها إلى المحافظة على قدر من استقرار القيمة من خلال الارتباط بأصل أو قيمة أو حق مرجعي، ويترتب على هذا الجمع أن هذه الرموز لا تؤدي الوظيفة الاقتصادية التي تضطلع بها العملات المشفرة القائمة على المضاربة وتقلب الأسعار، وإنما توفر لحامليها إمكانية تداول قيمة رقمية مع الحد من المخاطر المرتبطة بالتذبذب الحاد للأسعار، ولذلك اكتسبت أهمية متزايدة في المعاملات الرقمية، بالنظر إلى قدرتها على التوفيق بين مزايا التداول الرقمي ومتطلبات الاستقرار الاقتصادي.

ثانيا: اقتراب الوظيفة الاقتصادية للرموز من بعض الوظائف النقدية دون الاندماج فيها

تؤدي الرموز المميزة المدعومة بالأصول وظيفة اقتصادية تجعلها تقترب من بعض الوظائف التي تضطلع بها النقود، دون أن يؤدي ذلك إلى اكتسابها المركز القانوني المقرر لها، فاستقرار قيمتها وإمكانية تداولها بين الأشخاص يجعلانها أداة مناسبة لحفظ القيمة ونقلها في البيئة الرقمية، وهي وظائف ترتبط بالنقود والأدوات النقدية، غير أن هذا التقارب يظل محصورا في الجانب الاقتصادي، ذلك أن هذه الرموز لا تتمتع بصفة وسيلة الأداء ولا بالقوة الإبرائية أو الرواج القانوني، وإنما تظل خاضعة للنظام القانوني للأصول المشفرة، ويكشف ذلك عن وجود فئة من الأصول الرقمية تؤدي وظائف تتجاوز المضاربة والاستثمار دون أن تندمج في النظام النقدي الرسمي، الأمر الذي أسهم في إبراز خصوصية هذه الرموز وأثار النقاش حول الإطار القانوني الأنسب لتنظيمها.

غير أن خصوصية الوظيفة الاقتصادية للرموز المميزة المدعومة بالأصول لا تبدو كافية بمفردها لتبرير التكييف القانوني الذي اعتمده مشروع القانون رقم 42.25، ذلك أن اقتراب هذه الرموز من بعض الوظائف التي تؤديها النقود، وما تتميز به من استقرار في القيمة وحق في الاسترداد، كان من شأنه أن يبرر إخضاعها لتكييف قانوني مختلف عن ذلك المقرر للأصول المشفرة التقليدية.

الفقرة الثانية: حماية المجال النقدي ودور بنك المغرب

تتجلى أهمية الاعتبارات المرتبطة بحماية المجال النقدي من خلال المكانة المركزية التي منحها مشروع القانون رقم 42.25 لبنك المغرب في تنظيم الرموز المميزة المدعومة بالأصول، فالمشروع لم يكتف بإخضاع هذا النوع من الأصول المشفرة لرقابة البنك المركزي، وإنما حصر إصدارها على البنوك ومؤسسات الأداء[20]، كما اشترط الحصول على ترخيص مسبق من بنك المغرب قبل إصدارها أو عرضها للعموم[21]، ويتبين من خلال ذلك تخوف واضح من الآثار التي قد تترتب على انتشار هذه الرموز، خاصة بالنظر إلى ارتباطها بأصول مرجعية مستقرة واقتراب وظيفتها الاقتصادية من بعض الوظائف التي تؤديها النقود، ومن ثم يثور التساؤل حول المبررات التي دفعت إلى إسناد هذا الدور لبنك المغرب ومدى ارتباط ذلك بحماية المجال النقدي والحفاظ على الاستقرار المالي (أولا)، و التمييز بين مبررات الرقابة وأساس التكييف القانوني (ثانيا).

أولا: مبررات تدخل بنك المغرب لحماية المجال النقدي

لا يبدو أن إخضاع الرموز المميزة المدعومة بالأصول لرقابة بنك المغرب يرجع إلى طبيعتها بوصفها أصولا مشفرة فحسب، وإنما إلى ما قد تكتسبه من تأثير اقتصادي نتيجة اقترانها بأصول مرجعية مستقرة قد تتمثل في عملة قانونية بالدرهم أو عملة أخرى تعتبر عملة قانونية في بلد ثالث[22]، وتمتع حامليها بحق استرداد قيمتها، فهذه الخصائص تجعلها تختلف عن غالبية الأصول المشفرة التي تتحدد قيمتها وفق منطق العرض والطلب، وتؤهلها لاكتساب درجة أعلى من الثقة وقابلية أوسع للتداول، ومن ثم، يظهر أن مشروع القانون رقم 42.25 انطلق من فرضية أن انتشار هذا النوع من الأصول المشفرة قد يفضي إلى ظهور أدوات رقمية تؤدي بعض وظائف النقود، الأمر الذي يبرر إسناد سلطة الترخيص والرقابة إلى بنك المغرب باعتباره الجهة المكلفة بتتبع حسن سير السياسة النقدية للدولة.

ثانيا: التمييز بين مبررات الرقابة وأساس التكييف القانوني

إذا كانت الاعتبارات المرتبطة بحماية السياسة النقدية تفسر إخضاع الرموز المميزة المدعومة بالأصول لرقابة بنك المغرب، فإنها لا تبدو كافية بمفردها لتبرير التكييف القانوني الذي اعتمده مشروع القانون رقم 42.25، فالتخوف من الآثار التي قد تترتب على انتشار هذه الرموز يبرر تشديد الرقابة على إصدارها وتداولها، لكنه لا يحسم طبيعتها القانونية، خاصة وأنها تتميز بخصائص تجعلها تختلف عن غالبية الأصول المشفرة، من قبيل إمكانية استرداد قيمتها، واقتراب وظيفتها من بعض الوظائف التي تؤديها الأدوات النقدية الرقمية، ومن ثم، فإن تأسيس التكييف القانوني لهذه الرموز على الاعتبارات النقدية وحدها قد يؤدي إلى الخلط بين مبررات الرقابة المفروضة عليها وبين طبيعتها القانونية، وهما مسألتان وإن كانتا مترابطتين فإنهما لا تتطابقان بالضرورة.

غير أن خصوصية الوظيفة الاقتصادية للرموز المميزة المدعومة بالأصول لا تبدو كافية بمفردها لتفسير التكييف القانوني الذي اعتمده مشروع القانون رقم 42.25، الأمر الذي يقتضي البحث في الاعتبارات القانونية التي بررت اعتبارها فئة مستقلة داخل منظومة الأصول المشفرة

المطلب الثاني: إشكالات التكييف القانوني للرموز المميزة المدعومة بالأصول

تبرر الأحكام المنظمة للرموز المميزة المدعومة بالأصول أسباب إفرادها بوضع قانوني خاص داخل منظومة الأصول المشفرة، كما تكشف في نفس الوقت عن بعض الصعوبات المرتبطة بالتكييف الذي اعتمده مشروع القانون رقم 42.25 لهذه الفئة من الأصول.

ويقتضي بحث هذه المسألة الوقوف على الأسباب التي بررت اعتبارها فئة مستقلة من الأصول المشفرة (الفقرة الأولى)، ثم إبراز حدود البناء القانوني الذي اعتمده مشروع القانون رقم 42.25 بشأنها (الفقرة الثانية)، وبيان خصوصية النموذج المغربي في ضوء التجارب المقارنة (الفقرة الثالثة).

الفقرة الأولى: مبررات اعتبار الرموز المميزة المدعومة بالأصول فئة مستقلة من الأصول المشفرة

تكشف دراسة الأحكام المنظمة للرموز المميزة المدعومة بالأصول أن مشروع القانون رقم 42.25 لم يتجه إلى إخضاعها للنظام القانوني المقرر للنقود أو النقود الإلكترونية أو غيرها من الأدوات ذات الوظيفة النقدية، وإنما اختار إخضاعها لنظام قانوني مستقل داخل منظومة الأصول المشفرة، ويرجع ذلك إلى عدة اعتبارات مرتبطة بخصوصية هذه الرموز، سواء من حيث طبيعة الحقوق التي تخولها لحامليها أو من حيث المركز القانوني الذي تحتله داخل المعاملات الرقمية.

أولا: عدم اندراج الرموز المميزة المدعومة بالأصول ضمن الفئات القانونية ذات الطبيعة النقدية

يجد إفراد الرموز المميزة المدعومة بالأصول بتنظيم قانوني مستقل أحد مبرراته في عدم انطباق الأوصاف القانونية المقررة للفئات النقدية عليها، فرغم ما تتميز به من استقرار القيمة وما تخوله لحامليها من حق في الاسترداد، فإنها لا تتمتع بصفة النقود ولا تكتسب خصائصها القانونية، كما لا تندرج ضمن مفهوم النقود الإلكترونية أو وسائل الأداء، ويؤكد ذلك أن حيازة هذه الرموز لا تخول لحاملها سوى استخدامها لأغراض التبادل أو الاستثمار، دون أن تتمتع بالقوة الإبرائية أو حق الرواج القانوني المقرر للنقود. ومن ثم، فإن استبعادها من الفئات القانونية ذات الطبيعة النقدية يبدو منسجما مع الخصائص القانونية التي تتميز بها، وهو ما يفسر اتجاه مشروع القانون رقم 42.25 إلى البحث عن إطار قانوني خاص بها خارج تلك الفئات.

ثانيا: خصوصية الرموز المميزة المدعومة بالأصول داخل منظومة الأصول المشفرة

لا يقتصر الأساس الذي يقوم عليه التكييف المعتمد في مشروع القانون رقم 42.25 على استبعاد الرموز المميزة المدعومة بالأصول من الفئات القانونية ذات الطبيعة النقدية، وإنما يمتد إلى الخصوصية التي تتميز بها داخل منظومة الأصول المشفرة ذاتها، فهذه الرموز لا تخضع للنظام القانوني المقرر لباقي الأصول المشفرة، وإنما أحاطها المشروع بمجموعة من المقتضيات الخاصة التي تهم شروط إصدارها[23]، وضمان استقرار قيمتها، وحق حامليها في الاسترداد، وكذا الأصول المرجعية الداعمة لها، ويكشف ذلك عن إدراك خصوصية هذا النوع من الأصول المشفرة وما يميزه عن العملات المشفرة التي تتحدد قيمتها أساسا وفق منطق العرض والطلب. ومن ثم، يبدو أن المشروع لم يقصد مساواة الرموز المميزة المدعومة بالأصول بباقي الأصول المشفرة، وإنما اتجه إلى إفرادها بوضع قانوني خاص داخل هذه المنظومة، بما يبرر اعتبارها فئة مستقلة من الأصول المشفرة.

الفقرة الثانية: مظاهر التردد في التكييف القانوني للرموز المميزة المدعومة بالأصول

يتبين من خلال قراءة مواد مشروع القانون رقم 42.25 وخصوصا المواد المنظمة للرموز المميزة المدعومة بالأصول وجود تباين في بعض مقتضياته، سواء فيما يتعلق بتحديد الأصول المرجعية التي تقوم عليها هذه الرموز، أو فيما يتعلق بطبيعة الحق المخول لحاملها في مواجهة المصدر، ويظهر ذلك من خلال التباين بين تعريف الرموز المميزة المدعومة بالأصول ونظام إصدارها (أولا)، وكذلك بين الطبيعة الدائنية للعلاقة بين الأطراف والحق في التعويض الذي نص عليه المشروع في المادة 35 منه (ثانيا).

مقال قد يهمك :   وزير المالية السابق فتح الله أولعلو يحل ضيفا على جامعة محمد الأول بوجدة

أولا: التباين بين تعريف الرموز المميزة المدعومة بالأصول ونظام إصدارها

يظهر من خلال تعريف الرموز المميزة المدعومة بالأصول والأحكام المنظمة لإصدارها تناقض في البناء القانوني الذي اعتمده مشروع القانون رقم 42.25، فالتعريف الوارد في المشروع يربط استقرار قيمة هذه الرموز بأي قيمة أو حق أو مزيج منهما، وهو ما يوحي باتساع نطاق الأصول المرجعية التي يمكن أن تستند إليها، غير أنه بالرجوع إلى المواد المتعلقة بإصدارها تبدو أكثر ارتباطا بالعملات القانونية، من خلال ربط عملية الإصدار بعملة قانونية بالدرهم أو بعملة أخرى تعتبر عملة قانونية في بلد ثالث، ويؤدي هذا التباين إلى التساؤل عما إذا كان المشروع يستهدف تنظيم جميع الرموز المرتبطة بقيم أو حقوق مرجعية كيفما كان نوعها، أم أنه يتجه عمليا إلى التركيز على الرموز المرتبطة بالعملات القانونية، ويزداد هذا التساؤل أهمية بالنظر إلى أن تحديد الأصل المرجعي لا يقتصر على كونه عنصرا تقنيا في عملية الإصدار، وإنما يمتد أثره إلى تحديد الوظيفة الاقتصادية للرمز وطبيعة المخاطر التي يثيرها، الأمر الذي يجعل من الصعب الجزم بما إذا كان الأمر يتعلق بخيار تنظيمي مقصود أم بمجرد عدم انسجام بين بعض مقتضيات المشروع.

ثانيا: التباين بين الطبيعة الدائنية للعلاقة بين الأطراف والحق في التعويض

تثير المادة 35 من مشروع القانون رقم 42.25 المنظمة لحق الحامل تجاه المصدر ملاحظة تتعلق بمدى انسجام المصطلحات المعتمدة في المادة نفسها، فهذه الأخيرة تحسم طبيعة العلاقة القانونية بين الطرفين وتقرر أن حاملي الرموز المميزة المدعومة بالأصول يمتلكون دينا على مصدر هذه الرموز، وهو ما يترتب عنه وجود التزام في ذمة المصدر تجاه حامل الرمز، غير أن هذه المادة في فقرة موالية استعملت مفهوم التعويض عند الحديث عن حق الحامل في الحصول على القيمة الاسمية للرمز، رغم أن التعويض يرتبط في الأصل بجبر الضرر الناتج عن الإخلال بالتزام تعاقدي أو عن فعل غير مشروع سبب ضررا للغير، بينما يتعلق الأمر هنا بتنفيذ التزام في ذمة المصدر، وهو ما يجعل مصطلحي الرد أو الوفاء أكثر انسجاما مع الطبيعة الدائنية للعلاقة التي أقرتها المادة نفسها. ومن ثم، يثور التساؤل حول مدى انسجام استعمال مفهوم التعويض مع إقرار المشروع نفسه بوجود دين في ذمة المصدر، وما إذا كان ذلك يعكس تصورا قانونيا مقصودا لطبيعة الحق المخول للحامل أم مجرد عدم دقة في الصياغة التشريعية.

الفقرة الثالثة: خصوصية النموذج المغربي في ضوء التجارب المقارنة

لم يأخذ مشروع القانون رقم 42.25 بالنموذج الإماراتي الذي يقوم على تنظيم الأصول الافتراضية في إطار عام دون إفراد الرموز المميزة المدعومة بالأصول بنظام قانوني مستقل، كما لم ينقل النموذج الأوروبي حرفيا، وإنما اختار حلا وسطا يتمثل في إخضاع هذه الرموز لتنظيم خاص مع إحاطتها برقابة نقدية مشددة.

وبما أن القانون الإماراتي لم يفرد هذا النوع من الأصول المشفرة بتنظيم خاص، فإنه سيتم التطرق في هذه الفقرة إلى مظاهر تأثر مشروع القانون 42.25 بلائحة أسواق الأصول المشفرة الأوروبية (أولا)، ثم إبراز خصوصيته مقارنة بهذه الأخيرة (ثانيا).

أولا: مظاهر تأثر مشروع القانون رقم 42.25 بلائحة أسواق الأصول المشفرة الأوروبية

يبدو أن مشروع القانون 42.25 استلهم الأحكام المنظمة للرموز المميزة المدعومة بالأصول بصورة واضحة من التوجه المعتمد في لائحة أسواق الأصول المشفرة الأوروبية (MICA)، ويتجلى ذلك من خلال إفراد هذه الرموز بتنظيم قانوني مستقل داخل منظومة الأصول المشفرة، وهو نفس التوجه الذي سلكه المنظم الأوروبي بالنسبة لمثل هذا النوع من الأصول، والذي أسماه ب “Asset-Referenced Tokens”، ويظهر ذلك من خلال اعتماد تعريف يقوم على المحافظة على قيمة مستقرة بالرجوع إلى قيمة أو حق أو مزيج منهما، وفي إقرار حق الحامل تجاه المصدر واعتباره دائنا يحق له الحصول على القيمة الاسمية للرمز متى شاء، وربط إصدار هذه الرموز بوجود أصول أو أموال مقابلة لها، فضلا عن إخضاعها لمجموعة من الضوابط الرامية إلى الحد من المخاطر المرتبطة بهذا النوع من الأصول المشفرة، مما يكشف عن تأثر واضح بالحلول التي قدمتها لائحة MICA في تنظيم الأصول المشفرة ذات القيمة المستقرة، بما يؤكد أن المشروع المغربي لم يتجه إلى تنظيم هذه الرموز باعتبارها مجرد فئة من الأصول المشفرة، وإنما باعتبارها فئة تتميز بخصائص قانونية واقتصادية تستدعي إخضاعها لأحكام خاصة.

ثانيا: خصوصية النموذج المغربي مقارنة بلائحة أسواق الأصول المشفرة الأوروبية

على الرغم من تأثر مشروع القانون رقم 42.25 بلائحة أسواق الأصول المشفرة الأوروبية في تنظيم الرموز المميزة المدعومة بالأصول، فإن المشروع لم يقم بنقل الأحكام الأوروبية حرفيا، وإنما أضفى عليها بعض الخصوصيات المرتبطة بالسياسة النقدية الوطنية، ويظهر ذلك أولا في المكانة التي منحها لبنك المغرب، من خلال إسناد الترخيص بإصدار هذه الرموز ومراقبتها من طرفه، وهو ما يعكس حضور الاعتبارات النقدية بصورة واضحة في البناء القانوني للمشروع، كما يتجلى هذا الاختلاف أيضا في الأحكام المتعلقة بإصدار الرموز المميزة المدعومة بالأصول، إذ بينما اعتمدت لائحة MICA تعريفا واسعا يشمل الرموز التي تهدف إلى الحفاظ على قيمة مستقرة بالرجوع إلى قيمة أو حق أو مزيج منهما، بما في ذلك عملة رسمية واحدة أو أكثر، ربط المشروع المغربي عملية الإصدار بعملة قانونية بالدرهم أو بعملة أخرى تعتبر عملة قانونية في بلد ثالث، الأمر الذي يثير التساؤل حول مدى انسجام هذا المقتضى مع اتساع التعريف الذي اعتمده المشروع نفسه، وهو ما سبقت الإشارة إليه سابقا، ويكشف ذلك أن المشروع المغربي، وإن استلهم الإطار العام الذي وضعته MICA، فقد أعاد توجيهه بما ينسجم مع اعتبارات حماية المجال النقدي الوطني، كما أنه لم يأخذ بالنموذج الإماراتي القائم على تنظيم الأصول الافتراضية في إطار عام، وإنما اختار إفراد الرموز المميزة المدعومة بالأصول بتنظيم مستقل، وهو ما أضفى على النموذج المغربي طابعا وسطا يجمع بين التأثر بالتجربة الأوروبية والحفاظ على خصوصيات مرتبطة بالسياسة النقدية الوطنية.

الخاتمة

ختاما، يتضح أن الرموز المميزة المدعومة بالأصول تمثل فئة خاصة داخل منظومة الأصول المشفرة، إذ تجمع بين خصائص الأصول الرقمية وبعض السمات المرتبطة بالأدوات ذات الوظيفة النقدية دون أن تندمج في أي منها. لذلك، فإن إخضاعها لتكييف قانوني مستقل لا يرتبط بطبيعتها التقنية فحسب، وإنما يجد أساسه في وظيفتها الاقتصادية.

كما أن الاعتبارات المرتبطة بحماية المجال النقدي تبرر إخضاع الرموز المميزة المدعومة بالأصول لرقابة خاصة، غير أنها لا تكفي وحدها لتحديد طبيعتها القانونية، الأمر الذي يقتضي التمييز بين الأساس الذي يبرر التكييف القانوني لهذه الرموز وبين الاعتبارات التي تبرر تشديد الرقابة عليها.

كما أبانت الدراسة أن مشروع القانون رقم 42.25 استلهم جانبا مهما من الحلول التي اعتمدتها لائحة أسواق الأصول المشفرة الأوروبية (MICA)، غير أنه أعاد توظيفها بما ينسجم مع اعتبارات حماية المجال النقدي الوطني، مما أفرز نموذجا يجمع بين التأثر بالتجربة الأوروبية والحفاظ على خصوصيات مرتبطة بالسياسة النقدية الوطنية.

غير أن هذا التوجه لم يخل من بعض مواطن التردد على مستوى البناء القانوني المعتمد، وهو ما تجلى في بعض المقتضيات المرتبطة بتحديد الأصول المرجعية للرموز المميزة المدعومة بالأصول وطبيعة الحقوق المترتبة عنها، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن مدى قدرة هذا الإطار القانوني، في حال اعتماده، على تحقيق الانسجام بين مختلف الأحكام المنظمة لهذه الفئة من الأصول المشفرة.

وفي ضوء ما سبق، تبرز الحاجة إلى:

  • تدقيق الأساس القانوني الذي يبرر إفراد هذه الرموز بنظام قانوني خاص، بما يضمن الانسجام بين وظيفتها الاقتصادية والتكييف القانوني المعتمد لها.
  • إعادة النظر في العلاقة بين تعريف الرموز المميزة المدعومة بالأصول والأحكام المنظمة لإصدارها بما يحقق الانسجام بين مختلف مقتضيات المشروع.
  • مراجعة المصطلحات القانونية المعتمدة في تنظيم حقوق حاملي هذه الرموز، بما ينسجم مع الطبيعة القانونية للعلاقة التي تربطهم بالمصدر.
  • تحقيق قدر أكبر من التوازن بين متطلبات حماية المجال النقدي وتشجيع الابتكار في مجال الأصول المشفرة.

ويبقى تنظيم الرموز المميزة المدعومة بالأصول من أكثر مجالات الأصول المشفرة قابلية للتطور، مما يقتضي مواكبة التحولات التقنية والاقتصادية التي يشهدها هذا المجال بما يضمن التوازن بين الابتكار المالي وحماية الاستقرار النقدي، كما أن الإشكالات التي أثارتها الرموز المميزة المدعومة بالأصول تدعو إلى التساؤل عما إذا كانت الصعوبات المرتبطة بالتكييف القانوني تقتصر على هذه الفئة فقط، أم أنها تمتد إلى فئات أخرى من الأصول المشفرة نظمها المشروع، وفي مقدمتها رموز المنفعة، وهو ما يفتح المجال لدراسات لاحقة من أجل الوقوف على مدى ملاءمة التصنيفات القانونية التي اعتمدها مشروع القانون رقم 42.25 لمختلف أنواع الأصول المشفرة.


[1] REGULATION (EU) 2023/1114 OF THE EUROPEAN PARLIAMENT AND OF THE COUNCIL of 31 May 2023

On markets in crypto-assets, and amending Regulations (EU) No 1093/2010 and (EU) No 1095/2010 and Directives 2013/36/EU and (EU) 2019/1937

[2] مشروع القانون رقم 42.25 المتعلق بالأصول المشفرة، منشور بالموقع الرسمي للأمانة العامة للحكومة – المملكة المغربية، تم الاطلاع عليه بتاريخ: 19 فبراير 2026 على الساعة 14:30 على الرابط: https://www.sgg.gov.ma/arabe/Legislation.aspx

[3] Regulation (EU) 2023/1114 (MiCA), Article: 3

«Asset-referenced token’ means a type of crypto-asset that is not an electronic money token and that purports to maintain a stable value by referencing another value or right or a combination thereof, including one or more official currencies».

[4] قرار مجلس الوزراء رقم (111) لسنة 2022 بشأن تنظيم الأصول الافتراضية ومزودي خدماتها، منشور بالجريدة الرسمية عدد 741، بتاريخ 15 ديسمبر 2022

[5] قانون رقم 4 لسنة 2022 بشأن تنظيم الأصول الافتراضيّة في إمارة دبي، منشور بالجريدة الرسمية لحكومة دبي، السنة 56، العدد 559، 11 مارس 2022م، 8 شعبان 1443هـ

[6] قانون رقم 4 لسنة 2022 بشأن تنظيم الأصول الافتراضيّة في إمارة دبي، المادة: 2

[7] عبد الرحمن إبراهيم أحمد عبد الرحمن بجاتو: اقتصاديات الأصول والعملات الرقمية المشفرة، بحث متطلبات الحصول على درجة دكتوراه الاقتصاد والمالية العامة، منشور بمجلة حقوق دمياط للدراسات القانونية والاقتصادية، المجلد 13، العدد 13، الجزء الأول، يناير 2026، الصفحة: 60

[8] HUSSAIN Ali : Crypto-Monnaies, Réel ? Ou Purement Virtuelles, Roa Iktissadia REVIEW, University of Echahid Hamma Lakhdar, Eloued, Algeria, 12, 01, 2022, Page : 277 et 278

[9] Cameron Harwick: Cryptocurrency and the Problem of Intermediation, The Independent Review, Spring 2016, Vol. 20, No. 4 (Spring 2016), Page: 585

[10] عرفت المادة الثانية من مشروع القانون 42.25 رمز المنفعة بأنه: “أي نوع من الأصول المشفرة التي تهدف فقط إلى توفير إمكانية الولوج إلى سلعة أو خدمة يقدمها مصدر هذا الرمز المميز”.

كما عرفته المادة الثالثة من لائحة أسواق الأصول المشفرة الأوروبية (MiCA) بأنه نوع من الأصول المشفرة يهدف فقط إلى توفير إمكانية الوصول إلى سلعة أو خدمة يقدمها مصدره، وقد جاء فيها:

«Utility token’ means a type of crypto-asset that is only intended to provide access to a good or a service supplied by its issuer»

[11] OECD, Central Bank Digital Currencies (CBDCs) and Democratic Values, OECD Business and Finance Policy Papers, OECD Publishing, Paris, 2023, Page: 4

[12] ظهير شريف رقم 1.14.193، صادر في فاتح ربيع الأول 1436 (24 ديسمبر 2014) بتنفيذ القانون رقم 103.12 المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها، والمنشور بالجريدة الرسمة عدد 6328 بتاريخ فاتح ربيع الآخر 1436 (22 يناير 2015) الصفحة 462. المادة 6

[13] مشروع القانون 42.25، المادة: 35

[14] Regulation (EU) 2023/1114 (MiCA), Article: 36

[15] مشروع القانون 42.25، المادة: 35

[16] Regulation (EU) 2023/1114 (MiCA), Article: 39

[17] مشروع القانون 42.25، المادة: 38

[18] مشروع القانون 42.25: المادة 2

[19] مشروع القانون 42.25: المادة 2

[20] مشروع القانون 42.25: المادة 31

[21] مشروع القانون 42.25: المادة 32

[22] مشروع القانون 42.25: المادة 34

[23] خصص مشروع القانون 42.25 الفصل الثالث من الباب الثاني منه لمصدري الرموز المميزة المدعومة بالأصول، وخصها بأحكام غير التي اشترطها على باقي الأصول المشفرة الأخرى.

error: عذرا, لا يمكن حاليا نسخ او طباعة محتوى الموقع للمزيد من المعلومات المرجوا التواصل مع فريق الموقع عبر البريد الالكتروني : [email protected]