مجلة مغرب القانونالقانون الخاصمحمد أمين البنوضي: إثبات العلاقة الزوجية في ظل مدونة الأسرة وتوجهات الإصلاح الراهنة

محمد أمين البنوضي: إثبات العلاقة الزوجية في ظل مدونة الأسرة وتوجهات الإصلاح الراهنة

 محمد أمين البنوضي باحث في سلك الدكتوراه  بالكلية المتعددة التخصصات بتازة جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس –


ملخص:

تقوم مدونة الأسرة على جعل عقد الزواج العدلي الوسيلة الأصلية لإثبات العلاقة الزوجية، مع فتح مسلك استثنائي ضيق لدعوى ثبوت الزوجية عندما تحول أسباب قاهرة دون التوثيق في إبانه، حماية للأسرة والنسب أكثر من تكريس بديل مواز للتوثيق.​​

وفي ظل ما أفرزه تطبيق المادة 16 من استمرار ظاهرة الزواج غير الموثق، خصوصاً عبر «زواج الفاتحة»، برزت الحاجة إلى تدخل تشريعي جديد يعيد ضبط العلاقة بين مبدأ التوثيق كقاعدة عامة وبين دعوى ثبوت الزوجية كاستثناء حمائي، لاسيما بعد انتهاء الفترة الانتقالية وما أثاره ذلك من صعوبات عملية بخصوص الوضعيات القديمة غير المبرمة في شكل عقد عدلي. وإلى حين حسم هذا النقاش تشريعياً، يظل القضاء مطالباً بابتكار حلول متوازنة داخل الإطار القائم، من خلال استثمار الإمكانات التي تتيحها المادة 156 في مجال حماية النسب والحمل الناتج عن علاقة خطبة مستوفية لشروطها، باعتبارها، في نظر جزء من الفقه، امتداداً وظيفياً للمادة 16 في بعدها الحمائي تجاه الأبناء أكثر من كونها بديلاً عن نظام التوثيق في إثبات الزوجية ذاتها.

وتكشف الاجتهادات القضائية الحديثة عن توجه واضح نحو الإبقاء على دعوى ثبوت الزوجية في إطارها الاستثنائي ذي الطبيعة الحمائية، مع إعلاء اعتبارات صون حقوق المرأة والطفل وعدم الإخلال بالأمن التعاقدي والأسري، في وقت تسير فيه مشاريع ومقترحات تعديل المدونة خلال الفترة ما بين 2023 و2025 إلى تشديد قيود الاعتراف بزواج الفاتحة، وترسيخ عقد الزواج العدلي كقاعدة عامة وحيدة لإثبات الزوجية، مع قصر سماع دعاوى الثبوت على حالات محصورة تروم أساساً تسوية أوضاع قديمة وضمان مصلحة الطفل. وفي أفق سنة 2026، تتجه مراجعة مدونة الأسرة إلى تكريس مبدأ التوثيق العدلي كضابط صارم لإثبات عقد الزواج، مع الإبقاء على منافذ تشريعية وقضائية استثنائية محددة بدقة لمعالجة الوضعيات القديمة والهشة، ضمن رؤية إصلاحية تروم تعزيز مكانة المرأة والطفل وتحقيق انسجام أكبر بين مقاصد الشريعة وأحكام الدستور فيما يتعلق بالمساواة والعدالة داخل البنية الأسرية المغربية.

وبهذا المعنى، يقف نظام إثبات العلاقة الزوجية اليوم عند تقاطع بين تثبيت مبدأ التوثيق الرسمي كضمانة للاستقرار والشفافية في الروابط الزوجية، وبين الإبقاء على هامش قضائي مرن لمعالجة أوضاع الهشاشة الناتجة عن الزواج غير الموثق، في انتظار أن تحسم الإصلاحات المرتقبة موازنة أدق بين مقتضيات الصرامة الشكلية ومتطلبات العدالة الاجتماعية والحمائية داخل الأسرة المغربية.


Abstract

The Family Code makes the authenticated marriage contract the main means of proving marriage, and allows a very narrow exceptional action to establish marriage only when compelling circumstances prevented timely notarization, mainly to protect family and lineage.​​

After Article 16 failed to eradicate unregistered “Fatiha marriages” and its transitional period expired, debate shifted to using Article 156 to protect lineage and pregnancies arising from valid engagements, as a functional, child‑focused extension of Article 16 rather than a substitute for notarization.

Recent judicial practice shows a clear tendency to maintain actions for proof of marriage as an exceptional, protective remedy, prioritizing the rights of women and children and preserving contractual and family security. At the same time, reform projects between 2023 and 2025 aim to tighten recognition of “Fatiha marriages” and to entrench the authenticated notarial contract as the sole general basis for proving marriage, limiting such actions to a narrow set of cases focused on regularizing past situations and safeguarding the child’s best interests. Looking toward 2026, the review of the Family Code is expected to consolidate notarial formalization as a strict requirement for establishing marriage, while preserving precisely defined exceptional judicial and legislative avenues to address old and vulnerable situations, within a reform vision that enhances the status of women and children and brings Islamic objectives into closer alignment with constitutional principles of equality and justice in the Moroccan family.


مقدمة:

تعتبر رابطة الزواج من أهم الأنظمة التي شرعها الله لإقامة الأسرة على أساس متين من الترابط والألفة والمودة، بقصد الدوام والاستمرار والاستقرار، وإعمار الأرض وتكثير سواد الأمة، وضمان حياة مشتركة بين الرجل والمرأة، تقوم على الإخلاص والرحمة والتفاني في العمل لصالح الأسرة التي تعتبر قناة للتربية وتكوين الأجيال مصداقا لقوله تعالى:” ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة”[1].

ومن ثم، فليس هناك أي جدال في أن للزواج أهمية كبيرة من الناحية الدينية والاجتماعية، لذلك كان لزاما على المشرع أن يتدخل لوضع مختلف الضوابط الكفيلة بحفظ الحقوق والواجبات الناشئة عنه، لأن الزواج وإن كان تصرفا عقديا ينشأ بإرادتين، فإن القانون هو الذي يبين أحكام هذه العلاقة وآثارها بين طرفيها بنصوص آمرة لا تقبل مخالفتها.

ويعرف الزواج في اللغة بأنه اقتران أحد الشيئين بالآخر، وازدواجهما أي صيرورتهما زوجا بعد أن كان كل منهما منفصلا عن الآخر، ومن ذلك قوله تعالى:” وزوجناهم بحور عين ” [2] ، وقوله سبحانه: ” وإذا النفوس زوجت ” [3] بمعنى قرنت بأبدانها وبأعمالها.

وقد شاع استعمال هذا التعبير في اقتران الرجل بالمرأة على سبيل الدوام والاستمرار لتكوين أسرة، بحيث إذا أطلق لفظ الزواج فإنه لا يقصد منه إلا هذا المعنى.

و لتحقيق الحماية القانونية لهذا العقد ، كان لابد من ضمام كل وسائل الوقاية ، وذلك من خلال فرض مجموعة من الإجراءات الشكلية التي تنتهي بترسيم الزواج في عقد موثق ، تنضبط به أمور المتعاقدين على القوانين الشرعية وتحفظ به دماءهم وأموالهم ، وذلك يتم تجاوز كل النتائج الخطيرة الناجمة عن العقد غير الموثق ، لذلك كان لابد من الإشهاد على الحياة الزوجية لأن هذا الأخير له أهمية كبيرة حيث يوضح الفرق بين النكاح والسفاح ، فلما كان السفاح ، فلما كان السفاح يتم في السر ويمس الشرف والعرض ، فإن النكاح وعلى النقيض من ذلك ، يتم عن طريق الإشهاد عليه وبالتالي إعلانه وإظهاره ، حتى يشتهر بين الناس ، وفي ذلك إعلاء لشأنه  ، و احتراز كبير للمشاكل التي يمكن أن تنجم عن إنكار العلاقة الزوجية ، والتي قد تستتبع إنكار نسب الأولاد الناتجين عن هذا الزواج ، خاصة مع تغيير واقع الناس ، وما اشتهر به من تفكك الأسرة منذ بدء تأثر بعض الدول الإسلامية بالنظم القانونية  الغربية.

و من هنا ، فتوثيق عقد الزواج يجعل الزوجين في حل من طرق باب القضاء وإقامة دعوى يرومان من خلالها إثبات و قيام العلاقة الزوجية بينهما في مسار قد يستغرق حيزا زمنيا لا يستهان به وقد لا ينتهي بالاستجابة لطلبهما وقبوله ، وهذا ما جعل المشرع ينص في المادة 16 من مدونة الأسرة [4]، على أن العلاقة الزوجية تثبت بطرقتين : أولهما بواسطة الوثيقة العدلية التي تتضمن عقد الزواج ، وهذا هو الأصل في إثبات الزواج ، وثانيا إثباته بموجب حكم قضائي وهو الاستثناء ، فإبقاء المشرع المغربي سواء في ظل مدونة الأحوال الشخصية الملغاة أو مدونة الأسرة على هذه الحالة الاستثنائية ، كان الهدف منه إتاحة الفرصة للأزواج الذين لم يوثقوا زواجهم لتصحيح زيجاتهم وإضفاء الصفة الشرعية والقانونية عليها حفاظا على حقوق الأسرة وحماية الأنساب من الاختلاط  والضياع ، خاصة وأن المجتمع المغربي مازال يتبع في زواجه مجموعة من الطقوس والعادات المتعارف عليها كطريقة لإعلان هذا الزواج وإشهاره ، إلا أن المشرع حتى ولو كان رخص هذا الاستثناء فإنه اعتبره قاعدة عرضية تخضع لسقف زمني لا يتجاوز خمس سنوات من تاريخ دخول مدونة الأسرة حيز التنفيذ.

وفي سياق التطورات الاجتماعية والحقوقية التي عرفها المغرب خلال العقدين الأخيرين، وما أفرزته الممارسة القضائية من صعوبات بخصوص بعض مقتضيات مدونة الأسرة، ولا سيما المادة 16 المتعلقة بإثبات العلاقة الزوجية غير الموثقة، انفتح ورش إصلاح المدونة مجدداً ابتداء من سنة 2023، عبر تكليف لجنة مختصة بإعداد مقترحات مراجعة شاملة تستجيب للتوجيهات الملكية وللمطالب المجتمعية المتزايدة حول ضمان المساواة والعدالة داخل الأسرة.[5]

وتبرز أهمية هذه المشاريع والمقترحات، بالنسبة لموضوع إثبات العلاقة الزوجية، في كونها تسعى إلى نقل دعوى ثبوت الزوجية من وضعية «المسار البديل للتوثيق» إلى وضعية «الآلية الاستثنائية ذات الوظيفة الحمائية»، وذلك عبر تضييق مجالات اللجوء إليها وربطها أساساً بحماية الأطفال وضمان الأمن الأسري، في انسجام مع التوجه العام نحو جعل التوثيق الرسمي القاعدة المهيمنة في تنظيم الروابط الزوجية بالمغرب..[6]

وإن الإشكالية المحورية التي ستتم مقاربتها في هذا البحث، ترتبط بمعرفة مدى استطاعة القضاء الأسري المغربي استثمار السلطة التقديرية المخولة له في اتجاه صيانة الرابطة الزوجية وضمان كل الحقوق الناجمة عنها؟

وقد استدعت الإشكالية الرئيسية للموضوع الوقوف على بعض الإشكاليات الجزئية ومنها ما يلي:

  • هل استطاع كل زواج تم بدون إشهاد عدلين خلال الفترة الانتقالية باطلا ولا سبيل لإثباته بموجب حكم قضائي؟
  • هل فعلا ساهم القضاء الأسري المغربي في التصفية أو التقليل من عدد الزيجات غير الموثقة؟
  • هل يعتبر إثبات السبب القاهر شرطا لقول بثبوت الزوجية؟ وهل المحكمة ملزمة بتبيانه؟
  • هل العناصر المحددة في الفقرة الثانية من مدونة الأسرة من قبل المشرع المغربي، وجود أبناء أو حمل، وإذا ما رفعت الدعوى في حياة الزوجين، هي مجرد عناصر استرشادية تساعد القضاء من أجل حل النزاعات المرتبطة بدعوى الزوجية أم أنها أسباب تبرر إثبات الزواج غير الموثق؟

وارتأينا أن نعالج موضوع “إثبات العلاقة الزوجية في ظل مدونة الأسرة وتوجهات الإصلاح الراهنة ” من خلال إبراز أهمية الكتابة كأصل في إثبات الزوجية وذلك بعرض مختلف الآراء الفقهية بخصوص تحديد طبيعتها لأن هذا الأمر يساعد على فهم أبعاد الموضوع وكذلك تحديد موقف القضاء منها، وهكذا جاء التصميم على الشكل التالي:

  • المبحث الأول: الإطار العام لتوثيق وإثبات العلاقة الزوجية في ظل مدونة الأسرة
  • المبحث الثاني: الكتابة ودعوى ثبوت الزوجية بين القاعدة والاستثناء في سياق توجهات الإصلاح

 

المبحث الأول: الإطار العام لتوثيق وإثبات العلاقة الزوجية في ظل مدونة الأسرة

 يحظى عقد الزواج بأهمية بالغة في الشريعة الإسلامية، بل وفي القوانين الوضعية، حيث يعتبر من أسمى العقود المدنية وأعظمها شأنا، وأبعدها أثرا في حياة الفرد وفي بناء المجتمع.

ونظرا للأهمية التي يمثلها هذا العقد، فقد حضي باهتمام كبير ضمن مواد مدونة الأسرة، إذا أحاطته بكثير من الضمانات ونظمت أحكامه بشكل مسبوق، وذلك بهدف تحقيق الغاية المنشودة في المادة الرابعة من المدونة، ألا وهي تكوين أسرة مستقرة تضمن لأطرافها التعايش في ود وسلام واحترام.

والمشرع وهو مدفوع بذات المصلحة أي حماية الأسرة والحرص على استقرارها عمل على وضع مجموعة من الأحكام الإجرائية التي تهتم بتوثيق عقد الزواج، وهذا ما يظهر واضحا في النصوص المضمنة بالمواد 65 إلى 69 من المدونة، بالإضافة إلى المادتين 14 و15 المتعلقة بزواج المغاربة بالخارج.

وللإحاطة أكثر بشكليات عقد الزواج والكشف عن الأحكام التي تنظمه، سنتطرق إلى تحليل الأحكام العامة والوثائق الأساسية لتوثيق عقد الزواج (المطلب الأول)، ثم نقف للحديث عن الأساس الفقهي لإثبات العلاقة الزوجية (المطلب الثاني).

 المطلب الأول: الأحكام العامة والوثائق الأساسية لتوثيق عقد الزواج

إن جميع الطلبات التي يتم رفعها إلى المحكمة بقصد توثيق عقد الزواج، تستوجب لزوما أن ترفق بثلاثة وثائق أساسية تعتبر عامة بين جميع عقود الزواج.

وتتمثل هذه الوثائق أساسا في نسخة من رسم الولادة والشهادة الإدارية (الفقرة الأولى)، وكذا الشهادة الطبية (الفقرة الثانية).

 الفقرة الأولى: رسم الولادة والشهادة الإدارية كمدخل لإثبات الأهلية والحالة المدنية

إن من أهم الوثائق التي يلزم المتعاقدان بإحضارها قصد إبرام عقد الزواج نجد كل من رسم الولادة (أولا)، والشهادة الإدارية (ثانيا) ولا يخلو أي طلب يرمي إلى توثيق عقد الزواج من هاتين الوثيقتين.

أولا: رسم الولادة

اشترطت المادة 65[7] من مدونة الأسرة أن يضم ملف عقد الزواج من بين وثائقه المتعددة نسخة من رسم الولادة، ويشير ضابط الحالة المدنية في هامش العقد بسجل الحالة المدنية إلى تاريخ منح هذه النسخة ومن أجل الزواج.

فالمشرع عندما فرض إلزامية الإدلاء بنسخة من رسم الولادة، إنما كان يرمي إلى أن يتم تعميم نظام الحالة المدنية على كافة المواطنين، فكما يقول الأستاذ أحمد الخمليشي: ” وحتى على الخاطبين غير المسجلين بعد المكاتب وندرتها، أو لظروف أخرى وخاصة في العالم القروي الذي يظهر فيه عدد كبير من غير المسجلين بسجلات الحالة المدنية، فعلى الأقل سيكون الزواج مناسبة للتسجيل الذي سيطبق وجوبا على الأبناء، وبذلك يتحقق تعميم سجلات الحالة المدنية للمواطنين ولو على المدى البعيد”[8].

وحسب مقتضيات المادة 68[9] من مدونة الأسرة أصبح لزوما أن يتم تسجيل نص عقد الزواج بالسجل المعد لذلك، وتوجيه ملخص هذا الزواج إلى ضابط الحالة المدنية لمحل ولادة الزوجين، الذي يقوم بتضمين بيانات الملخص بهامش رسم ولادة الزوجين نظرا للترابط القائم بين مؤسسة الزواج ومكاتب الحالة المدنية.

ثانيا: الشهادة الإدارية

كما هو الأمر بالنسبة لرسم الولادة، فإن الشهادة الإدارية تعد من أهم الوثائق المطلوبة في إبرام عقد الزواج سواء في إطار قانون الأحوال الشخصية القديم أو مدونة الأسرة الجديدة.

ولقد كان الفصل 41 من قانون الأحوال الشخصية الملغى ينص على أنه: يتولى العقد عدلان منتصبان للإشهاد وذلك بعد توفر الأسباب الآتية:

  • شهادة إدارية لكل واحد منهما تتضمن الاسم الكامل والحالة العائلية، وتاريخ ومكان الولادة والمواطن أو محل الإقامة، وكذا الاسم الشخصي والعائلي للأبوين.

غير أن المشرع لم يحدد آنذاك شكل وبيانات هذه الشهادة، الأمر الذي نتج عنه ظهور عدة نماذج منها تختلف من جهة إلى أخرى، وأحيانا داخل نفس الجهة من جماعة إلى أخرى[10].

ومن أبرز النماذج التي جرى العمل بها في إبرام الزواج:

  • شهادة العزوبة: وهي التي كان يسلمها رئيس المجلس الجماعي إلى الراغب في الزواج بعد إجراء بحث بواسطة الشيخ أو المقدم، وتتضمن البيانات التالية: اسم الخاطب أو المخطوبة وتاريخ ومكان ولادته، واسم والديه، ومحل سكناه مع الإشارة إلى أنه لازال عازبا.
  • شهادة عدم الزواج: ويتم تسليمها أيضا من طرف رئيس الجماعة، وتتعلق في الغالب بالمخطوبة حيث يذكر فيها اسمها، وتاريخ ومكان ولادتها، ومحل سكناها مع الإشارة إلى أنها ليست متزوجة.
  • شهادة إدارية تتعلق بالمخطوبة، ويشهد بمقتضاها رئيس المجلس الجماعي أنه يعرف المخطوبة، ويشير إلى اسم والديها، ومحل سكناها، وسنها، وإلى حالتها العائلية من حيث كونها بكرا أو مطلقة أو متوفي عنها زوجها، مع الإشارة إلى أن الغرض من تسليم هذه الشهادة يكون قصد الزواج.
  • شهادة إدارية تتعلق بالخاطب: ويشهد بمقتضاها رئيس الجماعة أنه يعرف (الخاطب) ويضمنها اسمه الكامل وعنوانه، وتاريخ ولادته، مع الإشارة إلى أنه عازب أو متزوج، وفي هذه الحالة الأخيرة يذكر اسم الزوجة، كما تتم الإشارة إلى أنها سلمت له قصد الزواج.
  • شهادة إدارية تتعلق بالزواج: وتتضمن معلومات حول الخطبين معا تهم الاسم الشخصي والعائلي لكل منهما، وتاريخ ولادتهما وحرفتهما ومحل إقامتهما، وحالتهما العائلية.
  • شهادة عدم الزواج بعد وفاة الزوج الأول: وهي من أهم الشواهد الإدارية التي جرى بها العمل أيضا، وتسلم للأرملة من طرف رئيس الجماعة اعتمادا على بحث يجريه المقدم أو الشيخ، ويشار فيها إلى أنها أرملة لم تتزوج بعد وفاة زوجها.

ولقد تم التعاطي مع هذه النماذج المختلفة بنوع من المرونة، بحيث كانت تقبل وتجاز من طرف العدلين كلما كانت تتضمن الحد الأدنى من البيانات، سيما اسم المعني بالأمر وسنه ومحل إقامته.

الفقرة الثانية: الشهادة الطبية ودورها في استكمال ملف الزواج

لقد كانت الفحوص الطبية السابقة لعقد الزواج محط اهتمام العديد من التشريعات وكذا الأوساط الفقهية، لاسيما بعد انتشار بعض الأمراض المتنقلة جنسيا التي أودت بحياة الكثير من الأزواج، مما دفع المشرع إلى فرض الإدلاء بالشهادة الطبية قبل إبرام عقد الزواج.

ونظرا لأهمية هذه الشهادة، فسنحاول التطرق إليها من خلال معرفة الأساس الشرعي التي تستند عليه ولغاية من إلزاميتها (أولا)، ثم أيضا السند القانوني لهذه الشهادة (ثانيا).

أولا: الأساس الشرعي للشهادة الطبية والغاية من إلزاميتها

عندما تحدث الفقه الإسلامي عن الأمراض وتأثيرها في العلاقة بين الزوجين لم يكن في الواقع قد تم اكتشاف العديد من الأمراض، إلا أنه مع التقدم الهائل الذي أحرزه الطب في الوقت الراهن فقد اكتشف أن ثمة أمراض خطيرة يمكن انتقالها من شخص إلى آخر عن طرق العدوى، وأن هذه الأمراض إذا لم يتم تحجيمها بمنع تعديها سيؤدي ذلك إلى كوارث وبائية تلتحق بالأجيال، وتدمر حياة الأمم الصحية والاقتصادية والاجتماعية [11].

فإجراء الفحص الطبي قبل الزواج لا يخالف مطلقا أحكام الشريعة الإسلامية [12]، لأن المتأمل في أهداف هذه الشهادة يجد أنها تهدف إلى حماية المصالح الضرورية [13]، و قد أجمع العلماء على أن هذه المصالح خمسة هي الدين و النفس و العقل و النسل و المال ، و من ثم فإن الإقدام على الزواج مع وجود أحد الأمراض المعدية الخطرة يفضي لا محالة إلى كثير من الأمراض التي يتعذر إزالتها ، لأنه قد يؤدي يقينا في حالة ما إذا كان أحدهما مصابا بمرض معد إلى المساس بكل الضروريات التي لا تقوم مصالح الناس إلا بها ، فحفظ النفس و النسل مقصود في الشرع و القانون ، و الكثير من الأمراض المعدية في وقتنا قد تؤدي إلى الوفاة[14].

وفي هذا السياق، يقول الأستاذ محمد الشافعي: ” ترجع المطالبة بفرض الشهادة الطبية قبل الزواج إلى النظرية التي تقوم أساسا على علم تحسين النسل، وهدفها الرئيسي المحافظة على ضمان النوع البشري وتحسينه عن طريق منع الزواج بين الأفراد المصابين بأمراض خطيرة أو معدية أو وراثية، لأن هذا النوع من الزواج يؤدي حسب هذه النظرية إلى خلق نسل معيب ومشوه[15].

ثانيا: السند القانوني للشهادة الطبية

يرى الأستاذ محمد الشتوي أن المشرع المغربي لم يجعل فرض الشهادة الطبية وقفا على الراغبين والراغبات في الزواج فقط، بل حتى على طالب إقامة لفيف بثبوت الزوجية رغم أن هذه اللفيفة هي مجرد كاشفة لرابطة الزواج لا منشئة لها، وهو ما يستفاد من المنشور عدد 11 المؤرخ في 27 مارس 2000 حول إقامة بينة بإثبات الزوجية الذي أحال على

بعض فصول مدونة الأحوال الشخصية ومنها الفصل 41 الذي يستلزم الإدلاء بالشهادة المذكورة[16].

وعلى الرغم من الترحيب الذي لاقته من طرف العديد من الجهات وخصوصا الجمعيات النسائية [17]، فإنه في مقابل ذلك وجد طرف آخر اعتبر أن اشتراط الشهادة الطبية في كتابة رسم الزواج تكليف بما فيه عسر ومشقة، لأن تحرير هذه الشهادة لكل من الرجل والمرأة يحتاج إلى تحليلات وفحوص كثيرة تكلف مصاريف غالية تفوق طاقة المقدمين على الزواج، إضافة إلى مصاريف التنقل والإقامة خصوصا لمن ينعدم في وسطهم مختبرات وأطباء ومتخصصين لذلك، مما يدفع بالكثير إلى العزوف عن الزواج.

وقد أقرت مدونة الأسرة هذا المقتضى في المادة 65، وأكدت على إلزامية إحضار كل واحد من الخطبين لهذه الشهادة، واعتبرتها من الوثائق الضرورية التي يتعين إرفاقها بطلب الإذن بتوثيق عقد الزواج الذي يقدم إلى قاضي الأسرة المكلف بالزواج قصد التأشير عليه.

والواقع أنه بالرغم من أهمية هذه الوثيقة، فإنه من الناحية العملية وعلى امتداد عشر سنوات من تطبيق البند الخاص بضرورة الإدلاء بالشهادة الطبية، أكدت التجربة عدم جدوى هذا الإجراء وتعذر تحقيق الأهداف المتوخاة منه، إذا يكتفي الأطباء في الغالب الأهم بإجراء فحص طبي بسيط وكشف جد عادي على الخطيب أو المخطوبة، ثم يسلم له الشهادة بأنه سليم من جميع الأمراض، دون إخضاع المعني بالأمر إلى إجراء الكشوفات الضرورية والتحليلات المختبرية اللازمة للتأكد من سلامة إصابته بمرض خطير من عدمه[18].

المطلب الثاني: الأساس الفقهي لإثبات العلاقة الزوجية

يلعب الإشهاد على الزواج في حقيقة الأمر دوران أساسيان، الأول أنه يلعن هذا الزواج ويظهره أمام الناس فيدفع عنه معرفة الزنا، والثاني أن يمثل وسيلة إثبات هامة يصح الاعتماد عليها أمام القضاء للتوصل إلى حكم يقر بوجود الرابطة الزوجية.

وإذا كان الفقه قد أجمع على لزوم الإشهاد عند الزواج دون أن يشترط شكلا معينا (الفقرة الأولى)، فإن قانون الأسرة المغربي استلزم أن يأتي الإشهاد في رسم موثق حتى يقوم حجة على وجود الرابطة الزوجية، لكن صعوبة تحقيق هذا الشرط لأسباب معينة جعل المشرع يبيح استثناء إمكانية إثبات الزواج بغير هذا الرسم لفترة محددة (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الإشهاد على الزواج وإثباته في الفقه الإسلامي

لا يوجد في الشريعة الإسلامية ولا في القانون الوضعي عقد يشترط لصحته الإشهاد عليه سوى عقد الزواج، وإنما خص المشرع الزواج بذلك لعظم شأنه وعلو شرفه، ولأنه تبنى عليه أحكام باقية بقاء الزمان.

ورغم اتفاق الفقه الإسلامي على ضرورة وجود الإشهاد على الزواج (أولا)، مخافة أن يقع إنكار العلاقة الزوجية مستقبلا، فإنه في بعض الأحوال الاستثنائية أجاز إثبات الزواج بالبينة الشرعية (ثانيا).

مقال قد يهمك :   الدليل العملي للملحق القضائي(تحميل)

أولا: شرط الإشهاد في الفقه الإسلامي

ليس في القرآن الكريم أي نص يفرض الإشهاد على الزواج إما صراحة وإما ضمنا وإنما وردت بعض الأحاديث النبوية الشريفة التي تفيد ذلك بكيفية صريحة، فقد قال صلى الله عليه وسلم:” لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل “[19]. وفي حديث آخر: لا نكاح إلا ببينة “[20].

واستنادا إلى هذه الأحاديث، فقد ذهب جمهور الفقهاء وعلى رأسهم الأئمة الأربعة إلى أن الإشهاد شرط لازم عقد الزواج، لا يقوم هذا الأخير إلا بتوافره.

ورغم انعقاد الإجماع على ضرورة الإشهاد ولزومه في الزواج، فقد اختلف الفقهاء حول الوقت الذي يجب أن يتم فيه على الوجه الآتي:

فالمذهب المالكي ذهب إلى أن الشهادة ليست شرطا في إنشاء عقد الزواج وانعقاده، ولكنها شرط لترتيب الآثار، والشهادة وحدها لا تكفي للإعلان، وأن الشاهدين إذا تواصيا بالكتمان لا ينشأ العقد، بل لابد من توافر الإعلان للانعقاد[21].

ثانيا: التنازع في الزوجية وإثباتها بالبينة في الفقه الإسلامي

يعتبر رسم ” النكاح” أو ” الصداق” الذي يسجل العدلان شهادتهما على الزواج فيه بين طرفي العقد، هو الوسيلة الأساسية المعتبرة في إثبات الزواج والإشهاد عليه، فهذه الوثيقة تقوم حجة كافية لإثبات الزواج عندما يقع النزاع حوله، أو حول حق من الحقوق المترتبة عنه.

غير أن الرسم المذكور ليس هو الطريقة الوحيدة لإثبات الزوجية، بحيث لا تسمع هذه الدعوى سواء من الرجل أو المرأة إلا بعد الإدلاء بهذه الوثيقة، وإنما يمكن للطرفين اللجوء إلى طرق أخرى عند تعذر الإثبات بمقتضى رسم النكاح[22]، فتكون الطريقة البسيطة هي الإثبات ببينة شرعية تثبت وجود النكاح وقيامه، وهذا هو المعمول به عند فقهاء المذهب المالكي أساسا.

ولهذا، فإنه إذا ادعى رجل وامرأة أنهما زوجان، أو ادعى أحدهما الزوجية وأنكرها الآخر في غياب رسم النكاح الذي يتضمن شهادة العدلين بالزواج، فإن فقهاء المالكية أقروا إمكانية اللجوء إلى البنية الشرعية لإثبات هذا الزواج، لكنهم يفرقون بين حالة الزوجين الطارئين وغير الطارئين، أي أصحاب البلدة أو ما يسمى بالبلدين وغير البلديين[23].

يقول العلامة التسولي: ” أما إن كانا من أهل البلد، فهي أقضية لا يقضي القاضي بقولهما إنهما زوجان، إلا بعد إثبات أصل النكاح، قال: والعمل اليوم أنهما لابد أن يثبتا عند قاضي الأنكحة أنه يحوزها بحوز الزوجية، بجماعة من الموضع الذي هما به[24].

الفقرة الثانية: باقي وسائل إثبات الزواج في الفقه الإسلامي

كثيرا ما يحصل النزاع في الزوجية سواء من الزوجين أو من قبل الغير صاحب المصلحة لذلك عدد الشرع الإسلامي من وسائل البيان والإثبات، ويعد الإقرار واليمين من أهم الوسائل التي يرتفع بها الإشكال في حالة النزاع في الزوجية.

ولقد اهتم الفقهاء بهاتين الوسيلتين من حيث شروطهما أو كيفية إعمالهما وسنتناول ذلك بالدراسة مبتدئين بالإقرار في (أولا)، على أن نتطرق لليمين في (ثانيا).

أولا: الإقرار

يعتبر الإقرار من أهم وسائل الإثبات الشرعية ويجد سنده الأساسي في الكتاب والسنة.

ينقسم الإقرار إلى عدة أقسام من أهمها:

الإقرار الصريح: ويقصد به ذلك اللفظ الصريح الذي يتضمن الأخبار عن حق واجب بشكل واضح لا غموض فيه ولا لبس في مراده[25].

والإقرار الضمني حيث لا يعترف الشخص ولا يغر لكن يستنتج ذلك من الحثيات المرتبطة بكلامه ومن أمثلته أن تقول لرجل أنا امرأتك فيقول مجيبا لها أنت طالق كان ذلك إقرار بالنكاح وهي طالق[26].

ثانيا: اليمين

اليمين الموجهة بحكم حاكم، أو محكم على طالب أو مطلوب أو عليهما معا مع الشاهد أو الشاهدين أو دونهما.

أما مستند مشروعية اليمين فقد نصت آيات كثيرة عليها بقوله تعالى في محكم تنزيله:

“لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم به الإيمان”[27].

 المبحث الثاني: الكتابة ودعوى ثبوت الزوجية بين القاعدة والاستثناء في سياق توجهات الإصلاح

يعتبر إثبات العلاقة الزوجية من أهم وأكثر القضايا المطروحة على القضاء، فعقد الزواج يعتبر أهم وثيقة إثباتية، حيث يعتمد عليها عند أي نزاع ويحتج بها في مجال ثبوت الزوجية أو النسب أو الإرث، الأمر الذي يستلزم كتابة هذا العقد وتحريره وفق الشكل المطلوب قانونا.

نصت الفقرة الأولى من المادة 16 من مدونة الأسرة على أنه تعتبر وثيقة الزواج الوسيلة المقبولة قانونا لإثبات الزواج، ومن تم اهتم المشرع بكتابتها وتحديد مضمونها ومشتملاتها، فالكتابة في الزواج ليست كالكتابة في باقي العقود الأخرى، ويتجلى ذلك في الإجراءات الإدارية والشكلية التي يتطلبها تحرير وثيقة الزواج، فهي تتطلب إذنا خاصا من قاضي الأسرة المكلف بالزواج بعد فتح ملف للزواج والإدلاء بمجموعة من الوثائق المحددة قانونا.

وللإحاطة أكثر بجوانب الموضوع الذي بين أيدينا سنتناول هذا الفصل في مبحثين سنخصص القاعدة وجوب إثبات عقد الزواج بالكتابة في (المطلب الأول)، بينما سنتناول إثبات الزوجية بالكتابة (المطلب الثاني).

المطلب الأول: الكتابة كوسيلة أصلية لإثبات العلاقة الزوجية

إن توثيق عقد الزواج هو الطريق المعتمد لصيانة هذا العقد وحفظه من عبث العابثين، وذلك لأن الأدلة الكتابية تجعل المتعاقد مطمئنا لعقده الذي أجراه إذا يزول بشأنه، أو يقل احتمال النزاع في المستقبل حول وجوده، وإذا حصل مثل هذا النزاع، فيكون الدليل المهيأ حاسما له، ويبدو ذلك بشكل كبير في حالة إنكار الزوجية من طرف الرجل أو المرأة، ولذلك نجد أن المشرع المغربي قد اعتبر أن الكتابة هي الأصل لإثبات الزوجية.

غير أن الإشكال الذي يطرح في هذا المجال يتعلق بتحديد طبيعة الكتابة في عقد الزواج، هل تعتبر شرطا في صحته أم أنها وسيلة للإثبات فحسب.

وللإجابة هذه الأسئلة سنتناول موقف الفقه الإسلامي من كتابة عقد الزواج في (الفقرة الأولى)، على أن نخصص (الفقرة الثانية) لدراسة موقف المشرع المغربي من كتابة عقد الزواج من خلال مدونة الأسرة.

الفقرة الأولى: موقف الفقه الإسلامي من كتابة عقد الزواج

إن الفقه الإسلامي لا يتحدث عن وجوب كتابة عقد الزواج، وإنما الذي يتحدث عليه هو الإشهاد لأنه في الحقيقة يقوم بدور أن: أولهما يشهر الزواج ويظهره أمام الناس، فيدفع عنه معرة الزنا، والثاني أنه يمثل وسيلة إثبات هامة يصح الاعتماد عليها أمام القضاء للوصول إلى حكم يقر بوجود علاقة زوجية من عدمها.

ولهذا ارتأيت التطرق في هذه الفقرة إلى تحديد طبيعة الكتابة في عقد الزواج على ضوء آراء الفقهاء (أولا)، وكذا إلى كيفية إثبات عقد الزواج من منظور الفقه الإسلامي (الفقرة الثانية).

أولا: طبيعة الكتابة على ضوء آراء الفقهاء

من أهم خصائص العقود في الفقه الإسلامي قيامها على التراضي بين طرفيها، فمتى وجد الرضا الذي يعبر عنه بإيجاب أحد الطرفين وقبول الطرف الآخر، انعقد وصار موجودا وإذا انعدمت الرضا لم ينعقد ولم يوجد عقد الزواج هو الآخر لا يخرج عن هذا المبدأ العام إلا أنه ونظرا لخطورته وعظيم أثره في حياة الإنسان يحتاج لصحته إلى أمر آخر بجانب والإشهاد عليه[28].

وهذا يعني أن الشريعة الإسلامية لم تعبر الكتابة شرطا في صحة عقد الزواج، إذ ليس هنالك أي نص سواء في القانون والسنة يستلزم كتابة عقد الزواج كما أنه لم يقول أحد من الفقهاء المسلمين من جميع المذاهب السنية بأن الكتابة تدخل ضمن شروطا صحة هذا العقد.

إذن الفقه الإسلامي عندما يتحدث عن صحة عقد الزواج فإنه يتحدث عليه انطلاقا من الإشهاد وليس الكتابة لأن الإشهاد يلعب في الحقيقة دورين أساسين، أولهما يعلنه أمام الناس وخاصة الجيران والأقارب فيدفع عنه على كل مظنة قد تدسنه وتسيء إليه، والثاني أنه يمثل وسيلة إثبات هامة يصح اعتمادها أمام القاضي للحكم بوجود الرابطة الزوجية كلما سولت لأحدهما نفسه إنكار الطرف الآخر[29].

ثانيا: كيفية إثبات عقد الزواج من منظور الفقه الإسلامي

لقد سبق القول إن جمهور الفقه الإسلامي يعتبر أن الإشهاد شرط في صحة عقد الزواج إلا أنه في بعض الأحيان مع وجود ركني العقد وهو الإيجاب والقبول ولظروف استثنائية وجب إثبات الزواج بوسائل أخرى غير الإشهاد.

ولهذا فإنه إذا ادعى رجل وامرأة أنهما زوجان، وادعى أحدهما الزوجية وأنكرها الآخر في غياب رسم النكاح الذي يتضمن شهادة العدلين بالنكاح، فإن فقهاء المالكية، أقروا إمكانية اللجوء إلى البينة الشرعية للإثبات هذا الزواج لكنهم يفرقون بين حالة الزوجين الطارئين وغير الطارئين.

ففقهاء المالكية لا يشترطون لسماع دعوى الزوجية يمين المدعي أو المدعى عليه، إلا أن غياب البينة عند التنازع لا يجيز سماعها ولو مع تحليف المدعيين حيث جاء في المدونة: أرأيت المرأة تدعي على الرجل النكاح أو الرجل يدعي على المرأة النكاح هل يحلف كل واحد منهما لصاحبه إذا أنكر (قال) لم أسمع من مالك في هذا شيئا ولا أرى أن يحلفا على هذا[30].

الفقرة الثانية: تنظيم كتابة عقد الزواج في مدونة الأسرة والتوجه نحو اعتماد العقد المكتوب كقاعدة

إذا كانت أركان عقد الزواج تبدو واضحة من خلال صياغة المادة 10 و11 من مدونة الأسرة، فإن شروط صحته حتى وإن كانت تبدو واضحة، فالأمر ليس كذلك تماما، ذلك لأن شرط الإشهاد “لدى عدلين” الوارد التنصيص عليه في المادة 13 من المدونة يطرح إشكالات حول ما إذا كان المقصود هو الإشهاد غير الموثق أم الإشهاد الموثق.

وهنا نجد اتجاهين في تحديد الطبيعة القانونية للكتابة في عقد الزواج، فهنالك اتجاه يعتبر أن عقد الزواج هو من العقود الرضائية (أولا)، واتجاه آخر يعتبر عقد الزواج من العقود الشكلية بحيث لا ينعقد بمجرد اقتران لإيجاب بالقبول بل يجب لتكوينه إتباع شكل مخصوص يحدده القانون (ثانيا).

أولا: مؤيدات تبني الطابع الرضائي لعقد الزواج

لعل الذي ساهم في بلورة الإشكال المرتبط بتحديد الطبيعة القانونية للكتابة في عقد الزواج هو الدور المزدوج لإشهاد العدلين، فهو من جهة وسيلة إثبات ومن جهة ثانية يعتبر شرطا شكليا مقصود لذاته لذلك نجد أن كثير من الفقهاء من يعتمد على تفسير كلمة “عدلين” لتحديد الوصف القانوني للكتابة في عقد الزواج.

فكتابة عقد الزواج حسب هذا الجانب من الفقه لا تعتبر شرط في صحة العقد لأن الزواج من منظورهم ينعقد بمجرد وجوب تطابق بين إيجاب وقبول الزوجين وبالتالي لا يتطلب كتابة عقد الزواج حتى يعتبر صحيحا وقد اعتمدوا في رأيهم هذا على مجموعة من المؤيدات من ضمنها:

  1. أن الفقه الإسلامي كقاعدة عامة لا يعرف نظام العدول المنتصبين للإشهاد و لا مسألة توثيق عقد الزواج ، و إنما هي أمور اقتضتها حماية مصالح الناس من الضياع و الإنكار ، سواء كان صادرا من أحد الزوجين أو من الغير ، و بذلك يكون الفقه الإسلامي قد صنف عقد الزواج ضمن العقود الرضائية[31]، التي لا تعتبر فيها الكتابة شرط صحة ، إنما مجرد وسيلة احتياطية للإثبات ، و هو نفس الموقف الذي تبناه أستاذنا محمد الكشبور[32]، صنف عقد الزواج ضمن العقود الرضائية التي لا تعد فيها الكتابة شرط صحة و لا شرط انعقاد بل هي أحيانا عرقلة واضحة لحرية الزواج[33].
  2. لو كانت الكتابة ركن من أركان عقد الزواج ، فإن تخلفها يجعل عقد الزواج باطل ، وحسب المادة 57 من مدونة الأسرة الزواج الباطل هو الزواج الذي اختل فيه أحد أركان المنصوص عليها في المادة 10 و التي هي الإيجاب و القبول ، أو بانعدام التطابق بينهما ، كما يكون الزواج باطلا إذا وجد بين الزوجين أحد موانع الزواج المنصوص عليها في المواد 35 إلى 39 من مدونة الأسرة [34]، و بالتمعن في هذه الحالات نلاحظ أن المشرع عمل على تحديد ثلاث حالات فقط يكون فيها زواج باطل وليس من ضمن هذه الحالات تخلف الكتابة، كما أن التعداد أورده المشرع على سبيل الحصر و من تم لا يمكن أن نضيف إليه حالات أخرى و غير تلك الحالات التي تم التنصيص عليها ، و لهذا لا يمكن القول أن الكتابة ركن من أركان عقد الزواج لأن هذا القول من شأنه أن يخالف النص القانوني.
  3. كما أن المشرع المغربي لم يجعل الكتابة ، شرطا إلزاميا لصحة عقد الزواج و تعد مقتضيات المادة 16 من مدونة الأسرة ، من أبرز المؤشرات التي توحي بالطابع الرضائي لعقد الزواج ، و تشكك في طابعه الشكلي المحض ، فلم تعد الوثيقة الرسمية الموثقة من طرف العدلين المنتصبين للإشهاد الوسيلة الوحيدة المعتمدة في إثباته[35]، إذ كيف يعقل أن يعتبر المشرع الكتابة شرطا لصحة العقد و يسمح بصفة استثنائية إثباته بغير الكتابة ، بحيث نص المشرع في الفقرة الثانية من المادة 16 على ما يلي :” إذا حالت أسباب قاهرة دون توثيق العقد في وقته ، تعتمد المحكمة في سماع دعوى الزوجية سائر وسائل الإثبات و كذلك الخبرة.”

ثانيا: مؤيدات تبني الطابع الشكلي لعقد الزواج

نظرا لما يكتسبه عقد الزواج من أهمية كبيرة وماله من آثار خطيرة تنسحب مباشرة إلى أفراد الأسرة، وحفاظا على الروابط العائلية، وتفاديا للكثير من النزاعات التي يمكن أن تثور بشأنها، استلزم المشرع توثيق هذا العقد[36] ، وأخضعه لمجموعة من الشروط الشكلية، تجعله يتميز عن غيره من العقود التي يجريها الإنسان في حياته.

لذلك نجد بعض الفقه يعمل على إدراج عقد الزواج ضمن العقود الشكلية [37]، التي تعتبر أن الكتابة فيها شرط من شروط قيامها وليست مجرد وسيلة إثبات وقد استدلوا على رأيهم هذا بمجموعة من المؤيدات منها:

  1. من المعلوم أن نصوص الشريعة الإسلامية وقواعدها العامة متضافرة على مراعاة مصالح الناس ومجمعة على محافظة على حقوقهم وحمايتها من الضياع والإنكار، ولا شك أن اشتراط الكتابة عقد الزواج هو من شأنها حفاظا على الحقوق المترتبة على هذا العقد وحمايتها من الضياع والتنكر.

ولذلك يتعين تعويد الناس على ضرورة كتابة رسوم زواجهم لأن الإجراءات الشكلية التي اشترطها المشرع المغربي كانت تهدف خدمة المجتمع وترغب في الإصلاح.

  1. إن المشرع من خلال الفقرة الرابعة من المادة 13 من مدونة الأسرة أصبح يشترط في عقد الزواج الكتابة ، بحيث أوجب “سماع العدلين التصريح بالإيجاب و القبول من الزوجين و توثيقه”[38]، و المشرع باشتراطه الكتابة يكون قد أحاط عقد الزواج بسياج من الشكلية تجعله في منآي عن التلاعب من طرف بعض الأزواج سيئ النية و تفادي كل التحايل عليه و إنكار للعلاقة الزوجية في غياب التوثيق ، و هذا ما دفع ببعض الباحثين المغاربة [39]، إلى القول أن المدونة اعتبرت توثيق عقد الزواج شرطا من الشروط الواجب توفرها في العقد تحت طائلة عدم الاعتداد به ووقوعه ناقصا.

كما ان المشرع عندما اشترط كتابة عقد الزواج فإنه في الحقيقة لم يأتي بجديد ما دامت مدونة الأحوال الشخصية الملغاة كانت هي الأخرى تنص على وجوب توثيق العقد بصفة ضمنية والتي تستنتج من طبيعة عمل العدلين الذين لا يكتفيان بتلقي الشهادة، بل يعمدان إلى كتابتها طبقا للضوابط التوثيقية.

المطلب الثاني: إثبات الزوجية بغير الكتابة وحدود اللجوء إلى دعوى ثبوت الزوجية في المغرب الراهن

إن توثيق عقد الزواج أصبح في الوقت الراهن امر ضروري خاصة مع تراجع الوازع الديني وانعدام ضمائر كثير من الناس، وساد التنكر والتحلل من الالتزامات لذا نجد أن مدونة الأسرة كانت صريحة وواضحة عندما اعتبرت في الفقرة الأولى من المادة 16 وثيقة عقد الزواج الوسيلة المقبولة لإثباته، لكنها مع ذلك أبقت الباب مفتوحا عندما تحول ظروف قاهرة دون توثيق العقد في إبانه لإثبات العلاقة الزوجية، إلا أن هذا الأمر جاء مبنيا على ضوابط

موضوعية وشكلية ينبغي لأطراف العلاقة الزوجية اتباعها، وذلك خلافا لما كان عليه الأمر في ظل مدونة الأحوال الشخصية الملغاة حيث كان تطبيق حالة الاستثناء لا تخضع إلى أي ضوابط، وهذا الأمر كان من شأنه أن يؤدي إلى إفراغ المقتضيات التي تنظم توثيق عقد الزواج من محتواها من جهة ومن جهة ثانية يمكن أن يكون ذريعة يحتمي بها فاسدوا الذمم لتكييف فسادهم بزواج شرعي.

وللإحاطة أكثر بموضوع الدراسة سنعمل على إعطاء نظرة حول الضوابط الشكلية لإثبات الزوجية بطريق الاستثناء في ظل المادة 16 من مدونة الأسرة واجتهادات القضاء في (الفقرة الأولى)، على أن نخصص (الفقرة الثانية) لدراسة الضوابط الموضوعية وحدود قبول دعوى ثبوت الزوجية في ضوء التوجهات التشريعية والقضائية الحديثة لإصلاح مدونة الأسرة.

الفقرة الأولى: الضوابط الشكلية لإثبات الزوجية بطريق الاستثناء في ظل المادة 16 من مدونة الأسرة واجتهادات القضاء

تُحَد الضوابط الشكلية لإثبات الزوجية بطريق الاستثناء، في ظل المادة 16 واجتهادات القضاء، ضمن إطار صارم يجعل من دعوى ثبوت الزوجية مسطرة استثنائية لا تلجأ إليها المحكمة إلا عند تعذر التوثيق الرسمي في إبانه، تنص المادة 16 صراحة على أن وثيقة عقد الزواج هي الوسيلة المقبولة لإثبات الزواج، ولا يُفتح باب سماع دعوى الزوجية إلا إذا حالت «أسباب قاهرة» دون توثيق العقد في وقته، مما يفرض على المدعين بيان هذه الأسباب في المقال وتقدير جدّيتها من طرف المحكمة، مع رفع الدعوى أمام قسم قضاء الأسرة المختص، في حياة الزوجين، وبمقال مستوفٍ للبيانات والوثائق الأولية المتاحة.[40]

ولقد كانت معظم تجديدات التي عرفتها مدونة الأحوال الشخصية الملغاة المنصبة في إطار القواعد الموضوعية دون القواعد الشكلية رغم ما لها من أهمية في صيانة الحقوق وحمايتها، حيث ظلت خاضعة للقواعد العامة المتضمنة في قانون المسطرة المدنية، إلا أن الأمر قد تغير في ظل مدونة الأسرة حيث نجد أن المشرع عمل على خلق نوع من الازدواجية بين ما هو موضوعي وما هو شكلي وهذا يتبين من خلال إدراج العديد من إجراءات مسطرية ضمن بنود مدونة الأسرة.

 لهذا سنضطلع على الوسائل المعتمدة لإثبات الزوجية (أولا)، بينما سنخصص الحديث في (ثانيا) عن المسطرة المتبعة لإثبات الزوجية.

أولا: الوسائل المعتمدة لإثبات دعوى الزوجية

يعتبر إثبات العلاقة الزوجية من أهم وأكثر القضايا المطروحة على القضاء، فعقد الزواج يعتبر أهم وثيقة إثباتية، حيث يعتمد عليها عند أي نزاع ويحتج بها في مجال ثبوت الزوجية أو النسب أو الإرث، الأمر الذي يستلزم كتابة هذا العقد وتحريره وفق الشكل المطلوب قانونا.

وطبقا لنصوص مدونة الأسرة، لا تعتبر كتابة عقد الزواج الوسيلة الوحيدة لإثباته (أ)، بل سمح المشرع استثناء للمحكمة باعتماد سائر وسائل الإثبات وكذا الخبرة في سماع دعوى الزوجية(ب).

  • الكتابة كقاعدة عامة في إثبات الزواج

أولى المشرع المغربي لتوثيق عقد الزواج عناية خاصة، حيث اعتبر الوثيقة المتعلقة به هي الوسيلة المقبولة في إثباته ولا يجوز اللجوء إلى غيرها إلا استثناء، لكنه في بعض الأحوال قد تحدث ظروف قاهرة تستوجب العدول عن هذا الأصل.

  • اعتبار وثيقة عقد الزواج الوسيلة المقبولة في إثباته

بالرجوع إلى المقتضيات القانونية المضمنة في المواد 65 و69 من مدونة الأسرة، يتضح جليا أن انعقاد الزواج لا يمكن أن يصير نهائيا إلا إذا استوفى مجموعة من الإجراءات الشكلية تنتهي بإبرام العقد أمام عدلين منتصبين للإشهاد، والذين أعطاهما المشرع وحدهما ودون غيرهما الاختصاص لتوثيق العقد توثيقا رسميا[41].

فعقد الزواج من العقود التي تكتسي أهمية كبيرة لما يرتبه من آثار خطيرة تنسحب مباشرة إلى أفراد الأسرة، لذلك وحفاظا على الروابط العائلية، وتفاديا للكثير من النزاعات استلزم المشرع توثيق هذا العقد [42]، حتى يكون سندا قويا يعتد به في إثبات الحقوق المتولدة عنه[43].

وقد أظهر الواقع العملي أن كتابة وثيقة الزواج لها أهمية بالغة في حل النزاعات المتعلقة بإثبات الرابطة الزوجية أو عدمها.

  • العدول عن كتابة عقد الزواج مرتبط بوجود أسباب قاهرة

إن كتابة العقود الشرعية المتعلقة بالأسرة وخاصة عقد الزواج تلعب دورا ذو أهمية بالغة في حماية الحقوق الناتجة عنها، إذ تسهل إثباتها وتحفظها من الضياع والنسيان [44].

فكتابة عقد الزواج شيء مرغوب فيه، بحيث يتضمن العقد مجموعة من البيانات التي يمكن الرجوع إليها عند الضرورة، ولهذا رغب المشرع في توثيق عقد الزواج وتسجيله [45].

إذا، فلا أحد يجادل في الأهمية العملية لعقد الزواج في حل الكثير من النزاعات الخطيرة التي تؤثر سلبا على وضعية الأسرة، ولهذا الاعتبار نص المشرع في المادة 13 من مدونة الأسرة على أن من الشروط الواجبة في انعقاد الزواج سماع العدلين التصريح بالإيجاب والقبول من الزوجين وتوثيقه، أي تلقي الإشهاد على عقد الزواج ثم كتابته على الشكل الذي فرضته المدونة[46].

  • تخلف الكتابة يستوجب إثبات الزواج بباقي الوسائل

الأصل أن وثيقة عقد الزواج لها قوة إلزامية في إثبات دعوى الزوجية، لكن في حالة تخلف هذه الوثيقة لظروف قاهرة يمكن الأخذ بسائر وسائل الإثبات، فضلا عن الخبرة لإثبات قيام الرابطة الزوجية.

  • إثبات الزواج بسائر وسائل الإثبات

أمام كثرة القضايا المعروضة على أنظار القضاء فيما يخص إثبات الزوجية، ونظرا لما لهذه الأخيرة من أهمية بالغة لارتباطها بوضعية الاسرة كالنسب والإرث والنفقة، فقد سمح المشرع المغربي بسماع دعوى الزوجية من دون أن يقيد إثباتها بوسيلة مخصوصة، بل اعتمد على جميع الوسائل التي يمكن أن تقود إلى تبوث الرابطة الزوجية وهو ما نصت عليه المادة في فقرتها الثانية:”…. تعتمد المحكمة في سماع دعوى الزوجية سائر وسائل الإثبات وكذا الخبرة….”

مقال قد يهمك :   le sport dans la législation marocaine : quel statut pour le sportif de haut niveau

وإذا كان العمل قد جرى في ظل المدونة السابقة على حصر طرق الإثبات في البينة الشرعية المتمثلة في شهادة اللفيف [47]، فإن المقتضيات الجديدة قد وسعت من دائرة الإثبات وأعطت للمحكمة سلطة واسعة في دعاوى الزوجية، إذ لها الحرية في اعتماد سائر وسائل الإثبات.

ولعل من أهم وسائل التي تستند عليها المحكمة في إثبات الزوجية نجد:

  • الإقرار: وهو اعتراف شخص بحق عليه للأخر قصد ترتيب حق في ذمته وإعفاء الآخر من إثباته، وهو الإقرار نوع من الشهادة لأن الشخص يقر بواقعة منتجة لأثر قانوني على عاتقه، أي يجعل حقا ثابتا في ذمته للأخر سواء كان هذا الحق محل منازعة بينهما أو لم يكن[48].
  • شهادة الشهود: وتعتبر في الفقه الإسلامي أهم وسيلة للإثبات في جميع الميادين وخاصة في مجال الأحوال الشخصية، وهي أكبر حجة بعد الإقرار[49]، والشهادة في التشريع المغربي تعني تقرير حقيقة أمر توصل الشاهد إلى معرفته بعينه أو بإذنه[50].

وإذا كان الأصل أنه لا يجوز للشاهد أن يشهد بشيء لم يعاينه بنفسه، فإنه استثناء أجاز الفقه العمل بشهادة السماع [51]، وهي المبنية على اشتهر بين الناس تواترا دون أن يقول الشاهد أنه سمع من شخص معين، وهذا النوع من الشهادة لا يطلق غلا في أشياء مخصوصة وهي النكاح والنسب والموت[52].

  • اليمين: هي استشهاد الله تعالى على قول الحق مع الشعور لهيبة المحلوف به وجلاله والخوف من عقابه.

واليمين في التشريع المغربي تؤدى أمام القضاء على نوعين:

يمين متممة وهي التي للقاضي أن يوجهها لأحد الخصمين تتميما للأدلة المقدمة إليه، ثم يمين حاسمة وهي التي يؤديها المدعي عند عجزه عن إثباته حقه حسما للنزاع[53].

وعموما فقد أحسن المشرع صنعا حينما نص على اعتماد سائر وسائل الإثبات بما فيها القرائن في إثبات الزوجية، إذ من شأن هذا التوجه أن يساهم في حل إشكالية الإثبات التي كانت تعترض مثل هذه الدعاوى.

  • الخبرة كمؤيد حاسم في دعاوى إثبات الزوجية

لم يشر المشرع المغربي في مدونة الأحوال الشخصية لا صراحة ولا ضمنا إلى الاستعانة بالخبرة في دعوى إثبات الزوجية، بل حدد الوسائل التي تثبت به هذه الأخيرة في البينة الشرعية وفق ما نص عليه الفصل الخامس من المدونة:”…… يجوز للقاضي-بصفة استثنائية- سماع دعوى الزوجية واعتماد البينة الشرعية في إثباتها”.

وقد أثار إقصاء المشرع للخبرة من مجال دعوى الزوجية وغيرها من مسائل الأحوال الشخصية – وخاصة في موضوع النسب- نقدا لاذعا من طرف الفقه المغربي، إذ يصعب على الباحث المتجرد حاليا أن يستسيغ كيف أن الفقهاء من عهد الصحابة والخلفاء الراشدين كانوا يلجؤون إلى القافة وهي مجرد خبرة بدائية مبنية على الحدس والتخمين لتحديد نسب الولد ومعرفة والده الحقيقي[54]، بينما تخلف المشرع المغربي عن الأخذ بها، لاسيما وأنها تلعب دورا حاسما في التأكد من حقيقة الرابطة الزوجية من عدمها[55].

وعلى خلاف ذلك، فقد تبنى المشرع المغربي أثناء صياغته لنصوص المدونة الجديدة الخبرة كأهم وسائل الإثبات الشرعية المعتمدة في حل الإشكالات والخلافات المعروضة أمام القضاء خصوصا إذا تعلق الأمر بدعاوى الزوجية [56]، وهو ما نص عليه المشرع في المادة 16:” ….. إذا حالت أسباب قاهرة دون توثيق العقد في وقته، تعتمد المحكمة في سماع دعوى الزوجية سائر من وسائل الإثبات وكذا الخبرة….”.

وبطبيعة الحال، قد يقع التساؤل هنا عن ماهية الخبرة، وكيف تثبت بها العلاقة الزوجية؟

بالرجوع إلى الدليل العملي لمدونة الأسرة نجد ينص على ما يلي: ” ومن القرائن التي يمكن اعتمادها لوجود العلاقة الزوجية الخبرة المثبتة لعلاقة البنوة إلى المدعى عليه….”[57].

ثانيا: المسطرة المتبعة لإثبات دعوى الزوجية

لا شك أن التعديلات العميقة التي جاءت بها مدونة الأسرة على المستوى الموضوعي قد فرضت بالنتيجة إجراء تعديلات أخرى على مستوى نظام الإجراءات المسطرية وذلك حتى يتأتى لهذا النظام إستيعاب كل جديد مضمن بمدونة الأسرة.

لهذه الغاية، نجد أن إجراءات التقاضي بشأن قضايا الأسرة تتسم بنوع من الخصوصية بحيث تخرج بطبيعتها عن القواعد العامة المطبقة في كل دعوى، وهذا ما سوف نحاول إبرازه من خلال المسطرة المتبعة في دعوى الزوجية من خلال التطرق لمختلف الإجراءات التي يجب على الراغب في إثبات زواجه غير الموثق إتباعها ويتعلق الأمر بكيفية رفع دعوى الزوجية (أ)، ثم نتعرض بعد ذلك لكيفية البث في دعوى الزوجية (ب).

  • كيفية رفع دعوى الزوجية

إن عدم الإشهاد على الزواج من قبل العدلين في ظل مدونة الأسرة يستوجب رفع دعوى من أجل إثبات الزواج وصدور حكم يثبت العلاقة الزوجية وهي دعوى ترفع إما من قبل الزوجين معا أو أحدهما، أو كل من له الصفة والمصلحة في ذلك كالأبناء مثلا في حالة وفاة الوالدين[58].

وعليه، يتعين على الأشخاص الذين يفتقرون إلى رسوم الزواج اللجوء إلى القضاء من أجل استصدار حكم لإثبات زواجهم غير الموثق أمام العدلين، محترمين في ذلك جميع الشروط الموضوعية [59]، والشكلية التي حددها المشرع.

إلا أن الملاحظة التي يجب إبداءها في هذا المجال هي أن المشرع لم يعمل على إخضاع دعوى الزوجية إلى مسطرة خاصة كما هو الشأن بالنسبة لدعوى التعدد أو غيرها من القضايا التي أفرد لها إجراءات خاصة تميزها ومن ثم فهي تخضع للإجراءات المسطرة العادية التي تخضع لها باقي القضايا الأسرية.

ولذلك، يتعين على كل من يرغب في إثبات الزوجية أن يتقدم بدعوى أمام المحكمة الابتدائية، قسم قضاء الأسرة عملا بالفصل الثاني من قانون الالتزامات والعقود، إذ نص صراحة على أنه:” يمكن لكل غرفة أن تبحث وتحكم في كل القضايا المعروضة على المحكمة كيفما كان نوعها باستثناء ما يتعلق بأقسام قضاء الأسرة[60].

وهذا المقتضى يدل في الحقيقة على مدى رغبة المشرع وحرصه على خلق قضاء مستقل ومتخصص وسريع بهذا الخصوص، وهو أيضا يدل على مدى الاهتمام بالأسرة، وإبعاد البث في قضاياها من طرف القضاء المغربي الذي غالبا ما وصف بالبطء[61].

ب- كيفية البث في دعوى الزوجية

بعد استيفاء مقال الدعوى كل الشروط الشكلية والموضوعية، يقيد في سجل [62]، معد لذلك حسب الترتيب التسلسلي لتاريخ وروده إلى قسم قضاء الأسرة.

ثم يفتح لكل قضية ملف خاص بها يحمل رقما موافقا للرقم الوارد بالخانة المتعلقة به في السجل المذكور، ثم يحال الملف على رئيس المحكمة الذي يعين قاضيا مقررا في ظرف أربع وعشرين ساعة، رغم أن المشرع لم يرتب أي جزاء على عدم احترام هذا الأجل، فإنه يتعين على رئيس المحكمة أن يراعي أهم غايات المشرع من إحداث أقسام خاصة بقضايا الأسرة وهي السرعة في البث.

وتعد مسألة تبليغ المقال واستدعاء طرفي النزاع من بين القواعد الجوهرية والأساسية في التقاضي لأن مواجهة الأطراف المتنازعة بعضهم بعضا يعد أمر ضروري في إجراءات التقاضي لأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال الاحتجاج ضد شخص بإجراء معين إلا بعد أن يتم إشعاره عن طريق تبليغه إياه[63].

ولقد حدد قانون المسطرة المدنية الإطار العام لمسطرة التبليغ والتي يمكن الاعتماد عليها في إطار دعوى الزوجية باعتبار أن المشرع لم يفرد لها مسطرة خاصة بها وذلك من أجل ضمان حضور أطراف الدعوى وسماع أقوالهم من جهة، أو على الأقل ضمان إحاطتهم علما بجميع الإجراءات المتخذة من طرف المحكمة أو من طرف أحدهم ضد الآخر من جهة أخرى[64].

الفقرة الثانية: الضوابط الموضوعية وحدود قبول دعوى ثبوت الزوجية في ضوء التوجهات التشريعية والقضائية الحديثة لإصلاح مدونة الأسرة

تتجه الضوابط الموضوعية لقبول دعوى ثبوت الزوجية في المرحلة الراهنة إلى حصر هذا الاستثناء في الحالات التي يثبت فيها قيام علاقة زوجية شرعية قديمة، مستوفية للأركان المقررة شرعاً (الإيجاب والقبول، الولاية عند الاقتضاء، الصداق، الشاهدان، انتفاء الموانع)، ومدعومة بقرائن قوية كالمعاشرة الفعلية الطويلة، ووجود أبناء أو حمل، وإشهاد الجيران والأقارب، مع ثبوت انتساب الزوجة إلى بيت الزوجية وعدم وجود منازعة جدية في أصل العلاقة. وقد أكدت أحكام المحاكم وقرارات محكمة النقض بعد 2019 إمكانية سماع هذه الدعاوى استناداً إلى المواد 10 و400 من مدونة الأسرة والمرجعية المالكية، متى كان الهدف الأساس هو حماية شرف المرأة والنسب وترتيب الآثار القانونية، شريطة ألا يترتب عن الحكم أي مساس بحقوق الغير أو بالنظام العام، وهو ما يبرز توجهاً قضائياً حمائياً مكملاً للنصوص[65].

وإن الفقرة الانتقالية من المادة 16 المتعلقة بأجل سماع دعوى ثبوت الزوجية انتهى العمل بها منذ 3 فبراير 2019، لكن هذا لا يعني انتهاء إمكان إثبات الزوجية بغير العقد المكتوب مطلقاً، لكن مدونة الأسرة ما زالت تقرر، كقاعدة عامة، أن الزواج لا يثبت إلا بعقد موثق، غير أن القضاء (ومنها أحكام ابتدائية وقرارات لمحكمة النقض)[66] استمر في قبول دعاوى ثبوت الزوجية في حالات خاصة، استناداً إلى باقي مواد المدونة، خصوصاً المادتين 10 و400، متى تحققت علاقة زوجية شرعية قديمة مدعومة بقرائن قوية (معاشرة فعلية، أولاد، إشهاد، إلخ) ولم يترتب عن الاستجابة للطلب مساس بالنظام العام أو حقوق الغير.

في المقابل، توجهات الإصلاح المعلنة تجعل عقد الزواج العدلي الوسيلة الأصلية والحصرية لإثبات الزوجية، مع حصر اللجوء إلى دعوى ثبوت الزوجية في حالات استثنائية وضبطها تشريعياً، ما يعني أن هامش الاستثناء الذي فتحته المادة 16 في صيغتها الانتقالية لن يبقى مفتوحاً كما كان، بل سيضيق جداً ويرتبط أساساً بحماية الأطفال وتسوية أوضاع قديمة لا يمكن تجاهلها.[67]

 وإن إثبات الزوجية بغير وثيقة عقد الزواج، ليس شيئا جديدا استحدثته مدونة الأسرة، بل إن المشرع المغربي قد عمل على تنظيمه في ظل مدونة الأحوال الشخصية من خلال مقتضيات المادة 5 حيث أجاز للقاضي بصفة استثنائية لسماع دعوى الزوجية وإعمال البينة الشرعية في إثباتها.

إلا أن التطبيق العلمي لهذه المادة طرح عدة إشكالات حملت معها معاني مختلفة تبعا لتباين الآراء سواء على مستوى الوسيلة المعتمدة في إثبات الزوجية أو على مستوى المبررات التي كانت وراء صياغتها، وأكثر من ذلك لم يقف هذا التباين في إطاره النظري الصرف، بل امتد ليشمل حتى ميدان التطبيق العملي، إذ لم يستقر القضاء المغربي على اجتهاد واضح بشأن تطبيق مقتضياتها.

فما هو أساس الآخذ بحالة الاستثناء (أولا)، وما هي الظروف المؤثرة في دعوى الزوجية (ثانيا).

أولا: أساس الأخذ بحالة الاستثناء

إن أهم الشروط التي ينبغي توفرها للأخذ بحالة الاستثناء تكمن في إثبات السبب القاهر الذي حال دون توثيق عقد الزواج في إبانه أمام العدلين المنتصبين للإشهاد، إلا أن المشرع المغربي سواء في ظل مدونة الأحوال الشخصية الملغاة أو مدونة الأسرة لم يعمل على إعطاء مفهوم واضح للسبب القاهر(أ)، ثم ماهي الدواعي التي كانت وراء إيجاد حالة الاستثناء والإبقاء عليها في ظل مدونة الأسرة (ب).

أ- مفهوم السبب القاهر

إذا كان المشرع المغربي قرر في الفقرة الأولى من المادة 16 من مدونة الأسرة قاعدة إثبات عقد الزواج بالوثيقة العدلية، فإنه وضع استثناء على هذه القاعدة في الفقرة الثانية من نفس المادة. بمقتضاه يمكن إثباته بواسطة حكم قضائي وفقا لمجموعة من الشروط وعليه فقد نصت هذه الفقرة على أنه:” إذا حالت أسباب قاهرة دون توثيق العقد في وقته تعتمد المحكمة في سماع دعوى الزوجية سائر وسائل الإثبات وكذلك الخبرة”.

فمن خلال هذه الفقرة يتبين أن أطراف الدعوى يجب حتى تقبل دعواهم إثبات السبب القاهر الذي حال دون توثيق عقد زواجهم أمام العدلين المنتصبين للإشهاد، وبالرغم من أن المشرع قد اشترط إثبات السبب القاهر فإنه لم يبين المقصود منه إذ ترك ذلك للفقه والقضاء.

وقبل ذلك تجدر الإشارة إلى أن المشرع المغربي في ظل مدونة الأحوال الشخصية الملغاة كان يتحدث عن حالة الاستثناء أما في مدونة الأسرة فهو يتحدث عن السبب القاهر، وقد ذهب أستاذنا الكشبور إلى أن الأمر يتعلق بتهذيب في الصياغة لا تغيير في الجوهر[68].

ب- أسباب اللجوء لإثبات الزوجية عن طريق الاستثناء

لعل الأسباب التي جعلت المشرع ينظم إثبات الزوجية عن طريق الاستثناء ترجع بالأساس إلى ظروف زمنية وأخرى مكانية أو لظروف طارئة يجد الأفراد أنفسهم فيها يتعذر من خلالها عليهم إبرام عقود زواجهم أمام العدلين المنتصبين للإشهاد.

وعموما يمكن إجمال هذه الأسباب فيما يلي:

  • إن المشرع في إرادة حالة الاستثناء كان يهدف بالأساس إلى مراعاة الوضعية القائمة بالمغرب، حيث أن نسبة كبيرة من السكان لا يملكن عقود مكتوبة تثبت أنكحتهم، فإذا قام نزاع بين طرفي العلاقة الزوجية والقانون يفرض وجوب إشهاد عدلين وكتابة العقد، فكيف سيتعامل القضاء المغربي مع هذه الوضعية، ولذلك تدخل المشرع من خلال المادة 16 من مدونة الأسرة ومن قبلها المادة 5 من المدونة الملغاة وخول للقاضي سماع دعوى الزوجية[69].
  • إن إيراد الاستثناء يحقق نفس الغاية التي يتوخاها المشرع من تنصيصه على ضرورة الإشهاد على الزواج وتوثيقه، ألا وهو صيانة الأسرة، وتحقيق مقاصد الشريعة في الحفاظ على النسل، لذلك فإن إنهاء العمل بالاستثناء رهين بارتفاع الأسباب المبررة لإيجاده وإقراره في نص تشريعي.

  • إن العدول المنتصبين للإشهاد، وما يفرض ذلك من خطاب القاضي وسجلات للتوثيق لم يكن متوفرا في جل أنحاء المغرب من حاضرة وبادية حيث أن جل المغاربة، وفي كثير من الجهات يكتفون بإشهاد جماعة من الناس الذين يحضرون حفل الزفاف، ويرون الزوج يعاشر زوجته معاشرة الأزواج، فيقوم ذلك مقام الإشهاد، حيث إذا احتيج إلى إثبات هذا الزواج، أمكن إشهاد عدد ممن حضروا هذا الزفاف أو سمعوا عنه سماعا[70].

  • إن العدول عن الإشهاد العدلي، هو بمثابة عادة استحكمت في نفوس سكان المغرب خاصة في البادية، وكذلك من نزح منهم إلى المدن، حيث جرت العادة على الاستغناء على شهادة الشهود في الزواج [71]. وهذا يتبين من خلال بعض الأحكام الصادرة عن المحكمة الابتدائية بالرباط، وحيث من خلال جلسة البحث أكد العارضان بأنهما متزوجان منذ 12 سنة برضاهما وبصداق قدره 20000 درهم وبحضور ولي وهو والد الزوجة وأنه بالمناسبة تمت قراءة الفاتحة وأقيم حفل زفاف حضرته العائلة وأن العلاقة الزوجية لازالت مستمرة، وبأن السبب في عدم توثيق زواجهما يعزي إلى اعتقادهما أن قراءة الفاتحة تغني عن توثيق الزواج[72].
  • إن المتعاقدين قد يتواجدون في مكان لا عدول فيه، خاصة بالنسبة لزوج المغاربة في الخارج، حيث أن زواج المغاربة المسلمين في الخارج حسب قواعد الشريعة الإسلامية أمام عدلين بالمفهوم المنصوص عليه في المدونة كان يستحيل استحالة مادية أمام غياب جهاز العدول في كثير من البلدان الأجنبية[73].

ثانيا: الظروف المؤثرة في دعوى الزوجية

لقد كان العمل بإحالة الاستثناء في ظل مدونة الأحوال الشخصية غير خاضع لأي ضوابط أو قواعد تنظمها، وهذا الأمر أدى من الناحية التطبيقية إلى إفراغ المقتضيات التي تنظم توثيق عقد الزواج من محتواها، هذا من جهة، ومن جهة ثانية شكلت آلية من الآليات القانونية التي يعتمد عليها فاسدوا الذمم لتكييف فسادهم بزواج شرعي.

ولذلك، نجد أن المشرع قد تدخل من خلال الفقرة الثالثة من المادة 16 من مدونة الأسرة على تحديد الضوابط التي ينبغي على المحكمة أن تأخذها بعين الاعتبار وهي تنظر في الدعوى الزوجية وتكمن هذه الضوابط وبالأساس وجود أطفال أو حمل ناتج عن العلاقة الزوجية (أ)، وما إذا رفعت الدعوى في حياة الزوجين (ب). 

  • وجود أطفال أو حمل كعامل مؤثر في دعوى الزوجية

لقد حرص المشرع من خلال مجموعة من مقتضيات المدونة على تدعيم مركز الطفل وذلك بهدف مواكبة الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب والخاصة بحقوق الطفل والتي تشدد على ضرورة جعل مصالحة الفضلى فوق كل اعتبار.

ولذلك، نجد أن المشرع قد عمد على جعل وجود الأطفال أو حمل ناتج عن العلاقة الزوجية ضمن العوامل التي من شأنها أن تؤثر في دعوى الزوجية والتي ينبغي للمحكمة أن تأخذها بعين الاعتبار وهي تنظر في النزاع المعروض عليها.

  • رفع الدعوى في حياة الزوجين

يعتبر هذا المقتضى من بين المقتضيات الجديدة التي عمل المشرع على إدراجها ضمن العوامل التي من شأنها أن تؤثر في دعوى ثبوت الزوجية.

فرفع دعوى في حياة الزوجين كان الهدف منها هو مواجهة لأفراد ذوي النيات الفاسدة الذين كانوا يستغلون سهولة إثبات في دعوى اثبات الزوجية لتحقيق أغراضهم غير المشروعة ، فكثيرا ما كان يقيم بعض الأشخاص دعوى لإثبات الزوجية على امرأة متوفاة طمعا في الاستفادة من الحق في الإرث ، أو أن تسلك امرأة هذه الطريقة من أجل نسب أبنائها غير الشرعيين لرجل لا علاقة له بهم ، أو غير ذلك من الحالات التي قد تخلف وقائع شاذة في المجتمع ، كأن  تنجز زوجة لفيفا بثبوت الزوجية مع رجل متوفى في وقت لازالت مرتبطة بزواج قائم من زوجها الغائب[74].

ومن ثم فرفع الدعوى من كلا الزوجين لا يزالان على قيد الحياة يجعلها تكتسي طابع الجدية، ويضفي عليها نوع من المصداقية بل قد يسهل إثباتها لأن الزوجين هما يكونا أكثر اطلاعا على الأسباب التي جعلتهم لم يوثقوا عقد زواجهم أمام العدلين، على خلاف ذلك إذا رفعت الدعوى بعد وفاة أحد الزوجين أو كليهما فإن الأبناء أو الطرف الباقي على قيد الحياة سوف يجد صعوبة في الإثبات[75].

إلا أن هذا الأمر يجب ألا يفهم منه أن رفع دعوى من قبل الزوجين في حياتهم هو شرط لقبول الدعوى الزوجية، لأن الأخذ بهذا المعنى ينافي قواعد الفقه المالكي [76]من جهة، ومن جهة أخرى يفضي إلى إلحاق الضرر بالأسرة ويهددها بالتشتت والضياع.

خاتمة:

صفوة القول، يتضح على امتداد هذا المقال أن المشرع المغربي حرص على إحكام تنظيم عقد الزواج، وضبطه بقواعد إجرائية دقيقة، بما يجنبه مظاهر الاضطراب والإشكالات العملية التي كانت تعترض انعقاده وإثباته في ظل مدونة الأحوال الشخصية، وذلك عبر تكريس التوثيق العدلي كوسيلة أصلية لإثبات العلاقة الزوجية، وعدم اللجوء إلى دعوى ثبوت الزوجية إلا على سبيل الاستثناء وفي نطاق ضيق.

وقد مكن تنظيم المادة 16 من مدونة الأسرة من الحد من معضلة الإثبات في دعوى الزوجية، التي كان العمل القضائي يميل إلى اختزالها في شهادة اللفيف بوصفها النموذج الغالب للبينة الشرعية، حيث تبنى المشرع نهجاً أكثر مرونة من خلال إقرار قابلية إثبات العلاقة الزوجية بجميع وسائل الإثبات المقررة قانوناً، وإن كان تنصيصه على الخبرة ضمن هذه الوسائل يثير تحفظات معتبرة، لكونها أداة فنية موجهة في جوهرها لإثبات النسب أكثر من إثبات قيام الزوجية من حيث أركانها وشروطها.

وفي أعقاب انتهاء المدة الانتقالية لاستقبال دعاوى ثبوت الزوجية، برزت إشكالية الوضعيات الناتجة عن الزواج غير الموثق، بما فرض على القضاء مواصلة البحث عن مخارج تأويلية متوازنة، لا سيما في ضوء الاتجاه الفقهي الذي يرى في مقتضيات المادة 156 امتداداً حمائياً لوظيفة المادة 16، من حيث ضمان حماية الحمل والنسب في إطار علاقة خطبة جرى فيها الإشهاد وظهرت فيها أمارات الزواج، مع مراعاة توجهات الإصلاح الراهنة الرامية إلى جعل عقد الزواج العدلي الوسيلة الوحيدة لإثبات الزوجية، وتقييد سماع دعوى الزوجية بحالات استثنائية ومضبوطة للحد من انتشار «زواج الفاتحة».

كما يتجلى أن المشرع، وهو يؤطر أحكام دعوى الزوجية، أولى عناية خاصة بالأبناء الناتجين عن العلاقات الزوجية غير الموثقة، من خلال جعل الحكم بثبوت الزوجية مدخلاً غير مباشر لإثبات النسب وترتيب كافة آثاره، متى توافرت شروط صحة العقد وأسبابه، سواء ثبت الزواج بوثيقة عدلية مستجمعة لأركانها أو بموجب حكم قضائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به، الأمر الذي ينسجم مع التوجهات الإصلاحية الجديدة، في أفق 2026، نحو تعزيز حماية الطفل وضمان الأمن الأسري، دون التفريط في مبدأ التوثيق الرسمي كضمانة أساسية للاستقرار والشفافية في روابط الأسرة.


لائحة المراجع

أولا: الكتب

  1. أحمد الخمليشي، التعليق على قانون الأحوال الشخصية، الجزء الأول: الزواج والطلاق، الطبعة الثالثة، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط.
  2. إدريس الفاخوري، قانون الأسرة المغربي، الجزء الأول: أحكام الزواج، الطبعة الأولى، 2005، مطبعة الجسور، وجدة.
  3. إدريس الفاخوري، الزواج والطلاق في مدونة الأحوال الشخصية وفقاً لآخر التعديلات (ظهير 10/9/1993)، الطبعة السادسة، 1999، مطبعة الجسور، وجدة.
  4. إدريس بلمحجوب، الاجتهاد القضائي في مدونة الأحوال الشخصية، الطبعة الأولى، 1995.
  5. عبد العزيز فتحاوي، طرق الإثبات في ميدان الأحوال الشخصية والميراث، طبعة 1996، مطبعة فضالة، المحمدية.
  6. إدريس العلوي العبدلاوي، وسائل الإثبات في التشريع المدني المغربي، طبعة 1990، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء.
  7. محمد محيي الدين عبد الحميد، الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية، الطبعة الثانية، مصر، 1958.
  8. محمد ابن معجوز، أحكام الأسرة في الشريعة الإسلامية وفق مدونة الأحوال الشخصية، الجزء الأول، الخطبة والزواج وطرق انحلال ميثاق الزواج والآثار المترتبة على ذلك، الطبعة الثانية، 1994، مطبعة النجاح الجديدة.
  9. محمد الكشبور، الوسيط في قانون الأحوال الشخصية، الطبعة الخامسة، 2003، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء.
  10. صلاح الدين جمال الدين، تنازع القوانين في مشكلات إبرام الزواج: دراسة مقارنة بالشريعة الإسلامية، مطبعة دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، 2007.
  11. صلاح الدين زكي، أحكام قانون الأسرة في الفقه الإسلامي والتشريع المغربي، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1985.
  12. العلمي الحراق، مدونة الأسرة والتوثيق العدلي: دراسات وتعاليق، مطبعة دار السلام، الرباط، الطبعة الأولى، 2005.
  13. محمد الشتوي، الإجراءات الإدارية والقضائية لتوثيق الزواج، الطبعة الأولى، 2004، المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش.
  14. الحسن بويقين، الجديد في مادة التبليغ بمدونة الأسرة، منشورات جامعة مولاي إسماعيل، مكناس، 2004.
  15. الإمام مالك، المدونة الكبرى، الجزء الرابع، الطبعة الأولى، 1323 هـ، مطبعة السعادة، مصر.
  16. سنن الدارقطني، الجزء الثالث، ص 226، رقم الحديث 23، الطبعة الثالثة، دار عالم الكتب للطباعة والنشر، 1413 هـ.
مقال قد يهمك :   فاتحة الطلحاوي : أي حماية قانونية للمقيد حسن النية في ظل القانون العقاري (07-14 و 08-39 ) ؟

ثانياً: الرسائل الجامعية

  1. هشام علالي، التبليغ في مدونة الأسرة، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، وحدة التكوين والبحث: تشريعات الأسرة والهجرة، جامعة محمد الأول، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، وجدة، 2007-2008.
  2. سناء أقصبي، اختلال عقد الزواج بين أحكام الفقه الإسلامي والقانون الوضعي، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، وحدة البحث والتكوين في قانون الأسرة المغربي والمقارن، جامعة عبد المالك السعدي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، طنجة، 2005-2006.
  3. عبد المجيد خداد، أثر المرض في تكوين عقد الزواج: تأملات حول شهادة الخلو من الأمراض المعدية المشترطة في عقد الزواج، رسالة دبلوم الدراسات العليا، جامعة محمد الخامس – أكدال، السنة الدراسية 2020.

ثالثاً: المقالات والمجلات

  1. عبد الكبير طبيح، مدونة الأسرة ومحددات الفكر الحداثي المجتمعي، مقال منشور بمجلة رسالة المحاماة، العدد 22، نونبر 2004.
  2. محمد الشافعي، الشهادة الطبية قبل الزواج في القانون المغربي، مقال منشور بمجلة المحامي، العدد 32-33.
  3. الفحص الطبي قبل الزواج ومدى مشروعيته، مجلة البحوث الفقهية المعاصرة، السنة السادسة عشرة، العدد 62.
  4. مقال: «قراءة في التوجهات الكبرى لمراجعة مدونة الأسرة المغربية»، موقع مركز الجزيرة للدراسات، 31 دجنبر 2024، يتناول بالتفصيل عمل الهيئة المكلفة بالمراجعة و139 مقترح تعديل شملت كتب المدونة السبعة.
  5. ورقة تحليلية: «مقترحات تعديل مدونة الأسرة وتطلعات الأسرة المغربية» TheVoice.ma، 7 يناير 2025، تعرض خلاصة الخطوط العريضة التي قدمها وزير العدل أمام الملك بخصوص المراجعة.

[1]  الآية 21 من سورة الروم

[2]  الآية 18 من سورة الطور

[3]  الآية 7 من سورة التكوير

[4]  – تنص المادة 16 من مدونة الأسرة على ما يلي: ” تعتبر وثيقة عقد الزواج الوسيلة المقبولة لإثبات الزوجية، إذا حالت أسباب قاهرة دون توثيق العقد في وقته تعتمد المحكمة في سماع دعوى الزوجية سائر وسائل الإثبات وكذلك الخبرة.

القانون رقم 70.03 بمثابة مدونة الأسرة، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.04.22 بتاريخ 12 من ذي الحجة 1424 (3 فبراير 2004).

[5]وقد أسفر هذا الورش عن حزمة من المقترحات ما بين سنتي 2024 و2025، همّت بالأساس:

  • التنصيص على إمكانية توثيق الخطبة وإعطائها أثراً قانونياً محدداً، بما يخفف من إشكالات العلاقات السابقة على التوثيق.
  • اعتماد عقد الزواج العدلي كوسيلة أصلية وحصرية لإثبات الزوجية، مع تقييد اللجوء إلى سماع دعوى الزوجية بحالات استثنائية منصوص عليها، وترتبط أساساً بحماية الأطفال وتسوية أوضاع قديمة، مع تقييد الاعتراف بزواج الفاتحة.
  • مراجعة الشكليات والإجراءات الإدارية لتوثيق الزواج، مع تبسيط المساطر، وتيسير زواج الأشخاص في وضعية إعاقة، واعتماد وسائل التبليغ الإلكترونية في منازعات الأسرة.

[6]وتبرز أهمية هذه المشاريع والمقترحات، بالنسبة لموضوع إثبات العلاقة الزوجية، في كونها تسعى إلى نقل دعوى ثبوت الزوجية من وضعية «المسار البديل للتوثيق» إلى وضعية «الآلية الاستثنائية ذات الوظيفة الحمائية»، وذلك عبر تضييق مجالات اللجوء إليها وربطها أساساً بحماية الأطفال وضمان الأمن الأسري، في انسجام مع التوجه العام نحو جعل التوثيق الرسمي القاعدة المهيمنة في تنظيم الروابط الزوجية بالمغرب.

[7] – تنص المادة 65 من مدونة الأسرة في فقرتها الأولى على ما يلي: ” أولا: يحدث ملف لعقد الزواج يحفظ بكتابة الضبط لدى قسم قضاء الأسرة بمحل إبرام العقد ويضم الوثائق الآتية وهي:

– مطبوع خاص بطلب الإذن بتوثيق الزواج يحدد شكله و مضمونه بقرار من وزير العدل.

نسخة من رسم الولادة يشير ضابط الحالة المدنية في هامش العقد بسجل الحالة المدنية ، إلى تاريخ منح هذه النسخة و من أجل الزواج….”

[8] – أحمد الخمليشي : ” التعليق على قانون الاحوال الشخصية ، الجزء الأول- الزواج و الطلاق” ، الطبعة الثالثة ، مطبعة المعارف الجديدة ، الرباط ، ص : 233

[9] – تنص المادة 68 من مدونة الأسرة على ما يلي:

” يسجل نص العقد في السجل المعد لذلك لدى قسم قضاء الأسرة ، ويوجه ملخصه إلى ضابط الحالة المدنية لمحل ولادة الزوجين ، مرفقا بشهادة التسليم داخل أجل خمسة عشر يوما من تاريخ الخطاب عليه.

[10] – محمد الشتوي: م. س، ص: 123.

[11]  – الفحص الطبي قبل الزواج ومدى مشروعيته (دون ذكر صاحب المقال)، مجلة البحوث الفقهية المعاصرة، السنة السادسة عشر، العدد 62، ص :308

[12] – يرى الأستاذ ابن معجوز أنه: ” لا يوجد في الشرع الإسلامي ما ينافي الشهادة الطبية، بل على العكس من ذلك يوجد ما يزكيها والدليل على ذلك الأحاديث التي تصب في اتجاه تفادي العدوى وكذا الضرر”، للمزيد من التوضيح أنظر محمد ابن معجوز: ” أحكام الأسرة في الشريعة الإسلامية وفق مدونة الأحوال الشخصية – الجزء الأول – الخطبة والزواج وطرق انحلال ميثاق الزواج والآثار المترتبة على ذلك، الطبعة الثانية 1994، مطبعة النجاح الجديدة، ص: 232.

[13] – المصالح الضرورية هي الأعمال والتصرفات التي لابد منها لقيام أمور الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج.

[14]  – عبد المجيد خداد: أثر المرض في تكوين عقد الزواج، ” تأملات حول شهادة الخلو من الأمراض المعدية المشترطة في عقد الزواج “، رسالة دبلوم الدراسات العليا، جامعة محمد الخامس أكدال، السنة الدراسية، 2000، ص: 57.

[15] – محمد الشافعي : الشهادة الطبية قبل الزواج في القانون المغربي ،مقال منشور بمجلة المحامي ، عدد 32-33 ، ص : 50.

[16] – محمد الشتوي :” الإجراءات الإدارية و القضائية لتوثيق الزواج ، الطبعة الأولى 2004، المطبعة و الوراقة الوطنية مراكش ، ص : 123.

[17]  – ترى الجمعيات النسائية أن المستند المتعلق بالشهادة الطبية

[18] – إدريس الفاخوري: الزواج والطلاق في مدونة الأحوال الشخصية وفقا لأخر التعديلات (ظهير 10/9/93)، الطبعة السادسة 1999، مطبعة الجسور وجدة، ص: 148.

[19] – رواه الدارقطني في سننه، الجزء الثالث، ص :226، رقم الحديث 23، الطبعة الثالثة دار عالم الكتب للطباعة النشر 1413ه.

[20] – رواه الترمذي في سننه، باب ما جاء في: لا نكاح إلا ببينة، رقم الحديث 1110، الجزء الثاني دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع 1403 ه 1983 م، ص: 284.

[21] – الإعلان عن الزواج في المذهب المالكي يتحقق بالإشهاد و بغيره من وسائل الإشهار ، كضرب الدفوف و إقامة الولائم.

[22] – محمد ابن معجوز: أحكام الأسرة في الشريعة الإسلامية وفق مدونة الأحوال الشخصية، م. س، ص:46.

[23]  – لقد طبق القضاء المغربي هذه القواعد ، حيث جاء في قرار المجلس الأعلى :

“….. و يعيب الطاعن خرق القانون، ذلك أن الفصل 5 من مدونة الأحوال الشخصية يشترط في صحة الزوجية حضور شاهدين عدلين ولا يجوز سماع دعوى الزوجية إلا استثناءا، و المطلوبة لم تثبت انعقاد الزواج بحجة مقبولة، و اقتصرت على ادعاء التقارر، والمقاررة لا تكون حجة على ثبوت الزوجية إلا إذا كان المتقارران طارئين لا حاضرين و الزواج يعود إلى مدة قديمة مع بيان سبب عدم الإشهاد ، أما الحاضرين فلا أثر لتقاررهما ، بل يطبق عليهما حد الزنا إذا أقرا بالوطء ، كما نص على ذلك شراح المختصر ، و كل من الطالب و المطلوبة غير طارئين فلا يثبت زواجهما بإقرارهما لعدم توفر شروط إعمال التقارر ، و إلا فبوسع كل زانيين أن يتقاررا على ادعاء الزوجية ، و ذلك فساد الدين و النسل ، و القرار بإعماله التقارر بين حاضرين جاء خارقا للقواعد الفقهية .

وبذلك نقض المجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا) قرار محكمة الاستئناف الذي اعتد بإقرار حاضرين واعتبره عاملا في النازلة.

-قرار عدد 1132 صادر بتاريخ 20 أكتوبر 1992، أورده إدريس بلمحجوب: ” الاجتهاد القضائي في مدونة الأحوال الشخصية، الطبعة الأولى 1995، ص: 11.

[24] – التسولي: م. س، ص: 441.

[25] – عبد العزيز كمارا: دور الإثبات في مساعدة القاضي على تحقيق العدالة، دبلوم الدراسات العليا المعمقة، جامعة القرويين، كلية الشريعة فاس، 2004-2005، ص:39.

[26] – القاضي خان: الفتاوي الزازية بهامش الفتاوى الهندية، الجزء الثاني، الطبعة الثانية، المطبعة الأميزية، 1310 ه، مصر، ص: 407.

[27] – سورة المائدة الآية 91.

[28] – صلاح الدين جمال الدين: ” تنازع القوانين في مشكلات إبرام الزواج”، دراسة مقارنة بالشريعة الإسلامية، مطبعة دار الفكر الجامعي الإسكندرية سنة 2007، ص: 31.

[29] – صلاح الدين زكي:” أحكام قانون الأسرة في الفقه الإسلامي والتشريع المغربي”، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1985، ص: 104.

[30] – الإمام مالك: “المدونة الكبرى”، الجزء الرابع، الطبعة الأولى، 1323 ه، مطبعة السعادة مصر.

[31] – لقد سبق و أن تطرقنا في الفقرة السابقة إلى الموقف الإسلامي من كتابة عقد الزواج فيمكن الرجوع إليها من أجل التعرف على موقفه.

[32] – محمد الكشبور: ” الوسيط في قانون الأحوال الشخصية”، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الخامسة 2003، ص:263-268.

[33] – يقول الأستاذ السنهوري في هذا الصدد:” لا يمنع العقد من أن يكون رضائيا أن يشترط في إثباته شكلا مخصوصا، والفائدة العملية في هذا التمييز، أنه في حالة ما إذا كانت الكتابة ركنا في العقد، فإن كان شكليا، فالعقد غير موجود مادامت الكتابة لم توجد حتى مع الإقرار واليمين،” نظرية الالتزام، العقد، العمل غير المشروع، الإثراء بلا سبب، دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان بدون ذكر السنة، ص:263.

[34] – محمد المهدي:” المقتضب في أحكام الأسرة من خلال قانون الأسرة المغربي”، الجزء الأول الزواج، مطبعة أنفر فاس، الطبعة الأولى 2004، ص:71

[35] – سناء أقصبي:” اختلال عقد الزواج بين أحكام الفقه الإسلامي والقانون الوضعي”، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص وحدة البحث والتكوين في قانون الأسرة المغربي والمقارن بجامعة عبد المالك السعدي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة، السنة الجامعية 2005-2006، ص: 146.

[36] – ادريس الفاخوري:” الزواج والطلاق في مدونة الأحوال الشخصية وفقا لآخر التعديلات ظهير 10/9/93، مطبعة الجسور وجدة، السنة 1999، الطبعة السادسة، ص:157.

[37] -يعرف العقد الشكلي بكونه العقد الذي لا ينعقد بمجرد اقتران القبول بالإيجاب، بل يجب لتكوينه إتباع شكل مخصوص يحدده القانون، ويأخذ هذا الشكل في أغلب الأحيان صورة ورقة رسمية يدون فيها الاتفاق.

[38] – و معنى التوثيق هنا كتابة عقد الزواج على الشكل الذي فرضته المدونة أولا ثم إن اقتضى الحال على الكيفية الجاري بها العمل في كتابة عقود الزواج وفق قواعد الفقه المالكي ثانيا.

[39] – العلمي الحراق:” مدونة الأسرة والتوثيق العدلي”، دراسات وتعاليق، مطبعة دار السلام الرباط، الطبعة الأولى 2005، ص:34

[40] – وتستلزم الضوابط الشكلية أيضاً احترام قواعد الإثبات والمساطر أمام محاكم الأسرة، وذلك بعرض النزاع في جلسة علنية، وتمكين النيابة العامة من إبداء مستنتجاتها، واعتماد جميع وسائل الإثبات المقررة قانوناً، بما في ذلك الشهادة والخبرة والقرائن، على أن تجري المحكمة بحثاً للتحقق من ظروف قيام العلاقة، مع مراعاة ما إذا كان هناك أطفال أو حمل ناتج عن العلاقة الزوجية، كما نصت على ذلك الفقرة الثالثة من المادة 16. وقد أكدت بعض الأحكام والقرارات أن المحكمة مطالبة بتسبيب لجوئها إلى هذا الاستثناء، وبيان عناصر الاقتناع التي بنت عليها حكمها بثبوت الزوجية، حتى لا تتحول دعوى الثبوت إلى بديل عن التوثيق العدلي، في انسجام مع التوجهات الحديثة التي تدفع في اتجاه حصر هذا المسار في أضيق نطاق وربطه بضرورات حمائية محضة.

[41] – في القانون المصري يطلق على الموظف المختص بتحرير عقد الزواج اسم المأذون ، حيث يختص بمقتضى المادة 18 من لائحة المأذونين الصادرة بقرار وزير العدل بتاريخ 4 يناير 1955 بتوثيق عقود الزواج و إشهادات الطلاق والرجعة و التصادق على ذلك بالنسبة للمسلمين من المصريين.

[42] – جاء في المذكرة الإيضاحية التي قدمت بها وزارة العدل مسودة مدونة الأحوال الشخصية (1957-1958) تعليلا لإشتراط توثيق الزواج، لأن الغاية من ذاك هي حسم النزاع الذي قد يثور فيما يخص مقدار الصداق، وما قد يحدث من التردد عند الفصل بين الإيجاب والقبول ولو بمدة يسيرة، مع ما قد يحدث من اعتراض ولي الزوجة لها إذا كانت قاصرة…. مجلة القضاء والقانون عدد خاص بمدونة الأحوال الشخصية، عدد 5 سنة 1958، ص:465.

[43] – إدريس الفاخوري: “الزواج والطلاق في مدونة الأحوال الشخصية وفق آخر التعديلات” م. س، ص: 157.

[44] – محمد محيي الدين عبد الحميد:” الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية “، الطبعة الثانية، مصر 1958، ص:118.

[45] – في هذا المعنى يقول الأستاذ الخمليشي:” أن هناك آلاف من عقود الزواج غير الموثقة، وفي نسبة مهمة منها وبعد أو يولد أطفال، تسوء العلاقة بين الزوجين ويتنكر الأب للرابطة الزوجية، فيضع الأطفال في نسبهم وفي كل ما يترتب عليه من الحقوق الأسرية والاجتماعية.

[46] – إن الاتجاه الذي سلكه المشرع في المادة 13 يخالف ما هو مقرر في الفقه الإسلامي.

[47] – لقد دأب القضاء المغربي على تفسير البينة الشرعية المعتمدة في إثبات الزوجية باللفيف، وقد آثار هذا الاجتهاد نقاشا على مستوى الفقه الذي انتقد هذا التوجه.

[48] – إدريس العلوي العبدلاوي: «وسائل الإثبات في التشريع المدني المغربي”، طبعة 1990، مطبعة النجاح الجديدة،ص:148.

[49] – محمد ابن معجوز :م.س ،ص:50.

[50] – إدريس العلوي العبدلاي: م.س، ص:96.

[51] – لقد أخذ الفقه بشهادة السماع في إثبات الزواج رفعا للحرج الذي يقع فيه الناس ، لأن الزواج في الغالب لا يحضره إلا الخواص المقربون ، يراجع تعليل محمد عزمي البكري ، م.س ،ص:129.

[52] – أحمد نصر الجندي :” التقاضي في الأحوال الشخصية “، طبعة 1990، بدون ذكر دار النشر ،ص:155.

[53] – عبد العزيز فتحاوي :”طرق إثبات في ميدان الأحوال الشخصية و الميراث” ، طبعة 1996 ، مطبعة فضالة المحمدية ،ص:17.

[54] – و بالإضافة إلى ذلك فإن أعلب الفقهاء وخصوصا المالكية اعتمدوا رأي أهل المعرفة في المسائل التي تحتاج إلى ذلك . جاء في مدونة الإمام مالك رضي الله عنه :

” قلت هل يلزم الخصي أو المجبوب الولد إذا جاءت به امرأته؟ قال سئل مالك عن الخصي هل يلزمه الولد قال :

قال مالك أرى أن يسأل أهل المعرفة بذلك فإذا كان يولد لمثله لزمه الولد و إلا لم يلزمه”.

الإمام مالك : المدونة الكبرى، الجزء الخامس ، م.س ، ص:127.

[55] – يقول الاستاذ الخمليشي:

إذا كان الفقه الإسلامي قد أخذ برأي أهل المعرفة و الأطباء بما كانت لديهم من وسائل محدودة ، يكون من غير المقبول القول بأن التحليلات الطبية اليوم ليست من وسائل الإثبات الشرعية رغم ما توفر لها من المعرفة الواسعة والوسائل العلمية و التقنية الدقيقة. أنظر أحمد الخمليشي : وجهة نظر ، الجزء الثاني ،م.س ،ص:89.

[56] – اعتبر بعض الباحثين أن تمديد وسائل الإثبات إلى الخبرة في مدونة الأسرة مظهر من مظاهر التجديد و التحديث الذي فرضه التطور العلمي والتكنولوجي ، إذ لم يكن معترفا بها في السابق(أي في ظل مدونة الأحوال الشخصية) كوسيلة من وسائل الإثبات ، بل احتفظ لها المشرع بصفة وسيلة التحقيق فقط.

عبد الكبير طبيح : “مدونة الأسرة و محددات الفكر الحداثي المجتمعي “، مقال منشور بمجلة رسالة المحاماة ، العدد:22 ، نونبر 2004 ،ص:18.

[57] – الدليل العملي لمدونة الأسرة ، م.س ، ص :17.

[58] – عبد الصادق مهلاوي : مرجع سابق ،ص:101.

[59] – عمل المشرع على تحديد الشروط الموضوعية للدعوى في إطار الفصل الأول من قانون المسطرة المدنية و الذي جاء فيه :” لا يصح التقاضي إلا ممن له الصفة ، و الأهلية و المصلحة لإثبات حقوقه” ، فهذه الشروط تعتبر من النظام العام يجب على القاضي أن يثيرها من تلقاء نفسه ، متى تبين له من أوراق انعدام أحدها.

[60] – قانون رقم 03/73 المغير والمتمم بموجبه الظهير الشريف رقم 1.74.338 الصادر في 24 من جمادى الثانية 1394 الموافق ل15 يوليوز 1970 والمتغير بمثابة قانون المتعلق بالتنظيم القضائي للمملكة ، الصادر بتنفيذه ظهير شريف 1.04.24 الصادر بتاريخ 3 فبراير 2004 منشور في الجريدة الرسمية عدد 5184 بتاريخ 5 فبراير 2004 ، ص:454.

[61] – محمد الشتوي : م.س ، ص:95.

[62] – لقد حددت مديرية الشؤون المدنية بوزارة العدل نموذجا لهذا السجل يتكون من عشرة خانات تعلق بالرقم الترتيبي، وتاريخ التسجيل، واسم المدعي ونائبه، وموضوع الدعوى، واسم القاضي المعين وتاريخ الحكم المنطوق الحكم ثم خانة الملاحظات.

[63] – الحسن بويقين : الجديد في مادة التبليغ بمدونة الأسرة ، منشورات جامعة مولاي اسماعيل ، مكناس، طبعة 2004 ،ص:106.

[64] – هشام علالي: التبليغ في مدونة الأسرة “، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، وحدة التكوين والبحث، تشريعات الأسرة والهجرة، جامعة محمد الأول، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، وجدة، 2007-2008، ص:6.

[65] – في المقابل، تسير التوجهات التشريعية في إطار مراجعة مدونة الأسرة نحو جعل عقد الزواج العدلي الوسيلة الأصلية والحصرية لإثبات الزوجية، مع التنصيص على أن دعاوى ثبوت الزوجية لا تُقبل إلا في حالات استثنائية مضيقة ومحددة بنص، ترتبط أساساً بتسوية وضعيات قديمة وبحماية الأطفال والحقوق المترتبة على علاقة زوجية قائمة فعلاً، وباستباق استمرار ظاهرة “زواج الفاتحة”. ويفضي هذا التوجه إلى إعادة رسم حدود قبول دعوى ثبوت الزوجية على نحو يجعلها آلية حمائية استثنائية لا مسطرة بديلة عن التوثيق، في انسجام مع مطلب تعزيز الأمن الأسري ومحاربة الزواج غير الموثق، مع الإبقاء على هامش قضائي ضيق للتدخل في الحالات التي يستحيل فيها عملياً الرجوع إلى العقد المكتوب دون الإضرار بمصالح الأسرة والأطفال.

[66] – أبرزت الأحكام والقرارات القضائية الصادرة بعد انتهاء الأجل الانتقالي للمادة 16 من مدونة الأسرة أن القضاء لم يغلق الباب نهائياً أمام إثبات الزوجية بغير العقد العدلي، وإنما أعاد تأطيره في نطاق حمائي ضيق. فقد قضت المحكمة الابتدائية بمراكش في حكمها الصادر بتاريخ 6 يناير 2020 في الملف عدد 2322/2019/1611 بثبوت العلاقة الزوجية بين طرفي الدعوى، رغم تقديم الطلب بعد 3 فبراير 2019، بعلة أن هذه العلاقة نشأت منذ سنة 1956 وأن ظروفاً قاهرة حالت دون توثيقها، مستندة في ذلك إلى المادتين 10 و400 من مدونة الأسرة وإلى ما يقتضيه حفظ الأسرة وترتيب الآثار القانونية، خاصة ثبوت النسب. كما كرّست محكمة النقض نفس التوجه في قرار حديث نقضت فيه حكماً استئنافياً قضى بعدم قبول دعوى ثبوت الزوجية شكلاً بسبب انتهاء الفترة الانتقالية، حيث اعتبرت أن الغاية من التمديد كانت حماية شرف المرأة والأطفال، وأنه في غياب نص صريح يمنع سماع الدعوى بعد هذا الأجل يتعيّن الرجوع إلى قواعد الفقه المالكي عملاً بالمادة 400، مما يجيز للمحاكم الاستمرار في قبول دعاوى ثبوت الزوجية متى توافرت علاقة زوجية شرعية قديمة مدعومة بقرائن قوية، ودون مساس بحقوق الغير أو النظام العام.

حكم ابتدائية مراكش بتاريخ 6 يناير 2020، ملف عدد 2322/2019/1611، منشور في: عالم القانون، «الحكم بثبوت الزوجية بعد انتهاء العمل بالمادة 16 من مدونة الأسرة».

وقرار محكمة النقض بقبول دعوى ثبوت الزوجية بعد 2019: اليوم 24، «محكمة النقض تقبل دعوى ثبوت الزوجية رغم انتهاء فترة السماح القانونية»، 31/10/2024.

[67] – مقال: «قراءة في التوجهات الكبرى لمراجعة مدونة الأسرة المغربية»، موقع مركز الجزيرة للدراسات، 31 دجنبر 2024، يتناول بالتفصيل عمل الهيئة المكلفة بالمراجعة و139 مقترح تعديل شملت كتب المدونة السبعة.

[68] – أستاذنا محمد الكشبور : مرجع سابق ،ص:1.

[69] – إسماعيل الطالبي : مرجع سابق ، ص:28.

[70]– محمد ابن معجوز : مرجع سابق ، ص: 47.

[71]– محمد الشتوي : مرجع ،سابق ،ص:224.

[72] – حكم رقم 1467 صادر عن المحكمة الابتدائية بالرباط في ملف عدد 10/1513/07، بتاريخ 01/12/2008.

[73] – إن المشرع تدخل لرفع الحرج عن هذه الفئة من المغاربة حيث سمح لهم إبرام زواجهم حسب مقتضيات بلد الإقامة وقد سبق لنا أن تطرقنا فيما سبق إلى كيفية إبرام الزواج خارج المغرب.

[74] – محمد الشتوي : المعين في التوثيق وقف الضوابط المنظمة لخطة العدالة ، م.س ،ص: 226.

[75] – أستاذنا إدريس الفاخوري : قانون الأسرة المغربي ، الجزء الأول : أحكام الزواج ، الطبعة الأولى ، 2005 ، مطبعة الجسور ،ص : 200.

[76] – يرى الفقه المالكي إذا وقع النزاع بعد موت أحد الزوجين ، فإنه يمكن للمدعي أن يثبت الزوجية بالبينة الشرعية ،ولو لم تكن هذه البينة مكونة من رسم الزواج بأن كانت عبارة عن شهادة عدلين أو ما يقوم مقامها….

عبد الباقي الزرقاني مرجع سابق،ص: 62.

error: عذرا, لا يمكن حاليا نسخ او طباعة محتوى الموقع للمزيد من المعلومات المرجوا التواصل مع فريق الموقع عبر البريد الالكتروني : [email protected]