مجلة مغرب القانونالقانون الخاصالنقيب عبد الرحيم الجامعي: محكمة الحكماء الدستورية، تَنظر في دستورية مشروع قانون المحاماة…

النقيب عبد الرحيم الجامعي: محكمة الحكماء الدستورية، تَنظر في دستورية مشروع قانون المحاماة…

النقيب عبد الرحيم الجامعي

الرباط: 10 يوليوز 2026

يعتبر مبدأ سمو الدستور على كل القوانين، وخضوع الجميع حكاما و سلطات وأفرادا لأحكام القانون و تطبيقه وتنفيذه، هي أسمى تجليات قيام دولة الحق و القانون.

ولما كان القضاء الدستوري منذ ميلاده، في الدول الديمقراطية، هو الرقيب والساهر على مراقبة الملائمة والتطابق ما بين القوانين ومقتضيات الدستور، وهو الحَكَم في النزاعات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، كاختصاص له من ضمن اختصاصات أخرى،

ولما أصبحت السلطة التشريعية التي تراقب عمل الحكومة مستبدة في عدد من قراراتها و ممارساتها، فهي نفسها تخضع للرقابة في مجال التشريع وهو ميدانها الأساسي، ولا حصانة مطلقة لعملها أمام المحكمة الدستورية التي تتمتع بقوة مستمدة من الدفاع عن الدستور و الحرص على احترامه (( وهي المبادئ التي أكد عليها الرئيس جان لوي دوبيري في عرض له حول فصل السلطات و القضاء الدستوري بتاريخ 6 ماي 2014 منشور بموقع المجلس الدستوري ))،

إن موقع تجربة القضاء الدستوري بالمغرب منذ دستور 1962 إلى دستور 2011، مرورا بتأسيس المجلس الدستوري سنة 1994، شهد تطورات متوالية في التكوين و الاختصاص و مجال الرقابة القبلية، انتهت بما جاءت به المواد من 126 إلى 136 من دستور 2011، يُعد تراكما قضائيا غنيا يتمظهر في العبء الذي يثقل المحكمة و سيزيدها أعباء أخرى عندما ستصبح مسطرة الدفع بعدم دستورية القانون أمرا واقعيا، ومن هنا كون طلب الرقابة على قانون مهنة المحاماة مصدر اهتمام وتتبع من الرأي العام، خصوصا وقد عرضت أمامنا قرارات ذات أهمية كبرى، صدرت في منازعات سياسية بمناسبة الانتخابات، وتشريعية مختلفة بمناسبة خلق القانون، حيث كانت نظرة المحكمة الدستورية نظرة عالية الجودة، سواء في توجهها أو تعليلها وفي الحلول القضائية التي وصلت إليها.

ومن هذه التوطئة القصيرة، يبدو في نظر ممارس غير مختص مثلي، أن إحالة مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة على المحكمة الدستورية بناء على مقتضيات المادة 132 من الدستور وعلى القانون التنظيمي للمحكمة رقم 066/13، و بطلب من رئيس مجلس النواب، هي مبادرة – مهما كانت غاياتها – من أضعف الإيمان لدى المؤمنين بقيمة المؤسسات السياسية وفلسفة وجودها والمتشبعين بثقافة التواضع والابتعاد عن غرور السلطة والمناصب، أتت بعد مخاض طويل، وعواصف عاتية من المناقشات شهدتها ساحات المحاكم ومنصات الندوات الصحفية بلغت مستوى التوقف عن أداء الخدمات بالمحاكم و الاعتصامات في الفضاء العمومي، واصطدمت فيها خيارات الأطراف السياسية والمهنية على امتداد شهور، امتنعت فيها الحكومة الاعتراف بأخطائها العفوية والعمدية، ورفضت تطبيق مقتضيات الدستور وتوايته في الحق في الأمن القانوني و مجال الديمقراطية التشاركية، ومارست الخداع السياسي مع مهنة المحاماة التي لها وظائف و مواقع في ساحة العدالة لا غنى عنها ولا بديل، ولا تتحقق أية محاكمة عادلة من دون وجودها ….

ومحكمة الحكماء LA COUR DES SAGES، كما يسميها الفاعلون القانونيون والسياسيون بفرنسا، سيتدارسون في وقت وجيز، و سيحللون بضمائرهم نص المشروع، من منطلق مضمون ومنطق رسالة الإحالة الواردة عليها ممن طلبها، والذي قد يكون قد عرض على المحكمة المشروع بكامله و بكل مواده دون تحديد عدد المواد المعنية، أو يكون عرض بطلب الإحالة على المحكمة عددا محددا فقط من مواد المشروع باختيار الجهة الطالبة.

ولكن وفي كلتا الحالتين، يظل من صلاحيات المحكمة الدستورية وضع اليد تلقائيا على أية مادة من المشروع التي يتراءى لها أنها يمكن أن تكون غير مطابقة للدستور لفحصها، وهذا اجتهاد عملت به المحكمة في العديد من قراراتها (والمثل على ذلك مشروع قانون تنظيم المجلس الوطني للصحافة المحال عليها بطلب 96 عضوا من مجلس النواب، موضوع القرار رقم 261/26 بتاريخ 22/1/2026، حيث تعرضت المحكمة تلقائيا وهي بصدد المراقبة للمواد 4، 49، 57 و صرحت تلقائيا بعدم دستوريتها — و مشروع القانون المتعلق بتنظيم مهنة العدول وفيه تعرضت المحكمة تلقائيا للمادتين 8، 120، ومواد من البابين 12 و 13 – قرار رقم 263/26 بتاريخ 15/6/2026).

وأعتقد أننا محامين ومحاميات وهيئات وجمعية للهيئات، لا بد أن نضع أمامنا بعض المبادئ وبعض المفاهيم حتى لا ننزلق في تقديرات أو في انتظارات غير واقعية، وحتى نظل مستحضرين الوظيفة الحقيقية القانونية والسياسية التي تضطلع بها المحكمة الدستورية والتي هي وظيفة خاصة لا يُستمع فيها لمن يهمهم القانون و تنظمهم مقتضياته.

ومن هنا، وفي انتظار قرار المحكمة الدستورية جوابا على طلب الإحالة، من المفيد أن نؤكد على بعض المنطلقات ومنها:

أولا، فرصة التدارك: إن المحكمة الدستورية ستتناول بالدراسة مشروع القانون كما ورد عليها في مذكرة الإحالة من الجهة الطالبة، (( وأنا لا أدري ما مضمون رسالة الإحالة هل حددت مواد محددة أم أحالت النص كاملا، و سأفترض بأن الإحالة تتعلق بكل النص دون بيان عدد المواد ))، كما قد ترد عليها مذكرات أخرى من طرف البرلمانيين من الغرفتين أو من قبل الحكومة ورئيسها كما هو منصوص عليه بالمادة 25 من القانون التنظيمي للمحكمة، و بهذه المُكنة، يتمتع أعضاء المجلسين بالبرلمان من الأغلبية أو من المعارضة بفرصة للترافع المزدوج السياسي/ القانوني، أمام المحكمة الدستورية، حيث يمكنهم أن يتداركوا ما لم يستطيعوا إقناع زملائهم به خلال المناقشات في حدود ما له ارتباط بالتصفية الدستورية للمشروع…

ثانيا، المصير الدستوري للمشروع: إن المحكمة الدستورية أصلا هي محكمة مستقلة ومحايدة، لا تميل لهذا الطرف أو للآخر، ولا تتجاذبها مواقف الأطراف و مواقعهم أو وظائفهم، فهي تعتمد على استقلالها وحيادها، و تحتكم لضمير قضاتها و نزاهتهم، وتمارس التحفظ الذي يمنع على قضاتها قبل الإحالة وبعدها الخوض في نقاشات قد تحرك فيهم العطفة أو نزعة الانحياز، أو الإفصاح عن رأي قبل أوانه، وكل هاته الخصائص التي تتمتع بها المحكمة تفرض علينا كفاعلين وأصحاب مصلحة في مآل ومصير الإحالة، كبقية المؤسسات المعنية، المتابعة اليقظة لأشغال قضاتها وباحترام لأدوارهم وعدم استمالة مشاعرهم أو انتظار تأييدهم لطلبات المحامين المهنية والسياسية التي ترافعوا من أجلها، حتى ولو كانت مطالب حقوقية/ مهنية جوهرية ثابتة ولا زالت كذلك.

ثالثا، لنا وعلينا: أن المشروع المحال على المحكمة الدستورية هو من جهة منتوج تشريعي للبرلمان له قوته السياسية، و ستنصب عليه الرقابة من حيث الشكل في الجودة في الصياغة و الدقة والانسجام بين أبوابه ومواده، و من حيث الموضوع في مدى مطابقته لأحكام الدستور، و هو من جهة أخرى، ستكون الرقابة ذات حدين، فالرأي الدستوري الذي سينتهي إليه قضاة المحكمة إما سيكون لنا أو سيكون علينا، بمنطق المستهلكين المعنيين بالنص بعد نشره رغم أننا لسنا أطرافا مباشرة في المسطرة أمام المحكمة، حيث سنطلع على القرار بعد صدوره، و سيخبرنا قرار المحكمة أن ما قد يحمله المشروع من مواد كلها أو جزء منها مخالفة للدستور، وقد تكون هناك مواد تظهر أمامنا جيدة، لكن قد تعلن المحكمة عدم مطابقتها للدستور، ومن هنا علينا أن نتحمل مسؤولية تجاه نتائج إحالة القانون على المحكمة الدستورية، ونتائج ما يترتب عن قرارها طبقا لما تنص عليه المادة 27 من القانون التنظيمي للمحكمة.

رابعا، مظاهر النظام العام: أن حكماء المحكمة الدستورية وهم قضاتها، وكعادتهم، سيراقبون قبل تناول موضوع المشروع صحة مسطرة الإحالة و مدى توفر أو عدم توفر شروطها، واحترام آجالها، فالبت في صحة الإجراءات الأولية و توفر الصفة والمصلحة كمقتضيات أساسية ومن النظام العام هي مدخل سابق عن رقابة موضوع نص القانون المحال.

خامسا، الهوية الدستورية للمهنة: أن من بين ما نتمنى أن تعطيه المحكمة الدستورية الأولوية في مراقبتها، هي بعض المواد من القانون ذات التأثير على فلسفة وجود مهنة المحاماة، تلك التي تحمل الدلالات و المعاني الأساسية لموقعها، ومن بين ما سيكون دون شك محط تقدير وعناية بمناسبة الرقابة، هو موضوع استقلال المحاماة واستقلال مؤسساتها والذي لا وجود لهما دون ضمانها بالشكل الذي يوقر تطبيقها التطبيق الحقيقي، ثم موضوع اختصاصات النقيب ومجلس الهيئة المؤهلين الوحيدين لتدبير أمور الهيئة باستقلال ودون وصاية أو تأثير من أية جهة أو سلطة، ثم مسألة سلطان المؤسسات المهنية على جداول الهيئات واتخاذ قراراتها باستقلال في الولوج و التقييد و التأديب، ثم اختصاصاتها وولايتها على تدبير أموالها وتدبيرها وحمايتها باعتبارها أموالا لا علاقة لها بالمال العام، و كذا موضوع مشروعية تدخل مؤسسات أخرى في صلاحياتها و القبول تشريعيا بخلط السلطات و تعدد الاختصاصات وتداخل بعضها مع بعض ضدا على سلامة التشريع وابتعاده عن كل اضطراب في تنزيله، وضدا على قواعد الدستور التي تجعل من احترام الدستور مصدر أمن قانوني و مصدر قوة و حماية للمواطن و للمرافق نفسها.

مقال قد يهمك :   المرصد الوطني للظاهرة الإجرامية: نحو عدالة جنائية متبصرة

سادسا، وفي غياب معرفتي بمحتوى رسالة الإحالة التي وجهها رئيس مجلس النواب للمحكمة، وفي غياب ما قد يدلي به الأطراف التي يسمح لها القانون التنظيمي للمحكمة بتقديم مذكرات وملاحظات حول القانون المحال، فإنه يمكن الإشارة في عجالة لبعض المواد التي قد تحظى بمراقبة مدى دستوريتها، والتي سيكون رأي قضاة المحكمة الدستورية فيها فاصلا وحاسما، و منها المواد التالية:

أولا: المادة 76

لأن مقتضياتها غير مطابقة للدستور، بسبب أنها تمس مبدأ فصل السلط، ولأنها تخرق الأمن القانوني، ولتناقضاتها التي قد تؤدي إلى التأويل الفاسد للدستور، و بيان ذلك:

أن هذه المادة التي دخلت قانون المهنة بعنف وبعيدا عن أية مشاورات مع المعنيين به، قررت أن خضعت حساب ودائع المحامين لدى هيئاتهم لرقابة المجلس الأعلى للحسابات وفقا للإجراءات والمساطر المنصوص عليها في النصوص الجاري بها العمل…

وهذا النص يطرح إشكالات لها حساسية دستورية كبيرة، وعلى رأسها:

  • مدى اختصاص المجلس الأعلى للحسابات في الرقابة على مالية الهيئات المهنية و التي لا علاقة لأموالها بالدولة و الجماعات و بحساباتها و بصناديقها بالمال العام، ولا تمنحها الدولة أو إداراتها العمومية أو المحلية مبالغ عمومية لتتصرف فيها و لتدبيرها بعد وضعها بأبناكها و بحساباتها؛
  • بأن أهم اختصاصات المجلس الأعلى المقررة بالمادة 2 من قانون 62.99 المتعلق بمدونة المحاكم المالية الصادر بتاريخ 13 يونيو 2002، تؤكد:
    • ○ بأن المجلس هو هيئة عليا تراقب المالية والمحاسبة بالنسبة للدولة والأجهزة العمومية؛
    • ○ له اختصاصات في الرقابة العليا على تنفيذ قوانين المالية؛
    • ○ مراقبة وتتبع التصريح بالممتلكات؛
    • ○ فحص نفقات العمليات الانتخابية؛
    • ○ تدقيق حسابات الأحزاب السياسية؛
    • ○ التدقيق في حسابات الأجهزة العمومية و المحاسبين العموميين؛
    • ○ الاختصاص القضائي كمحكمة استئنافية لأحكام المجالس المالية الجهوية؛
    • ○ مراقبة استعمال الأموال العمومية.

وحيث إن ما يمكن استنتاجه من خلال المنظومة القانونية لمدونة المحاكم المالية هو:

  1. أن الرقابة لا بد من أن تنصب على أشخاص القانون العام ومعهم كل موظف و محاسب عمومي معني بضبط المحاسبة العمومية وصرف المال العام، في حين أن حساب الودائع والأداءات لدى هيئات المحامين مصدره أموال الخواص من المحامين و زبنائهم المحصل عليها من جراء آليات التنفيذ القضائي للأحكام والبيوع مثلا، وهذه أموال خاصة لا تخضع لرقابة عمومية للمجلس بسبب أنها لا علاقة لها بالأموال العامة؛
  2. إن هيئة المحامين هيئة خاصة منظمة بقانون خاص و ليست مرفقا إداريا من مرافق الدولة أو الجماعات أو الهيئات الشبيهة، وليست مرفقا يتوصل بمال عام أو يديره نيابة عن الدولة؛
  3. إن هيئات المحامين شخصيات معنوية لها اختصاصات محددة في قانون المحاماة، وأموالها تخضع لمراقبة منظمة بقانون المحاماة وبقواعد القانون الداخلي؛
  4. أنه حتى بالنسبة للمبالغ المالية المتعلقة بالمساعدة القضائية، فإنها مبالغ لا تودع بحسابات وأبناك الهيئات بل تودع بالخزينة العامة، و إن صرفها يتم بقرار ولائي لرئيس المحكمة وتحت مراقبة محاسبين عموميين.

إن وضع هيئات المحامين بمقتضى المادة 76 من المشروع تحت سلطة إدارية أو مالية أخرى مثل سلطة المجلس الأعلى للحسابات غاية وهدفه غير دستوري، لأنه يصيب استقلال مهنة المحاماة و استقلال الهيئات، لأن خاصية استقلال المحاماة واستقلال المحامين، هي العنصر الأساسي الذي ارتبطت به المحاماة بالقضاء، وهو ما وضع المحاماة ضمن أسرة القضاء طبقا للمادة 1 من القانون، والنتيجة الخطيرة هي أن النص يمس باستقلال القضاء نفسه وليس فقط استقلال المحاماة.

إن ما قررته المادة 76 تبقى غاياته غير مشروعة و هي الاستيلاء على أهم اختصاص تتولاه الهيئات، من منطلق استقلالها الإداري و المالي المنصوص عليه بالمادة 1 من المشروع، ولو أعطى للمجلس الأعلى للحسابات وضع الهيئة تحت رقابته المالية فسيكون هذا الأمر تدخلا غير مشروع في طبيعة المهنة وهيئاتها وهو الاستقلال ومتناقض معه، ليصبح الحق في الأمن القانوني للهيئات المقرر بالمادة 117 من الدستور مستباحا.

  • أن مراقبة عامة من قبل مؤسسة عامة مثل المجلس الأعلى للحسابات أو حتى رقابة نسبية على حساب الودائع، هي رقابة في حد ذاتها تمس بالسر المهني كضمانة أساسية لحماية الحياة الخاصة يكفلها الدستور كما يكفل سرية المراسلات و المعطيات الشخصية التي لا يطلع عليها سوى من هو متاح له ذلك كالمحامي و الطبيب و القاضي، و بالخصوصية المهنية، وبسرية علاقة المحامي وزبونه، و بملفاته وإجراءاته هي من ضمن الحقوق الدستورية، مما يجعل من المادة 76 مادة غير متطابقة مع الدستور وخصوصا المادة 24 منه.
  • إن الحكومة لا يحق لها أن تصدر نصوصا قانونية تتناقض جزئيا مع قوانين أخرى من دون أن تعدل أو تنسخ المواد المتناقضة. ولما كانت مقومات مدونة المحاكم المالية المحدثة بقانون 62.99 تقوم على مراقبة المال العام والمرافق العمومية و الشبه العمومية، فإنه كان عليها وهي تضع المادة 76 من مشروع قانون المحاماة لتفرض رقابة المجلس الأعلى للحسابات على حساب الودائع أي على المال الخاص، أن تعدل كل المقتضيات التي تتعارض مع المادة 76، ليصبح المجلس الأعلى مختصا لممارسة الرقابة على المال الخاص التي ليس من اختصاصه، لكي تكون رقابته مشروعة وفي إطار قانونه الخاص.

وهذا ما يجعل كذلك نص المادة 76 غير متطابق مع أحكام الدستور المتعلقة بالحكامة الجيدة بالمادة 1، وبالمادة 6.

  • إن سؤال المشروعية الدستورية فيما نصت عليه المادة 76 أعلاه، وحماية مقومات الدستور، هي ضمن وظائف المحكمة، و ستكون محط انتباه قضاتها، لأنه يهمهم إحاطة العمل البرلماني التشريعي بكل ما يحفظه ويحميه من الشطط السياسي أو القانوني، و يصبغ عليه رداء المشروعية الدستورية، ويهمها كذلك أن تبقى مؤسسة الرقابة وهي المجلس الأعلى للحسابات بعيدة عن كل تدخل غير قانوني خارج عن مهامها، أي أن تظل صلاحيات هذا المجلس محصنة من كل غلو وشطط، مع انضباطها لوظيفتها المحددة في الرقابة على المال العام ليس إلا، واحترامها لصلاحيات المؤسسات و الهيئات المستقلة مثل هيئات المحامين التي لا علاقة لتدبيرها بالمال العام، وأن المادة 76 الدخيلة على قانون المهنة، لم تراع بما فيه الكفاية مقتضيات المادة 6 من الدستور، أي أنها تجاوزت القانون الذي سنظّم اختصاصات المجلس الأعلى والمحاكم المالية، و الذي عليها كحكومة وكمشرع الخضوع إليه لأنه يلزمها كما يلزم الأفراد الذاتيين.
  • و يعرف الجميع، أن هناك شعورا لدى المحامين ولدى هيئاتهم بمسؤوليات صارمة بواجب تخليق المهنة و الحرص على سمعتها من كل أشكال الفساد و الانحراف، ومن أجل ذلك تتدخل هيئات المحامين و نقباؤها كأجهزة البحث و التحري و الرقابة و المتابعة و المحاكمة و المعاقبة، في أي تجاوزات أخلاقية، أو شبهة فساد مالي، أو استغلال للمهنة، يمكنها أن تمس بحقوق المتقاضين و أموالهم و ملفاتهم أو تمس الحكامة في تدبير قضايا الزبناء، وهذا ما يُستشف من المقتضيات المنصوص عليها بالمواد: 58، 72، 73، 74، 77، من المشروع، مما يعني أن حسابات الهيئات ومالية الزبناء محصنة ومراقبة لديها، وهي رقابة داخلية متوالية حقيقية وشفافة اختار نمطها و مسطرتها المشرع نفسه لما سلمها لمؤسسة منظمة بالقانون لها هذه الصلاحيات وهي الهيئة، مما يمنع من إخضاعها للرقابة الخارجية أو المزدوجة التي لا يمكن السماح بها باعتبار أن المال المراقب من هيئات المحامين هو مال خاص لا علاقة له بالمال العام، ومن هنا ستصرح المحكمة الدستورية غالبا بعدم مطابقة المادة 76 مع متطلبات الأمن القانوني المنصوص عليه بالفصل 117 من الدستور.
  • ولما كان العالم يعمل جاهدا للتصدي للفساد المالي، وجرائم تهريب العملات، وغسل الأموال، والاتجار في المخدرات وغيرها، فإن الآليات الدولية تحرص على تتبع مصادر رواج الأموال و طرق صرفها و تتبع سوق الرساميل، والعمليات البنكية وتعمل مع الدول لرفع درجات الحيطة و الاستباق في كشف المال الحرام والفساد وغيره.
  • ولما كان جهاز GAFI جهازا نشيطا في هذا الصدد بعد أن تحمل مهمة تتبع وحماية نظافة المال هدفا أساسيا في علاقاته مع الدول، فإن سلطة التتبع والمراقبة لهذه المنظمة لا تتعدى مراقبة المال العام، ومالية حسابات الودائع لهيئات المحامين و التي ليست مرفقا عموميا، لا علاقة له بالمال العام، ولا يتأتى لأية سلطة وطنية أو تابعة لمنظومة أو مجموعة دولية أن تفرض رقابتها على أموال الأشخاص والهيئات الخاصة، وحسابات الخواص وهي أموال معروفة المصدر، ومعروفة القيمة، وكل نص في القانون مخالف سيكون خارج الدستور لأنه خارج المشروعية، وهذا ما يجعل التلويح بهيئة GAFI تخويفا أو تخوفا لا محل له.
مقال قد يهمك :   حسن مزوزي: كفالة الأيتام العابرة للحدود

ثانيا: المادة 78

مما لا خلاف عليه دستوريا فإن سلطة الحكم يملكها القضاء الجالس، وأن قضاة الحكم لا يمكن أن يمارسوا سلطة البحث و التحري وتحرير محاضر المخالفات و الإحالة على النيابة العامة…

ومما هو ثابت من مبادئ مدونة الأخلاقيات القضائية الصادرة بتاريخ 8 مارس 2021، كقواعد مؤطرة للسلوك القضائي، و المعتمدة على المرجعية الدستورية، ومبادئ دولية كقواعد مبادئ بنغالور للسلوك القضائي وغيرها، أن القضاة ملزمون بالحفاظ على استقلالهم، و حيادهم وتجردهم، عن الأطراف، تماشيا و انضباطا لأحكام الدستور ومن أجل ضمان المحاكمة العادلة تحت إشرافهم.

ولما منحت المادة 78 لقاضي الحكم سلطة تحرير محاضر بالجلسة ومن أجل المخالفات ذات الطبيعة الجنائية مثل السب و القذف، ضد المحامي وتوجيها للوكيل العام و للنقيب، فإن مقتضيات المادة أعلاه غير متطابقة مع الدستور على أساس:

  1. إن منطوق المادة 78 متعارض مع استقلال قاضي الحكم عن الأطراف بما فيهم استقلاله عن قاضي النيابة العامة المعني بوظيفته تحرير المحاضر أو الأمر بتحريرها من قبل أجهزة تحرير محاضر المخالفات و الجنح و الجنايات وهم ضباط الشرطة، و ممارسة القاضي الجالس لسلطتي قاضي المتابعة وقاضي الحكم هو تعارض لمقتضيات المادة 117 من الدستور التي تلقي واجب حماية الأمن القضائي لكل الأشخاص و بما فيهم المحامي؛
  2. إن مهمة قاضي الجلسة هي تطبيق القانون على النوازل التي ترفع أمامه سواء من المتقاضين أو من قبل النيابة العامة، وهذا يفرض على المادة 78 أعلاه، تفادي خلط وظيفته قاضي الحكم مع وظيفة قاضي النيابة العامة، ولما جاء النص بالشكل الذي هو عليه، فإنه فرض على قاضي الحكم التنازل عن استقلاله، وتنازل القاضي عن استقلاله يعد إخلالا منه بوظيفته، وهذا الإخلال يتعارض مع الفقرتين 2 و 3 من المادة 109 من الدستور التي تعتبر إخلال القاضي بواجب الاستقلال خطأ مهنيا جسيما يجب مساءلته عليه؛
  3. أن السلطة القضائية مستقلة بموجب المادة 107 من الدستور، و يمارسها القضاة بالمحاكم طبقا للمادة 2 من القانون التنظيمي 100.13، وصياغة المادة 78 أعلاه تشكل تحريضا تشريعيا لقاضي الحكم لكي يتخلى عن استقلاله و انتهاكا لحق دستوري من حقوق المتقاضين، وهو مثولهم أمام قاض مستقل لأن استقلال القاضي حق للمتقاضي قبل أن يكون واجبا دستوريا على القاضي، مما يكون معه نص المادة 78 غير متطابق للدستور؛
  4. كما أن مضمون المادة 78 أعلاه يطرح مسألة حصانة وحرية الدفاع والتي هي من جوهر حق الدفاع للمتقاضين و للمحامين، و تحرير محضر للمحامي من قبل القاضي، أثناء مزاولة مهام الدفاع طبقا لما يراه مناسبا لضمان حقوق موكله، هو تهديد و تخويف للمحامي قد يؤدي إلى التأثير على الحق في الدفاع وعلى حرية الممارسة وكلها وهي مقومات المحاكمة العادلة المقررة دستوريا، وبالتالي تأتي المادة 78 لتجسد تعارضا صريحا مع الدستور و تعارضا مع مقتضيات الفصلين 117، 120 منه، و لتنتهك الحق في الأمن القضائي، والحق في الدفاع، والحق في محكمة مستقلة وهي حقوق من حقوق الإنسان أقرها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان و الميثاق الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والتي يتعين تطبيقها و العمل بها قبل القانون الوطني طبقا لتصدير الدستور و للمادة 6 منه؛
  5. وتطرح نفس المادة إشكالية وضوح النص في الصياغة وفي المفهوم، إذ أن الكلمات الواردة بالفقرة 3 بالمادة 78 وهي «أي فعل يخل بنظام الجلسة، أو يعطل استمرار أشغالها» كلها يمكن التوسع في تأويلها وإعطائها معاني متعددة قد تخرج حتى عن سياق المشروع وهذا وحده مخالف للدستور، وهو ما يجعل النص منتهكا للأمن القانوني و لقواعد حياد المحكمة واستقلالها المقرر بالمواد 6، 117 من الدستور والمادة 10 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المصادق عليها من قبل المغرب و التي لها الأسبقية في التطبيق على القانون الوطني طبقا للدستور.

وحتى إن كان للتدخل القضائي بالجلسة موجب يبرره فإن المحامي يمارس مهامه تحت سلطة النقيب و المجلس وهما من خول لهما القانون محاسبة المحامي عن كل إخلال بقواعد المهنة وشرفها و بالاحترام الواجب للقضاء، حتى لو وصلت مخالفة المحامي مستوى التقليل من الاحترام الواجب للقضاء، و هذا ما يجعل صياغة المادة 78 أعلاه بالشكل الذي ورد بالنص تتعارض مع المقتضيات الدستورية أي مع استقلال و حياد القاضي ومع استقلال المحامي ذي الصلة مع استقلال القاضي المقرر دستوريا كما سبق.

ثالثا: الفرع الأول من الباب السادس المتعلق بتأديب الطالب بالمعهد، المواد من 83 إلى 87

يظهر بجلاء أن هذه المواد تعرضت لكل إجراءات تأديب الطالب بمعهد التكوين وجمعته في نفس المقتضيات مع المحامي المتمرن، بحيث جاء نص قانون المحاماة بمقتضيات سيتم تطبيقها في حق المحامي و في حق شخص غير المحامي وهو الطالب الذي لم يلج المهنة وفقا لشروط الولوج والذي لا علاقة له بنص لا ينظم معهدا أو مدرسة بل ينظم مهنة.

ومن هنا فالمواد المشار إليها أعلاه، فيها خلط لا تستسيغه القاعدة القانونية الواردة في نص خاص وهو قانون المحاماة، و التي من أسسها أنها تطبق فقط على أعضاء المهنة ولا تنطبق على فئة الطلبة و الذين لا صفة لهم في مجال المحاماة ولا ينظمهم قانون المحاماة، ولا علاقة لهم بهيئات المحامين، وعلاقاتهم منظمة في إدارة معهد التكوين الذي يعمل تحت إشراف وزارة العدل.

وحيث إن المواد أعلاه تتعارض مع الحكامة الجيدة التي تعتبر قيمة دستورية تنص عليها الفقرة 2 من الفصل 1 من الباب 1 من الدستور مما تعتبر معها متعارضة مع الدستور.

رابعا: المادة 35 التي سمحت للسلطة التنفيذية ممارسة التمييز و التدخل في استقلال هيئة منظمة

أن هذه المادة هي بدعة تشريعية وسياسية، تمس بمبادئ دستورية أساسية ومنها قاعدة المساواة ومنع التمييز و قواعد الحكامة وانتهاك منظومة حقوق الإنسان و هي قواعد ينص عليها الدستور في التصدير و في مواده: 6، 19، 36.

إنه من الواضح بأن مقتضيات هذه المادة 35 أتاحت لوزير العدل الإذن لمكتب محاماة أجنبي لا يرتبط بلده مع المغرب باتفاقية لممارسة مهام المحامي طبقا للمادة 33 من قانون المحاماة، مع المغرب.

  • إن هذا المقتضى يجسد مساسا باستقلال المحاماة المنصوص عليه بالمادة 1، ومساسا بالشخصية الاعتبارية للهيئة المنصوص عليها بالمادة 116 من المشروع، مما يعني أن النص لا يضبط علاقات متوازنة مع هيئة منظمة انسجاما و مع مبدأ الديمقراطية التشاركية المقرر بالمادة 1 من الدستور؛
  • وهذا المقتضى هو استيلاء جزئي للسلطة التنفيذية بواسطة وزير العدل، على اختصاصات المجالس و النقباء المعطاة لهم في قانون المحاماة، مما يعني أن هناك عدم مطابقة للدستور؛
  • إن هذا المقتضى أعطى للوزير امتيازا على الهيئة ليقرر مكانها فيما لا علاقة للسلطة التنفيذية به، و إقراره لعلاقات وزير مع محام أجنبي خارج كل تأطير منسجم مع قواعد مهنة المحاماة ومغاير لمبدأ الحكامة الجيدة المقررة للأحكام العامة الواردة بالمادة 1 من الدستور؛
  • إن هذا المقتضى يجسد التمييز ما بين واجبات و شروط الولوج والممارسة المهنية بين المحامي المغربي و المحامي الأجنبي، والتمييز ممارسة غير دستورية مخالفة للمادة 6 من الدستور ومخالفة للعهد الدولي للحقوق المدنية و السياسية الواجب التطبيق؛
  • إن هذا المقتضى يثير كذلك إشكالا لحقوق وواجبات المحامي الأجنبي المسجل مؤقتا بجدول الهيئة بإذن من وزير العدل، فهل تسري عليه كل الالتزامات كالمحامي المغربي أم لا؟ و هل يتمتع بنفس حقوق المحامي المغربي المسجل أم لا؟
مقال قد يهمك :   محمد البشير بروحو: هل يمكن تحميل الصين المسؤولية في انتشار جائحة الفيروس التاجي؟

فكل محام مسجل بالهيئة، يمكن له حضور الجموعات العامة، والمشاركة في الانتخابات، والترشح لمراكز المسؤوليات بالمؤسسات المهنية، ويخضع لأداء واجبات الاشتراك، ويودع أموال الموكلين بحساب الودائع، ويعرض منازعاته على النقيب وعلى المجلس ويُستدعى للتأديب من قبل المجلس، وووو، لكن نص المادة 35 في صياغتها وعند تطبيقها ستصطدم بمعوقات عدم الوضوح في كل هذه المقتضيات، وتقبل التأويلات المختلفة والاجتهادات المتضاربة، وهذه كلها عيوب في النص تنقص من قيمته القانونية، وعند التطبيق السليم ستجد الهيئات نفسها أمام مقتضيات تفرض تأويلات متعددة، وهو ما يفسد القاعدة القانونية ويعرقل تطبيقها، مما يعتبر عدم تطابقها مع الدستور.

لقد أعطى القانون رسميا للهيئات حسب المادتين 5، 16 وحدها، سلطة القبول والتسجيل بالجدول، لمن يرغب في ولوج المحاماة مغربيا أو أجنبيا، بمعنى أن الهيئة هي التي تقبل المحامي الأجنبي مع شروط، ومن أهم الشروط هو أن تكون دولته ترتبط مع المغرب اتفاقية تسمح لمواطني الدولتين بالممارسة، أو التسجيل بالجدول، أو الممارسة، أو الواجبات و الحقوق، وهو ما لم تنص عليه المادة 35، وما يترتب عنه هو المساس باستقلال المهنة، واستقلالها جزء من استقلال القضاء كما يشير إليه الفصل الأول من المشروع.

  • إن هذه المادة 35 بها مقتضيات متعارضة كذلك مع المادة 89 من الدستور، اعتبارا أن السلطة الحكومية لها الحق أن تضع تحت إشرافها الإدارة، ولها الحق الإشراف والوصاية على المؤسسات والمقاولات العمومية، وأن مهنة المحاماة لا علاقة لها بالمرافق التي تخضع لإشراف ووصاية الحكومة، وبالتالي لا يمكن وضعها لا تحت الوصاية و لا تحت إشراف وزير العدل للسماح له بقبول تسجيل المحامي الأجنبي في كل الأوضاع ودون استثناء.

ولما سمحت المادة 35 من المشروع لوزير العدل، بأن يأذن بالممارسة لمكتب محاماة أجنبي، مرتبط بشركة أجنبية تستثمر بالمغرب، وبأن يسجل بلائحة مستقلة لدى هيئة ما أو لدى هيئة الرباط، فقد أصبح الوزير السلطة الثانية على جداول الهيئات، يسجل من يشاء ومتى شاء وهو ما يمس استقلال المهنة واستقلال مؤسساتها ويتعارض مع المقتضيات الدستورية المشار إليها أعلاه، ومع المادة 89 من الدستور الذي يحدد الجهات التي تشرف عليها السلطة التنفيذية والتي لم يخول لها الإشراف و الوصاية على الهيئات المنظمة الحرة و المستقلة إداريا و ماليا مثل هيئات المحامين.

خامسا: ويبقى للمحكمة الدستورية سلطة وضع اليد، و إبداع المبادئ، و اتخاذ القرارات بخبرتها و بخبرة التجارب المقارنة

لقد ارتأيتُ أن أُقدم وجهة النظر هاته، في قضايا اعتبرتها أساسية.

ولا شك أن مساهمات الزملاء في مناقشة مشروع القانون بمناسبة عرضه على قضاة المحكمة الدستورية، ستُطرح فيها مقتضيات ينظرون إليها حسب مستوى أهميتها لديهم.

لكن يبقى للمحكمة و لقضاتها السلطة التقديرية الواسعة لوضع اليد على كل مادة من مواد المشروع يعتبرونها غير متطابقة مع المقتضيات الدستورية، و سيفرضون رقابتهم للتصريح بعدم دستوريتها خارج ما جاء به طالب الإحالة في طلبه.

كما يبقى للمحكمة الدستورية وهي تتدارس النص، البت في مدى توافقه أو تعارضه مع الدستور باستحضار مبادئ رسختها قراراتها وأصبحت مستقرة في اجتهاداتها الدستورية التي تسبغ عليها الحماية، و التي تبني عليها قراراتها بعدم الدستورية، أو المبادئ الجديدة التي عليها خلقها و ترسيخها وإضافتها لإبداعاتها، ومنها:

  • بسط رقابة المحكمة على قوانين السلطة التنفيذية للتأكد من خلوها من أي نص تستغله هذه الأخيرة للتدخل في شؤون الهيئات كمؤسسات مستقلة عن السلطة التنفيذية؛
  • ترسيخ مكانة المحاماة كشريك للسلطة القضائية لتحقيق العدالة واعتبار أن ما يمس استقلال القضاء يمس استقلال المحاماة؛
  • ترسيخ كون القيود الإدارية والتشريعية على استقلال المحامي و استقلال هيئات المحامين اعتراضها من قبل القضاء الدستوري و إسقاطها؛
  • ترسيخ مبدأ «الأمن القانوني المهني» وما يستوجبه من وضوح القاعدة القانونية وقابليتها للتطبيق؛
  • ترسيخ قواعد المساواة التي تجسد التنظيم الذاتي والاستقلالية في مجال المحاماة؛
  • الفصل فيما بين سلطة التأديب المعطاة للهيئات عن سلطة القضاء المطوق بالحياد و بالاستقلال.

كما أن حكماء المحكمة الدستورية، وهم من يراقب تطور القضاء الدستوري في العالم و يرفعون من مستوى قراراتهم بكفاءاتهم أولا، و بالاستئناس بالقضاء الدستوري المقارن، قد يجدون في بعض قرارات المحاكم الدستورية بالعالم ما يتناسب مع توجهاتهم في مجال مهنة المحاماة.

في هذا الصدد يمكن الإشارة لتوجهات المجلس الدستوري الفرنسي تجاه المحاماة، من خلال بعض القرارات ومنها:

  • القرار الصادر بتاريخ 19/1/1981، الذي ربط استقلال مهنة المحاماة بحقوق الدفاع و بسير العدالة؛
  • القرار 223/2011 بتاريخ 17/2/2012، الذي أكد فيه أنه لا يمكن للسلطة التنظيمية الاستيلاء تعسفيا على تنظيم مهنة المحاماة أو التقليص من صلاحياتها.

ومن توجهات قضاء المحكمة الدستورية بمصر:

  • أبرز القرارات هو القرار التاريخي في القضية 47 قرار رقم 3 بتاريخ 11 يونيو 1983 الذي تصدت فيه المحكمة لقرارات حكومية ومنها رسالة رئيس الجمهورية تستهدف التدخل في شؤون مجلس نقابة مصر؛
  • إلغاء النصوص التشريعية المقيدة لحق الدفاع والتي تخل بمبادئ المساواة، الحكم رقم 86 لسنة 18؛
  • إلغاء المواد التي تمنح الجهات الإدارية صلاحيات تمس الكيان المؤسسي للمحاماة وتعتبر أن هذا المساس هو انتهاك لاستقلال السلطة القضائية، الحكم رقم 6 لسنة 13؛
  • حصنت المحكمة الدستورية استقلال نقابة المحامين في إدارة شؤونها الداخلية، وشروط القيد و التأديب وأكدت أن تدخل السلطة التنفيذية في هذه الشؤون يشكل إخلالا بالتوازن اللازم لضمان حقوق المتقاضين، الدعوى 153 لسنة 19.

من هنا فإن المحكمة الدستورية وقضاتها، وهم يفحصون مواد من مشروع قانون مهنة المحاماة، قد تتكون لديهم قناعات حول مخالفتها لقواعد الدستور، وهنا لما تصرح بعدم مطابقة مواد المشروع للدستور، فإنها لن تنتصر للمحامين ولا الهيئات، بل سيكون موقفها الفقهي و القضائي نابعا من وظيفتها الدستورية المستقلة وستنتصر للمشروعية لتحمي الدستور.

و علينا كمحاميات ومحامين أن نتابع مع جمعية هيئات المحامين ومع الهيئات مصير الإحالة على المحكمة الدستورية، والتي قد تصدر قرارها في أجل لا يتعدى الشهر كما هو مقرر بالقانون التنظيمي للمحكمة، أو في غضون أسبوع بطلب من الحكومة، ومن دون أن نصدر أحكاما مسبقة، وعلينا الحذر حتى لا يتطاول علينا أحد، أو يستهدفنا في سلوكنا و وَحْدة صفنا أحد.

نحن اليوم ننتظر سلطة الرقابة القَبْلية التي يمارسها القضاء الدستوري،

وغدا سنمارس نحن المحاميات والمحامين، سلطة الرقابة البَعدية من خلال ممارستنا للطعن بعدم دستورية القوانين الذي هو سلاح من صميم مهمتنا كمحامين، مما يفرض علينا الإعداد المهني والقانوني العالي المستوى للقيام به.

وهذا ما يفرض علينا إثبات قدراتنا ومن بينها أن نؤكد للقضاء الدستوري بأن المحامين أهل للثقة لدى المتقاضين، وأهل للتقدير من قبل القضاء، من خلال جودة المقالات و جدية الأسباب ومبررات المقدمة بمناسبة الدفع بعدم دستورية القوانين.

قال رئيس المحكمة الدستورية في محاضرة له، بأن المحكمة الدستورية مِلك المغاربة، ونحن المحاميات والمحامين مغاربة، و ننتظر ما ستقرره محكمتنا الدستورية في قانون يعني المغاربة.

error: عذرا, لا يمكن حاليا نسخ او طباعة محتوى الموقع للمزيد من المعلومات المرجوا التواصل مع فريق الموقع عبر البريد الالكتروني : [email protected]