مجلة مغرب القانونفي الواجهةمصطفى بن شريف: دراسة قانونية في عدم دستورية المادة 76 من مشروع القانون رقم 23.66 المنظم لمهنة المحاماة

مصطفى بن شريف: دراسة قانونية في عدم دستورية المادة 76 من مشروع القانون رقم 23.66 المنظم لمهنة المحاماة

بقلم: الدكتور مصطفى بن شريف محامٍ بهيئة وجدة

سنتولى في هذه الدراسة التطرق إلى طبيعة المرفق المهني للمحاماة، وهل يندرج ضمن زمرة المرافق العامة؟ وهل أموال الهيئات أموال خاصة أم عامة؟ وهل يجوز إخضاع مالية الهيئات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات؟

أولاً: هيئات المحامين بالمغرب مؤسسات مرفقية مهنية خاصة

إن المحاماة رسالة، ومهنة حرة ومستقلة، وأحد جناحي العدالة إلى جانب القضاء، وهي بذلك تساعد القضاء وتساهم في تحقيق العدالة، وفي توفير شروط المحاكمة العادلة.

ومن المعلوم أن مرفق المحاماة لا تنسحب عليه الأحكام المؤطرة للمرافق العامة، فهو بكل تأكيد مرفق مهني خاص، فوّضت الدولة للهيئات صلاحيات السلطة العامة، والتي تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال في التسيير مالياً وإدارياً، دون أن تكون مساهمتها في تدبير مرفق المحاماة ترقى إلى طبيعة قضائية.

وهكذا تتولى أجهزة الهيئات المهنية التي تتكون من مؤسسات: النقيب، والمجلس، والجمعية العمومية، والتي من ولاية هذه الأجهزة ممارسة جميع الأعمال القانونية الكفيلة بضمان تسيير الهيئات بشكل ديمقراطي، مع استحضار مبدأ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وبمعنى آخر، يتولى تدبير شؤون المهنة نقباء ومجالس منتخبة من المحاميات والمحامين المنتسبين لكل هيئة، وذلك بتحديد من المشرّع، وفي إطار قواعد ومبادئ التعاقد المهني على قاعدة ديمقراطية.

ومن جهة أخرى، تخضع الهيئات من حيث تكوينها للقانون الخاص، فهي شخصية اعتبارية خاصة، تتمتع بالاستقلال المالي والإداري، ويحكم نشاطها ويؤطره القانون المنظم للمهنة.

وأنه ولأداء الهيئات لمهامها، مكّنها المشرّع صلاحية إصدار أوامر وقرارات ومقررات ملزمة لمنتسبي المهنة، قد تكون قرارات فردية أو تنظيمية، نطاقها جميع المجالات ذات الصلة بالمهنة، ومن أهمها البت في الطلبات الرامية لولوج المهنة، وتحديد الأتعاب، والتأديب، وإحداث الدمغة، والأعمال الاجتماعية، وأنظمة التكافل، وتدبير مالية الهيئات عبر حسابات الأداءات والودائع.

كما تمارس الهيئات اختصاصات تم تفويضها لها من قبل الدولة، من بينها تنظيم مالية الهيئات، ولها حق فرض وتحصيل رسوم التسجيل والاشتراك والدمغة والتكافل، وهي أموال متأتية من تنفيذ الأحكام القضائية، أي أنها مِلكٌ للمتقاضين وليست بأموال عامة.

وترتيباً على ما ذُكر، تُعتبر كل هيئة من هيئات المحامين شخصية معنوية خاصة مستقلة — وهي بذلك لا تندرج ضمن مشمولات المرافق العامة للدولة — ويحكمها القانون الخاص وليس القانون العام، والأموال التي تديرها الهيئات ليست بأموال عامة، ولا هي بأموال خاصة بها، بل ينحصر وينصرف اختصاص الهيئات بشأنها في حدود إدارة تلك الأموال التي تعود للمتقاضين، مما ينزع عنها وبقوة القانون صفة المال العام.

علماً أن فكرة المرفق العام تنسحب على جميع الأنشطة التي تقوم بها الدولة مباشرة أو بصفة غير مباشرة بهدف تحقيق خدمات عامة تحت إشرافها ومراقبتها.

وأنه ولما كان مشروع القانون رقم 23.66 المنظم لمهنة المحاماة، الذي صادق عليه البرلمان، قد نص في مادته 76 على إخضاع الهيئات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات.

وحيث إن هيئات المحامين بالمغرب تنعى على النص التشريعي المذكور مخالفته المبادئ التي نص عليها الفصل 147 من الدستور، التي تنص بأن المجلس الأعلى للحسابات هو الهيئة العليا لمراقبة المالية العمومية بالمملكة، ويضمن الدستور استقلاله. كما يمارس المجلس الأعلى للحسابات مهمة تدعيم وحماية مبادئ وقيم الحكامة الجيدة والشفافية والمحاسبة، بالنسبة للدولة والأجهزة العمومية.

مقال قد يهمك :   إثبات سوء النية في دعاوى إبطال التصرفات العقارية

ويؤخذ من أحكام الفصل 147 من الدستور أن نطاق أو مجال رقابة المجلس الأعلى للحسابات هو المالية العمومية التي تعود للدولة وأجهزتها العمومية، مما يعني أن الأموال الخاصة تخرج من دائرة رقابته. علماً أن مشروع القانون المنعيّ عليه نص في المادة 121 (الفقرة 17) على أن يقوم مجلس هيئة المحامين في نطاق اختصاصها الترابي بـ«تعيين خبير محاسب لمراقبة حسابات الهيئة».

وهكذا يتبين بأن مشروع القانون قد نص على آليتين رقابيتين: واحدة يتولاها المجلس الأعلى للحسابات، وأخرى يقوم بها خبير محاسب لمراقبة الحسابات.

وفي هذه الحالة، يبدو بأن المشرّع تكوّن لديه الشك في عدم دستورية المادة 76، مما دفعه الأمر إلى تبني نظرية الافتحاص المالي بواسطة مراقب للحسابات طبقاً للمادة 121 (الفقرة 17) من مشروع القانون.

وحيث إن مفهوم المرفق العام يتحدد انطلاقاً من طبيعة الأعمال التي يتولاها (المفهوم المادي)، ويجب أن تتصل تلك الأعمال جميعها بالمصلحة العامة؛ لكن الأعمال التي تفقد صلتها بالمصلحة العامة، وخاصة لما يتعلق الأمر بإدارة أموال الهيئات التي تعتبر أموالاً خاصة، فإن إدارتها تكون بواسطة وسائل القانون الخاص وليس القانون العام.

وفي هذا الإطار، يجب الإشارة إلى أن الأعمال التي تقوم بها الأبناك بوجه عام تخضع لأحكام القانون الخاص، ولو كان رأس مالها مملوكاً كلياً أو جزئياً للدولة، إذ لا صلة بين الجهة التي تملك أموالها وموضوع نشاطها، ولا بطرق تسييرها، وليس من شأن هذه الملكية أن تبعث على القول بأن نشاطها عمل إداري.

ثانياً: مفهوم المرفق العام وخصائصه

تُعتبر المرافق العامة أحد موضوعات القانون الإداري بامتياز، وتعريف المرفق العام يجب أن يكون من وجهة نظر القانون الإداري كفرع من فروع القانون العام، وليس القانون الخاص. وهكذا تتجاذب المرفقَ العام عدة نظريات تتوافق فيما بينها على اعتماد معيارين: أحدهما مادي يقول بأن المرفق العام هو النشاط الإداري الذي يصدر عن مؤسسات الدولة بهدف تحقيق مصلحة عامة، وآخر عضوي يتمثل في كون المرفق العام ينسحب على الإدارة أو الهيئة التي تزاول نشاطاً إدارياً.

  • راجع: محمد الأعرج، القانون الإداري المغربي، الجزء الأول، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، مواضيع الساعة عدد 61، مطبعة دار النشر المغربية، 2009، ص 315.

وبصفة عامة، يرى جانب آخر من الفقه أن فكرة المرفق العام هي النشاط الإداري الذي تمارسه الدولة أو مؤسساتها عن طريق إدارته (أي المرفق العام) مباشرة أو بواسطة الغير الذي يخضع لإشرافها ورقابتها بغاية تحقيق مصلحة عامة.

  • راجع: مليكة الصروخ، القانون الإداري: دراسة مقارنة، الطبعة الخامسة، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2001، ص 298.

ومن المعلوم أن المرفق العام يقوم على عناصر قوامها أن الدولة هي من تُحدثه وهي من تلغيه، وأنه يستهدف تحقيق مصلحة عامة للجمهور، وتُسخّر له الدولة موظفين وأموالاً عمومية، ويخضع للقانون تدبيراً ورقابة.

وهكذا يتبين بأن عناصر المرفق العام لا تنسحب على المرفق المهني للمحاماة، لكون المحاماة يؤطرها قانون خاص، ونشاطها محصور في تدبير الشأن المهني، وأموالها ليست بمال عام.

ومن جهة أخرى، فإن هيئات المحامين بالمغرب لا تخضع لأي وصاية أو رقابة ذات طابع إداري فيما يتصل بجميع الاختصاصات التي تمارسها، ولذلك لا يجوز إدراجها في صنف المرافق العامة؛ بل إن الرقابة التي تخضع لها الهيئات في قراراتها ومقرراتها هي رقابة قضائية.

مقال قد يهمك :   سالم فرج عمر: العمل والموارد البشرية في البنوك التشاركية بين الواقع والمثالية

ولذلك فإن النعي على المادة 76 من مشروع القانون بعدم دستوريتها هو نعيٌ سديد في جوهره، نظراً لما شابها من عوار موضوعي، لخروجها على الأحكام الموضوعية في الدستور.

ثالثاً: في عدم جواز إخضاع الهيئات المهنية لرقابة المجلس الأعلى للحسابات

يُعتبر المجلس الأعلى للحسابات هو الهيئة العليا لمراقبة المالية العمومية، وممارسة المراقبة العليا على تنفيذ القوانين المالية، ويتحقق من سلامة العمليات المتعلقة بمداخيل ومصاريف الأجهزة الخاضعة لمراقبته بمقتضى القانون، وذلك تطبيقاً لأحكام الفصل 147 من الدستور والمادة 3 من القانون رقم 62.99 المتعلق بمدونة المحاكم المالية.

وهكذا يتبين بأن نطاق اختصاص المجلس الأعلى للحسابات لا تندرج ضمنه الهيئات المهنية، لسبب بسيط هو أن هذه الأخيرة ليست بمرافق عامة، وأن أموالها ليست بمال عام.

ويجب الإشارة إلى أن فكرة المرفق العام ليست من وضع الفقه، بل إنها من صنع قضاء مجلس الدولة الفرنسي، بحيث تم التأسيس للفكرة من طرف محكمة التنازع (Tribunal des conflits) في حكم بلانكو (Blanco) الشهير الصادر في 8 فبراير 1873، ولذلك فإن مجلس الدولة الفرنسي هو من وضع أساس نظرية المرفق العام.

راجع: سليمان محمد الطماوي، مبادئ القانون الإداري: دراسة مقارنة، الكتاب الثاني، نظرية المرفق العام وعمال الإدارة العامة، طبعة مزيدة ومنقحة، دار الفكر العربي، القاهرة، 2014، ص 13.

علماً بأن القانون الإداري يقوم على فكرتين أساسيتين هما: السلطة العامة والمرفق العام، وجميع المنازعات التي ترد عليهما من اختصاص القضاء الإداري.

وأنه ولما كانت هيئات المحامين شخصيات معنوية خاصة، فهي تخضع لقواعد القانون الخاص وليس القانون العام، لأنها بكل بساطة ليست بمرافق عامة، بل مرافق مهنية من نوع خاص.

وحيث إن نص المادة 76 من مشروع القانون رقم 23.66، التي تنص على إخضاع الهيئات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، لم تتقيد باحترام المبادئ الدستورية (الفصل 147 من الدستور)، وذلك بسبب إضافة قاعدة جديدة من شأنها تغيير القاعدة الدستورية نفسها (راجع قرار المجلس الدستوري رقم 943 بتاريخ 25 يونيو 2014)؛ بحيث إن اختصاص المجلس الأعلى للحسابات محدد بموجب الدستور، وبالتالي لا يحق للمشرّع الانحراف بالتشريع بشكل يخالف الدستور، تطبيقاً لمبدأ تطابق القواعد القانونية المتخذة مع الهدف الدستوري المتوخّى منها. علماً أن المشرّع وإن كان يملك السلطة التقديرية في اختيار التدابير التشريعية لبلوغ أهداف مقررة في الدستور، لكن شريطة عدم مخالفة أحكام الدستور (راجع قرار المجلس الدستوري رقم 817 بتاريخ 13 أكتوبر 2011).

وبالنظر إلى ثبوت عدم تقيد المشرّع العادي في المادة 76 من مشروع القانون رقم 23.66 المنظم لمهنة المحاماة بضوابط وحدود ما قرره الدستور في الفصل 147، تكون معه المادة 76 أعلاه غير مطابقة للدستور.

وبالرجوع إلى قرار المحكمة الدستورية رقم 2021/115 الصادر بتاريخ 11 مارس 2021، والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 6971 بتاريخ 11 مارس 2021، الصفحة 1991، جاء فيه:

«وحيث إنه، لئن كان الدستور أسند للمجلس الأعلى للحسابات ممارسة المراقبة العليا على تنفيذ قوانين المالية، والتحقق من سلامة العمليات المتعلقة بمداخيل ومصاريف الأجهزة الخاضعة لمراقبته بمقتضى القانون، وتقييم كيفية تدبيرها لشؤونها (الفقرة الثالثة من الفصل 147 من الدستور)، بصفته الهيئة العليا لمراقبة المالية العمومية (الفقرة الأولى من الفصل 147)، فإنه لا يوجد في الدستور ما يحول دون إحداث المشرّع، بناءً على أحكام الفصلين 71 و159 من الدستور، لأشخاص اعتبارية من أشخاص القانون العام، يُعهد إليها بالتدابير أو الرقابة أو ضبط أنظمة الاحتياط الاجتماعي، حسب الحالة، أو أنه يُعهد بتصفية نظام المعاشات إلى مؤسسة يتم التعاقد معها».

وهكذا يتبين من مقتضيات قرار المحكمة الدستورية أنها جاءت كاشفة لحدود اختصاص المجلس الأعلى للحسابات، مع التأكيد بأن رقابته تنحصر في المال العام، وبأن المشرّع من صلاحياته إسناد رقابة معينة إلى مؤسسة يتم التعاقد معها، وهو ما يحيل إلى مؤسسة مراقب للحسابات كما جاء في المادة 121 (الفقرة 17) من مشروع القانون رقم 23.66. ولذلك لا حاجة إلى تكليف المشرّع للمجلس الأعلى للحسابات بأن يمارس الرقابة على حساب ودائع وأداءات المحامين، بالنظر لغياب السند الدستوري ولوجود بديل أو بدائل.

مقال قد يهمك :   عبد العلي حفيظ: مركز النيابة العامة في دعوى التذييل بالصيغة التنفيذية

رابعاً: رأي محكمة النقض بشأن المركز القانوني لمرفق المحاماة

تنص المادة الأولى من القانون رقم 28.08 المنظم لمهنة المحاماة على أن:

«المحاماة مهنة حرة مستقلة، تساعد القضاء، وتساهم في تحقيق العدالة، والمحامون بهذا الاعتبار جزء من أسرة القضاء».

هذه المادة حددت وبشكل غير قابل للجدل بأن مهنة المحاماة حرة ومستقلة عن جميع مؤسسات الدولة، وبأنها مرفق مهني بامتياز لا تنسحب عليها المبادئ والقواعد التي تحكم نظرية المرفق العام، وهي بذلك تنظيم ذاتي فوّضت له الدولة تدبيره في إطار من الاستقلالية الإدارية والمالية.

وهكذا، وبمناسبة واقعة اختلاس مالية هيئة من هيئات المحامين بالمغرب، وأمام الجدل بشأن انعقاد الاختصاص لمحاكم الجرائم المالية والمحاكم العادية، أصدرت محكمة النقض القرار عدد 1331/8 بتاريخ 16/08/2018 في الملف الجنحي عدد 15490/6/8/2018، وجاء في تعليله ما يلي:

  • أن المشرّع حدد الطبيعة القانونية لمهنة المحاماة، والمتجلية في الحرية والاستقلال، سواء للمؤسسات المهنية أو بالنسبة للمحامين، وهي الطبيعة التي تتنافى وضوابط الوظيفة العمومية القائمة على السلطة الرئاسية والتسلسل الإداري.
  • أن تدبير وتسيير هيئة المحامين لحساب ودائع وأداءات المحامين يتم تنفيذاً لنص المادة 57 من القانون رقم 28.08، كما أن مسك الهيئة للحساب المذكور لا يجعل منها مصلحة ذات نفع عام، ما دامت الصبغة الأساسية للمهنة هي الاستقلالية من جهة، ومن جهة ثانية لكون موارد الحساب ليست متأتية من أموال عمومية، ما دام الثابت أنها مملوكة للمحامين ولموكليهم، أي لخواص».

وبناءً على ما ذُكر، تكون محكمة النقض — كأعلى هيئة قضائية بالمملكة، وبوصفها في الأصل محكمة قانون — قد حسمت في الجدل الذي يدور حول الطبيعة القانونية للهيئات وللأموال التي تتولى إدارتها، بحيث أكدت بأنها مال خاص وليست بمال عام، الأمر الذي يخرجها من دائرة رقابة المجلس الأعلى للحسابات، خلافاً لما تقول به بعض الأقلام التي تدافع عن أطروحة رقابة المجلس الأعلى للحسابات على مالية هيئات المحامين بالمغرب.

error: عذرا, لا يمكن حاليا نسخ او طباعة محتوى الموقع للمزيد من المعلومات المرجوا التواصل مع فريق الموقع عبر البريد الالكتروني : [email protected]