مجلة مغرب القانونالقانون الخاصالياس مزيان/ خليل متحد: فعالية النظام القانوني للعقار الصناعي بالمغرب في ضوء رهانات الاستثمار والعدالة المجالية (مقال مشترك)

الياس مزيان/ خليل متحد: فعالية النظام القانوني للعقار الصناعي بالمغرب في ضوء رهانات الاستثمار والعدالة المجالية (مقال مشترك)

الياس مزيان محامي متمرن بهيئة المحامين بطنجة، طالب باحث في سلك الدكتوراه بجامعة محمد الأول كلية متعددة التخصصات مختبر البحث في القانون العقار والتعمير ومتطلبات الحكامة الترابية

خليل متحد موثق بمدينة وجدة طالب باحث بسلك الدكتوراه بجامعة محمد الأول كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بوجدة،مخبر الدراسات والأبحاث القانونية والإدارية والسياسية (فريق البحث: القانون الدولي، الجيوبوليتيك والأمن).


الملخص:

يستهدف هذا المقال مساءلة فعالية النظام القانوني المؤطر للعقار الصناعي بالمغرب في ضوء رهانات الاستثمار الصناعي والعدالة المجالية. وينطلق من فرضية مؤداها أن وفرة النصوص القانونية وتعدد الفاعلين المؤسساتيين لا يكفيان، في حد ذاتهما، لإنتاج الأثر التنموي المنشود، ما لم يندرجا ضمن منظومة منسجمة تؤمن وضوح القاعدة القانونية، ونجاعة المساطر، واستقرار المركز القانوني للمستثمر، وربط تخصيص العقار بالتثمين الفعلي. واعتمد المقال مقاربة تحليلية نقدية استندت إلى النصوص التشريعية والتنظيمية ذات الصلة، وإلى الكتابات الفقهية والتقارير المرجعية الحديثة، بغية تقويم هذا النظام عبر محورين رئيسيين: يتناول الأول البناء المفاهيمي والقانوني والمؤسساتي للعقار الصناعي، بينما يخصص الثاني لقياس فعاليته في ضوء متطلبات الاستثمار والتنمية الترابية. ويخلص المقال إلى أن العقار الصناعي يمثل موردًا استراتيجيًا لا تتحقق قيمته بمجرد تخصيصه أو تعبئته، بل بمدى اندماجه في رؤية قانونية ومؤسساتية قادرة على إنتاج الأمن القانوني، وتبسيط المساطر، وربط الانتفاع بالعقار بالالتزام بالإنتاج، وجعل الأرض أداة للتوازن المجالي لا مجرد وعاء للاستغلال.

الكلمات المفتاحية: العقار الصناعي، الاستثمار الصناعي، الأمن القانوني، الحكامة الترابية، العدالة المجالية، المغرب..


Abstract

This article examines the effectiveness of Morocco’s legal framework governing industrial real estate in light of industrial investment and territorial equity. It argues that the existence of multiple legal texts and institutional actors is not sufficient, in itself, to generate developmental outcomes unless they operate within a coherent system capable of ensuring legal certainty, procedural efficiency, predictability for investors, and a functional link between land allocation and actual valorization. Using an analytical and critical legal approach, the article relies on statutory and regulatory texts, doctrinal writings, and selected policy reports. It is structured around two main axes: the first addresses the conceptual, legal, and institutional architecture of industrial real estate, while the second assesses the effectiveness of this framework in relation to investment promotion and territorial balance. The article concludes that industrial land is a strategic resource whose value depends not on mere allocation, but on its integration into a legal and institutional framework capable of producing legal certainty, simplifying procedures, linking usufruct to productive use, and turning land into an instrument of balanced development.

Keywords: industrial real estate, industrial investment, legal certainty, territorial governance, territorial equity, Morocco.


مقدمة

أضحى العقار الصناعي في المغرب معطًى حاسمًا ضمن معادلة الاستثمار والإقلاع الإنتاجي، بعدما تبين أن نجاح السياسات الصناعية لا يتوقف على الحوافز المالية والجبائية وحدها، بل يرتبط كذلك بمدى توفر وعاء عقاري منظم، قابل للتعبئة والتخصيص والتثمين داخل آجال معقولة وبضمانات قانونية واضحة.[1]

ولا يتعلق الأمر، في هذا السياق، بندرة الأرض الصناعية أو بوفرتها في بعدها الكمي فحسب، وإنما بطبيعة النظام القانوني الذي يؤطر تعبئة هذا العقار وتخصيصه واستغلاله واسترجاعه عند الاقتضاء، وبمدى قدرة هذا النظام على التوفيق بين جاذبية الاستثمار ومتطلبات الحكامة، وبين منطق النجاعة الاقتصادية ومقتضيات العدالة المجالية.[2]

وتنبع أهمية هذا الموضوع من أن العقار الصناعي لم يعد مجرد وعاء محايد لاحتضان الأنشطة الإنتاجية، بل صار موردًا استراتيجيًا تتقاطع فيه اعتبارات الملكية، والتعمير، والاستثمار، واللامركزية الترابية، والأمن القانوني. ومن ثم، فإن مساءلة النظام القانوني المؤطر له لا تُفهم بوصفها دراسة تقنية لفرع من فروع التنظيم العقاري، بل باعتبارها اختبارًا لقدرة القانون على إنتاج أثر اقتصادي ومجالي ملموس.

وينطلق هذا المقال من إشكالية مفادها: إلى أي حد يشكل النظام القانوني للعقار الصناعي بالمغرب منظومة متكاملة وفعالة قادرة على تحفيز الاستثمار الصناعي وتعزيز العدالة المجالية؟ وللإجابة عن هذه الإشكالية، اعتمد المقال تقسيمًا كلاسيكيًا يقوم على محورين رئيسيين: يُعنى أولهما بالبنية المفاهيمية والقانونية والمؤسساتية للعقار الصناعي، بينما يخصص ثانيهما لتحليل فعالية هذا النظام في ضوء رهانات الاستثمار والعدالة المجالية.

المحور الأول: البنية المفاهيمية والقانونية والمؤسساتية للعقار الصناعي بالمغرب

مقال قد يهمك :   وزير العدل: تزويج القاصرات تحوّل إلى قاعدة بدل الاستثناء الذي أقرته مدونة الاسرة

لا يمكن فهم العقار الصناعي فهمًا سليمًا ما لم يُدرج ضمن التصور الأوسع للعقار بوصفه موردًا قانونيًا ووظيفيًا في آن واحد. فالعقار في أصله مال ثابت، غير أن ثباته لا يعني الجمود من حيث الوظيفة، لأن الأرض حين تدرج ضمن دورة الإنتاج تتحول من موضوع للتمتع والانتفاع إلى أداة لتوليد القيمة واحتضان الاستثمار. ولهذا، فإن العقار الصناعي لا تُقاس أهميته بموقعه أو مساحته فحسب، وإنما بقدرته على الاندماج في سياسة صناعية واستثمارية ومجالية متماسكة.[3]

ويكتسي هذا التحول أهمية خاصة في السياق المغربي، لأن المشرع لم يضع تعريفًا تشريعيًا جامعًا للعقار الصناعي، بل اعتمد مقاربة غير مباشرة تقوم على تنظيم الفضاءات والأوعية الحاضنة للأنشطة الصناعية، كما هو الشأن بالنسبة إلى المناطق الصناعية ومناطق التسريع الصناعي، مع الإبقاء على خضوع العقار في طبيعته الأصلية للقواعد العامة الواردة في قانون الالتزامات والعقود. ويترتب عن هذا الاختيار أن العقار الصناعي يتحدد قانونيًا بقدر أكبر من خلال وظيفته الاقتصادية ومجال استعماله، لا من خلال تعريف تشريعي جامع مانع.

وعلى هذا الأساس، يتخذ النظام القانوني للعقار الصناعي بالمغرب طابعًا مركبًا، لأنه ينتظم ضمن شبكة من النصوص تتقاطع فيها قواعد الاستثمار والتعمير والتنظيم الترابي والتدبير الإداري. ويُعد القانون رقم 102.21 المتعلق بالمناطق الصناعية من أبرز النصوص الحديثة في هذا المجال، بالنظر إلى كونه وضع إطارًا خاصًا لإحداث المناطق الصناعية وتهيئتها وتدبيرها وتثمينها، بما يكفل رفع جاذبيتها وتحسين حكامتها وتوضيح التزامات مختلف المتدخلين.[4] غير أن هذا النص لا يستغرق وحده جميع صور العقار الصناعي، إذ يظل هذا الأخير مرتبطًا أيضًا بالقانون-الإطار رقم 03.22 بمثابة ميثاق الاستثمار، وبالقانون رقم 47.18 المتعلق بإصلاح المراكز الجهوية للاستثمار[5]، فضلًا عن قواعد التعمير والضبط الإداري ذات الصلة.[6]

وإذا كان الإطار القانوني للعقار الصناعي بالمغرب يتسم بالتعدد والتشعب، فإن أحد أهم مكوناته المعاصرة يتمثل في نظام مناطق التسريع الصناعي، الذي تبلور من خلال القانون رقم 19.94 المتعلق بالمناطق الحرة للتصدير كما تم تعديله بالقانون رقم 14.21[7]، بما أفضى إلى استبدال تسمية المناطق الحرة للتصدير بمناطق التسريع الصناعي وإعادة تأطير وظيفتها ضمن منظور أشمل يربط العقار بالحوافز والإجراءات والبنيات المندمجة[8] ، فهذه المناطق لا تُعد مجرد فضاءات مهيأة للاستثمار، بل تمثل نظامًا قانونيًا خاصًا يجمع بين الامتيازات العقارية، والتبسيط المسطري، والتحفيزات الجبائية والإدارية، في إطار يروم تقليص كلفة الاستثمار وتسريع إنجازه.

وتنبع أهمية مناطق التسريع الصناعي، من زاوية العقار الصناعي، من كونها تُخرج الأرض من منطق التدبير التقليدي القائم على التخصيص الإداري البطيء، إلى منطق العرض المندمج الذي يربط بين الوعاء العقاري والخدمات والربط اللوجستي والتحفيزات القانونية في حزمة واحدة. كما أن التحول من نظام المناطق الحرة إلى نظام مناطق التسريع الصناعي يعكس انتقالًا من منطق الامتياز المنعزل إلى منطق المنظومة الاستثمارية المتكاملة، بما ينسجم مع توجهات السياسات الصناعية الحديثة في المغرب.[9]

غير أن هذه البنية القانونية، بما تتضمنه من تعدد في النصوص والأنظمة الخاصة، لا تكون مصدر قوة إلا إذا أفضت إلى انسجام معياري وإلى وضوح في مراكز الأطراف والتزاماتهم. فالمنظومة، حتى تكون فعالة، لا يكفي أن تكون غنية بالنصوص، بل يجب أن تتسم بالوضوح والقدرة على بناء مسار قانوني قابل للتوقع بالنسبة إلى المستثمر وللإدارة معًا.[10]

ومن الناحية المؤسساتية، يتسم تدبير العقار الصناعي بتعدد المتدخلين، بين الدولة المركزية، والجهات، والجماعات الترابية، والوكالات العمومية، والمراكز الجهوية للاستثمار، واللجان الجهوية الموحدة، إضافة إلى هيئات التدبير الخاصة ببعض المناطق الصناعية ومناطق التسريع الصناعي. وهذا التعدد لا يتحول إلى قيمة مضافة إلا إذا أسند إلى تنسيق فعلي ومرجعية واضحة للقرار. وقد أبرز الفقه المغربي المرتبط بالجهوية المتقدمة والحكامة الترابية أن غياب التنسيق المؤسسي الملزم يفضي غالبًا إلى تضارب الاختصاصات وإطالة آجال القرار، بما يرفع الكلفة الإجرائية ويضعف الثقة في البيئة القانونية للاستثمار.[11]

ولذلك، فإن القيمة الحقيقية للبنية القانونية والمؤسساتية للعقار الصناعي لا تكمن في عدد النصوص والهيئات المتدخلة، بل في قدرتها على جعل الأرض الصناعية قابلة للتعبئة الفعلية، وعلى ربط القرار العقاري بالفعل الإنتاجي داخل إطار شفاف ومستقر. ومن ثم، يتبين أن فهم العقار الصناعي في المغرب يقتضي الانتقال من التصور العقاري المحض إلى تصور وظيفي يجعل من الأرض موردًا استراتيجيًا للفعل الاقتصادي والتنمية المجالية، وهو ما يمهد للانتقال إلى مساءلة فعالية هذا النظام في ضوء رهانات الاستثمار والعدالة المجالية.

مقال قد يهمك :   القضاء الفرنسي يعيد فتح قضية عمر الرداد‎‎ بعد 27 سنة عن إدانته

المحور الثاني: فعالية النظام القانوني للعقار الصناعي بين تحفيز الاستثمار ومتطلبات العدالة المجالية

إن قياس فعالية النظام القانوني للعقار الصناعي لا ينبغي أن ينصرف إلى مجرد وجود النصوص أو إلى حجم العرض العقاري المعلن، بل إلى مدى قدرة هذا النظام على إنتاج أثر وظيفي ملموس في الاستثمار وفي المجال. وبناءً على ذلك، يمكن تقويم هذه الفعالية من خلال ثلاثة مؤشرات مترابطة: الانسجام المعياري، والنجاعة المؤسساتية، والأثر التنموي والمجالي. فحيث يغيب الانسجام أو تتعثر المؤسسة أو يضعف التثمين الفعلي للعقار، تنتفي الجدوى العملية للنظام ولو بدا متطورًا من الناحية الشكلية.[12]

وعلى مستوى الانسجام المعياري، يبرز من خلال التحليل أن من أبرز أعطاب المنظومة الحالية غياب تعريف تشريعي جامع للعقار الصناعي، وتوزع الأوعية الصناعية بين أنظمة قانونية متعددة تختلف في منطقها وأهدافها وأدواتها. ويؤدي هذا الوضع إلى إرباك القراءة القانونية للمجال، وإلى توسيع هامش السلطة التقديرية، وتفاوت الممارسات التطبيقية بحسب الجهة أو نوع المشروع أو المؤسسة المتدخلة. ومن ثم، فإن الفعالية القانونية تظل محدودة ما لم تتوفر مرجعية أوضح، توحد المفاهيم، وتربط بين النصوص في إطار منسجم يحد من التضارب والغموض.[13]

أما من حيث النجاعة المؤسساتية، فإن المشكل لا يرتبط فقط بوجود مؤسسات متعددة، بل أيضًا بغياب منطق موحد في تدبير الملف العقاري الاستثماري من بدايته إلى نهايته. فبطء المساطر، وتكرار الوثائق، وتعدد مسارات الموافقة، وتفاوت تنزيل الإصلاحات الجهوية، كلها عناصر تؤثر مباشرة في قرار المستثمر، لأن الزمن جزء من كلفة المشروع ومن جدواه التمويلية. وقد أبرزت بعض الأبحاث الجامعية المغربية أن تبسيط المساطر والرقمنة، رغم أهميتهما، لا يحققان أثرهما الكامل ما لم يقترنا بتوحيد القرار وتحسين التنسيق وضبط المسؤوليات.[14]

ويكتسب الأمن القانوني، في هذا السياق، موقعًا مركزيًا. فالمستثمر لا يبحث فقط عن أرض متاحة، بل عن بيئة قانونية تمنحه قابلية التوقع، واستقرار المركز القانوني، ووضوح الآجال، وإمكان الدفاع عن حقوقه وإنفاذ التزاماته. ولذلك، فإن الأمن القانوني ليس مجرد قيمة مضافة للنظام العقاري الصناعي، بل هو شرط بنيوي لنجاعته، وعنصر حاسم في تحويل العقار الصناعي من مورد نظري إلى أداة جذب استثماري فعلية.[15]

ومن زاوية الأثر التنموي، يتأكد أن تخصيص العقار الصناعي لا ينتج أثرًا اقتصاديًا بمجرد وقوعه، بل بمدى اقترانه بالتثمين الفعلي والإنتاج وخلق القيمة. فكل انفصال بين التخصيص والاستغلال المنتج يحول الأرض الصناعية إلى مخزون جامد أو إلى مورد ريعي. ومن هنا تظهر ضرورة الانتقال من منطق التخصيص الشكلي إلى منطق التخصيص الوظيفي، بحيث يُربط الانتفاع بالعقار الصناعي بالتزام فعلي بالإنتاج داخل آجال معقولة، مع وجود آليات للتتبع والاسترجاع عند الإخلال الجسيم بالالتزامات.[16]

كما أن فعالية النظام القانوني للعقار الصناعي ينبغي أن تُقاس بقدرته على خدمة العدالة المجالية، لا بقدرته على توسيع العرض في مجالات بعينها فقط. فالعقار الصناعي يمثل أداة لتوجيه الاستثمار بين الجهات، ويمكن أن يكون رافعة لإعادة توزيع الفرص الاقتصادية إذا أُدرج ضمن رؤية ترابية مندمجة تراعي خصوصيات المجالات وحاجاتها وإمكاناتها. غير أن ضعف هذا الاندماج قد يؤدي إلى إعادة إنتاج التمركز الصناعي بدل تفكيكه، وهو ما يجعل من البعد المجالي معيارًا جوهريًا في تقييم الفعالية القانونية.

وتبرز بعض التجارب الوطنية الناجحة حين يُدمج العقار الصناعي ضمن منظومات لوجستيكية واستثمارية متكاملة، كما هو الشأن بالنسبة إلى نموذج طنجة المتوسط، الذي يكشف أن القيمة الحقيقية للعقار الصناعي لا تتحدد في تخصيص الأرض وحده، بل في ربطها بالبنية التحتية والخدمات والتدبير المنسجم والرؤية التنافسية. [17] غير أن مثل هذه النماذج، مهما كانت دالة، لا تلغي الحاجة إلى إصلاح عام يضمن تعميم منطق النجاعة على مجموع التراب الوطني.

ويفضي ذلك كله إلى أن إعادة بناء فعالية النظام القانوني للعقار الصناعي تمر عبر ثلاثة مداخل متكاملة: توحيد الرؤية التشريعية، وتدعيم الطابع الوظيفي للتخصيص، وتقوية التنسيق المؤسسي وربط العقار الصناعي بأهداف التوازن المجالي. فحين ينجح القانون في تأطير الأرض الصناعية ضمن منطق واضح ومستقر وقابل للإنفاذ، وتنجح المؤسسة في تنزيل هذا المنطق بكفاءة وشفافية، يتحول العقار الصناعي من موضوع للتدبير الإداري إلى رافعة استراتيجية لخدمة الاستثمار المنتج والتنمية المتوازنة.

مقال قد يهمك :   في الحاجة للحكامة الراشدة في قطاع الشغل في المغرب"نظام تفتيش الشغل نموذجا"

خاتمة:

يفضي هذا التحليل إلى أن العقار الصناعي بالمغرب لا يمكن اختزاله في كونه وعاءً عقاريًا مخصصًا للنشاط الإنتاجي، بل ينبغي فهمه باعتباره موردًا استراتيجيًا تتحدد فعاليته من خلال جودة الإطار القانوني والمؤسساتي الذي يؤطره، ومن خلال مدى اندماجه في دينامية الاستثمار والتنمية الترابية.

وقد أبرزت الدراسة أن هذا الإطار، رغم ما يتضمنه من عناصر قوة مرتبطة بالتراكم التشريعي والمؤسساتي، يظل محكومًا بعدد من الاختلالات البنيوية، في مقدمتها تشتت المرجعيات القانونية، وتعدد المتدخلين دون تنسيق كافٍ، فضلًا عن استمرار الفجوة بين تخصيص العقار وتثمينه الفعلي، إلى جانب محدودية إدماجه ضمن رؤية مجالية متوازنة.

ومن هذا المنطلق، فإن نجاعة النظام القانوني للعقار الصناعي تظل رهينة بانتقال نوعي من منطق التخصيص الإداري إلى منطق التخصيص الوظيفي القائم على ربط الانتفاع بالإنتاج، ومن تعدد المرجعيات إلى انسجامها ضمن إطار واضح، ومن تدبير الأرض كمخزون إلى توظيفها كرافعة للفعل الاقتصادي المنتج.

وعليه، فإن تعزيز فعالية هذا النظام يمر أساسًا عبر ترسيخ الأمن القانوني، وتبسيط المساطر، وتحسين التنسيق المؤسساتي، بما يضمن استقرار المراكز القانونية ويعزز ثقة المستثمر. فحين تتكامل القاعدة القانونية مع النجاعة المؤسساتية، ويتحقق الربط بين الأرض والإنتاج، يتحول العقار الصناعي إلى أداة حقيقية لتحفيز الاستثمار وتعزيز العدالة المجالية.


[1] Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD), OECD Investment Policy Reviews: Morocco 2024, OECD Publishing, 2024, pp. 45.

[2] اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، النموذج التنموي الجديد: تحرير الطاقات واستعادة الثقة، الرباط، 2021، ص. 42–48.

[3] بن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت، 2003، مادة “عقار”؛ ابن فارس، مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، بيروت، 1979، مادة “عقر” ص 34.

[4] ظهير شريف رقم 1.23.17 صادر في 19 رجب 1444 (10 فبراير 2023) بتنفيذ القانون رقم 102.21 المتعلق بالمناطق الصناعية، الجريدة الرسمية، عدد 7173، بتاريخ 27 فبراير 2023.

[5] ظهير شريف رقم 1.19.18 صادر في 7 جمادى الآخرة 1440 (13 فبراير 2019) بتنفيذ القانون رقم 47.18 المتعلق بإصلاح المراكز الجهوية للاستثمار وبإحداث اللجان الجهوية الموحدة للاستثمار، الجريدة الرسمية، عدد 6754، بتاريخ 21 فبراير 2019، ص. 834.

[6] القانون رقم 12.90 المتعلق بالتعمير الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.92.31 بتاريخ 15 من ذي الحجة 1412 (17 يونيو 1992)، الجريدة الرسمية، عدد 4159، بتاريخ 15 يوليو 1992؛
 القانون رقم 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.92.7 بتاريخ 15 من ذي الحجة 1412 (17 يونيو 1992)، الجريدة الرسمية، عدد 4159، بتاريخ 15 يوليو 1992؛

[7] القانون رقم 19.94 المتعلق بالمناطق الحرة للتصدير كما تم تعديله وتتميمه بالقانون رقم 14.21، الجريدة الرسمية، 1995/2021.

[8] Ministère de l’Industrie et du Commerce, Guide des zones d’accélération industrielle au Maroc, Rabat, 2021, pp. 10–18

[9] Douglass C. North, Institutions, Institutional Change and Economic Performance, Cambridge University Press, Cambridge, 1990, pp. 46–60.

[10] محمد الزكراوي، «الجهوية المتقدمة بين حكامة ميثاق اللاتمركز الإداري ونجاعة مراكز الاستثمار الجهوية»، مجلة منازعات الأعمال، العدد 35، 31 أكتوبر 2018، ص. 23.

[11]. Douglass C. North, Institutions, Institutional Change and Economic Performance, Cambridge University Press, Cambridge, 1990, pp. 3

[12] Richard Baldwin, Martin Cave & Martin Lodge, Understanding Regulation: Theory, Strategy, and Practice, 2nd ed., Oxford University Press, Oxford, 2012, pp. 18

[13] صلاح الدين زكاري، «الإطار القانوني و المؤسساتي للاستثمار الجهوي»، مجلة منازعات الأعمال، العدد 39، مارس 2019، ص. 80.

[14] Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD), OECD Investment Policy Reviews: Morocco 2024, مرجع سابق، pp. 90–105.

[15] المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، العقار في المغرب: رافعة أساسية من أجل التنمية المستدامة والإدماج الاجتماعي، الرباط، 2021، ص. 65–78؛ المملكة المغربية، القانون رقم 102.21 المتعلق بالمناطق الصناعية، مرجع سابق.

[16] اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، النموذج التنموي الجديد: تحرير الطاقات واستعادة الثقة، الرباط، 2021، ص. 42–48.

[17]Tanger Med Group, Tanger Med in Figures / Key Figures 2023, Tanger Med Group, 2024, p. 5.

error: عذرا, لا يمكن حاليا نسخ او طباعة محتوى الموقع للمزيد من المعلومات المرجوا التواصل مع فريق الموقع عبر البريد الالكتروني : [email protected]