مجلة مغرب القانونالقانون الخاصالوسائل البديلة لحل نزاعات الشغل الفردية والجماعية

الوسائل البديلة لحل نزاعات الشغل الفردية والجماعية

العماري مروان خريج سلك ماستر قانون الشغل والحماية الاجتماعية بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة

مقدمة:

تعد العلاقة الشغلية من الروابط المهمة في المجتمع، بحيث تجمع بين طرفين لهما الدور الكبير في التنمية الاقتصادية للبلاد، وكما هو معلوم لا يمكن لأي علاقة أن تخلو من نزاع، لذلك قد ينشأ خلاف بين المشغلين والأجراء ويمكن أن يأخذ قالب نزاع فردي يكون بين الأجير والمشغل بسبب الشغل، أو نزاع شغل جماعي بين المنظمات النقابية للأجراء وبين المشغلين أو المنظمة المهنية للمشغلين.

ولحماية أطراف عقد الشغل تدخل المشرع وجاء بوسائل بديلة لحل هذه النزاعات وضمان حقوق الأطراف والمحافظة على استمرار المقاولات وتحقيق السلم الاجتماعي بطرق ودية قبل الوصول الى القضاء.

ويمكن تعريف الوسيلة البديلة بأنها كل وسيلة يتم بواسطتها اللجوء إلى طرف ثالث محايد للتدخل في حل النزاع بدل اللجوء الى القضاء، ومن بين هذه الوسائل نجد الصلح والتحكيم والوساطة الاتفاقية.

وفي هذا السياق، أصدر المشرع المغربي ظهير 19 يناير 1946 المتعلق بالمصالحة والتحكيم في حل نزعات الشغل الجماعية، قبل أن تأتي مدونة الشغل وتنظم هذه الآليات في كل من الباب الثاني والثالث منها، ثم بعد ذلك عمل المشرع على تنظيم كل من التحكيم والوساطة بمقتضى القانون 95.17[1].

وتتجلى أهمية هذا الموضوع في دوره الاقتصادي والاجتماعي والقانوني، من خلال مساهمته في الحفاظ على استقرار العلاقة الشغلية واستمرار المقاولات عبر تسوية النزاعات بشكل ودي وسريع، بعيدا عن اللجوء إلى القضاء، إضافة إلى توفير الحماية للأجراء وضمان حقوقهم بما يساهم في تحقيق السلم الاجتماعي، فضلا عن إرساء تسوية قانونية عادلة ومنظمة تراعي حقوق والتزامات طرفي علاقة الشغل.

    ونظرا للمكانة المتميزة لهذه الآليات، يطرح الموضوع إشكالية محورية متمثلة في:

مدى مساهمة الوسائل البديلة في تسوية نزاعات الشغل الفردية والجماعية بشكل يضمن تحقيق التوازن بين حقوق الأجراء وأرباب العمل.

وللخوض في الموضوع أكثر ارتأينا دراسته من خلال تقسيمه إلى مبحثين،

  • المبحث الأول: الوسائل البديلة لحل نزاعات الشغل الفردية
  • المطلب الأول: مسطرة الصلح التمهيدي
  • المطلب الثاني: التحكيم والوساطة الاتفاقية
  • المبحث الثاني: الوسائل البديلة لحل نزاعات الشغل الجماعية
  • المطلب الأول: التصالح
  • المطلب الثاني: التحكيم المنظم في مدونة الشغل

المبحث الأول: الوسائل البديلة لحل نزاعات الشغل الفردية

تعتبر الوسائل البديلة لتسوية نزاعات الشغل الفردية من الآليات الحديثة التي أقرها المشرع المغربي بهدف تحقيق تسوية فعالة وسريعة للنزاعات الناشئة بين الأجير والمشغل، بعيدا عن تعقيدات وإجراءات التقاضي أمام المحاكم. وتكتسي هذه الوسائل أهمية بالغة بالنظر إلى دورها في الحفاظ على استمرارية العلاقة الشغلية وتحقيق التوازن بين مصالح طرفي عقد الشغل، فضلا عن مساهمتها في تخفيف العبء عن القضاء الاجتماعي.

وفي هذا الإطار، عملت مدونة الشغل المغربية على إقرار مجموعة من الآليات الودية لتسوية نزاعات الشغل الفردية، من أبرزها الصلح التمهيدي أمام مفتش الشغل، باعتباره وسيلة أولية تهدف إلى تقريب وجهات النظر بين الأجير والمشغل والوصول إلى حل توافقي يضمن حقوق الطرفين في إطار من السرعة والمرونة.

كما عزز المشرع المغربي هذه الآليات من خلال تنظيم الوساطة الاتفاقية والتحكيم بمقتضى القانون رقم 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية، والذي جاء لتكريس ثقافة الحلول البديلة للنزاعات، عبر تمكين الأطراف من تسوية خلافاتهم بطرق رضائية تقوم على السرية والفعالية.

المطلب الأول: مسطرة الصلح التمهيدي

يلعب مفتش الشغل دورا هاما في فض نزاعات الشغل الفردية نظرا لتواجده في قلب النزاع الاجتماعي وقربه الكبير من طرفي العلاقة الشغلية. إلا أن هذا الدور الذي يلعبه مفتش الشغل ليس بالهين بل يتطلب منه توظيف خبرته الواسعة في مجال منازعات الشغل الفردية بالإضافة الى مجموعة من الآليات والوسائل والقدرات التي تمكنه من القيام بهذه المهمة.

وقبل الخوض في ابراز دور مفتش الشغل في عملية الصلح التمهيدي، سواء الدور التفاوضي أو الاجرائي لابد من التطرق للمقصود بالصلح التمهيدي، فبالرجوع لمدونة الشغل فإن المشرع لم يعمل على تعريف مسطرة الصلح التمهيدي، وإنما أشار اليها في المادة 532 من مدونة الشغل تناط بالأعوان المكلفين بتفتيش الشغل مهمة إجراء محاولات التصالح في مجال نزاعات الشغل الفردية، ويمكن القول إن مسطرة الصلح التمهيدي هو ذلك الإجراء المسطري الذي يخول للأجير الذي فصل عن الشغل لسبب يعتبره تعسفيا، ويجرى أمام مفتش الشغل وقبل عرض النزاع على القضاء، ويخول للأجير خيارين إثنين إما الرجوع إلى الشغل أو الحق في التعويض[2]، أما الفصل 1098 من قانون الالتزامات والعقود ينص على أن الصلح هو عقد بمقتضاه يحسم الطرفان نزاعا قائما أو يتوقعان قيامه وذلك بتنازل كل منهما للآخر عن جزء مما يدعيه لنفسه أو بإعطائه مالا معينا أو حقا”.

الفقرة الأولى: الدور التفاوضي والإجرائي لمفتش الشغل

إن الدور التفاوضي لمفتش الشغل في نزاعات الشغل الفردية يتجلى من خلال استقباله للأجراء والاستماع لمختلف مطالبهم، كما يعمل في الجانب الآخر على استدعاء المشغل والاستماع إلى مختلف المبررات التي يقدمها لتبرير السلوك الذي اتخذه في حق الأجير، ثم ينتقل بعد ذلك إلى المرحلة الثالثة وهي العمل على مقابلة الأجير والمشغل وإجراء محاولة الصلح، وكما تم توضيحه سابقا فإنه يستعين بكل مؤهلاته التفاوضية وخبراته التي استلهمها من خلال عمله اليومي لفض النزاع المعروض أمامه، وذلك من أجل اقناع الطرفين على أهمية الصلح ونجاعته وسرعته بدل اللجوء إلى القضاء ومساطره الطويلة والمعقدة.

فمفتش الشغل غالبا ما يتمتع بأسلوب حواري يمكنه من كسب ود الطرفين الشيء الذي يجعله مفاوضا من الدرجة الأولى، وتساعده في ذلك قدرته على معرفة نقاط الخلاف وإيجاد حلول مناسبة لها وهذا ما جعل هذا الجهاز يتفوق على القضاء في هذه المهمة[3].

أما فيما يخص الدور الاجرائي فهي المسطرة التي نصت عليها مدونة الشغل، حيث يترتب على كل محاولة صلح نتيجتين، إما أن تنتهي هذه المحاولة بالفشل فينتقل بذلك النزاع الى المحكمة أو تنتهي بالنجاح فيكون النزاع بذلك قد انتهى، ففي الحالة الأولى، يقوم مفتش الشغل بتحرير وثيقة تسمى وثيقة المعلوميات يسلمها للأجير بناء على طلبه تضم مجموع الطلبات التي تقدم بها الأجير وذلك تحت مسؤوليته القانونية[4]، كما أن هذه الوثيقة لا تتمتع بأي حجية قانونية إلا أن الأجير يستند عليها في مقال الادعاء الذي يرفعه للمحكمة. أما في حالة نجاح مفتش الشغل في فض النزاع عبر مسطرة الصلح التمهيدي فهنا نميز بين حالتين[5]:

  • الحالة الأولى: عندما يكون موضوع النزاع هو الفصل التعسفي للأجير قهو يقوم بالتوقيع بالعطف على توصيل استلام مبلغ التعويض من طرف الأجير والمشغل أو من ينوب عنه.
  • الحالة الثانية: عندما يتعلق الأمر بأي نزاع من نزاعات الشغل الفردية، دون الفصل التعسفي، في هذه الحالة يوقع بالعطف العون المكلف بتفتيش الشغل على محضر الصلح.

الفقرة الثانية: إجراءات وآثار مسطرة الصلح التمهيدي

لم يتطرق المشرع المغربي للإجراءات الواجبة الاتباع من طرف الأجير لتحقيق مسطرة الصلح، ولعل أول الأسئلة التي تتبادر على الذهن هي الكيفية التي يتقدم بها الأجير لمفتش الشغل، لكن جرت العادة على أن الأجير يبادر الى اللجوء الى مكتب مفتش الشغل في حالة النزاع بينه وبين المشغل وتقديم النزاع له كتابيا أو شفهيا، ويقوم المفتش بتحديد مطالبه قبل أن يستدعي المشغل لإجراء محاولة التصالح.

من جهة أخرى يستحسن أن يتوجه الأجير المكتب مفتش الشغل في آجال معقولة، لأن من شأن تأخير هذه المسطرة ضياع فرص نجاح الصلح.

أما بالنسبة لاستدعاء الطرفين، فإن حضور المشغل في الساعة واليوم المحددين من طرف مفتش الشغل يعتبر أمرا اختياريا والتزاما أدبيا لعدم وجود نص يلزمه بذلك. وإجمالا فإن البث في النزاع يقتضي استجابة الأطراف للاستدعاء وحضورهم للمشاركة في اجراء محاولة التصالح، وبالتالي فإن تغيب الأطراف عن الحضور أو امتنعوا عنه فذلك يعتبر بمثابة فشل المسطرة الصلح التمهيدي.

وبخصوص الحجية القانونية لمحضر الصلح، فإن استقراء مقتضيات المادة 41 من مدونة الشغل يفيد أن الاتفاق المتوصل إليه في إطار الصلح التمهيدي يكتسي طابعا نهائيا، إذ يعتبر غير قابل للطعن أمام المحاكم، مما يضفي عليه قوة قانونية ملزمة لطرفي النزاع.

المطلب الثاني: التحكيم والوساطة الاتفاقية

يعد كل من التحكيم والوساطة الاتفاقية من أهم الوسائل البديلة لتسوية النزاعات، لما توفره من مرونة وسرعة في معالجة الخلافات بعيدا عن تعقيدات وإجراءات التقاضي أمام المحاكم. وقد نظم المشرع المغربي هاتين الآليتين بموجب القانون رقم 95.17، بهدف تشجيع الأطراف على حل نزاعاتهم بطريقة ودية تضمن الحفاظ على العلاقات المهنية وتحقيق الأمن القانوني والتعاقدي.

الفقرة الأولى: التحكيم

إن نظام التحكيم تغلب عليه الصفة التعاقدية، لأن مصدره سلطان إرادة الأطراف، وقد نص المشرع المغربي في المادة 2 من القانون رقم 95.17 على أنه” اتفاق التحكيم هو التزام الأطراف باللجوء إلى التحكيم قصد حل نزاع نشأ أو قد ينشأ عن علاقة قانونية معينة، تعاقدية أو غير تعاقدية”[6]

وكما هو معلوم فإن اتفاق التحكيم يتخذ صورتين أساسيتين؛ إما أن يكون في شكل عقد تحكيم سابق أو لاحق على نشوء النزاع أو يكون في شكل شرط تحكيم.

مقال قد يهمك :   صفعة قانونية لجبهة البوليساريو من المحكمة العليا الإسبانية

فعقد التحكيم هو ذلك الاتفاق الذي يلتزم بمقتضاه أطراف النزاع إذا نشأ بينهم يعرض على الهيئة التحكيمية، في حين أن شرط التحكيم هو الاتفاق الذي يلتزم فيه أطراف العقد بأن يعرضوا على التحكيم النزاعات التي قد تنشأ عن العقد.

ويتبين لنا من خلال ما سبق أن التحكيم كسائر العقود الرضائية يخضع لقواعد القانون المدني من حيث انعقاده يتطلب مجموعة من الشروط تحت طائلة البطلان كرضا وأهلية، محل وسبب ومن ثم فالتحكيم مصدر الرضائية وبالتالي فالرضائية هي مصدر الزاميته، ولذلك لابد من تطابق لإيجاب والقبول وتنصب الإرادتان على اللجوء إلى التحكيم لحسم النزاع الذي نشأ أو قد ينشأ.

وبالرجوع إلى القانون رقم 95.17 لم يمنع إمكانية إخضاع نزاعات الشغل الفردية للتحكيم على الرغم من الطابع الحمائي لمدونة الشغل وارتباط العديد من نصوصها بالنظام العام.

وانطلاقا من مقتضيات المادتين 15 و16 من القانون 95.17، يتبين لنا أن المشرع استثنى من مواضيع التحكيم حالة الأشخاص وأهليتهم والحقوق الشخصية وهذا يعني أن المشرع حدد الحالات أو القضايا التي لا يجوز أن نخضعها لتحكيم على سبيل الحصر ولم يستثني نزاعات الشغل الفردية من اللجوء إلى التحكيم، وهذا الفراغ التشريعي وسكوت المشرع المغربي على توجهه لأن سكوته هذا أفرز لنا واقعا عمليا اختلافا فقهيا حول ما مدى جواز إمكانية التحكيم في نزاعات الشغل الفردية[7].

  • أولا: اختيار الحكم وشروطه

نص المشرع في المادة 10 القانون رقم 95.17 على أنه: يكون التحكيم إما خاصا أو مؤسساتيا، ففي حالة تحكيم خاص تتكفل الهيئة التحكيمية بتنظيمه مع تحديد المسطرة الواجب اتباعها، ما عدا إذا اتفق الأطراف على خلاف ذلك أو اختاروا نظام تحكيم معين، وعندما يعرض التحكيم على مؤسسة تحكيمية فإن هذه الأخيرة تتولى تنظيمه وضمان حسن سيره طبقا لنظامها[8].

وبالرجوع الى المادتين12 و 11 من قانون 95.17، نجد المشرع المغربي نص على مجموعة من الشروط الواجب توفرها في الحكم، بحيث يجب أن يكون شخص داتي كامل الأهلية، لم يسبق له أن صدر في حقه حكم نهائي بالإدانة من أجل ارتكاب أفعال تخل بالشرف أو صفات الاستقامة أو الآداب العامة ، أو الحرمان من الأهلية ممارسة التجارة أو أي حق من الحقوق المدنية، يجب على الأشخاص الذاتيين الذين يقومون اعتياديا أو في إطار المهنة بمهام المحكم إما بصورة منفردة أو ضمن شخص اعتباري أن يكونوا مسجلين ضمن قائمة المحكمين، وتحدد كيفيات مسك القائمة والتسجيل فيها بنص تنظيمي[9].

كما أنه يمكن الأطراف النزاع تعيين الهيئة التحكيمية من خارج قائمة المحكمين المنصوص عليها في المادة 12 أعلاه، كما يمكن لرئيس المحكمة أن يعين، عند الاقتضاء، محكما أو أكثر من خارج القائمة المذكورة.

وتتشكل الهيئة التحكيمية من محكم واحد أو عدة محكمين، تكون للأطراف حرية تحديد عددهم وإجراءات تعيينهم بمن فيهم الرئيس، إما في اتفاق التحكيم وإما بالاستناد إلى نظام التحكيم الموضوع للمؤسسة المختارة.

  • ثانيا: الإجراءات التحكيمية الواجبة الإتباع لفض النزاع

تبدأ إجراءات التحكيم من اليوم الذي يكتمل فيه تشكيل الهيئة التحكيمية، ما لم يتفق الأطراف على خلاف ذلك، وعلى الهيئة التحكيمية قبل النظر في الموضوع أن تبت بأمر إما تلقائيا أو بطلب من أحد الأطراف، في صحة أو حدود اختصاصاتها وفي صحة اتفاق التحكيم[10]، ولأطراف التحكيم الاتفاق على مكان التحكيم داخل المملكة المغربية أو خارجها، فإذا لم يوجد اتفاق حددت الهيئة التحكيمية مكان التحكيم، مع مراعاة ظروف القضية ومحل إقامة المطلوب أو أحد المطلوبين في التحكيم عند تعددهم، ولا يحول ذلك دون أن تجتمع الهيئة التحكيمية في أي مكان آخر تراه مناسبا للقيام بإجراءات التحكيم كسماع أطراف النزاع أو الشهود أو الخبراء أو الاطلاع على المستندات أو معاينة بضاعة أو أموال أو إجراء مداولة بين أعضائها أو غير ذلك[11].

وقد نصت المادة35  من قانون رقم 95.17 على أنه يجب على طالب التحكيم أن يتقدم خلال الموعد المتفق عليه بين الأطراف أو الذي تعينه الهيئة التحكيمية بمقال التحكيم مكتوبا أو بطريقة إلكترونية، يشتمل على اسمه وعنوانه واسم المطلوب في التحكيم وعنوانه، وعرض لوقائع القضية، وتحديد موضوع النزاع والطلبات، يرفق هذا المقال بكل الوثائق والأدلة المدعمة له، ويبلغ للأطراف الأخرى في التحكيم بجميع الوسائل المتاحة، ويحق للمطلوب في التحكيم أن يجيب بواسطة مذكرة مكتوبة أو موجهة بطريقة إلكترونية تتضمن أوجه دفاعه أو طلباته العارضة أو المضادة مرفقة بكل الوثائق والحجج.

كما نصت المادة 39 من قانون رقم 95.17 على أنه تعقد الهيئة التحكيمية جلسات المرافعة لتمكين الأطراف من شرح موضوع القضية وعرض حججهم وأدلتهم، ولها الاكتفاء بتقديم المذكرات والوثائق المكتوبة، ما لم يتفق الأطراف على خلاف ذلك. إذا تخلف أحد الأطراف عن حضور أي من الجلسات أو تقديم ما طلب منه من مستندات ووسائل إثبات، دون عذر مقبول، تعين على الهيئة التحكيمية الاستمرار في إجراءات التحكيم وإصدار حكم في النزاع استنادا إلى الأدلة المتوفرة لديها.

وبالرجوع للمادة 47 من نفس القانون فإنه إذا اتفق الأطراف خلال مسطرة التحكيم على حل النزاع وديا، تنهي الهيئة التحكيمية هذه المسطرة بالإشهاد على ذلك بعد إثبات شروط التسوية بحكم تحكيمي. يكون لهذا الحكم نفس الأثر المترتب على أي حكم تحكيمي آخر صادر في جوهر النزاع، وقد تأمر الهيئة التحكيمية بإنهاء المسطرة عندما يتبين لها أن متابعة مسطرة التحكيم أصبحت غير ذات جدوى أو غير ممكنة لأي سبب من الأسباب.

  • ثالثا: تذييل الحكم التحكيمي

يقصد بتذييل الحكم التحكيمي بالصيغة التنفيذية إضفاء القوة التنفيذية على الحكم التحكيمي من طرف القضاء المختص، حتى يصبح قابلا للتنفيذ الجبري شأنه شأن الأحكام القضائية الصادرة عن المحاكم.

وقد نصت المادة 50 من قانون رقم 95.17 على أنه يصدر الحكم التحكيمي بأغلبية الأصوات بعد مداولة الهيئة التحكيمية، ويجب على جميع المحكمين التصويت لفائدة مشروع الحكم التحكيمي أو ضده، في حالة تعدد الأصوات، يرجح رأي رئيس الهيئة، ويمكن تضمين الرأي المخالف في محضر مستقل، ويجب أن يصدر الحكم التحكيمي كتابة في دعامة ورقية أو إلكترونية.

كما أوجب المشرع على الهيئة التحكيمية تسلم إلى كل طرف من الأطراف نسخة من الحكم التحكيمي خلال أجل سبعة (7) أيام من تاريخ صدوره، ولا يجوز نشر الحكم التحكيمي أو أجزاء منه إلا بموافقة أطراف التحكيم[12].

ومن جهة أخرى، ألزم المشرع بإيداع أصل الحكم التحكيمي مرفقا بنسخة من اتفاق التحكيم بكتابة ضبط المحكمة المختصة، وذلك من طرف الهيئة التحكيمية أو أحد المحكمين أو الطرف الأكثر استعجالا، داخل أجل 15 يوما الموالية لتاريخ صدور الحكم[13]، ولا يكون الحكم التحكيمي قابلا للتنفيذ إلا بعد منحه الصيغة التنفيذية، وذلك بموجب أمر يصدره رئيس المحكمة المختصة التي صدر الحكم التحكيمي داخل دائرتها، على وجه الاستعجال وبعد استدعاء الأطراف. وتوضع الصيغة التنفيذية على أصل الحكم التحكيمي، مما يضفي عليه القوة التنفيذية التي تخول تنفيذه جبريا شأنه شأن الأحكام القضائية، كما أن الأمر الصادر بمنح الصيغة التنفيذية لا يقبل أي طعن[14].

الفقرة الثانية: الوساطة الإتفاقية

لم ينظم المشرع المغربي الوساطة في نزاعات الشغل بل نظم الوساطة بشكل عام من خلال القانون 95.17 المعدل والمتمم لقانون المسطرة المدنية، وقد تعددت التعاريف و التصورات الفقهية حول الوساطة، بحيث إن كل تعريف حاول جمع أركانه الأساسية وإعطائها التصور الفقهي المناسب أمام الحياد الإيجابي للمشرع المغربي الذي لم يتدخل بتعريف تشريعي للوساطة خلاف ما قام به بالنسبة لعقد الوساطة من خلال القانون السالف الذكر، ويمكن تعريف نظام الوساطة  بالمساعي التي يقوم بها وسيط محايد بين طرفي النزاع، وتتمثل في تقديم المساعدة لهما معا حتى يتمكن كل منهما من تقييم مركزه القانوني و الواقعي في النزاع، ويكون على بينة من المكاسب والأضرار الكامنة وراء استمرار النزاع من اجل دفع الأطراف الي تسوية النزاع القائم وقبول الحل المقترح.

وعليه، فإن الوساطة تتميز بمجموعة من الخصائص التي تسهل اتفاق الأطراف على تبني الحلول الودية وتتمثل أهمها: أن الوساطة هي رد على حاجة ملحة وعاجلة للتوصل إلى تسوية عاجلة، وبأنها مدخل مفتوح ومتاح أمام أي من الفرقاء المتنازعين، وأن إجراءاتها تتسم بالمرونة والسرعة والسرية.

وقد دهب المشرع المغربي من خلال القانون 95.17 إلى وضع مجموعة من الشروط تساهم في جعل الوساطة، الية مرنة بعدم تقييدها بإجراءات وشكليات وتعقيدات، وسريعة لأنها يجب أن تنجز خلال مهلة قصيرة أي ثلاثة أشهر[15]، وسرية[16] بحيث لا يمكن الادلاء بأي تصريحات أو اقتراحات تمت أمام الوسيط ولا يمكن استعمالها لاحقا خصوصا في أية إجراءات قضائية أو تحكيمية. كما يلتزم كل من يشارك في الوساطة بما في ذلك الوسيط والفرقاء وممثليهم والمستشارين والخبراء وكل من يحضر أثناء الاجتماعات بعدم إفشاء ما يطلع عليه من معلومات أو الاحتفاظ بنسخ عن المستندات المقدمة.

مقال قد يهمك :   السوفني سلمى: جريمة انتحال صفة بين النص التشريعي والواقع العملي

وقد ميز لنا القانون 95.17 بين عقد الوساطة وشرط الوساطة فهدا الأخير هو اتفاق يعقد بين الأطراف ينص على اللجوء إلى الوساطة في حالة نشوب نزاع، بينما عقد الوساطة هو ذلك الاتفاق الذي يبرم بين الأطراف اثناء بروز نزاع. وقد اشترط القانون 95.17 مجموعة من الشروط لكيلا يعتبر عقد الوساطة باطلا فنصت المادة 90 على الشروط الواجب تظمينها في العقد كتحديد موضوع النزاع وكدلك تعيين الوسيط وكيفية تعيينه، كما تم التنصيص على بعض الشروط الشكلية كشكلية الكتابة سواء في عقد الوساطة أو في شرط الوساطة، كما أن مسطرة الوساطة توقف إجراءات الدعوى في حالة سريانها[17].

وعند تعيين الوسيط، يستقبل الطرفان حسب ما يناسبهما وفي المكان الذي يحدده، ويستمع لكل واحد منهما على حدة أو معا إذا ما رغب في ذلك الطرفان. ويطلب منهما كل المعلومات المفيدة، مسترشدا بمبادئ الحياد والاستقلال والعدل والإنصاف، ويعمل بغية بلوغ إبراز تقارب بين الطرفين، مما قد يمهد الطريق لحل النزاع القائم بينهما، وقد منحت مدة أربع أسابيع من أجل وصول إلى حل يرضي الطرفين ويمكن تمديد هذا الأجل مرة واحدة.

وتعد مسطرة الوساطة سرية حيث إن الوثائق المنجزة والتبليغات المقدمة خلال المسطرة تعتبر سرية ويلتزم الوسيط بعدم إفشاء وقائع أو أي عنصر من عناصر محتوى المسطرة الجارية، إلى طرف ثالث ولا يجوز للطرفين الاستعانة بالوسيط كشاهد في مسطرة مدنية أو إدارية ذات صلة بالوقائع.

وعند انتهاء مهمته، يقوم الوسيط بتحرير مشروع صلح على شكل وثيقة تتضمن وقائع النزاع وكيفية حله، واتفاق الأطراف والحلول التي تم التوصل إليها كحل للنزاع المعروض، ويعرضه على الأطراف، يوقع الوسيط مع الأطراف وثيقة الصلح في حالة موافقتهم عليه ويسلمها لهم.

في حالة عدم وقوع الصلح، لأي سبب من الأسباب فإن الوسيط يسلم للأطراف وثيقة عدم وقوع الصلح موقعة من قبله، يخضع الصلح الذي توصل إليه الأطراف من حيث صحته وآثاره لمقتضيات القسم التاسع من الكتاب الثاني من الظهير الشريف الصادر في 9 رمضان 13 (12) أغسطس (1913) بمثابة قانون الالتزامات والعقود، مع مراعاة مقتضيات المادة 100 بعده، ويكتسي الصلح بين الأطراف قوة الشيء المقضي به، ويمكن أن يذيل بالصيغة التنفيذية من قبل رئيس المحكمة المختصة محليا للبت في موضوع النزاع داخل أجل سبعة (7) أيام[18].

المبحث الثاني: وسائل تسوية نزاعات الشغل الجماعية

إن وسائل تسوية النزاعات الجماعية تعد من أبرز الأدوات القانونية التي تهدف إلى تحقيق التوازن بين أطراف العلاقة الشغلية الجماعية وضمان استمرار النشاط الاقتصادي والاجتماعي، وتشمل هذه الوسائل آليات جاء بهم المشرع في مدونة الشغل التصالح الذي يسعى إلى تقريب وجهات النظر بين الأطراف، والتحكيم الذي يعتبر وسيلة لحسم النزاع عبر جهة محايدة تصدر قرارا، بحيث تسهم في معالجة الخلافات بطريقة تحافظ على مصالح الجميع وتجنب الآثار السلبية الناتجة عن تصعيد النزاع.

المطلب الأول: التصالح

يعتبر التصالح وسيلة من وسائل تسوية النزاعات الجماعية، حيث تم تنظيمه في مدونة الشغل من المادة 551 إلى المادة 566، ويتم التصالح على مستويين، إما أن يكون على مستوى مفتشية الشغل، أو التصالح على مستوى لجان البحث والمصالحة الإقليمية والوطنية.

الفقرة الأولى: التصالح على مستوى مفتشية الشغل

نص المشرع على أنه كل خلاف بسبب الشغل، من شأنه أن يؤدي إلى نزاع جماعي، تتم فيه محاولة التصالح أمام المندوب المكلف بالشغل لدى العمالة أو الإقليم، أو العون المكلف بتفتيش الشغل [19]، فإذا كان الخلاف الجماعي يهم مقاولة واحدة، فإن محاولة التصالح تجرى أمام العون المكلف بتفتيش الشغل فأما إذا كان الخلاف الجماعي يهم أكثر من مقاولة، فإن محاولة التصالح تجرى أمام المندوب المكلف بالشغل لدى العمالة أو الإقليم[20].

أولا: مسطرة التصالح أمام مفتشية الشغل

سمح المشرع المغربي لكل طرف من أطراف الخلاف الجماعي بتحريك إجراءات التصالح على مستوى مفتشية الشغل، إذ يمكن لأي طرف عرض الخلاف على أنظار مفتش الشغل، أما بالنسبة للتدخل التلقائي لمفتش الشغل، فإنه إيجابي حيث يصادف مفتش الشغل وهو بصدد زيارته التفقدية للمقاولات وجود خلاف جماعي، ويتعين عليه التدخل لتسوية هذا الخلاف، خاصة أن المشرع لم يحدد أجلا معينا للتدخل واكتفى باستعمال عبارة (فورا) حيث إنه كلما كان تدخله سريعا كلما كان أكثر فعالية[21] .

وتتبع أمام المندوب المكلف بالشغل والعون المكلف بتفتيش الشغل نفس الإجراءات المنصوص عليها في المواد 558 و559 و560 من مدونة الشغل، حيث يتم استدعاء أطراف النزاع بواسطة برقية داخل أجل لا يتعدى ثمانية وأربعين ساعة من تاريخ رفع النزاع الجماعي. كما يتعين على المندوب المكلف بالشغل والعون المكلف بتفتيش الشغل بذل كافة الجهود الرامية إلى تسوية النزاع الجماعي، قصد التوصل إلى اتفاق بين الأطراف، وذلك داخل أجل لا يتجاوز ستة أيام من تاريخ عرض النزاع عليهما.

ثانيا: آثار محاولة التصالح

بعد الإجراءات التي يقوم بها مفتش الشغل أو المندوب المكلف بالشغل لدى العمالة أو الإقليم، فإن محاولة التصالح قد تنتهي بتوصل إلى اتفاق الصلح، أو قد تفشل محاولة التصالح ويستمر الخلاف، وعليه يقوم مفتش الشغل أو المندوب المكلف بالتشغيل لدى العمالة أو الإقليم بتحرير محضر يثبت فيه ما توصل إليه الأطراف من اتفاق أو عدم التصالح، وكذا عدم حضور أحد الأطراف في حالة غيابهم، ويوقع هذا المحضر من قبل الشخص الساهر عليه، وتسلم نسخة منه إلى الأطراف، أو تبلغ إليهم عند الاقتضاء فإذا لم تسفر محاولة التصالح عن أي اتفاق، يتم رفع النزاع أي نزاع الشغل الجماعي أمام اللجنة الإقليمية للبحث والمصالحة داخل أجل ثلاثة أيام، تطبيقا للمواد 555 و 556 من مدونة الشغل.

الفقرة الثانية: التصالح على مستوى لجان البحث والمصالحة

إن المشرع المغربي لم يكتفي بالتصالح على مستوى مفتشية الشغل فقط، وإنما عمل على خلق لجان خاصة تتولى مهمة التصالح، ويتعلق الأمر باللجنة الإقليمية للبحث والمصالحة، والجنة الوطنية للبحث والمصالحة.

أولا: التصالح أمام اللجنة الإقليمية للبحث والمصالحة

يترأس هذه اللجنة عامل العمالة أو الإقليم، وتتكون من ممثلين عن الإدارة والمنظمات المهنية للمشغلين والمنظمات النقابية للأجراء الأكثر تمثيلا، أما كتابة اللجنة فهي من اختصاص المندوب الإقليمي المكلف بالشغل[22]، والإجراءات المتبعة أمام اللجنة الإقليمية للبحث والمصالحة لا تختلف عن الإجراءات المتبعة أمام مفتشية الشغل، إذ بعد رفع النزاع أمامها، يقوم رئيسها باستدعاء أطراف النزاع بواسطة برقية داخل أجل 48 ساعة من تاريخ رفعه أمام اللجنة بنفس الإجراءات المتبعة على مستوى مفتشية الشغل.

إلا أن ما يميز هذه الإجراءات المتبعة أمام اللجنة الإقليمية للبحث والمصالحة، هو أنه يمكن لرئيس اللجنة الإقليمية أن يأمر بإجراء جميع الأبحاث والتحريات لدى المقاولات والأجراء العاملين بها وأن يطلب من الأطراف تقديم كل المستندات والمعلومات، كما يمكنه أن يستعين بخبراء أو بأي شخص آخر يرى فائدة في الاستعانة به[23].

ثانيا: التصالح أمام اللجنة الوطنية للبحث والمصالحة

إذا لم يحصل اتفاق على مستوى اللجنة الإقليمية للبحث والمصالحة، فإن النزاع يحال مباشرة إلى اللجنة الوطنية للبحث والمصالحة داخل أجل ثلاث أيام، وتحدث هذه اللجنة لدى السلطة الحكومية المكلفة بالشغل، يترأسها الوزير المكلف بالشغل أو من ينوب عنه، وتتكون بالتساوي من ممثلين عن الإدارة والمنظمات المهنية للمشغلين والمنظمات النقابية للأجراء الأكثر تمثيل[24].

وتتبع أمام اللجنة الوطنية للبحث والمصالحة، نفس الإجراءات أمام كل من مفتش الشغل، واللجنة الإقليمية للبحث والمصالحة وبنفس الآجال، بحيث يتم استدعاء أطراف النزاع بواسطة برقية، في أجل لا يتعدى 48 ساعة من تاريخ رفع النزاع الجماعي للشغل إلى اللجنة.

كما يجب على الأطراف المثول شخصيا أمام اللجنة، أو أن ينيبوا شخصا مؤهلا لإبرام اتفاق التصالح إذا حال دون حضورهم سبب قاهر، وعلى اللجنة الوطنية للبحث والمصالحة أن تبذل كل جهدها في إنجاح محاولة التصالح داخل أجل ستة أيام من تاريخ رفع النزاع إليها، تطبيقا للمواد 558 و559 و560 من مدونة الشغل.

المطلب الثاني: التحكيم المنظم في مدونة الشغل

اهتم المشرع المغربي بتنظيم التحكيم في نزاعات الشغل الجماعية، حيث خصص له مقتضيات قانونية ضمن مدونة الشغل من خلال المواد 567 إلى 580، محددا بذلك إجراءات اللجوء إليه وكيفية تشكيل هيئة التحكيم وآثار الأحكام الصادرة عنها، وذلك بهدف ضمان تسوية فعالة وسريعة للنزاعات الجماعية والحفاظ على السلم الاجتماعي داخل المقاولة، وفي المقابل لم يتطرق المشرع إلى تنظيم التحكيم في نزاعات الشغل الفردية داخل مدونة الشغل، الأمر الذي يثير إشكالية مدى إمكانية إخضاع هذا النوع من النزاعات للتحكيم في ظل القواعد العامة المنصوص عليها في القانون رقم 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية.

واستنادا لنصوص مدونة الشغل،  يفهم أنه إذا لم تنجح مسطرة التصالح ، أي لم يتم التوصل إلى أي حل كفيل بتسوية النزاع أمام اللجنة الإقليمية للبحث والمصالحة، وكذا أمام اللجنة الوطنية للبحث والمصالحة أو إذا بقي الخلاف بشأن بعض النقاط قائما أو في حال تخلف أحد الأطراف عن الحضور، يمكن لإحدى اللجان المعنية إحالة النزاع الجماعي إلى مسطرة التحكيم بعد استصدار موافقة الأطراف، حيث يحيل رئيس اللجنة المعنية عند الاقتضاء إلى الحكم خلال ثمانية وأربعين ساعة الموالية لتحرير المحضر، الملف المتعلق بموضوع النزاع الجماعي مرفقا بالمحضر المحرر من قبلها.

مقال قد يهمك :   المساواة بين الجنسين في ظل مدونة الأسرة و المرجعية الدولية لحقوق الإنسان موضوع ندوة علمية بالرباط

الفقرة الأولى: إجراءات التحكيم

طبقا للمادة 570 من مدونة الشغل فإن الحكم يقوم باستدعاء الأطراف بواسطة برقية في أجل أقصاه أربعة أيام من تاريخ تلقيه المحضر من رئيس اللجنة الإقليمية للبحث والمصالحة أو رئيس اللجنة الوطنية للبحث والمصالحة، ويجب على الأطراف أن يمثلوا شخصيا أمام الحكم، أو أن ينيبوا عنهم ممثلا قانونيا إذا حال دون حضورهم سبب قاهر.

وعليه فإنه إذا ما تم استدعاء الأطراف بطريقة صحيحة ولم يحضر الطرف دون مبرر مقبول، ودون أن ينيب عنه ممثلا قانونيا، فإن الحكم يحرر تقريرا في الموضوع يوجهه إلى الوزير المكلف بالشغل، الذي يقوم هو الآخر بإحالته إلى النيابة العامة، بحيث يعاقب بغرامة تتراوح بين 10000 و20000 درهم[25].

وتجدر الإشارة إلى أن أطراف النزاع يجب عليهم تقديم كل التسهيلات والمعلومات التي لها علاقة بالنزاع والتي يطلبها الحكم، الذي يكون ملزم بالبت فقط في الموضوعات والاقتراحات المدرجة في محضر عدم التصالح الصادر عن اللجنة الإقليمية للبحث والمصالحة أو عن اللجنة الوطنية للبحث والمصالحة، وفي الوقائع الأخرى التي حدثت بعد تحرير محضر عدم التصالح والناتجة عن الخلاف.

ويجب على الحكم إصدار قراره داخل أجل أربعة أيام من تاريخ مثول الأطراف أمامه ويجب أن يكون قراره معللا، ويبلغ إلى الأطراف بواسطة رسالة مضمونة مع الإشعار بالتوصل في أجل 24 ساعة من تاريخ صدوره[26].

الفقرة الثانية: آثار التحكيم

يترتب على سلوك مسطرة التحكيم في منازعات الشغل الجماعية صدور قرار تحكيمي يفصل في موضوع النزاع، وذلك داخل أجل أربعة أيام من تاريخ مثول الأطراف أمام الحكم، فيصبح قابلا للتنفيذ وفق إجراءات شكلية معينة[27]، كما أن هذا القرار قد يكون أحيانا مجانبا للصواب، إما بسبب خرق للقانون، أو لشطط في استعمال السلطة، لذلك أتاح المشرع للأطراف المتنازعة إمكانية الطعن فيه.

وبرجوعنا إلى بعض التشريعات المقارنة لاسيما التشريع المصري نجده بدوره ينص على إمكانية الطعن في القرار الصادر عن مؤسسة التحكيم إلا أنه لم يحدد أسباب هذا الطعن بل ترك الأمر على عمومتيه بحيث نجد الفقرة الثالثة من 188 قانون العمل المصري تنص على ما يلي …. ولكل طرف من طرفي النزاع أن يطعن في الحكم أمام محكمة النقض”. وهذا على خلاف المشرع التونسي[28] الذي نجده منع بشكل نهائي الطعن في القرار التحكيمي.

عموما يقدم الطعن في قرار الحكم داخل أجل حدده المشرع في 15 يوما من تاريخ تبليغ القرار، ويقدم بواسطة رسالة مضمونة مع إشعار بالتوصل، توجه الغرفة الاجتماعية بمحكمة النقض، ويجب تحت طائلة عدم القبول تضمين الرسالة بأسباب الطعن مرفقة بنسخة من القرار.

تلتزم الغرفة التحكيمية بإصدار قرارها في أجل 30 يوما من تاريخ رفع الطعن، وتبليغ هذا القرار الأطراف النزاع في أجل لا يتجاوز 24 ساعة من تاريخ صدوره حفاظا على مبدأ تسريع المسطرة.

وما تجدر الإشارة إليه في هذا الشأن أن الغرفة التحكيمية تتمتع بجميع الصلاحيات في أن تصادق على القرار أو تنقضه، وهذا النقض قد يكون إما كليا أو جزئيا، حيث إن النقض قد يشمل قرار التحكيم برمته، أو يقتصر على بعض أجزائه، إذا ما كان قابلا للتجزئة.

ويكون قرار التحكيم الصادر عن الحكم الجديد قابلا بدوره للطعن أمام نفس الغرفة وطبقا لنفس إجراءات الطعن التي تم التقدم بها في القرار الأول.

فإذا قضت الغرفة التحكيمية بنقض القرار الجديد، الصادر عن الحكم، والمطعون فيه أمامها مرة أخرى وجب عليها تعيين مقرر من بين أعضائها، لإجراء بحث تكميلي، وتصدر الغرفة التحكيمية في ظرف الثلاثين يوما الموالية لصدور قرار النقض الثاني قرارا تحكيميا غير قابل للطعن وذلك استنادا لمنطوق المادة 580 من مدونة.

أما بالنسبة لتنفيذ القرارات التحكيمية نجد المشرع المغربي لم ينص على مقتضى صريح يضفي من خلاله القوة الإلزامية على القرار التحكيمي البات في نزاع الشغل الجماعي، وإنما أحالت مدونة الشغل مسألة تذييل القرارات التحكيمية على الأحكام العامة الواردة في المسطرة المدنية، وتبعا لذلك فإن القرارات التحكيمية الباتة في نزاعات الشغل الجماعية لا تكون قابلة للتنفيذ إلا بعد تذييلها بالصيغة التنفيذية من طرف رئيس المحكمة الصادر القرار في دائرتها الترابية.

خاتمة:

وفي ختام هذا الموضوع، يتبين أن الوسائل البديلة لتسوية نزاعات الشغل، سواء الفردية منها أو الجماعية، تشكل آليات قانونية فعالة أقرها المشرع المغربي من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية وضمان استقرار العلاقات المهنية داخل المقاولات. فقد سعى المشرع من خلال مدونة الشغل والقانون رقم 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية إلى إرساء منظومة متكاملة تقوم على السرعة والمرونة والفعالية، بعيدا عن تعقيدات وإجراءات التقاضي أمام المحاكم.

ورغم كل هذه المجهودات التي قام بها المشرع المغربي، إلا أن الواقع العملي لا يزال يعاني من بعض الاختلالات، ووجود بعض النصوص القانونية المتعلقة بهذا الموضوع يجب إعادة النظر في المصطلحات الموظفة فيها، ومثال على ذلك مصطلحين تسوية وحل نزاعات الشغل هذين المصطلحين يثيران بعض التساؤلات عن مرحلة توظيف كل واحد منها.

وأخيرا، يمكن تقديم مجموعة من الاقتراحات في هذا الصدد، من أهمها:

  • تعزيز الوعي بهذه الوسائل وهذا بتنظيم حملات توعوية لفائدة الأجراء وأرباب العمل بأهمية هذه الآليات في حل النزاع وبضرورة اللجوء إليها في حالة وقوع خلاف تأسيس مراكز مختصة بالوساطة في التفاوض بهدف حال نزاعات الشغل وتوفير خبراء مختصين يسهرون على هذه المراكز.
  • الاهتمام بتدريب وسطاء ومحكمين مختصين في قضايا الشغل.

[1] القانون رقم 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية الصادر بتنفيذه ظهير شريف رقم 1.22.34 صادر في 23 من شوال 1443 (24) ماي 2022)، الجريدة الرسمية عدد 7099 بتاريخ 13 يونيو 2022، ص 3579.

[2] محمد أطويف، مسطرة الصلح التمهيدي في نزاعات الشغل الفردية مجلة المنازعات الاجتماعية، مطبعة دار النشر، دار الآفاق المغربية الدار البيضاء، 2017، ص 25.

[3] محمد المكي، دور مفتش الشغل في تسوية نزاعات الشغل الفردية مجلة الخزامى للدراسات القانونية والاجتماعية العدد الثامن، 2022، ص 135.

[4]صباح كوتو مفتشية الشغل ودورها في ضمان الحماية العمالية اطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق، جامعة الحسن الثاني – عين الشق – كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – الدار البيضاء – السنة الجامعية 2004/2003 ص 246.

[5] وفاء جوهر، قانون الشغل بالمغربي، مكتبة المعرفة، الطبعة الأولى، 2018، ص 230.

[6] المادة 2 من القانون رقم 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية.

[7] مصطفى بونجة ونهال اللواح، التحكيم في المواد التجارية الإدارية والمدنية، دار الآفاق المغربية للنشر والتوزيع، الدار البيضاء الطبعة الأولى 2015 ص 301.

[8] المادة 10 من القانون رقم 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية.

[9] المادتين12 و11 من قانون رقم 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية.

[10] المادة 32 من القانون رقم 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية.

[11] المادة 40 من القانون رقم 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية.

[12] المادة 54 من القانون رقم 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية.

[13] الفقرة الأخيرة من المادة 55 القانون رقم 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية.

[14] الفقرة الأولى من المادة 69 القانون رقم 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية.

[15] المادة 94 القانون رقم 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية.

[16] المادة 95 القانون رقم 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية.

[17] الطالب عبد الكريم: الشرح العملي لقانون المسطرة المدنية، مطبوعات المعرفة، مراكش، ابريل 2013، ص 345

[18] المادتين99 و100 من قانون رقم 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية.

[19] المادة 551 من مدونه الشغل.

[20] المادة 552 من مدونة الشغل.

[21] محمد سعد، التصالح والتحكيم كوسيلة لتسوية نزاعات الشغل الجماعية، مطبعة الأمنية الرباط، طبعة 2017، ص 167

[22] المادة 557 من مدونه الشغل.

[23] أحمد بوهرو، نزاعات الشغل الجماعية وفق مدونة الشغل، دار القلم بالرباط، الطبعة الأولى سنة 2004، ص 96.

[24]نادية المصمودي، الصلح والتصالح في نزاعات الشغل، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة القاضي عياض، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية مراكش، س ج 2011/2010، ص 157.

[25] المادة 585 من مدونة الشغل.

[26] المادة 574 من مدونة الشغل.

[27] جنوي أشرف الوسيط في قانون الشغل المغربي، المطبعة والوراقة الوطنية مراكش، الطبعة الأولى نونبر 2021، ص 441.

[28] تنص المادة 386 من مجلة الشغل التونسية على ما يلي: قرار التحكيم ملزم للأطراف ولا يمكن الطعن فيه”.

error: عذرا, لا يمكن حاليا نسخ او طباعة محتوى الموقع للمزيد من المعلومات المرجوا التواصل مع فريق الموقع عبر البريد الالكتروني : [email protected]