الزكراوي محمد: ضمان الاستحقاق الواجب على البائع تجاه المشتري في حالة انتزاع المبيع بفعل السلطة نزع الملكية لأجل المنفعة العامة نموذجا

الزكراوي محمد باحث في الشؤون القانونية نائب المركز الوطني للدراسات القانونية و القضائية عضو مركز ليكسوس للباحثين الشباب
يشكل ضمان الاستحقاق أحد أهم الآثار القانونية المترتبة على عقد البيع، إذ لا تقتصر التزامات البائع على مجرد نقل الملكية أو تسليم المبيع، وإنما تمتد إلى ضمان تمتع المشتري بالمبيع تمتعاً هادئاً ومستقراً وخالياً من كل تعرض قانوني صادر عن الغير، وتبرز أهمية هذا الضمان في كونه يجسد الثقة المشروعة التي يضعها المشتري في البائع عند إبرام العقد، ذلك أن المشتري عندما يؤدي الثمن لا يقصد الحصول على حيازة مادية فحسب، وإنما يهدف إلى اكتساب حق مستقر يمكنه من الاستعمال والاستغلال والتصرف دون منازعة، ومن ثم فقد تدخل المشرع المغربي لإحاطة المشتري بمجموعة من الضمانات القانونية المنظمة أساساً بمقتضى الفصول من 532 إلى 546 من قانون الالتزامات والعقود، والتي تجعل من البائع ضامناً للاستحقاق ولو كان حسن النية، باعتبار أن هذا الالتزام يرتبط بسلامة الحق المنقول أكثر مما يرتبط بالسلوك الشخصي للمتعاقد.
غير أن الإشكال يزداد تعقيداً عندما لا يكون التعرض صادراً عن شخص من أشخاص القانون الخاص، وإنما يكون مصدره السلطة العامة التي تتدخل في إطار اختصاصاتها القانونية والتنظيمية، ففي هذه الحالة تنتقل المسألة من دائرة العلاقات التعاقدية الخاصة إلى مجال تدخل الإدارة وما تملكه من امتيازات السلطة العامة، وعلى رأسها سلطة نزع الملكية للمنفعة العامة المنظمة بمقتضى القانون رقم 7.81 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة والاحتلال المؤقت، فهنا يثور التساؤل حول مدى استمرار التزام البائع بضمان الاستحقاق عندما يفقد المشتري ملكية العقار بسبب تدخل الإدارة، وهل يعد هذا التدخل سبباً لإعفاء البائع من الضمان أم أن مسؤوليته تبقى قائمة رغم ذلك،
وتكتسي هذه الإشكالية أهمية عملية كبيرة بالنظر إلى كثرة المعاملات العقارية التي ترد على عقارات تكون خاضعة لتصاميم التهيئة أو لمشاريع المرافق العمومية أو لمقررات إعلان المنفعة العامة أو لقيود قانونية مختلفة تفرضها الإدارة على العقار، كما تزداد أهميتها في ظل التوسع المستمر للمشاريع العمومية وما يرافقها من تفعيل متزايد لمسطرة نزع الملكية، الأمر الذي يجعل المشتري معرضاً لخطر فقدان العقار أو تقييد سلطاته عليه بعد إبرام عقد البيع وفي مثل هذه الحالات يطرح التساؤل حول الجهة التي ينبغي أن تتحمل تبعة هذا الانتزاع، هل هي الإدارة باعتبارها صاحبة قرار النزع، أم البائع باعتباره نقل إلى المشتري حقاً مثقلاً بقيود أو مهدداً بزواله، وإذا كان الفصل 546 من قانون الالتزامات والعقود قد قرر مبدئياً أن البائع لا يلتزم بالضمان إذا حصل الانتزاع بفعل السلطة، فإنه عاد واستثنى من ذلك حالتين أساسيتين تتمثلان في الحالة التي يكون فيها الانتزاع مبنياً على حق سابق ثابت للسلطة العامة، والحالة التي يكون فيها الانتزاع ناتجاً عن فعل يعزى إلى البائع نفسه، وهو ما يكشف أن المشرع لم يعتبر تدخل الإدارة سبباً مطلقاً للإعفاء من الضمان، وإنما ربط ذلك بطبيعة الأساس القانوني الذي استندت إليه السلطة العامة في تدخلها، ومن هنا يبرز مفهوم “الحق السابق الثابت للسلطة العامة” باعتباره محوراً أساسياً لفهم حدود مسؤولية البائع وحدود الحماية المخولة للمشتري، خصوصا وأن المشرع لم يحدد المقصود بهذا الحق السابق، الأمر الذي يفتح المجال أمام عدة تساؤلات ترتبط بمدى شمول هذا المفهوم لمختلف القيود القانونية والإدارية الواردة على العقار، فهل يعتبر إدراج العقار في تصميم التهيئة حقاً سابقاً للسلطة العامة؟ وهل يشكل مقرر إعلان المنفعة العامة حقاً سابقاً بالمعنى المقصود في الفصل 546؟، وهل يمكن اعتبار قرار التخلي أو الارتفاقات الإدارية أو إدراج العقار ضمن مشروع عمومي من قبيل الحقوق السابقة التي تؤدي إلى استمرار مسؤولية البائع رغم تدخل الإدارة؟ أم أن الأمر يقتصر فقط على الحقوق العينية الثابتة للإدارة قبل إبرام البيع؟
وتتجلى أهمية الموضوع كذلك في كونه يقع عند نقطة التقاء فرعين قانونيين مختلفين، هما القانون المدني والقانون الإداري، الأمر الذي يجعل دراسة ضمان الاستحقاق في مواجهة نزع الملكية دراسة تتجاوز حدود التحليل التقليدي لعقد البيع لتشمل أيضاً تحليل المركز القانوني للإدارة ومدى تأثير امتيازاتها على الالتزامات التعاقدية للأفراد، كما يفرض ذلك استحضار مقتضيات القانون رقم 7.81 إلى جانب مقتضيات قانون الالتزامات والعقود من أجل الوصول إلى قراءة منسجمة تحقق التوازن بين متطلبات استقرار المعاملات العقارية ومتطلبات حماية المصلحة العامة.
وانطلاقاً مما سبق تثار الإشكالية المركزية التالية: إلى أي حد يشكل الحق السابق للسلطة العامة أساساً لاستمرار مسؤولية البائع عن ضمان الاستحقاق رغم وقوع نزع الملكية أو الانتزاع بفعل الإدارة؟
ويتفرع عن هذه الإشكالية الرئيسية عدد من التساؤلات الفرعية، من قبيل تحديد المقصود بالحق السابق الثابت للسلطة العامة، وبيان مدى خضوع مختلف القيود العمرانية والإدارية لهذا المفهوم، والكشف عن حدود العلاقة بين التعويض الناتج عن نزع الملكية والضمان العقدي المقرر لفائدة المشتري، ثم رصد موقف القضاء المغربي من حالات التداخل بين مقتضيات الفصل 546 من قانون الالتزامات والعقود وأحكام القانون رقم 7.81، وتأسيساً على ذلك ستناول الموضوع من خلال دراسة التأصيل القانوني لضمان الاستحقاق وموقع الحق السابق للسلطة العامة ضمن أسباب قيامه، قبل الانتقال إلى تحليل صور هذا الحق السابق في ضوء تشريعات التعمير ونزع الملكية والاجتهاد القضائي المغربي، ثم الوقوف على آثار ذلك على مسؤولية البائع ومركز المشتري القانوني.
الفقرة الأولى: التأصيل القانوني لضمان الاستحقاق وموقع الحق السابق للسلطة العامة ضمن أسبابه
يعد ضمان الاستحقاق من أهم الضمانات التي أقرها المشرع المغربي لحماية المشتري في عقد البيع، ذلك أن الغاية من البيع لا تنحصر في مجرد نقل الحيازة أو تمكين المشتري من السيطرة المادية على المبيع، وإنما تتمثل أساسا في تمتيعه بحق مستقر يمكنه من ممارسة مختلف سلطات المالك دون منازعة أو تعرض قانوني، ومن هذا المنطلق نظم المشرع المغربي ضمان الاستحقاق ضمن الفصول من 532 إلى 546 من قانون الالتزامات والعقود، واضعا بذلك إطارا قانونيا متكاملا يهدف إلى تحقيق الأمن التعاقدي وضمان استقرار المعاملات. هو ما ويستفاد من مضمون الفصل 532 من قانون الالتزامات والعقود على أن البائع يلتزم بضمان الاستحقاق الذي قد يتعرض له المشتري بسبب حق يدعيه الغير على المبيع، متى كان هذا الحق سابقا على البيع أو ناشئا عن سبب سابق له، ويؤسس هذا المقتضى لمبدأ جوهري يتمثل في أن البائع لا يلتزم فقط بنقل الملكية، وإنما يلتزم كذلك بنقل ملكية سليمة وخالية من المنازعات القانونية التي من شأنها حرمان المشتري من الانتفاع بالمبيع أو الحد من سلطاته عليه.
ويتعزز هذا الاتجاه من خلال الفصل 533 الذي يجعل البائع ضامنا للتعرضات القانونية الصادرة عن الغير، ولو لم يكن على علم بها وقت التعاقد، وهو ما يعكس الطابع الموضوعي لضمان الاستحقاق. فالمشرع لم يربط المسؤولية بسوء النية أو الخطأ الشخصي للبائع، وإنما ربطها بتحقق الاستحقاق ذاته. كما أكد الفصل 534 أن كل شرط من شأنه الإعفاء من الضمان أو الحد منه يخضع لرقابة القانون، خصوصا إذا ثبت أن البائع كان يعلم بسبب الاستحقاق وأخفاه عن المشتري. ويظهر من ذلك أن المشرع منح حماية خاصة للمشتري باعتباره الطرف الذي وثق في سلامة الحق المنقول إليه.
و عليه فإذا كانت الفصول السابقة تؤسس للالتزام بالضمان، فإن الفصل 537 يحدد إحدى القواعد الإجرائية الأساسية المرتبطة به، إذ يوجب على المشتري إشعار البائع بالدعوى المرفوعة عليه من طرف الغير، حتى يتمكن هذا الأخير من الدفاع عن الحق محل النزاع، وقد اعتبر المجلس الأعلى في قراره عدد 1223 بتاريخ 10 ماي 1993 ملف عدد 3200/1989 أن الإشعار يشكل إجراء جوهريا يترتب على إغفاله سقوط حق المشتري في الرجوع بالضمان إذا ترتب عن ذلك حرمان البائع من فرصة الدفاع عن مركزه القانوني، وهو ما يعكس حرص القضاء على تحقيق التوازن بين مصلحة المشتري وحقوق البائع.
ويترتب على تحقق الاستحقاق الكلي أو الجزئي للمبيع مجموعة من الآثار القانونية التي نظمها المشرع ضمن الفصول 538 إلى 545 من قانون الالتزامات والعقود، حيث يحق للمشتري المطالبة برد الثمن، واسترجاع المصاريف، والحصول على التعويض عن الأضرار التي لحقت به بسبب فقدان المبيع، وتستند هذه الآثار إلى فكرة جوهرية مؤداها أن البائع أخل بالتزامه الأصلي المتمثل في تمكين المشتري من ملكية مستقرة ومحمية قانونا، ولذلك فإن الضمان لا يعد مجرد التزام ثانوي تابع للبيع، بل يشكل أحد العناصر الأساسية التي يقوم عليها التوازن العقدي.
وتبرز أهمية هذه الأحكام بشكل أكبر عند الانتقال إلى الفصل 546 من قانون الالتزامات والعقود، الذي يشكل حجر الزاوية في موضوع العلاقة بين ضمان الاستحقاق وتدخل السلطة العامة، فقد نص هذا الفصل على أن البائع لا يلتزم بالضمان إذا حصل الانتزاع بفعل السلطة العامة، ما لم يكن هذا الفعل مبنيا على حق سابق ثابت لها أو على فعل يعزى إلى البائع، ويتضح من خلال هذا النص أن المشرع أقام تمييزا بين نوعين من تدخل السلطة العامة، أولهما التدخل الطارئ اللاحق للبيع والذي لا تكون له جذور قانونية سابقة، وفي هذه الحالة يعفى البائع من الضمان، وثانيهما التدخل المؤسس على حق سابق كان قائما وقت البيع، وهنا تستمر مسؤولية البائع رغم صدور الانتزاع عن الإدارة.
ويكتسي مفهوم الحق السابق الثابت للسلطة العامة أهمية خاصة لأنه يمثل الأساس الذي تقوم عليه مسؤولية البائع في الحالات التي يكون فيها الاستحقاق ناتجا عن تدخل الإدارة، فالمعيار الذي اعتمده المشرع ليس هو صفة الجهة التي أحدثت الانتزاع، وإنما طبيعة الحق الذي استندت إليه هذه الجهة، ولذلك فإن تدخل الإدارة لا يؤدي تلقائيا إلى إعفاء البائع، بل يجب البحث عما إذا كان هذا التدخل يستند إلى مركز قانوني سابق كان قائما وقت البيع. ومن هنا تظهر القيمة القانونية للفصل 546 باعتباره نصا يربط بين قواعد القانون المدني وقواعد القانون الإداري في إطار رؤية تشريعية موحدة تهدف إلى حماية المشتري من مخاطر الحقوق السابقة أيا كان مصدرها، وقد كرس القضاء المغربي هذا التوجه من خلال القرار الصادر عن المجلس الأعلى عدد 1765 بتاريخ 30 نونبر 1983 ، والذي أكد أن الضمان الواجب على البائع يشمل حيازة المبيع والتصرف فيه بلا معارض، وأن حسن نية البائع لا يعفيه من هذا الضمان. كما أوضح القرار أن الإعفاء من الضمان في حالة الانتزاع بفعل السلطة العامة يظل مشروطا بعدم استناد هذا الانتزاع إلى حق سابق ثابت للسلطة أو إلى فعل منسوب إلى البائع، وتبرز أهمية هذا القرار في كونه نقل النقاش من مجرد وجود تدخل إداري إلى البحث في الأساس القانوني الذي تستند إليه الإدارة، وهو ما يشكل تطبيقا قضائيا مباشرا للفصل 546 من قانون الالتزامات والعقود.
كما أكدت محكمة النقض في قرارها عدد 722 بتاريخ 10 ماي 2000 ملف عدد 1508/99 أن مناط قيام ضمان الاستحقاق يتمثل في وجود حق قانوني سابق يترتب عليه حرمان المشتري من المبيع أو من بعض سلطاته عليه، وهو ما يفيد أن الضمان لا يرتبط بالاستحقاق الكامل فقط، وإنما يمتد كذلك إلى كل تقييد جوهري يرد على حق المشتري بسبب سابق على البيع، ويؤدي هذا التفسير إلى توسيع دائرة الحماية المقررة للمشتري، كما يسمح بإدراج بعض صور القيود الإدارية والعمرانية ضمن نطاق الضمان متى ثبت أنها كانت قائمة قبل التعاقد.
وإذا كان الفصل 546 قد وضع الأساس العام لاستمرار مسؤولية البائع عند وجود حق سابق للسلطة العامة، فإن الإشكال الحقيقي لا يتعلق بوجود هذا الاستثناء في حد ذاته، وإنما يتعلق بتحديد المقصود بالحق السابق الثابت للسلطة العامة وحدود تطبيقه على مختلف صور التدخل الإداري، فهل يتعلق الأمر فقط بالحقوق العينية المملوكة للإدارة، أم أنه يمتد ليشمل القيود العمرانية ومقررات المنفعة العامة والارتفاقات الإدارية ومختلف التدابير التي تؤثر على الملكية العقارية؟ وهو ما يقتضي الانتقال إلى دراسة طبيعة هذا الحق السابق وصوره المختلفة في ضوء قانون نزع الملكية وتشريعات التعمير، باعتبارها الإطار القانوني الذي تتجلى من خلاله أغلب حالات التداخل بين ضمان الاستحقاق وتدخل السلطة العامة.
الفقرة الثانية: الحق السابق للسلطة العامة بين المفهوم المدني والتجليات التشريعية في قانون نزع الملكية وقانون التعمير
يثير الفصل 546 من قانون الالتزامات والعقود إشكالية تفسيرية دقيقة تتمثل في غياب تعريف تشريعي لمفهوم “الحق السابق الثابت للسلطة العامة”، وهو ما يفرض البحث عن مدلوله من خلال الربط بين مقتضيات القانون المدني والقوانين الخاصة المنظمة للعقار والتعمير ونزع الملكية، ذلك أن المشرع اكتفى بالنص على استمرار التزام البائع بالضمان إذا كان الانتزاع بفعل السلطة العامة مبنيا على حق سابق ثابت لها، دون أن يحدد طبيعة هذا الحق أو نطاقه أو الشروط الواجب توافرها فيه، ومن ثم فإن فهم هذا المفهوم لا يمكن أن يتم بمعزل عن الغاية التي استهدفها المشرع من تقرير ضمان الاستحقاق، والمتمثلة في حماية المشتري من كل وضع قانوني سابق من شأنه أن يؤدي إلى حرمانه من المبيع أو الحد من سلطاته عليه.
فمن الناحية المدنية، يقصد بالحق السابق كل مركز قانوني كان قائما قبل إبرام عقد البيع ويخول للغير إمكانية الاحتجاج به في مواجهة المشتري، وبالرجوع إلى الفصل 532 من قانون الالتزامات والعقود يتبين أن المشرع ربط الاستحقاق بوجود حق سابق على البيع، وهو ما يجعل عنصر الأسبقية الزمنية جوهريا في قيام الضمان، غير أن خصوصية الفصل 546 تكمن في أن صاحب الحق ليس شخصا عاديا وإنما سلطة عامة تتمتع بامتيازات استثنائية تجعل آثار حقها أكثر خطورة على استقرار المعاملات العقارية، ولذلك فإن مجرد صدور قرار إداري بعد البيع لا يكفي للقول بوجود حق سابق، بل يجب أن يكون هذا القرار مستندا إلى وضع قانوني كان قائما قبل التعاقد.
وفي مجال نزع الملكية تبرز أهمية القانون رقم 7.81 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة والاحتلال المؤقت باعتباره الإطار التشريعي الذي ينظم ممارسة الإدارة لسلطة الانتزاع، ويستفاد من المادة الأولى من هذا القانون أن نزع الملكية لا يتم إلا لأجل المنفعة العامة ووفق الشروط والإجراءات المحددة قانونا، كما تنص المادة الثانية على أن المنفعة العامة تعلن بمقرر إداري ينشر وفق الكيفيات القانونية المقررة، وتكتسي هذه المرحلة أهمية بالغة بالنسبة لموضوع الضمان، لأن إعلان المنفعة العامة يضع العقار في وضعية قانونية جديدة قد تؤثر بصورة مباشرة على قابليته للتصرف وعلى القيمة الاقتصادية للحق المملوك، ويثور التساؤل هنا حول ما إذا كان مقرر إعلان المنفعة العامة يشكل في حد ذاته حقا سابقا للسلطة العامة بالمعنى المقصود في الفصل 546 من قانون الالتزامات والعقود، والواقع أن الاتجاه الراجح فقها وقضاء يميل إلى اعتبار أن الأمر لا يتعلق بمجرد إجراء تمهيدي عديم الأثر، وإنما بمركز قانوني يمنح الإدارة امتيازات خاصة على العقارات المشمولة بالمشروع العمومي، فبمجرد نشر مقرر إعلان المنفعة العامة تصبح الإدارة مهيأة قانونا لمباشرة إجراءات نزع الملكية، كما تترتب قيود قانونية على المالك تتعلق بإحداث تغييرات جوهرية في العقار أو القيام ببعض التصرفات التي من شأنها التأثير على تقدير التعويض، ولذلك يصعب القول إن العقار يحتفظ بعد هذا الإعلان بنفس الوضع القانوني الذي كان عليه قبل صدوره.
ويتعزز هذا التحليل من خلال المادة 7 من قانون 7.81 التي تجعل مقرر إعلان المنفعة العامة منتجا لآثار قانونية تستمر لمدة محددة، ومن خلال المواد المتعلقة بمقرر التخلي الذي يشكل مرحلة متقدمة في مسطرة نزع الملكية، فمتى كان العقار موضوع مقرر منشور قبل البيع، فإن المشتري يتلقى حقا مثقلا بخطر قانوني جدي يتمثل في إمكانية انتزاعه لفائدة الإدارة، وفي هذه الحالة يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كان البائع قد أوفى بالتزامه بنقل ملكية مستقرة وخالية من أسباب الاستحقاق، ولا تقتصر صور الحق السابق للسلطة العامة على حالات نزع الملكية فقط، بل تمتد أيضا إلى بعض القيود الناشئة عن تشريعات التعمير. فالقانون رقم 12.90 المتعلق بالتعمير والقانون رقم 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات يفرضان مجموعة من القيود القانونية على العقارات الواقعة داخل المجالات الخاضعة لوثائق التعمير، وقد تؤدي بعض هذه القيود إلى تجميد البناء أو تخصيص العقار لإنجاز مرفق عمومي أو إخضاعه لارتفاقات خاصة تحد من إمكانية استغلاله، وإذا كانت هذه القيود منشورة وقائمة قبل البيع، فإنها تطرح بدورها مسألة مدى اعتبارها من قبيل الحقوق السابقة التي تبرر قيام ضمان الاستحقاق، ومن هذا المنطلق يمكن التمييز بين نوعين من الحقوق السابقة للسلطة العامة. يتمثل النوع الأول في الحقوق العينية أو المراكز القانونية المباشرة التي تخول للإدارة سلطة محددة على العقار، كما هو الشأن بالنسبة للملك العام أو العقارات المحفظة باسم الدولة أو الجماعات الترابية، أما النوع الثاني فيتمثل في القيود القانونية والتنظيمية التي لا تنقل الملكية مباشرة إلى الإدارة ولكنها ترتب آثارا جوهرية على حق المالك، مثل مقررات المنفعة العامة وتصاميم التهيئة والارتفاقات الإدارية، ويبدو أن فلسفة الفصل 546 تسمح باستيعاب الصنفين معا متى كان أثرهما يؤدي إلى انتزاع المبيع أو إلى تقييد جوهري لحق المشتري، وقد ساهم الاجتهاد القضائي في ترسيخ هذا الفهم عندما اعتبر أن مناط تطبيق الفصل 546 لا يتمثل في الشكل الذي يتخذه تدخل الإدارة وإنما في وجود أساس قانوني سابق لهذا التدخل. ولذلك فإن البحث في مسؤولية البائع لا ينبغي أن ينصرف إلى قرار نزع الملكية في حد ذاته، وإنما إلى الظروف القانونية السابقة التي مكنت الإدارة من إصداره، فإذا ثبت أن هذه الظروف كانت قائمة وقت البيع ولم يتم الكشف عنها للمشتري، فإن مقتضيات الضمان تستعيد كامل فعاليتها رغم أن الاستحقاق وقع في النهاية بفعل السلطة العامة.
ويؤدي هذا التحليل إلى نتيجة مهمة مفادها أن العلاقة بين الفصل 546 من قانون الالتزامات والعقود والقانون رقم 7.81 ليست علاقة تعارض وإنما علاقة تكامل، فبينما يحدد قانون نزع الملكية شروط تدخل الإدارة وآثاره، يتولى قانون الالتزامات والعقود تحديد المسؤولية المدنية الناشئة عن نقل ملكية مثقلة بخطر قانوني سابق. ومن ثم فإن التعويض المستحق عن نزع الملكية لا يحسم وحده جميع الإشكالات، لأن المشتري قد يجد نفسه أمام ضرر إضافي ناتج عن إخفاء البائع لوضعية قانونية كانت قائمة قبل البيع، وهو ما يبرر استمرار دعوى الضمان إلى جانب الحقوق المقررة في مواجهة الإدارة.
وفي ضوء ذلك يبرز أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في تحديد مفهوم الحق السابق فحسب، وإنما في تحديد الآثار القانونية المترتبة على وجوده بالنسبة لكل من البائع والمشتري، وهو ما يقتضي دراسة مركز كل منهما عند تحقق نزع الملكية والوقوف على حدود التداخل بين التعويض الإداري والضمان العقدي. وهذا ما سيتم تناوله في المحور الثالث.
الفقرة الثالثة: آثار نزع الملكية المبني على حق سابق للسلطة العامة على مركز المشتري ومسؤولية البائع
إذا كان ثبوت الحق السابق للسلطة العامة يسمح بإخضاع الحالة لمقتضيات الفصل 546 من قانون الالتزامات والعقود، فإن الإشكال ينتقل بعد ذلك إلى مستوى تحديد الآثار القانونية المترتبة على هذا الوضع بالنسبة للمشتري والبائع على السواء، فالمشتري يجد نفسه أمام عقار لم يعد يتمتع بشأنه بالحماية القانونية التي افترض وجودها عند التعاقد، بينما يواجه البائع إمكانية مساءلته عن وضع قانوني لم يكن بالضرورة طرفا مباشرا في إنشائه، ومن هنا تبرز أهمية البحث في حدود مسؤولية البائع وفي طبيعة الحقوق المخولة للمشتري عند تحقق الاستحقاق بفعل الإدارة استنادا إلى حق سابق قائم وقت البيع.
إن أول أثر يترتب على تحقق الاستحقاق يتمثل في زعزعة الأساس الذي بني عليه الرضا التعاقدي للمشتري، فالأصل أن المشتري عندما يبرم عقد البيع يفترض أن الحق الذي يتلقاه قابل للاستعمال والاستغلال والتصرف بصورة طبيعية، غير أن اكتشاف وجود مقرر إعلان منفعة عامة أو تصميم تهيئة يخصص العقار لمرفق عمومي أو أي قيد قانوني سابق يؤدي إلى تقويض هذه الفرضية الأساسية. وفي هذه الحالة لا يكون الضرر ناتجا فقط عن فقدان العقار، وإنما أيضا عن فقدان القيمة الاقتصادية التي شكلت أساس التعاقد، ولذلك فإن دعوى الضمان لا ترتبط فقط بحالة الاستحقاق النهائي، بل قد تثار كذلك عندما يؤدي الحق السابق إلى تقييد جوهري للانتفاع بالمبيع.
وتتجلى خصوصية الفصل 546 من قانون الالتزامات والعقود في كونه يربط مسؤولية البائع بفكرة السببية القانونية لا بفكرة التدخل المادي للإدارة، فالمشرع لم يسأل عمن قام بالانتزاع، وإنما سأل عن الأساس الذي استند إليه هذا الانتزاع، فإذا كان الأساس سابقا للبيع، فإن البائع يتحمل تبعته القانونية باعتباره نقل للمشتري حقا لم يكن خاليا من أسباب الزوال أو التقييد، ومن ثم فإن الإدارة لا تحل محل البائع في المسؤولية العقدية، لأن مصدر التزام كل منهما مختلف، فالتزام الإدارة بالتعويض يجد أساسه في القانون رقم 7.81، بينما يستند التزام البائع إلى عقد البيع وإلى مقتضيات الضمان المنصوص عليها في قانون الالتزامات والعقود، ويترتب على ذلك أن التعويض المستحق في إطار نزع الملكية لا يؤدي بالضرورة إلى انقضاء مسؤولية البائع، فالغاية من تعويض نزع الملكية هي جبر الضرر الناتج عن فقدان العقار لفائدة المنفعة العامة، في حين أن الضمان العقدي يرمي إلى جبر الضرر الناتج عن إخلال البائع بالتزامه بنقل ملكية مستقرة، وقد تختلف دائرة الضررين ومقدارهما اختلافا بينا، فقد يحصل المشتري على تعويض إداري محسوب وفق القواعد المعتمدة في قانون نزع الملكية، لكنه يبقى متضررا بسبب المصاريف التي تكبدها أو بسبب ضياع فرص استثمارية أو بسبب انخفاض قيمة العقار نتيجة وضعية قانونية كانت قائمة قبل البيع ولم يفصح عنها البائع.
ومن هذا المنطلق يلاحظ أن القضاء المقارن، وخاصة القضاء الفرنسي الذي استلهم منه المشرع المغربي جزءا مهما من أحكام الضمان، يميز بين التعويض الإداري والتعويض العقدي، ويعتبر أن حصول المشتري على أحدهما لا يمنعه من المطالبة بالآخر متى اختلف السبب القانوني لكل منهما، كما أن هذا الاتجاه يجد ما يبرره في القواعد العامة للمسؤولية المدنية التي تقضي بأن تعدد مصادر الالتزام يؤدي إلى تعدد الحقوق الناشئة عنها ما لم يوجد نص قانوني يقضي بخلاف ذلك، ويكتسب هذا التحليل أهمية خاصة في الحالة التي يكون فيها البائع على علم بالوضعية القانونية للعقار ويعمد إلى إخفائها عن المشتري، ففي هذه الصورة لا يتعلق الأمر بمجرد ضمان قانوني موضوعي، وإنما قد يرقى السلوك إلى مستوى التدليس أو الإخلال بواجب الإعلام، ومن المعلوم أن الفقه الحديث لم يعد ينظر إلى عقد البيع باعتباره مجرد تبادل للرضا، بل أصبح يرتب على الأطراف واجبا متزايدا في الإخبار والتبصير، خاصة عندما يتعلق الأمر بمعطيات جوهرية من شأنها التأثير على إرادة المتعاقد الآخر، ولذلك فإن إخفاء وجود مشروع لنزع الملكية أو وجود مقرر إداري منشور يمكن أن يشكل خطأ تعاقديا مستقلا يضاف إلى التزام الضمان.
وفي هذا الإطار تكتسي قرارات المجلس الأعلى ومحكمة النقض المتعلقة بضمان الاستحقاق أهمية خاصة لأنها كرست فكرة أن حسن نية البائع لا يشكل سببا للإعفاء من المسؤولية، فقد جاء في القرار عدد 1765 بتاريخ 30 نونبر 1983 أن الضمان الواجب على البائع يشمل حيازة المبيع والتصرف فيه بلا معارض وأن حسن النية لا يعفي من هذا الضمان، وتبرز أهمية هذا التوجه في أنه يقطع مع أي محاولة لإعفاء البائع لمجرد عدم علمه بالحق السابق، لأن العبرة ليست بالحالة النفسية للمتعاقد وإنما بسلامة الحق المنقول للمشتري، كما أن المشتري لا يفقد حقه في الضمان لمجرد علمه بتدخل الإدارة إذا لم يكن على بينة من الآثار القانونية الحقيقية لهذا التدخل، فالعلم الذي يعتد به قانونا يجب أن يكون علما حقيقيا ومحيطا بطبيعة الحق السابق وآثاره، أما مجرد الاطلاع المجرد على وجود مشروع عمومي دون إدراك انعكاساته القانونية فلا يكفي لإسقاط الضمان، وهو ما ينسجم مع الاتجاه الحديث الذي يفسر شروط الإعفاء من الضمان تفسيرا ضيقا حماية للطرف الذي تلقى الحق، ومن جهة أخرى فإن تحديد نطاق الضرر القابل للتعويض يظل من أكثر المسائل تعقيدا في هذا المجال، فإذا كان الاستحقاق كليا فإن المشتري يحق له المطالبة برد الثمن والتعويضات المنصوص عليها في الفصول 538 وما يليها من قانون الالتزامات والعقود، أما إذا كان الاستحقاق جزئيا أو اقتصر على تقييد بعض سلطات المالك، فإن تقدير التعويض يصبح مرتبطا بحجم النقص الذي أصاب قيمة العقار أو الانتفاع به، وهنا تبرز أهمية الخبرة القضائية في تحديد مدى تأثير الحق السابق على المركز القانوني والاقتصادي للمشتري.
ونخلص مما سبق إلى أن وجود حق سابق للسلطة العامة لا يقتصر أثره على مجرد تفعيل الاستثناء الوارد في الفصل 546، بل يؤدي إلى إعادة توزيع المسؤوليات بين أطراف العلاقة القانونية، فالإدارة تبقى مسؤولة عن تعويض نزع الملكية في حدود القانون رقم 7.81، بينما يظل البائع مسؤولا عن الضمان إذا ثبت أن الانتزاع استند إلى وضع قانوني سابق كان قائما وقت البيع، وهو ما يقود إلى التساؤل حول الكيفية التي تعامل بها القضاء المغربي مع هذه الإشكالات ومدى نجاحه في تحقيق التوازن بين حماية المشتري واستقرار المعاملات العقارية.
الفقرة الرابعة: قراءة في موقف الاجتهاد القضائي المغربي من الحق السابق للسلطة العامة وحدود الإعفاء من ضمان الاستحقاق
يكتسي الاجتهاد القضائي أهمية خاصة في موضوع ضمان الاستحقاق المرتبط بتدخل السلطة العامة، بالنظر إلى أن الفصل 546 من قانون الالتزامات والعقود اقتصر على وضع قاعدة عامة دون أن يحدد المقصود بالحق السابق الثابت للسلطة العامة أو يبين المعايير التي يمكن اعتمادها للتمييز بين الانتزاع المعفي من الضمان والانتزاع المنشئ للمسؤولية، ولذلك وجد القضاء نفسه أمام مهمة أساسية تتمثل في استكمال البناء التشريعي وتحديد النطاق العملي لهذا النص بما يحقق التوازن بين استقرار المعاملات العقارية وحماية المشتري من المخاطر القانونية التي تعتري المبيع، ويلاحظ من خلال استقراء الاجتهاد القضائي المغربي أن القضاء اتجه منذ وقت مبكر إلى تكريس الطبيعة الموضوعية لضمان الاستحقاق، حيث اعتبر أن مسؤولية البائع لا ترتبط بسوء نيته أو بخطئه الشخصي، وإنما تقوم بمجرد تحقق الاستحقاق الناتج عن سبب سابق للبيع، ويتجلى هذا التوجه بوضوح في القرار الصادر عن محكمة النقض عدد 682/1 بتاريخ 1 يناير 2024 ملف عدد / 1863/1/1/2024 ، الذي جاء فيه أن الضمان الواجب على البائع للمشتري يشمل حوز المبيع والتصرف فيه، بلا معارض ضمان الاستحقاق، و إن حسن نية البائع لا يعفيه من هذا الضمان. وإنه لئن كان لا يلتزم بأي ضمان إذا حصل انتزاع المبيع بفعل السلطة، فإن ذلك مشروط طبقا للفصل 546 من القانون الالتزامات والعقود بأن لا يكون مبنيا على حق سابق ثابت لها يخولها العمل على احترامه، أو على فعل يعزى للبائع.
وتكمن أهمية هذا القرار في كونه لم يكتف بتطبيق الفصل 546 تطبيقا حرفيا، بل أبرز فلسفته التشريعية القائمة على حماية المشتري من الحقوق السابقة أيا كان مصدرها، خاصة بالنسبة لموضوع نزع الملكية، لأنه يؤكد أن مجرد تدخل السلطة العامة لا يكفي لإعفاء البائع من الضمان، فالعبرة ليست بصفة الجهة التي أحدثت الانتزاع، وإنما بطبيعة السند القانوني الذي استندت إليه، فإذا كان هذا السند قائما قبل البيع فإن البائع يظل مسؤولا ولو لم يكن طرفا في مسطرة نزع الملكية نفسها، ومن ثم فإن القضاء المغربي تبنى مفهوما وظيفيا للحق السابق، ينظر إلى أثره على استقرار الملكية أكثر مما ينظر إلى طبيعته الشكلية. كما ساهم القرار عدد 1223 بتاريخ 10 ماي 1993 ملف عدد 3200/1989 في توضيح جانب إجرائي مهم من دعوى الضمان، حيث أكد أن المشتري ملزم بإشعار البائع بالدعوى المرفوعة عليه من طرف الغير، طبقا للفصل 537 من قانون الالتزامات والعقود، حتى يتمكن هذا الأخير من الدفاع عن مصالحه، ويكشف هذا القرار أن القضاء ينظر إلى الضمان باعتباره نظاما قانونيا متكاملا يجمع بين الحقوق والالتزامات المتبادلة، فلا يكفي للمشتري أن يتمسك بالاستحقاق، بل يتعين عليه احترام الإجراءات التي تتيح للبائع فرصة التدخل والدفاع. وتبرز أهمية هذا المبدأ في منازعات نزع الملكية عندما يكون النزاع لا يزال معروضا أمام القضاء أو الإدارة، إذ يمكن للبائع أن يقدم معطيات أو دفوعا من شأنها التأثير في مآل النزاع.
أما القرار عدد 722 بتاريخ 10 ماي 2000 ملف عدد 1508/99، فقد اكتسى أهمية خاصة لكونه ربط ضمان الاستحقاق بوجود حق قانوني سابق يطالب به الغير على المبيع، مؤكدا أن مناط الضمان يتمثل في وجود حق حقيقي أو محتمل من شأنه أن يحرم المشتري من الانتفاع الكامل بالمبيع، ورغم أن القرار لم يصدر في إطار منازعة تتعلق مباشرة بنزع الملكية، فإن القاعدة التي قررها تصلح للتطبيق على الحقوق السابقة للسلطة العامة، لأن جوهر الضمان يبقى واحدا، وهو حماية المشتري من كل حق سابق يؤدي إلى زعزعة مركزه القانوني، ومن خلال هذه القرارات يمكن استخلاص توجه قضائي عام مؤداه أن القضاء المغربي يضيق من حالات الإعفاء من الضمان ويوسع من نطاق الحماية المخولة للمشتري، فالأصل هو قيام الضمان، أما الإعفاء منه فيظل استثناء يفسر تفسيرا ضيقا، ويجد هذا التوجه أساسه في الطبيعة الحمائية لعقد البيع وفي الرغبة في تعزيز الثقة في المعاملات العقارية، خاصة في ظل تعقد الوضعية القانونية للعقار وتزايد تدخل الإدارة في مجال التهيئة والتجهيز العمراني.
غير أن الاجتهاد القضائي المغربي لم يحسم بشكل صريح في جميع صور الحق السابق للسلطة العامة، فما زالت بعض الإشكالات مطروحة بشأن القيمة القانونية لتصاميم التهيئة ومقررات التخلي والارتفاقات الإدارية ومدى اعتبارها حقوقا سابقة بالمعنى المقصود في الفصل 546. ويلاحظ أن القضاء غالبا ما يعالج هذه المسائل من خلال ظروف كل نازلة على حدة، دون أن يضع معايير عامة يمكن تطبيقها بصورة موحدة، ورغم ما يتيحه هذا الأسلوب من مرونة، فإنه قد يؤدي أحيانا إلى تفاوت الحلول القضائية بحسب طبيعة الوقائع المعروضة.
ومن الناحية النقدية يمكن القول إن الصياغة الحالية للفصل 546 تحتاج إلى مزيد من التوضيح التشريعي، خصوصا فيما يتعلق بتحديد مفهوم الحق السابق الثابت للسلطة العامة، فالمشرع ترك للقضاء سلطة واسعة في التفسير، وهو ما ساهم في إثراء الاجتهاد القضائي من جهة، لكنه أوجد قدرا من عدم اليقين القانوني من جهة أخرى، ولذلك يبدو من المفيد التدخل تشريعيا أو فقهيا لوضع معايير أكثر دقة تسمح بتحديد الحالات التي يبقى فيها البائع ملزما بالضمان رغم تدخل الإدارة، وتأسيسا على ما سبق يتبين أن الاجتهاد القضائي المغربي نجح إلى حد بعيد في تكريس فلسفة الفصل 546 القائمة على حماية المشتري من آثار الحقوق السابقة للسلطة العامة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على خصوصية نظام نزع الملكية باعتباره آلية استثنائية لتحقيق المنفعة العامة، كما أظهر القضاء وعيا متزايدا بضرورة التمييز بين التعويض الإداري المستحق بسبب نزع الملكية وبين الضمان العقدي المستحق بسبب إخلال البائع بالتزامه بنقل ملكية مستقرة وخالية من أسباب الاستحقاق، وهو ما يؤكد أن العلاقة بين النظامين ليست علاقة تنافس أو تعارض، وإنما علاقة تكامل ترمي في نهاية المطاف إلى تحقيق الأمن القانوني والتوازن بين المصلحة العامة والمصالح الخاصة.
المراجع:
- ظهير الالتزامات والعقود، الفصول 532 إلى 546.
- القانون رقم 7.81 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة والاحتلال المؤقت.
- القانون رقم 12.90 المتعلق بالتعمير.
- القانون رقم 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات.
- قرار المجلس الأعلى عدد 1765 بتاريخ 30 نونبر 1983، ملف عدد 78535.
- قرار المجلس الأعلى عدد 1223 بتاريخ 10 ماي 1993، ملف عدد 3200/1989.
- قرار محكمة النقض عدد 722 بتاريخ 10 ماي 2000، ملف عدد 1508/99.
- محمد الكشبور، العقود المسماة، عقد البيع، مطبعة النجاح الجديدة.
- عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، الجزء الرابع، البيع والمقايضة.
- مأمون الكزبري، نظرية الالتزامات والعقود في التشريع المغربي.
- أحمد الخمليشي، التعليق على قانون الالتزامات والعقود.
