مجلة مغرب القانونفي الواجهةالنقيب عبد الرحيم الجامعي: المحاكمة العادلة تحترق في محكمة الجنايات الابتدائية بالعيون

النقيب عبد الرحيم الجامعي: المحاكمة العادلة تحترق في محكمة الجنايات الابتدائية بالعيون

بقلم: النقيب عبد الرحيم الجامعي

الرباط، في 01 غشت 2026


المحاكمة العادلة تحترق في محكمة الجنايات الابتدائية بالعيون

قرار قضائي بعمق سياسي، طعن المحامين وألغي حق الدفاع وأساء للعدالة..


في حرارة صيف يوم الخميس 9 يوليوز 2026، وتحت تأثير حرارة بلغت 33 درجة بعاصمة الصحراء المغربية، أصدر قضاة محكمة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف هناك قرارًا مُحرقًا لقواعد المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع وللقيم الأخلاقية والحقوقية التي تحملها مقتضيات دستور المغرب وتُلقيها على رقاب القضاة بالمحاكم لضمانها وحمايتها، وهو قرار يرجع بنا ويذكّرنا «بأمجاد المحكمة» في الماضي من الزمن المعروف إبان رئاسة «رئيسها لاراباس شافاه الله» الذي كان يُتقن فنّ «طرز الأحكام» وصناعتها طبقًا لمفاهيمه وعقليته ومحيطه…

صدر قرار المحكمة الجنائية بعدما ارتأى قضاتها، وهم يُحاكِمون امرأة دون دفاع ودون حضور محام ودون مبالاة بخطورة الاختيار وما قد يترتب عنه في قضايا الجنايات من انعكاسات، تفتح بابًا واسعًا لثقافة الشطط وللاستعمال المتطرف لما يُطلق عليه بالسلطة التقديرية.

ومن المفيد الإشارة أولًا إلى بعض ما جاء من تعليل بالقرار، والذي اعتبر:

«بأن المتهمة تنازلت عن حقها الدستوري في تنصيب محام، كما تعذّر تنصيب محام في إطار المساعدة القضائية…، وأن المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تنص على الحق في محاكمة عادلة، من ضماناتها أن يُحاكَم المتهم بحضوره وأن يدافع عن نفسه بنفسه أو بواسطة محام، وأنه طبقًا للدستور فالقاضي يتولى حماية حقوق الأشخاص وحرياتهم وأمنهم القضائي، وأنه لئن كانت المادة 319 من ق.م.ج. تجعل مؤازرة المحامي إلزامية أمام غرفة الجنايات، فإنها لم تُرتّب جزاءً على الإخلال بهذا المقتضى، وأن المادة 423 أوجبت على الرئيس تيسير الجلسة عند تخلّف محامي المتهم بأن يُعيّن له تلقائيًا محاميًا في إطار المساعدة القضائية، وأن المادة 39 من قانون مهنة المحاماة تمنع المحامين من التوقف الكلي عن تقديم المساعدة الواجبة عليهم إزاء القضاء، سواء بالنسبة للجلسات أو الإجراءات، وأن المحكمة، وهي تباشر سلطتها في تحقيق التوازن بين الضمانات الأساسية، أي بين حق المتهمة في الاستعانة بمحام وبين مبدأ استمرارية المرفق القضائي وحسن سير العدالة، فإنها ترى أن استمرارية المرفق القضائي، باعتباره مرفقًا دستوريًا وسياديًا، تبرر مواصلة النظر في الدعوى والبتّ فيها…».

لقد سبقني في قراءة وتحليل القرار الجنائي العديد من القانونيين، منهم محامون وقضاة وجامعيون وغيرهم، كما استعرضت منابر إعلامية حيثياته وعلّقت على تبريراته، وهذا ما يعكس الانتباه والاندهاش الذي خلّفه القرار في الساحة القضائية والإعلامية والمجتمعية، والذي يفرض على من أصدروه وعلى من انتقدوه أو ناصروه التعامل بإحساس بالمسؤولية مع المحيط الذي وُلد فيه، ومع الرجّة التي لم يسبق أن أطلقها أي قرار قضائي جنائي من قبل، بما في ذلك القرارات والأحكام التي هزّت بدورها أركان الحق في الدفاع وفي المحاكمة العادلة في مناسبات عدة، آخرها كان زمن الكوفيد اللعين…

وأنا لن أرجع لما جاءت به التعليقات والكتابات واللقاءات التي تلت صدور القرار، تفاديًا لتكرار استنتاجات قد أتفق معها أو أختلف، والتي قاربت مضمونه وخطورته من جوانب مختلفة.

بيد أنني أعتقد بأن القضاة المُصدرين للقرار الجنائي موضوع المناقشة أبانوا عن فضول واندفاع قانوني مشروع، ولا شك أنهم ينتظرون الفضول المشروع من قِبل الرأي العام القانوني المهتم، بما فيه رأي المحامين وأقلامهم. ومن هنا أتوقف بحيرة أمام قرار محكمة الجنايات بالعيون، بعد أن أُسجّل بقناعة وموضوعية — وحتى لا ينتهز أحد المناسبة للمزايدة واستعمال لغة الخشب — أننا بالمغرب حققنا بعد دستور 2011 خطوات على طريق التغلب نسبيًا على أزمات هدّدتنا في قضائنا وفي عدالة بلدنا، حيث تمت دسترة استقلال القضاء، والحق في الدفاع، وقرينة البراءة، والمحاكمة العادلة، والتعويض عن الخطأ القضائي، والدفع بعدم دستورية القوانين، وسمو الاتفاقيات الدولية على القانون الوطني… إلخ. وحتى إن كانت الممارسات القضائية لا زالت إلى حد ما قاصرة عن التجاوب الحقيقي والمنهجي مع هذه المبادئ، فإنني أطرح في مواجهة القرار الجنائي خمس ملاحظات، وهي كالتالي:

مقال قد يهمك :   قــضــاة المحكمة العليا ينقسمون حول إجبارية التلقيح ضد "كوفيد-19"

الملاحظة الأولى

القرار الجنائي أصدرته محكمة غلبت عليها ميولات سياسية وتأثرت بمواقف وادعاءات السلطة السياسية الحكومية، وبالتالي خرجت عن حيادها وواجبها المفروض عليها بالدستور وبمدونة الأخلاقيات المهنية والقضائية، فاختارت ضرب العلاقات ما بين المحامين وبين المتقاضين والمرتفقين من خلال قطع حبل الثقة بينهما.

واعتبر قضاة المحكمة، مثلما اعتبرت الحكومة ذلك، أنه ليست هناك علاقة بين توقف المحامين بملفهم المهني ومطالبهم وبين ممارسة حق الدفاع، وأن غاياتهم هي عرقلة سير المحاكم؛ وهذه فرضية فاقدة لكل جدية، استعملتها السلطة السياسية لمحاربة المحامين وللتشويش عليهم ولزرع الرعب والاضطراب في نفوس المتقاضين، لأنه لم يكن بين يديها من سلاح للرد على فشلها في مشروعها وفي تشكيك المحامين في أبعاده، سوى استعمال الدعاية الإعلامية والجلسات البرلمانية للإساءة لرسالة المحامي والخدش في صورة المحامين وتحقير المحاماة ووصفها بمهنة الاسترزاق والاعتداء على المال العام والتهرب الضريبي.

فجاء قرار محكمة العيون ليُحوّل هذا اللباس السياسي الحكومي ويتماهى مع خلفياته، ليقرر في حيثياته إضعاف المحاماة وتنحيتها من ساحة مشاركتها النشيطة للسلطة القاضية في النهوض برسالة دستورية، وهي تحقيق العدالة والإسهام في بناء ثقة المواطن في القضاء وصناعة المحاكمة العادلة؛ في حين كان المفروض على قضاة المحكمة الالتزام بالحياد والبقاء على مسافة من المواقف السياسية للدولة، بعيدين عنها وعن منطقها وعن محاولاتها تهجين المحاماة، لأن المنطق القضائي المقيّد بالضمائر والاستقلال الشخصي والمؤسساتي لا يسمح لهم بطعن المحامين بتأويلات ملتوية وهشّة لمحوهم نهائيًا ضدًا على القانون، ولا بتمرير المساطر في المحاكمة باجتهاد منهم ضد النص وضد النظام العام وضد قواعد الدستور والقانون الدولي، باستعمال منطق قضائي غير سليم.

الملاحظة الثانية

قضاة محكمة الاستئناف بالعيون كشفوا في قرارهم عن حساسية عدائية للمحامين، وعن عقلية تُثير شكوكهم فيهم، فغيّروا من خلال حيثيات قرارهم من طبيعة قرار المحامين بالتوقف، وشوّهت حيثيات القرار الصورة الحقيقية للمحاماة الأصيلة المرتبطة بمصلحة العدالة ومصلحة المرتفقين أنفسهم، الذين لهم حق في محاماة مستقلة حرة لا تتدخل فيها حسابات سياسية أو إدارية تؤثر على أداء رسالة المحامي في الدفاع بشكل حقيقي وليس صوريًا.

فجرّهم منطق الحكومة ودعايتها ليعتبروا في قرارهم القضائي بأن توقف المحامين بمثابة تواطؤ فيما بينهم عن تقديم المساعدات الواجبة عليهم إزاء القضاء، وهو أمر ممنوع عليهم طبقًا لقانون المحاماة. وهكذا اختلط في أذهان قضاة المحكمة التوقفُ والإضرابُ، واعتبروا قرار التوقف المهني تواطؤًا موجهًا أصلًا للسلطة القضائية وللمحاكم ولقضاتها، ولم يميّزوا ما بين توقف مهني ومبرراته الواضحة المبنية على اعتبارات مرتبطة بدلالات الدفاع ورسالته التاريخية والحضارية، وما بين الإضراب كأداة نقابية وسياسية ومَطلبية خاصة ومحددة تستعملها هيئات سياسية ونقابية في صراعاتها مع المسؤولين من أجل تحسين ظروف العمل والرفع من الأجور وغير ذلك…

مما يبقى معه القرار وفقراته مشحونة، بشكل أو بآخر، بعداوة غير مفهومة وتحامل غير مألوف على المحامين وعلى هيئاتهم، مثلما تأكد من الممارسات السياسية للسلطة التنفيذية ضد المحاماة وضد المحامين، مما يصح معه القول بأن المحامين هم ضحايا مناورات حكومية وتجاوزات قضائية.

الملاحظة الثالثة

قرار محكمة الجنايات بالعيون عنوانٌ لأكبر خطأ قضائي في عمر القضاء الجنائي منذ دستور 2011، لأنه قرار انقلب على الدستور وهو يظن أنه يعتمد عليه أولًا، ولأنه انتهك قواعد المحاكمة العادلة وأُسسها كما جاءت بها المواثيق الدولية وهو يظن أنه يرجع إليها ويعتمدها ثانيًا.

مقال قد يهمك :   حنان سعيدي: أثر النظام العام المغربي على فاعلية الحكم الأجنبي بفرقة الزوجين

ومن هنا فإن ما انتهت إليه المحكمة في محاكمة المتهمة، وهي امرأة دون محام، يُعتبر مغامرة قضائية خطيرة بأقدس حق يفوق كل الحقوق، وهو الحق في محاكمة عادلة وفي حق الدفاع، وهما حقان لا يجوز انتهاكهما في أية ظروف ولو كانت استثنائية، ولم يسبق أن غامرت به أية جهة قضائية على المستوى الوطني في محاكمة جنائية، حتى في عهد الكوفيد وحتى في بداية أو مسار المحاكمات عن بُعد. وهذا ما يجعل قرار محكمة الاستئناف بالعيون بمثابة بداية الطريق للانقلاب على الدستور وعلى النظام العام.

ومن هنا يحق طرح السؤال: لماذا اختار قضاة محكمة الاستئناف الجنائية بالعيون فتح الباب لمسار جديد خطير يرجع بمبادئ المحاكمة العادلة إلى الخلف، ويطعن في الصميم حق الدفاع، ويحقق السبق في فرض نموذج جديد من نماذج طعن مهنة المحاماة وسلب حق الدفاع من أهله الأصليين وهم المحامون، ليضعوا عليه أيديهم بدون حق ولا مشروعية؟

الملاحظة الرابعة

أبان قضاة محكمة الاستئناف بالعيون عن ضعف وتردد في لحظة دقيقة كانت تفرض عليهم التحرر من أية حسابات أو أية ضغوط، وتفرض عليهم التمسك بقيم العدالة بمفاهيمها الكونية؛ أي أن يعتبروا بأن الحق في المحاكمة في أجل معقول، وضرورة الحرص على استمرار المرفق القضائي، هي قواعد أساسية في العملية القضائية لتحقيق المحاكمة العادلة، ولكنها حقوق لا تسبق الحق في الدفاع الذي له الأولوية ويرقى فوق كل الحقوق.

ولا يُسمح للقضاة تنحية المحامي في الجنايات والاستغناء عن حضوره، فالمحاكمة دون حضور المحامي في الجنايات محاكمة صورية ومزيفة ولا تعني شيئًا؛ وهذا ما تُخلّده الذاكرة التاريخية التي ترسّخت في وجدان القضاة والمحامين، والتي جاءت عقيدة قضاة محكمة الاستئناف بالعيون لتحاول محوها بكل الأسف.

وسيكون مخطئًا من يعتقد بأن المحامين طالبوا أو يطلبون من القضاة أن ينحازوا إلى مطالبهم أو يعلنوا تضامنهم معهم، لأن المحامين أشد الناس حرصًا على حياد القضاة وعلى استقلالهم وعلى رفضهم كل محاولة للتأثير أو التدخل فيهم من أية جهة.

وبالرغم من ذلك، فإن السلطة القضائية ومعها جمعيات القضاة والقاضيات، ومعهم القضاة من أصحاب الأقلام وأهل العِلم والمساهمات في رفع الوعي القانوني، كان عليهم أن يساهموا بالنقاش والكتابة لإبراز ارتباط استقلال القضاء باستقلال المحاماة، وكون مكانة المحاماة واستقلالها ضرورةٌ يُمنع كل تدخل فيها لكي يتمكن القضاة من النهوض برسالتهم وأدوارهم، وأن يرفضوا كقضاة أن تصبح المحاماة تحت وصاية وزارة العدل، وهم من عانى زمنًا طويلًا من وصاية وزارة العدل وهجوم السلطة التنفيذية عليهم وعلى استقلالهم. وأعتقد بأن هذا أمر واجب عليهم ممارسته في حدود ما هو متلازم مع دفاعهم كقضاة عن استقلالهم وعن قواعد المحاكمة العادلة وعن محاماة تتمتع بالحصانة وبالاستقلال لا يمكن كسر شوكتها.

الملاحظة الخامسة

إن محكمة الجنايات بالعيون أطلقت بقرارها العدّ العكسي لبداية حصار على المحامين وللضغط على المشرّع لتغيير موقفه من نص قانوني صريح وواضح يُلزم وجود المحامي بالجنايات، وسمحت لنفسها قبل المشرّع بالتشريع وتعديل النص تلقائيًا وتعسفيًا، وذلك بإلغاء نص ورفض تطبيقه ضدًا عن كل مشروعية، وتحديًا للنظام العام وللقواعد المسطرية والآمرة.

وهذه محكمة الاستئناف بمدينة سطات تفاجئ الساحة القانونية والقضائية، حيث بدا للجميع أنها تفكر في فتح طريقها للالتحاق بمذهب محكمة الاستئناف بالعيون؛ وها هي رسالة الوكيل العام للملك إلى الرئيس الأول بسطات، المؤرخة في 20 يوليوز 2026 تحت عدد 417، والتي نُشرت أو سُرّبت ليس صدفة ولا خطأ، ثم عُممت تعميمًا ليس بريئًا، لأن ما يُنشر عادةً ويُعمّم هي المذكرات التوجيهية للسيد رئيس النيابة العامة لكل النيابات العامة، لما لها من علاقة بالسياسة الجنائية التي يبلّغها لمختلف الوكلاء العامين ووكلاء الملك ويطلب منهم السهر على تطبيقها.

مقال قد يهمك :   محمد ساسيوي رئيس الهيأة الوطنية للعدول في استقبال وزير العدل

ولكن رسالة الوكيل العام بسطات هي رسالة تنقل نقلًا جوهرَ ما عللت به محكمة العيون موقفها بالاستغناء عن المحامين بالجنايات، وهي مرافعة كتابية موجهة للرئيس الإداري الأول للمحكمة، وهو الرئيس الأول الذي ليست له أية سلطة على تدبير ملفات الجلسات ولا التدخل في عمل القضاة لفرض أسلوبه عليهم أو الضغط عليهم أو تلقينهم ما هو الحق في الدفاع، وما هو معنى إلزامية المحامي في الجنايات، وما هو الأجل المعقول، وما هو الاستنكاف عن حضور المحامين بالجنايات… إلخ.

إن مذكرة الوكيل العام بسطات تُعتبر مساسًا بحرمة وبحياد الرئيس الأول وبكل القضاة في القضاء الجالس، وتُعتبر تدخلًا مباشرًا في السلطة القضائية، لأن القضاة المباشرين لمهامهم القضائية بالمحاكم مستقلون طبقًا للمادة 107 من الدستور، وهم الممثلون للسلطة القضائية طبقًا للمادة 2 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية رقم 100.13.

إن مذكرة الوكيل العام بمحكمة الاستئناف بسطات إلى الرئيس الأول يمكن حملُها محملين لا غير، وهما:

  • المحمل الأول: يتعلق بإظهار قوة قبض النيابة العامة على محكمة الاستئناف بسطات وعلى رئيسها الأول، لأن الرسالة وكأنها تُعلّم الرئيس الأول ما لا يعلمه، وتنبّهه لما يتعين على قضاة الحكم الأخذ به وهم بجلساتهم في الحكم، وكيف يفسّرون النصوص المعنية بحضور المحامي مع المتهم في الجنايات. وهذه المذكرة سابقة خطيرة من النيابة العامة بسطات، لا علاقة لها بما يمكن أن يُسمى بالتنسيق أو بتنظيم الشأن الداخلي للمحكمة، فالنيابة العامة بسطات تعرف كما يعرف الجميع أن القانون يسمح لها بأن تقدم وجهة نظرها في الملفات وفي المساطر المتعلقة بها مباشرة لقضاة الحكم بالجلسة المنعقدة تواجهيًا وبحضور الأطراف، ليبقى لقضاة الحكم وحدهم سلطة البتّ في جدية ملتمسات النيابة العامة، قبولًا أو رفضًا.
  • المحمل الثاني: هو أن الرئيس الأول للمحكمة بسطات مفروض فيه أن يحترم سلطة قضاة الحكم، ومن واجبه الابتعاد عن عمل قضاة المحكمة وعدم التدخل في سلطتهم في تسيير الجلسات وتجهيز الملفات أو تأخيرها بناءً على ما يعطيهم إياه القانون. فجاءت رسالة الوكيل العام خارج نطاق الجلسة، وكأنها تطلب منه التنازل عن حياده وخلط سلطته الإدارية بالسلطة القضائية، وتطلب منه بين سطورها توجيه قضاة الحكم كيف يتصرفون في جلساتهم، أو كيف يقررون ويبتّون في ملفاتهم، أو يحكمون فيها بكذا أو بكذا… مما فيه مساس باستقلالهم طبقًا للدستور.

مكر التاريخ ومكر القانون

هذا هو مكر التاريخ، وهذا هو مكر القانون. فقد ظنّ قضاة محكمة الاستئناف بالعيون بأنهم يصنعون المحاكمة العادلة بما ورد في قرارهم موضوع النقاش، ففشلوا في مخرجاته لمّا صنعوا نقيضها، لأن قرارهم التفّ على المعاني الحقيقية للنصوص ففقد شرعيته في النهاية.

وهذه علامات تخوّف علينا، محامين وقضاةً، الانتباهُ الشديد إليها، لأنها انقلبت عما راكمناه من مكتسبات في مجال دولة القانون، ولأنها تكشف أمامنا انطلاق توجه عام لطعن المحامين في وجودهم، وتوجه نحو المزيد من إضعاف مفهوم الحق في الدفاع الذي كرّسه الدستور وكرّسته وتوسعت فيه العديد من قرارات محكمة النقض.

كنت أتمنى ألا تغيب عن قضاة محكمة الجنايات بالعيون القراءةُ الحقيقية لعلاقة التاريخ بالقانون، فكل قراءة سيئة قد تعود بالخراب. ولمّا ابتعدوا عن استحضار تاريخ التقلبات القضائية فيما بعد استقلال المغرب، وأسباب فشل المحاولات التاريخية لعدالة بلدنا، قبل أن يعلنوا قرارهم، فقد انتهوا إلى رسم طريق مجهول فاشل أمام قضائنا بالمغرب وهم غافلون؛ ولكنني لست بغافل عن الطاقات الخلّاقة والمبدعة التي يحفل بها الجسم القضائي وجسم المحاماة للرد على كل انزلاق…

error: عذرا, لا يمكن حاليا نسخ او طباعة محتوى الموقع للمزيد من المعلومات المرجوا التواصل مع فريق الموقع عبر البريد الالكتروني : [email protected]