مجلة مغرب القانونفي الواجهةالنقيب الزياني: الباب فُتح ولم يُعبَر. واستقلال المحاماة: ليس مسافةً من الدولة، بل ضمانةٌ داخلها

النقيب الزياني: الباب فُتح ولم يُعبَر. واستقلال المحاماة: ليس مسافةً من الدولة، بل ضمانةٌ داخلها

مغرب القانون/الرباط


كلمة رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب

في افتتاح الندوة الصحفية بالرباط

يوم الخميس 10 شتنبر 2026


السادة الرؤساء والنقباء،

الزميلات والزملاء،

السيدات والسادة ممثلي وسائل الإعلام،

شكرا لحضوركم.


هناك لحظات لا تقاس أهميتها بما يقع فيها فقط، وإنما بما تكشفه.

وما جرى حول قانون مهنة المحاماة لم يعد، في تقديرنا، مجرد خلاف بين مهنة وحكومة حول نص تشريعي؛ لقد أصبح مرآة لسؤال أكبر يتعلق بطريقة صناعة القرار، وبقيمة الالتزام المؤسساتي، وبوظيفة الرقابة الدستورية، وبالمكان الذي ينبغي أن يحتله الاختلاف داخل دولة المؤسسات.

ولهذا لسنا هنا لنشرح لماذا احتج المحامون، ولا لنستعيد تفاصيل أزمة يعرفها الرأي العام؛ نحن هنا لأن القضية تجاوزت حدود مهنة، وأصبحت تطرح سؤالا أعمق: كيف تمتحن المؤسسات نفسها عندما يكون المختلف معها جزءا منها؟

فمؤسسات الدولة لا تختبر فقط عندما يسود التوافق؛ تختبر أكثر عندما يظهر الاعتراض، ولا تقاس قوتها فقط بقدرتها على اتخاذ القرار وإنفاذه، وإنما أيضا بقدرتها على تدبير الاختلاف بإنصاف وتجرد، وعلى مراجعة المسار متى اقتضت سلامته ذلك؛ فالقرار قد يستمد قوته من الاختصاص، أما المؤسسات فتستمد قوتها من عدالة ممارسته، ومن قدرتها على أن تجعل من الاختلاف سبيلا إلى التصحيح، لا سببا لإدامة الأزمة.

ومن هذه الزاوية نقرأ ما وقع؛ دخلت المحاماة مسار إعداد قانون مهنتها باعتبارها شريكا في إصلاح العدالة؛ قدمت مذكراتها ومقترحاتها وبدائلها، وخاضت حوارا مؤسساتيا امتد إلى مستوى رئاسة الحكومة، وانتهى إلى توافقات اعتبرناها، بحكم المقام الذي تمت فيه، التزاما مؤسساتيا لا تفاهمات عابرة.

ثم تبين أن ما استقر عليه الحوار لم يستقر عليه القانون.

وهنا بدأت الأزمة الحقيقية؛ لأن القضية لم تعد اختلافا حول مواد يمكن الاتفاق عليها أو الاختلاف بشأنها، وإنما أصبحت متعلقة بقيمة الكلمة العامة نفسها: ماذا تعني التوافقات إذا أمكن أن تفقد أثرها في الطريق من المؤسسة التي رعتها إلى المؤسسة التي تصنع القانون؟

فالقانون تصنعه الأغلبية، أما الثقة فتصنعها المصداقية والوفاء.

ثم تعددت المواقع، واختلفت الأدوات والخطابات، لكن آثارها التقت، في محطات حاسمة، عند المهنة؛ ونحن لا ننسب النيات، ولا نبحث عن خصوم، ولا نستعمل لغة المؤامرة؛ لكن من واجبنا أن نسجل أن المحاماة وجدت نفسها لا تناقش قانونها فحسب، وإنما تواجه في الوقت نفسه أثرا متراكما للمسطرة والقرار وبعض الخطاب السياسي والإعلامي، حتى تحول جزء من النقاش، على نحو مؤسف، من سؤال: ماذا يقول القانون؟ إلى سؤال: ما الذي يريده المحامون؟

مقال قد يهمك :   موقف القضاء من نفاذ الاستقالة في الطعون الانتخابية للجماعات

وبدل مناقشة الاعتراض، جرى في أحيان كثيرة تفسير دوافعه؛ وبدل تفكيك الحجة، صنعت حول المهنة صورة يراد لها أن تسبق حجتها إلى الرأي العام.

قيل إن المحامين يرفضون الرقابة، ويخشون التخليق، ويقاومون تجديد النخب، ويدافعون عن امتيازات مالية.

وهذه لم تكن معركتنا.

نحن مع الشفافية والرقابة والمساءلة، ومع تخليق المهنة وتجديد مؤسساتها، ونعتبر ذلك كله جزءا من قوتها لا تهديدا لها؛ لكن القيم الكبرى لا ينبغي أن تتحول إلى عناوين تحجب السؤال الحقيقي: أين تنتهي سلطة التنظيم، وأين تبدأ الوصاية على مهنة مستقلة؟

أما جوهر الخلاف، فلم يكن حول مبدأ الإصلاح، وإنما حول مقتضيات تمس التنظيم الذاتي للهيئات واستقلال المهنة، وتوسع مجالات التدخل الحكومي في شؤونها، وحول اختيارات تتصل بولوج المهنة وتكوين أعضائها ومجال عمل المحامي، وشروط حضور المكاتب الأجنبية، وما يمس حصانة الدفاع؛ وهذه ليست مطالب فئوية منفصلة عن المواطن؛ فاستقلال المحاماة ليس ملكا للمحامين، وحصانة الدفاع ليست امتيازا مهنيا؛ إنها ضمانة للمواطن حين تصبح حريته أو ماله أو كرامته أو حقوقه في مواجهة سلطة أو إدارة أو اتهام؛ ففي تلك اللحظة لا يحتاج فقط إلى من يعرف القانون، بل إلى من يستطيع أن يقوله بحرية.

وهنا يكمن المعنى الحقيقي لاستقلال المحاماة: إنه ليس مسافة من الدولة، وإنما ضمانة داخل الدولة.

ولذلك لم نكن ضد الإصلاح، ولن نكون.

نريد محاماة حديثة، رقمية، عالية التكوين، صارمة في أخلاقياتها، قوية في حكامتها، ومنفتحة على التحولات التي تعرفها العدالة الحديثة؛ لكن تحديث المهنة لا يقتضي تغيير طبيعتها، والإصلاح لا يقاس بمقدار ما تضيفه السلطة إلى أدواتها، وإنما أيضا بمقدار ما تضيفه العدالة إلى ضماناتها.

وكان يمكن للأسئلة التي أثارها هذا القانون أن تجد طريقها إلى الحسم حين أحيل، بإرادة الجهة المختصة وتقديرها، على المحكمة الدستورية.

لم يطلب المحامون الإحالة، ولا تملك هيئاتهم أصلا مباشرتها؛ نحن أثرنا أسئلة دستورية، فاختارت مؤسسة دستورية أن تفتح لها باب الرقابة.

لكن الباب فتح ولم يعبر.

تعذر البت، وبقي جوهر القانون خارج نظر القضاء الدستوري. ومن هنا بقي سؤال لا يمكن اختزاله في عارض إجرائي: إذا كانت هناك أسباب كافية لفتح باب الرقابة الدستورية، فكيف انتهى المسار قبل أن نسمع جواب الدستور؟

مقال قد يهمك :   مسطرة الإنقاذ: شروطها والحكم القاضي بفتحها ومرحلة إعداد الحل

نحن لا نستبق جوابا، ولا نوزع الاتهامات؛ لكن التاريخ المؤسساتي لهذا القانون لن يستطيع تجاوز هذا السؤال.

ثم صدر الأمر بتنفيذ القانون ونشر في الجريدة الرسمية؛ لكن ذلك لا يجيز إعادة كتابة الوقائع ولا قلب ترتيبها؛ فالمحامون لم يحتجوا لأن القانون نشر؛ لقد بلغ القانون مرحلة النشر والأزمة قائمة، والتوقف قائما، وأسباب عدم الرضا عنه معروفة ومعلنة.

لقد ولد هذا القانون نافذا، لكنه لم يولد سليما في نظر المحامين؛ خرج من مسار مضطرب، مثقلا بما راكمه من اختلالات وأسئلة وجراح، فاكتسب قوته القانونية، دون أن يكتسب القبول المهني.

ونحن نعرف للدولة مؤسساتها، وللقانون قوته، وللشرعية مقتضياتها؛ لكن النفاذ القانوني لا يعني التسليم بسلامة النص أو سلامة المسار الذي أنتجه؛ فالنشر يرتب آثار القانون، لكنه لا يصحح ما شاب مساره، ولا يمحو أسباب الأزمة التي سبقته.

لقد أصبح القانون واقعا قانونيا، نعم؛ لكنه ظل في وجدان المحاماة قانونا ولد من أزمة وحمل علتها معه.

ومن هنا يسقط أيضا كل خطاب حاول أن يقدم ما وقع باعتباره مواجهة بين المحامين والدولة.

نحن لسنا في مواجهة مع الدولة؛ نحن جزء منها.

المحاماة المغربية كانت حاضرة في معارك التحرر والاستقلال، وفي الدفاع عن الوحدة الترابية، وفي بناء المؤسسات والمحطات الحقوقية والديمقراطية الكبرى، وظلت جيلا بعد جيل في قلب العدالة وفي خدمة المواطن والوطن.

ولهذا لا نقبل أن يوضع أمامنا اختيار زائف بين الدفاع عن مهنتنا والوفاء لدولتنا؛ فالاختلاف مع حكومة ليس اختلافا مع الدولة، ومساءلة مسار مؤسساتي ليست خروجا على المؤسسات.

وأمام كل ذلك، لا نخفي كلفة ما وقع.

لقد تحمل المحامون ثمنا مهنيا وماديا وإنسانيا كبيرا، وتحمل مرفق العدالة والمتقاضون جزءا مؤلما من هذه الكلفة؛ ونحن ندرك ذلك ولا نستهين به؛ لكن المسؤولية تقتضي ألا تقرأ النتيجة معزولة عن أسبابها.

فالسؤال ليس فقط: لماذا توقف المحامون؟ بل كيف وصلنا جميعا إلى وضع أصبحت فيه مهنة عريقة، بمؤسساتها المنتخبة، ترى أن أقسى وسيلة احتجاج على نفسها أصبحت وسيلتها للدفاع عن مقوماتها؟

وجمعية هيئات المحامين بالمغرب ليست صاحبة موقف فوق المحاماة؛ إنها صوت المحاميات والمحامين كما تنطق به مؤسساتهم المهنية المنتخبة، تحمل إرادتهم، وتصون وحدتهم، وتؤتمن على تاريخ مهنة أكبر من الأشخاص والولايات والظروف.

ولذلك لا تملك الجمعية، أمام ما يمس جوهر المحاماة واستقلالها ورسالتها، أن تتنكر لما اؤتمنت عليه؛ فهناك لحظات يصبح فيها الثبات وفاء للأمانة، لأن ما يجري لا يتعلق بمقتضيات قانونية عابرة، وإنما بصورة المحاماة التي نريدها لبلدنا، وأن نورثها لمن بعدنا: محاماة حرة، مستقلة، قائمة برسالتها في حماية الحقوق والعدالة.

مقال قد يهمك :   بنحداوي مصطفى : تطبيق الأحكام القضائية الصادرة في مسطرة التحفيظ العقاري

واليوم، بعد كل ما جرى، أصبح مسار هذا القانون ناطقا بما حمله من اختلالات وأسئلة.

والأشد مرارة أن المحاماة وجدت نفسها، في محطات حاسمة من هذا المسار، في ملتقى حسابات وتجاذبات وصراعات لم تكن طرفا فيها؛ اختلفت دوافعها، لكن آثارها التقت عند المهنة، فحملت عبئا لم تصنع أسبابه، وأدت من استقلالها واستقرارها كلفة لم يكن لها موجب مهني ولا ضرورة إصلاحية.

ولسنا نقول ذلك لاستدعاء خصومات الأمس، ولا لفتح جبهات جديدة؛ فالوقائع أبلغ من الاتهام، والمسارات، حين تكتمل صورتها، تقول أحيانا ما لا تحتاج الكلمات إلى قوله.

السيدات والسادة،

إن التاريخ لا يحتفظ بكل تفاصيل الأزمات، لكنه يحتفظ بالطريقة التي خرجت بها المؤسسات منها. وهذه واحدة من اللحظات التي سيكون لما نفعله جميعا فيها معنى يتجاوز يومنا هذا.

لقد أخفقت الحكومة في تدبير قانون بمكانة قانون المحاماة، وانتهى تدبيرها إلى أزمة أنهكت المهنة وأثقلت العدالة وأضرت بالمتقاضين؛ وهي تتحمل مسؤوليتها السياسية والمؤسساتية كاملة عن ذلك؛ ولا يجوز أن يصبح هذا الإخفاق أمرا واقعا، ولا أن يطلب من المحاماة أن تؤدي، مرة أخرى، كلفة الخروج من أزمة لم تصنعها.

لسنا طالبين امتيازا، ولا نريد المحاماة فوق القانون؛ نريدها قوية بالقانون، مستقلة في ظل القانون، وحصينة لكي تستطيع أن تدافع عن المواطن بالقانون. لقد نشر القانون، لكن نشره لم ينه الأزمة، ولا يغلق أبواب المعالجة أمام مؤسسات دولة أقيمت، من بين ما أقيمت له، لحماية التوازن وتصحيح الاختلال حين تقتضي المصلحة العامة ذلك.

ونحن، في جمعية هيئات المحامين بالمغرب، لا نبحث عن خصم، ولا نطلب نصرا على أحد؛ إنما نقول، بكل وضوح ومسؤولية، إن هذه الأزمة بلغت من مداها ما يجعل معالجتها اليوم مسؤولية مؤسساتية، وإن الوقت قد حان لكي تقول مؤسسات الدولة كلمتها، كل من موقعها وفي نطاق اختصاصها، حتى يعود القانون إلى غايته، والعدالة إلى توازنها، والمحاماة إلى رسالتها.

هذا هو جوهر القضية، وهذا هو أفق الحل الذي نريده: حل يليق بالمحاماة، ويليق بالعدالة، وقبل ذلك وبعده، يليق بالمغرب.

error: عذرا, لا يمكن حاليا نسخ او طباعة محتوى الموقع للمزيد من المعلومات المرجوا التواصل مع فريق الموقع عبر البريد الالكتروني : [email protected]