مجلة مغرب القانونالقانون الخاصسعيد اولعربي: قانون مهنة المحاماة -في محك رقابة قواعد المشروعية الدستورية-

سعيد اولعربي: قانون مهنة المحاماة -في محك رقابة قواعد المشروعية الدستورية-

سعيد اولعربي أستاذ زائر بكلية الحقوق السويسي بالرباط


عطفا على مقالتين سابقتين بمناقشة منطق التجريد في تشريع القانون رقم 63.23 المتعلق بمهنة المحاماة من جهة ومدى احترام منطق العقلنة البرلمانية واقتضاء دستور صك الحقوق من جهة أخرى، تروم هذه المقالة تناول عيوب المشروعية الدستورية التي اعترت القانون المذكور، لاسيما المادتين 12 و13 منه، وذلك بقراءة تقنية قانونية وقضائية.

1- يجمع الفقه والقضاء على أن القضاء الدستوري يراقب المشروعية الدستورية من مرجعية المطاعن الشكلية والجوهرية، وأن القضاء الدستوري الفرنسي استلهم منهجية الرقابة من قضاء مجلس الدولة في المادة الإدارية1 في شقي المشروعيتين الخارجية والداخلية، وسار على منواله نظيره المغربي في الكثير من القرارات، بما فيها قراره الحديث تحت عدد 25/255 بتاريخ 04/08/2025 بشأن قانون المسطرة المدنية.

أولا: عيوب المشروعية الدستورية الخارجية:

1-1: عيب الشكل والمسطرة في التشريع:

2- مفاده عدم استطلاع رأي مجلس المنافسة مقدما، خلاف موجب المادة 7 من القانون 13.20 المتعلق بهذا المجلس، التي تلزم بهذه الاستشارة بصيغة الوجوب وبدلالة قاطعة كلما تعلق الأمر بفرض قيود كمية على ممارسة مهنة أو الدخول إلى السوق.

 ولئن كانت هذه الشكلية واردة في قانون عادي، فقد كانت من باب تنزيل قاعدتين دستوريتين متمثلتين في حماية حرية المبادرة والتنافس الحر، وخرق الشكلية لا يرادف فقط انتهاك في نفس الترتيب، وإنما أيضا يشكل مخالفة:

  • للفصل 6 من الدستور، الذي يلزم السلطات العامة بالتقيد بالقانون المعبر بسمو عن إرادة الأمة؛
  • للفصل 35 من الدستور في شق متعلق بحرية المبادرة وبالتنافس الحر؛
  • للدستور في شق عدم إقامة وزن واعتبار لمؤسسة دستورية / سلطة إدارية مستقلة ناهضة بوظيفة الحكامة أو النوظمة لقواعد المنافسة، ويستتبع ذلك خرق الفصل 166 من الدستور، الذي رقى المؤسسة إلى مصاف المؤسسات الدستورية، وأناط بها مهام جسيمة مرتبطة بصميم النظام الليبيرالي، الذي يشكل مع النظام الدستوري الديمقراطي وجهين لعملة واحدة.

3- ومن ناحية ثانية، إذا كان المشرع العادي يملك مكنة تعديل قانون عادي أو نسخه عملا بمبدأ توازي الشكليات والاختصاصات، فلا يحق له مخالفة القانون باعتبار ما يلي:

  • خاصية الإلزامية اللصيقة بالقاعدة القانونية بوجه عام؛
  • عبثية خرق المشرع العادي لقاعدة وضعها لنفسه، وهو لا يملك صلاحية خرقها، ليس لأنها ملزمة فحسب، بل أيضا لأن هذا الالزام معزز بظهير الإصدار المتضمن لأمر ملكي سامي لجميع السلطات بالامتثال للقانون؛
  • أن القاعدة ملزمة للحكومة صاحبة المبادرة التشريعية في القانون الحالي، التي لا تملك سوى التقيد بها، عملا بموجب الفصل 89 من الدستور؛
  • أن وضع المشرع العادي لقانون عادي وخرقه يمس بمبدأ الثقــــة المشروعـــة في المؤسسة التشريعية وفي الحكومة المتدخلة بقوة في مسار التشريع، وينال من مبدأ التوقع من المشرع المتفرع من مبدأ الامن القانوني، وهي مبادئ ملزمة للمشرع كما انتهت إليه المحكمة الدستورية وأيضا في قرارها تحت رقم 25/2025 المذكور قبله.
  • ما تواتر عليه اجتهاد القضاء الدستوري الوطني والمقارن، ومن ذلك قرار المجلس الدستوري الفرنسي بتصريحه بعدم دستورية قانون لعدم استطلاع رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي (قرار عدد 521/ 2005 بتاريخ21/04/2005، منشور بالجريدة الرسمية بتاريخ 24/04/2005 (، وفي نازلة أخرى بعدم الدستورية لعدم مراجعة مجلس الدولة قبل سن القانون  ) قرار عدد 468/ 2003 بتاريخ 03/04/2003 بتاريخ 03/04/2003 منشور في الجريدة الرسمية عدد بتاريخ 12/04/2003(.

وعلى نفس المنوال سار المجلس الدستوري المغربي بمفهوم المخالفة من خلال القرار عدد 250/98 بتاريخ 24/10/1998، وفي في قرار 37/94 بتاريخ 16 غشت 1994 المعروف بقرار صحون التقاط البث التلفازي2، وفي القرار عدد 25/2025.  

بدوره اعتبر القضاء الدستوري المصري أن الأوضاع الشكلية للنصوص القانونية تعد جزءا من مقوماتها وشرطا لازما لاكتمال بنيانها، وأن القضاء الدستوري يتحرى في المطاعن الشكلية قبل أن يتقصى العيوب الجوهرية في الطعن المعروض عليه3 .

4- جدير بالتنويه إلى سبق صدور تقرير لمجلس المنافسة في سنة 2013، منطلقا من القيــــــــــــود الكمية (مرادفة لخرق مبدأ المساواة، لكونها حاجبة للحق للبعض ومانحة للبعض الآخر دون أساس موضوعي أو معقول للمفاضلة، مع الخروج عن مبدأ التنافس الحر) في قانون مهنة المحاماة، ليصف هذا القانون في حينه بأنه متزمت، ولا يحترم قواعد المنافسة، التي تشكل جوهر النظام الليبرالي المغربي دستوريا واقتصاديا.

5- وبمناسبة عرض المشروع على البرلمان دون مراجعة مجلس المنافسة، وضع هذا الأخير يده تلقائيا على القانون، وقبل إحالة لاحقة أيضا من نقابة منتمية إلى قطاع العدل، وأصدر ٍرأيا متسقا مع موقفه السابق، بتنافي قانون مهنة المحاماة مع قواعد المنافسة في شروط الولوج إلى المهنة، ولم يلتفت القائمون على التشريع إلى مضامين رأي المجلس الصادر قبل القراءة الأخيرة للقانون أمام مجلس النواب.

6- ولم يكن الخرق المثار في هذا الباب مجرد شكلية زائدة، بل يرادف عمليا تفويتا مقصودا لفرصة الاستنارة والاستبصار والاستبانة بموقف لازم لحوكمة التشريع، وهو ما أدى إلى الوقوع في نقيصة خرق مبادئ المساواة، وتكافؤ الفرص والتنافس الحر على نحو ما سياتي تفصيله أدناه.

2-1 عيب عدم الاختصاص السلبي وعدم الاختصاص السلبي المركب وتخلف ركن التجريد في سن المادتين 12 و13 من القانون:

7- يفترض في المشرعين تمثيليهم للأمة في سن التشريعات وتعديلها ونسخها وفق المستفاد بمنتهى وضوح وقطعية دلالة الفصل 2 ومطلع الفصلين 6 و60 من الدستور، وهو ما يستتبعه حياد البرلمان إزاء المصالح الخاصة واهتدائه بسمو المصلحة العامة في تطوير المهنة لفائدة مرتفقيها من المواطنات والمواطنات، والنأي بالنفس عن التشريع على المقاس دون انحراف سواء كانت بمحاباة مصلحة خاصة أو نيلا من مصلحة خاصة مشروعة، باعتبار أن المشرع ملزم بضابط التجريد المتلازم مع مبدأ الأمن القانوني ورديفيه مبدئي التوقع من المشرع والثقة المشروعة المستفادة من الفصل 6 من الدستور وفق منحى اجتهاد المحكمة الدستورية في قرارها رقم 25/2025 السابق الذكر.

مقال قد يهمك :   جان سمتس و كارولاين كالوم : الإصلاحات المٌدخلة على نظرية الالتزام في القانون المدني الفرنسي

8- واللافت خروج المشرع في القانون الحالي على سمو قاعدة التجريد في الوجهين التاليين:

وجه أول: مفاده إقصاء الكفاءات المتخصصة في التشريع والمنازعات في الإدارات العمومية التي أكد مجلس المنافسة أن لها اختصاص متقاطع مع مهنة القضاء والدفاع.

وجه ثان: مؤداه تمكين كتاب الضباط من رافد إدارات الدولة (قطاع العدل) من حق الولوج بعد إحالة نقابتهم مشروع القانون على مجلس المنافسة.

9- وإذا كان المشرع قد أحسن صنعا بتمكين هذه الفئة من حق الولوج لقيام الموجب، فإن المسلك التشريعي معيب في شقين أساسيين:

  • الوقوع في التمييز السلبي بكامل الأوصاف بكشف حق هذه الفئة وتقريره وحرمان باقي المتخصصين في التشريع والمنازعات من ذات الحق من الإدارات العمومية؛ وحجبه عنهم؛
  • أن الفئة المميز ضدها هي الأولى بالاستفادة باعتماد القياس من باب أولى، مقارنة مع كتاب الضبط؛ خصوصا المستشارين القانونيين في الأمانة العامة للحكومة ومهنيي الدفاع في الإدارات العمومية، الذين دافعوا و يدافعون في ساحات المحاكم موضوعا ونقضا عن مصالح الدولة برهانات مبدئية ومالية بالغة الأهمية بما لا يقارن، ويتمتعون بحق التمثيل والترافع أمام محاكم الموضوع والنقض كتابة وشفاهة كما تؤكده النصوص العامة ) قانون مهنة المحاماة وقانون المسطرة المدنية(  والقوانين الخاصة) الفصل 250 من مدونة الجمارك، القانون المنظم للوكالة القضائية….)

10-وغني عن البيان عدم اشتراط المشرع في الإطار المكلف بالترافع عن الدولة أمام قضاء النقض توفره على أقدمية معينة في مهنة الدفاع العمومي، خلافا لما هو مقرر لدى المحامين من اشتراط أقدمية 12 والخضوع لتكوين خاص، بل يمكن لممثل الإدارة العمومية منذ السنة الأولى من توظيفه الترافع عن مصالحها أمام قضاء محكمة النقض. 

11- ومن ناحية ثانية إذا كان القضاء الدستوري يراقب عدم الاختصاص الإيجابي في العمل التشريعي كتطاول القانون على المجال التنظيمي، فإن يبسط رقابته ايضا بالركون إلى عيب عدم الاختصاص السلبي عند اغفال المشرع تعميم حق على أشخاص يتواجدون في وضعيات متماثلة أو متطابقة أوفي حالة استنكاف المشرع عن التقنين الكافي كما ذهبت إليه المحكمة الدستورية بشأن بتها في المادة 90 من قانون المسطرة المدنية في قرارها 25/2025.

12- وقد بلغ الخرق حدا من الغلو ليس فقط نتيجة المفاضلة الذاتية وغير المعقولة؛ بل بالإتيان بما يمكن تسميته بعلة عدم الاختصاص السلبي المركب بعدم الالتفات إلى موقف مجلس المنافسة الداعي إلى احترام قواعد التنافس الحر المرادف للمساواة وتكافؤ الفرص من جهة أولى وعند عدم قبول مقترحا برلمانيا بالاستدراك عبر تعميم حق الاستفادة، والتمادي في ترك مقتضى واجب تعميم الحق من جهة ثانية، وهو ما يجعل مذهب التشريع ليس نتاج مجرد سهو أو اغفال، بل هو تجاهل واهمال عن بينة واختيار، دون مراعاة الحيف والاجحاف اللاحق بمراكز قانونية ذات مصلحة مشروعة.

ثانيا: عيوب المشروعية الدستورية الداخلية:

2 – 1 مخالفة ركني السبب والمحل لقيام عناصر الارتباط

13- حصرت المادتان 12 و13 من القانون رقم 66.23، مسالك الولوج البينمهنية الوطنية والأجنبية، والتي تعفي من الحصول على شهادة الكفاءة المهنية، في المسالك التالية:

  1. مسلك قدماء القضاة؛
  2. مسلك قدماء المحامين الذين سبق تسجيلهم مدة خمس (5) سنوات على الأقل دون انقطاع؛
  3. مسلك المحامين الأجانب؛
  4. مسلك أساتذة التعليم العالي؛
  5. مسلك موظفي كتابة الضبط.

وقد اعتمد المشرع في ذلك على معيار الاشتراك في الاختصاصات أو النشاطات المتقاطعة لمنح الحق في الاعفاء المذكور للفئات الأربع، كونها تشتغل في مجال ذي صلة بممارسة مهنة المحاماة.

14- وكان المستجد النوعي في القانون الحالي هو شمول الحق، لأول مرة لفئة من ذوي الاختصاص المتقاطع من رافد إدارات الدولة، لكن بقصور واضح، مفاده حصر الاستفادة في كتاب الضبط في قطاع العدل، وهو ما يرادف منظورا إليه من زاوية أخرى موضوعية تخلي التشريع الحالي عن المقتضيات الدستورية الموجبة للتعميم على الأوضاع المتماثلة أو المتطابقة من باب أولى.

15- أن مهنة الدفاع تتقاسمها أطر الإدارات العمومية مع المحامين في ساحات القضاء، ويرافق كاتب الضبط الفاعلين الثلاثة في المهنة الاحترافية لتقرير الحق واقتضائه والانتصاف للعدالة، وفي ذلك يمارس كاتب الضبط مهنة الإسناد والدعم فحسبun métier de support ou un métier d’appui، وبالتالي يحق له الولوج إلى المهنة في المقام الثاني مقارنة مع المدافع عن مصالح ورهانات الدولة أمام القضاء.

16- ويتحصل مما سبق، قيام خطأ مرتكب عن بينة واختيار (المستمدين من افتراض العلم اليقيني بالحالة، والأهم من عدم قبول تعديل تشريعي بتصويب التصور) في تصور الأوضاع المعنية بالحق تصورا موضوعيا وسليما)القاعدة الفقهية قائلة بأن الحكم على الشيء فرع من تصوره) المفضي آليا إلى الخطأ في التكييف وانتهاء بالخطأ المرادف للقصور في تشريع حق “الاعفاء من الكفاءة المهنية لفائدة من يجب”  في إطار اتساق النتائج الخاطئة بالمقدمات الخاطئة)  ركن السبب (، وهو ما أفضى إلى الخروج عن صواب تقرير “وحدة القاعدة القانونية إزاء الأوضاع والمراكز والمتماثلة والمتطابقة” نتيجة غياب عنصر التجريد وعدم الاستنارة والاستبصار برأي مجلس المنافسة، وعدم مراعاة أن القواعد المختلفة لا تكون  إلا للأوضاع المختلفة، بمفهوم المخالفة لمبدأ وحدة القاعدة القانونية.

مقال قد يهمك :   جامعة محمد الأول بوجدة تستضيف وزير المالية الأسبق فتح الله أولعلو

17- إذا كانت هناك فئات ذات مصلحة خاصة غير مشروعة سعت سعيا إلى انغلاق مهنة المحاماة والتضييق على مبدأ التنافس الحر في شروط الولوج ضدا على مبادئ الاستحقاق والمساواة وتكافؤ الفرص، فإن القصور المثار أعلاه كان مجاراة من مشرع المادتين 12 و13 لهذه المصلحة الخاصة غير المشروعة بالقفز على تصور الأوضاع وتكييفها في إطارها الدستوري المناسب، وكانت النتيجة منح حق الولوج لفئة من المستحقين وحجبه عن فئات مستحقة باعتماد قاعدة القياس من باب أولى.

18-وترتب على انتهاك ركن السبب بمنح الحق وحجبه ما يلي:

  • التجاوز في استعمال السلطة من خلال قصور التشريع في تنظيم حالات الاستحقاق وقصره على حالات موجبة، وحالة اقل استحقاقا من المراكز التي طالها الاقصاء وإهمال مصالح مشروعة، تحظى بالحماية القصوى في النظام الليبرالي، وترافق ذلك مع انتهاك الفصول: 6، 19، 31 و35 من الدستور؛
  • الانحراف في استعمال السلطة بمنح حق الولوج إلى فئة منتسبة إلى وزارة العدل وحرمان أطر باقي الإدارات العمومية المستهدفة بتشريع ابتغى المسايرة الهادفة إلى اغلاق المهنة حماية لمصالح خاصة غير مشروعة عبر المساس بالمصالح المشروعة لمن يجب.

2-2  في عيب الانحراف في استعمال السلطة  المترافق مع إهمال مبدأي المساواة وتكافؤ الفرص:

19- يتصل الانحراف في استعمال السلطة بمخالفة ركن الغاية في التشريع، ويملي هذا الركن لزوم إعلاء المصلحة العامة والتعامل مع المصالح الخاصة بضابطي المعقولية والموضوعية.

20- أن افتقار التشريع إلى مقوم الوقوف على مسافة واحدة إزاء مختلف المصالح الخاصة المشروعة على نحو ما بين أعلاه، يعتبر مظهرا بارزا للانحراف في استعمال السلطة بابتعاد التشريع عن الحياد والموضوعية كعنصرين أساسيين ضامنين لتحقيق المصلحة العامة في ترقية المهنة وكفالة حق الولوج إليها لكل من يستحق دون امتياز أو تمييز.

21- ولا يحتاج الانحراف الحاصل في التمييز السلبي إلى دليل اثبات في ظل ازدواجية معايير تعاطي المشرع في منح الحق لفائدة فئة وسلبه لفئات أكثر استحقاقا، وتجاهل موقف مجلس المنافسة استطلاعا لرأيه وتجاهلا لموقفه المبني على حيثيات مركزة من الوجهتين الموضوعية والقانونية، وهي حيثيات قرعت سمع المشرع بوجاهة رفع القيود الكمية غير المعقولة وغير الموضوعية واحقاق الحقوق لذويها.

22- ويرادف غياب الموضوعية والمعقولية في التشريع وقوعه في درك الانحراف في استعمال سلطة التشريع وانتهاك الفصول 2، 6 و60 من الدستور ذات الدلالة القطعية في افصاح التشريع عن إرادة الأمة وليس عن إرادة غيرها، وما يقتضيه ذلك من احترام خاصية التجريد المنصوص عليها في المادة 6 من الدستور، وهي خاصية تنكفل بها الموضوعية وينبذ بها نقيضها لفائدة كل من يجب.

23- وإذا كان الانحراف في استعمال السلطة عيبا احتياطيا يلجأ إليه كملاذ أخير، فإن العيب في نازلة الحال كاشف لتفرده من حيث أن الانحراف عن ابتغاء المصلحة العامة الوازنة وصون المصالح الخاصة المشروعة في اتصالها بغياب التجريد هو منبع العلل التي شابت القانون، وجعلت العيوب الشكلية والجوهرية تحف القانون من كل جانب، جاعلة منه حالة مدرسية cas d’école في دراسة المطاعن الشكلية والجوهرية على حد سواء.

3-2  عدم الاعتداد بدلالة كتلة الحقوق المسنونة في الدستور وخرق قاعدة لزوم تعميم الطابع الفعلي للمساواة:

24- تقدمت الاشارة في مقالة سابقة إلى افراد المشرع حيزا للمبادئ العامة، ذات الصلة الوطيدة بالحقوق والحريات في 62 فصلا مقابل 18 فصلا في دستور سنة 1996، بما يعكس توجها واعيا وواضحا لبناء دستور صك الحقوق بامتياز، مع ترقية مكانة القضاء الدستوري وتيسير سبل الولوج إليه حماية للأمن القانوني.

25- وإذا كان على التشريع أن يتصرف على هدي الإشارة الدستورية القوية في ضمان الحقوق، في صدارتها حق المساواة ونبذ التمييز بين المواطنين، فإن المبادرة التشريعية لم تقم وزنا لمبادئ المساواة وتكافؤ الفرص والتنافس الحر وسيادة مبدأ الاستحقاق. وبلغ خرق القانون منتهاه ليس في عدم تعميم الطــــــــــابع الفعــــــــــلي لحرية المواطنين والمساواة بينهم، بل أيضا بسعي القانون تماما لنقيض تعميم الطابع الفعلي للمساواة، وعندما اختزلت الفئات ذات الحق، ومارست والانتقاء والتجزيء، فمنحته لمن هو أقل استحقاقا وحجبته عن الأكثر استحقاقا، مع الإصرار على عدم قبول تعديل بتصويب العوار الدستوري.

26- هذا، مع أنه يفترض الاعتداد باستقرار القضاء الدستوري على قاعدة ذهبية غاية في الوجاهة مفادها” وحدة القاعدة القانونية إزاء الأوضاع المتماثلة، ومن باب أولى إزاء الأوضاع المتطابقة” ( قرار المجلس الدستوري الفرنس ي عدد107/79 بتاريخ 12/07/1979، مع حظر التمييز بينها إلا على عناصر معقولة وموضوعية le caractère objectif et raisonnable. (قرار المجلس الدستوري الفرنسي عدد369/95 بتاريخ 28/ 12/1995 ).

27- ومن مفارقات القانون، محل النقاش، أنه في الوقت الذي تنكر فيه للكفاءات القانونية والمنازعاتية بإدارات الدولة بشأن الولوج إلى مهنة المحاماة، نصت المادة 7 منه على قضاء المحامي المتمرن لتمرين، مدته أربعة أشهر بإحدى الإدارات العمومية في مجال له صلة بمهنة المحاماة، في إقرار واضح بواقع الاختصاص المتقاطع بين المهنة والإدارات العمومية.

مقال قد يهمك :   تعديلات مرتقبة للقانون رقم 28.07 المتعلق بالسلامة الصحية للمنتجات الغذائية

4-2 في بيان علة الخطأ الواضح في التقدير المقترن بالانحراف في استعمال السلطة

28-إذا كان المشرع يملك سلطة تقديرية في سن التشريعات، فإنه علاوة على الزامية احترام صك الحقوق المسنونة بالدستور على نحو ما فصل أعلاه، فإن التقدير مقيد بشرط عدم ارتكاب الخطأ الواضح أو الغلو في التقدير.

29- والثابت في نازلة الحال قيام خطأ واضح في التقدير بالوقوع في التمييز السلبي انطلاقا من العناصر التالية:

  • تجاهل الاستبصار والاستنارة بموقف مجلس المنافسة الصادر منه سنة 2013
  • رفض تعديل رام إلى سن حق فئات من رافد إدارات الدولة الحق في ولوج مهنة المحاماة بالإعفاء من شهادة الكفاءة والتمرين، مع قبول في الآن ذاته تعديلا بمنح الحق لكتاب الضبط رغم أن الفئات المقصية أكثر جدارة واستحقاقا؛

 وطبيعي أن الاستبعاد لا يحتمل التبرير لغياب عناصر الموضوعية والمعقولية في التمييز السلبي، المرادف بالتعريف للخطأ الواضح والبين في التقدير.

30- والبين أن إساءة التقدير والتعسف فيه، حول السلطة التقديرية إلى سلطة تمييزية ترجح الأقل الاستحقاق على الأكثر استحقاق، والغلو بعينه في التقدير أو الخطأ في أقصى درجاته.

31- ومن ناحية ثانية، اقترن الغلو بالخطأ البين في التقدير مع الانحراف في استعمال السلطة المستمد من محاباة فئة أو تعمد اقصاء فئات أخرى أكثر استحقاقا من الأولى دون أي مسوغ موضوعي أو معقول.

5-2 في تقصي افتقار التشريع للتجانس مع ذاته ومع المنظومة التشريعية وانتهاك الأمن القانوني.

32 – ورد في تشريعات وطنية متفرقة ما يلي:

  • حق الإطار القانون المنتدب عن الدولة في ولوج سلك القضاء بتوافر شرط أقدمية معينة؛
  • تقاضيه شفاهة أمام قضاء الموضوع وفق ما نصوص الشريعة العامة والخاصة؛
  • التقاضي الموظف العمومي المنتدب أمام محكمة النقض دون قيد أقدمية مقابل نفي الحق عن المحامي) الفقرة الأخيرة من المادة 376 من قانون المسطرة المدنية لسنة وقبله في النص المنسوخ) الذي لا يستوفي شرط أقدمية 12 سنة وشرط الخضوع لتكوين خاص ) المادة 39 من القانون مثار النقاش  (؛
  • تراجع المشرع في المادة 79 من قانون المسطرة المدنية لسنة 2026 عن الزامية الاستعانة بالمحامي بالنسبة للجماعات الترابية ومؤسساتها والمؤسسات في اعتراف بالكفاءات القانونية الموجودة داخل هذه الإدارات.
  • تنصيص المادة 7 من القانون ذاته على قضاء المحامي المتمرن تدريبا لمدة أربع أشهر في إحدى إدارات الدولة تحت إشراف طبعا كفاءات إدارية في المادة القانونية؛

33- وكلها نصوص تعترف- إلى جانب المادة 89 من الدستور- بالكفاءة والملكة القانونيتين لمصالح الدولة، ممثلة في أطرها المتوفرة على المؤهلات العلمية، والتي تم صقلها بالمران والتدريب في إدارة وتدبير ملفات وازنة برهانات قانونية ومبدئية بما لا يقبل القياس، وجاءت المادة 7 من القانون لتتوج الاعتراف بخبرة ودراية الإطار القانوني في الإدارة كواقع قائم لا يرتفع.

34- بيد أن القانون مثار النقاش تنكر للناتج القانوني من الكفاءة المعترف بها، وهو ناتج الاستحقاق في الولوج إلى مهنة متقاطعة قياسا بحالات متطابقة وقياسا بحالة أدنى منه في الاستحقاق. كما ناقض القانون أهدافه المعلنة في مذكرة تقديمه وغاياته المفترضة في تأهيل المهنة وتحسين شروط الولوج إليها.

35- ومن ناحية ثانية إذا كان الأمن القانوني قائم على دعامة وضوح الرؤية ودعامة القدرة على التوقع المشروع وفق مذهب المحكمة الدستورية في قرار حديث لها تحت عدد 25/2025، عند ربطها الأمن القانوني و”التوقع من المشرع” والثقة المشروعة كمتلازمات، مع استنباطه مبدأ الأمن القانوني من الفصل 6 من الدستور.

36- وإذا كانت مكانة الإطار القانوني في إدارة الدولة وفق تنصيصات التشريعات المختلفة، تجعله يدرك على عناصر الاستحقاق في مركزه القانوني إزاء المراكز والمتماثلة والمتطابقة، فإنه من منطلق الوضوح المذكور والثقة المشروعة في سلطات التشريع  يحق على وجه الاطلاق أن يتوقع، بعد دستور 2011 على وجه الخصوص، صون أمنه القانوني المنكفل بمرجعية الدستور والاستحقاق ومبادئ المساواة، وعلى أساس مرجعية الفصل 6 من الدستور، الذي يعرف القانون على أنه أسمى تعبير عن إرادة الأمة، وهي إرادة متجردة تحمي كل مصلحة ذات وجاهة ومشروعية، مع التسامي على  المصالح الخاصة الضيقة، لاسيما عند تكون معبرة عن إرادة جامحة في اغلاق مهنة الدفاع، وجعل مصالح أصحاب رسالة الدفاع تسمو على المصلحة العامة الوازنة المتمثلة في رسالة الدفاع نفسها.

37- وحسب المشروعية الدستورية والفئات المنتهك أمنها القانوني بخرق قواعد المساواة وتكافؤ الفرص والتنافس الحر، أن ملاذها الأخير هو القاضي الدستوري ضامن الحقوق والحريات، الذي لا يتوانى عن ترتيب الأثر القانوني عندما يتعلق الأمر بخرق للأمن القانوني في مستوى أدنى للقاعدة القانونية كما في شائبة مقرؤية التشريع في عقدة الإحالة من نص إلى آخر(القرار عدد 25/2025 بشأن المادة 288 من قانون المسطرة المدنية)، فبالأحرى عند تعاظم الخروقات وبلوغها مبلغها وفق المثار قبله.


الاحـــــالات:  

1-M. George Vedel : Excès de pouvoir administratif et excès de pouvoir de pouvoir législatif, les cahiers du conseil constitutionnel n 1, p 57.

2- القرار موضوع تعليق لــــ ذ . محمد أمين بنعبد الله:

 Contribution à la doctrine du droit constitutionnel marocain, REMALD, n 60, p 15 et suivant.

3- يراجع ذ. حنفي علي جبالي: الدعوى الدستورية، المخالفة الشكلية للدستور، مجلة المحكمة الدستورية عدد 4، أكتوبر 2003، ص6.

error: عذرا, لا يمكن حاليا نسخ او طباعة محتوى الموقع للمزيد من المعلومات المرجوا التواصل مع فريق الموقع عبر البريد الالكتروني : [email protected]