سعيد اولعربي: قانون مهنة المحاماة -في ميزان العقلنة البرلمانية ودستور صك الحقوق-

أستاذ زائر بكلية الحقوق السويسي بالرباط
” إذا كان القرن التاسع عشر هو قرن البرلمانات بامتياز، فإن القرن العشرين هو قرن القضاء الدستوري بامتياز”. حلل وناقش.
يتذكر كاتب هذه السطور السؤال عند طرحه سنة 99 من القرن الماضي على طلبة كلية الحقوق من طرف أستاذ مرموق مشهود له بالدراية العميقة بالنظام الدستوري المغربي1، الذي تشكل خاصية العقلنة البرلمانية أهم السمات المهيكلة له، وهي خاصية أتى بها دستور الجمهورية الخامسة في فرنسا بخلفية استحضار عيوب إطلاقية سلطات البرلمان في التجربة الدستورية للجمهورية الثالثة في مجالي التشريع والرقابة.
ومن وحي هذه التجربة تبنت الدساتير المغربية المتعاقبة العقلنة البرلمانية، وعمقها دستور سنة 2011، لاسيما بترقية المجلس الدستوري إلى مستوى محكمة دستورية وتعزيز آليات مراقبة اتساق وتطابق القوانين الأدنى مع الوثيقة الدستورية بسن الرقابة اللاحقة وتيسير سبل الولوج إليها تعزيزا للرقابة القبلية، بصورة متناغمة مع توطيد دعائم “دستور صك الحقوق”2 وتكريس وترسيخ مبدأ سمو الدستور.
1- مناسبة استحضار هذه الحيثيات هي ما حفلت به الساحة الوطنية من نقاشات بشأن القانون رقم 23. 66 المتعلق بمهنة المحاماة وعلى وجه الخصوص المادتين 12 و13 منه، حيث المبادرة التشريعية من الأساس لم تراع سمو ورفعة مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص والتنافس الحر بإهمال “حق الولوج لمهنة المحاماة بالإعفاء من شهادة الكفاءة ومن التمرين” لذوي الاستحقاق من ” رافد إدارات الدولة” على غرار حالات مماثلة أو متطابقة3. وثمة رأي انبرى للدفاع عن هذا الحق بمسوغات دستورية وبالركون إلى المعايير المتعارف عليها كونيا، وبمرجعية تقرير مجلس المنافسة إلى جانب حيثيات موضوعية من واقع المهنة ومقتضيات تأهيلها لفائدة المصلحة العامة قبل أي مصلحة أخرى، مقابل رأي ثان يتنكر للحق جملة وتفصيلا، مع استكثار تشريع حق الولوج بالإعفاء من شهادة الكفاءة ممنوح لكتاب الضبط ضمن رافد الإدارات العمومية على زهدة تشريع الحق وتسييجه بشروط إضافية، مترافقة مع السقوط في نقيصة التمييز بين كافة ذوي الاستحقاق ضمن دائرة الإدارات العمومية.
وذهب رأي ثالث إلى حد المطالبة بالتراجع عن حق مكتسب بحجب الحق عن قدماء القضاة وقدماء أساتذة كليات الحقوق بالمطلق، وأحيانا بقناع تحديد سن اقصى لولوج الفئتين بحثا عن اقصاء بحكم الواقع.
2- والثابت بمرجعية الفصل 89 من الدستور نظريا وعمليا أن الإدارة “الموضوعة رهن إشارة الحكومة” تنفذ القوانين كما القضاء يطبقها، وتتقاضى بهذه القوانين وتقاضى بها ) كما يصنع المحامي) أمام قضاء الموضوع ومحكمة النقض بتوظيف القواعد الجوهرية وبنهج مسالك واجتياز منعرجات القواعد المسطرية، وتدل المؤشرات الإحصائية في كسبها للدعاوى القضائية، طالبة أو مطلوبة 4، على تميزها في تولي مهنة الدفاع عن مصالحها أمام القضاء، دون إغفال أن ملفاتها تكون برهانات مالية ومبدئية بما لا يقاس.
3- وحري ذكره أن المبادرة التشريعية في جـــــل حالتها تصنع في إدارات الدولة، وتصنع فيها سائر التشريعات الفرعية من مراسيم تطبيقية ومراسيم مستقلة ومراسيم الفصلين 70 و81 من الدستور وباقي التشريع الفرعي الأخرى على مختلف أصنافها وتشعباتها وأعمال الفقه الاداري، ووراء كل ذلك مستوى عال من الإلمام والخبرة الشاملين في دراسة الحاجة إلى التشريع، وتشخيصها وإبداع الحلول واستهام التوجهات الفضلى والرائدة من التجارب المقارنة تشريعا وانفاذا وسعيا إلى التطبيق في ساحات القضاء.
4- وإذا كان تميز الإدارات العمومية في حرفة القانون في مختلف مناحيها من تشريع ومنازعات وغيرهما واستغراق كل ذلك لمختلف المجالات، فإن هذا التميز تصنعه الأطر القانونية التي تقتسم ما سماه مجلس المنافسة “الاختصاصات المتقاطعة” 5 مع القضاء والدفاع في مهنة المحاماة، علاوة على توافر المؤهلات العلمية والأكاديمية المعادلة، مقترنة بقدرات تدبيرية مصقولة بالتجربة والمثاقفة داخل مرافق الدولة وأجهزتها.
5- وإذا كان القضاء الدستوري مستقرا على “وحدة القاعدة القانونية إزاء الأوضاع المتماثلة والمتطابقة، ومن باب أولى، تجاه الأوضاع المتطابقة عملا بمبدأ المساواة”، فإن المبادرة التشريعية في إطار مسطرة سن القانون محل النقاش، تنكرت لحق الأطر المتخصصة في التشريع والمنازعات في إدارات الدولة في لوج مهنة المحاماة دون لزوم الحصول على شهادة ا الكفاءة والتمرين.
6- واثناء المناقشة في البرلمان، لمشروع القانون تقدمت فرق من المعارضة بمقترحين بالتعديل في سياق المادتين 12 و13 من القانون الحالي، يرميان في مجملهما إلى تمكين الأطر والكفاءات القانونية من إدارات الدولة من ولوج مهنة المحاماة مع الإعفاء من شهادة الكفاءة، حيث اتجه الأول إلى منح الحق لكتاب الضبط في قطاع العدل، بينما انصرف الثاني إلى منح ذات الحق لباقي أطر إدارات الدولة المتخصصين في المنازعات والتشريع.
7- هذا، في الوقت الذي وضع فيه مجلس المنافسة يده تلقائيا على مشروع القانون للبت فيه بعد معاينة عدم امتثال الحكومة لاقتضاء المادة 7 من القانون رقم 13.20 المتعلق بمجلس المنافسة)، عيب الشكل والمسطرة في القانون( التي نصت بصيغة الوجوب وبدلالة قاطعة على لزوم استطلاع رأي المجلس المذكور مقدما في مثل هكذا قانون متصل بفرض قيود كمية في ممارسة مهنة أو الدخول إلى السوق، كما أحالت نقابة قطاع العدل مشروع القانون على مجلس المنافسة.
8- وإذا كان الاقتراحين بالتعديل المذكورين فرصة حقيقة سانحة لتصويب عوار المبدرة التشريعية، فإن الحكومة، ممثلة في وزارة العدل، تمادت في الحياد عن فكرة القانون وعقلانيته بالتعامل بمنطق سياسي مستمد من تحكمها في المسطرة التشريعية وكونها مسنودة بأغلبية عددية، وكانت النتيجة مفارقة وغير مستساغة قانونا وسياسيا ومنطقا بقبول التعديل الذي يخص كتاب الضبط وعدم قبول التعديل الذي يتوخى الانتصاف لأطر التشريع والمنازعات في إدارات الدولة في تنكر واضح للمؤهلات وشروط قيام الاستحقاق وزيادة المنوه إليه قبله، وفي ذلك انتهاك واضح للمبادئ الدستورية الناظمة.
9- وحسب القانون أنه أنصف فئة من رافد إدارات الدولة بمنح حق الولوج إلى مهنة المحاماة لكتاب الضباط في قطاع العدل بعد أن كان المنسوخ من هذا القانون واقفا على طرفي نقيض مع التشريعات المقارنة والمعايير الدولية المتعارف عليها، وذلك بحجب الحق عن كل الأطر القانونية من رافد إدارات الدولة، واستمر الناسخ في إقصاء جــــــــــل أطر رافد الإدارات العمومية.
10-بيد أن القانون سقط في عوار دستوري في أوجه متعددة بنهج الانتقائية ( تحويل السلطة التقديرية إلى سلطة تمييزية سلبا) المفضية إلى هضم حقوق فئات أخرى من رافد إدارات الدولة ذات الاستحقاق من باب أولى قياسا بكتاب الضبط، خاصة عندما يتعلق الأمر بمهنيي التشريع والدفاع من الفئة التي طالها الإقصاء، ونالها إهمال الحكومة في السعي إلى تعميم الطابع الفعلي للمساواة، في انتهاك واضح لجملة من الحقوق المكفولة دستوريا.
11 – ومن المفارقات أن الحكومة والبرلمان المطوقين بأمانة “تعميم الطابع الفعلي للمساواة بين الموطنين” والدفاع عن الحقوق الدستورية لفائدة من يجب؛ لم يعرضا فقط على التخلي عن واجب السعي إلى تعميم الطابع الفعلي للمساواة( عيب عدم الاختصاص السلبي بالامتناع عن القيام بمقتضى واجب التشريع الضامن سيادة المساواة وتكافؤ الفرص والتنافس الحر والمانع للنقيض(؛ بل وقفا حائلا دون سعي بعض البرلمانيين إلى تعميم الطابع الفعلي للمساواة والانتصاف لرافد إدارات الدولة بعدم قبول الحكومة تعديلا في الموضوع (عيب الاختصاص السلبي المركب بمنع التصويب بناء على طلب والإصرار على عدم القيام بمقتضى الواجب تلقائيا ).
وقد تم ذلك بمنآي عن فكرة القانون كثابت راسخ مقابل الانتصار لمتغيرات السياسية والحزبية والخضوع لإملاءات جماعات الضغط، وهي ما لا يقبل قانونا سوى توصيف الانحراف والتجاوز في ممارسة السلطة بمناقضة غايات القانون والحياد عن المعقولية وفي الموضوعية في التعامل مع الأوضاع المتساوية.
12– وهو ما يستدعي التوقف عنده لبيان أن الدستور يتضمن عنصرين أساسيين لمكافحة التجاوز والانحراف المذكورين، وهما:
- آليات دستورية للفرملة من مرجعية الدستور الصلب وتراتبية القواعد وخضوع الأدنى للقاعدة الأسمى وفق صريح الفقرة الأخيرة من الفصل 6 من الدستور، ونهوض المحكمة الدستورية بوظيفية الكابح للانحراف والإعادة إلى جادة الصواب لفرض عقلانية فكرة القانون بمنأى عن هواجس ومتغيرات السياسية والحزبية والمصالح الفئوية، في إطار معادلة إعلاء المصلحة العامة، وصون المصالح الخاصة المشروعة في نظام ليبرالي تحظى فيه هذه الأخيرة بكل حماية؛
- آلية مركزية الفرد وحقوقه داخل منظومة دستور العقد الاجتماعي المرادف لديمقراطية المحكومين في دستور 2011، وهو دستور أسس لمفهوم متطور للمواطنة، تفصح عنه كثافة الحقوق والحريات في الوثيقة الدستورية، حيث أنها أفردت حيزا للمبادئ العامة، ذات الصلة الوطيدة بالحقوق والحريات في 62 فصلا من الديباجة إلى الفصل 40، ومن 107 إلى 128 من الدستور، مقابل 18 فصلا فقط في دستور سنة 1996، وهو ما يعكس توجها واضحا من المشرع الدستوري لبناء دستور صك الحقوق بامتياز. وليس صدفة ترافق ذلك مع تعزيز القضاء الدستوري بترقية المجلس الدستوري إلى محكمة دستورية، وتبني آلية رقابة الدفع بعدم الدستورية، ووضعها في متناول كل مواطن تجاوزا لعائق غربلة الاحالة المميزة للرقابة القبلية، وذلك للدفاع عن ثابت الحقوق والحريات في مواجهة حالات الانحراف والتجاوز في ممارسة سطلة التشريع.
وجدير ذكره أن منحى التشريع لم يقف عند حد مخالفة فكرة القانون ورأي مجلس المنافسة كمؤسسة دستورية وسلطة إدارية مستقلة، بل خالف ما يلي:
- التوجيهات الملكية الداعية إلى انفتاح القطاعات ونبذ الانغلاق وتوسيع التنافسية بتأكيده في خطاب العرش لسنة 2019 على ما يلي: “فالانفتاح هو المحفز لجلب الاستثمار ونقل المعرفة والخبرة الأجنبية، وهو الدافع لتحسين جودة ومردودية الخدمات والمرافق والرفع من مستوى التكوين وتوفير مزيد من فرص الشغل…فالذين يرفضون انفتاح بعض القطاعات، التي لا أريد تسميتها هنا، بدعوى أن ذلك يتسبب في فقدان مناصب الشغل، فإنهم لا يفكرون في المغاربة، وإنما يخافون على مصالحهم الشخصية.…”
- مناقضة القانون لنفسهوأهدافه المعلنة وللغايات الموضوعية الواجبة الاتباع، بسيره في منحى حجب الحقوق، ومنع الكفاءات الغنية والمتنوعة من إدارات الدولة من الولوج إلى المهنة، في الوقت الذي سطرت فيه المذكرة التقديمية أهداف متمثلة في ضمان انفتاح المهنة وتطوير شروط الولوج إليها، خدمة للعدالة الناجعة والفعالة من مدخل تحديثها وتأهيلها وتطويرها، وتوفير تكوين جيد وضمان التأهيل المهني المتخصص6، وبالتالي لم تقف مثلبة القانون عند التمييز السلبي غير المبرر، بلغت مبلغها بتناقض مع غايات القانون المعلنة والمفترضة على حد سواء. وفي سياق غياب الانسجام في للقانون، فغني عن البيان أنه مرة أخرى ناقض نفسه بالاعتراف بالخبرات القانونية والتنازعية للإدارات العمومية عبر المادة 7 منه بسن قاعدة تمرين المحامين لديها للاستفادة من خبراتها وخبرات أطرها القانونية، في وقت تنكر فيه القانون لهذه الكفاءة على مستوى الحق الناتج. وهو ما سماه أحد الباحثين الاعتراف بالكفاءة المهنية والقانونية للإدارة العمومية المحتضنة للمحامين المتمرنين والتغافل عن الأثر القانوني للخبرة المهنية المكتسبة داخل المرافق العمومية7.
تلكم باقتضاب جملة حيثيات حاولت وضع تشريع المادتين 12 و13 من القانون في ميزان العقلنة البرلمانية للتذكير بأن الأنظمة الدستورية انتقلت من مرحلة برلمانات، تشرع بصلاحيات دون قيود إلى مرحلة العقلنة، حيث التشريع المنضبط لسمو الدستور و رفعة الحقوق والحريات، وتعمقت العقلنة بتوسيع نطاق تسييج التشريع بضمانات الحقوق والحريات، وتعيين حارس أمين عليها متمثل في القضاء الدستوري، مع أهمية استحضار علاقة التلازم وجود وعدما بين الحقوق والدستور كما نصت عليه منذ سنة 1789 المادة 16 من اعلان حقوق الانسان والمواطن الفرنسي8.
ويفترض توخي الفاعلين في مادة التشريع التقييد الذاتي بالقواعد الدستورية الحاكمة بوازع أخلاقي ينأى بالنفس تلقائيا عن عيوب مخالفة الدستور وانتهاك الحقوق الدستورية الأساسية، وباستحضار وجود قضاء دستوري سيقف بمرصاد جزاء الإلغاء لكل انحرف أو تجاوز، وهو قضاء يضع يده على حالات القانون العادي بموجب رقابة قبلية تتم بشروط محددة أو بمقتضى رقابة لاحقة.
وفي حالتنا حاد التشريع موضوع النقاش عن فضيلة التقييد الذاتي، وربما لم يأبه بالجزاء المعرض له بناء على عيوب، ستعرض لها مقالة لاحقة بدراسة قانونية تقنية لاستكمال عنصر الجواب على الموضوع المطروح أعلاه، بناء على دراسة مخبرية بعينها، وهو موضوع يحتفظ براهنيته نظرا لاستعصاء فهمه واستيعابه على الأقل في ممارسة الفاعل السياسي الذي ولا شك أن لانتدابه الانتخابي أو السياسي بوجه عام أفق زمني محود، مقابل الأفق اللامتناهي للحقوق فوق الدستورية والحقوق الدستورية في أبعادها الزمانية والمكانية.
الاحــــــــــــــالات:
1- يتعلق الأمر بالأستاذ محمد معتصم، الذي كان رئيس الآلية السياسية للتبع والتشاور حول مراجعة الدستور في سنة 2011، ومن ثمرة عمل الآلية وضع مشروع دستور 2011 الذي لم تترسخ وتعمق فيه العقلنة البرلمانية فحسب، بل أيضا جاء زاخرا بالحقوق، وتوطد فيه صرح القضاء الدستوري.
2- يراجع مؤلف ذ محمد أتركين: “الدستور والدستورانية: من دساتير فصل السلط إلى دساتير صك الحقوق”، طبعة سنة 2007.
3- حالتا قدماء القضاة وأساتذة كليات الحقوق.
4- وتفيد هذه المؤشرات تميزه إدارات الدولة في التقاضي مقارنة مع الجماعات الترابية والمؤسسات العمومية.
5- تقرير المجلس المنافسة لسنة 2013 ورأيه الصادر بتاريخ 20/06/2026.
6- تضمن تقرير لجنة العدل والتشريع وحقوق الانسان والحريات نفس الأهداف التي ناقضها القانون، ص 4 وما بعدها.
7- ذ محمد بوحميدي: تأملات في عدم دستورية منع الخبرة الإدارية من الولوج إلى مهنة المحاماة: قراءة في ضوء المادتين 7 و13 من قانون تنظيم مهنة المحاماة.
8- نص الإعلان على التالي: ” كل مجتمع لا يضمن هذه الحقوق أو لا يوجد فيه فصل للسلط فهو مجتمع لا دستوري”.
