مجلة مغرب القانونالقانون الخاصعبد الرزاق كمال: الـــتحكيـم ومـــسؤوليـة المحكـــم

عبد الرزاق كمال: الـــتحكيـم ومـــسؤوليـة المحكـــم

من إعـداد: عبـد الرزاق كمـال محـام بهيئـة المحاميـن بالجديـدة

   مقـدمـة

    يعـد موضـوع التحكيـم من المواضيـع القانونيـة التـي تناولهـا العديد من رجـال القانون وأصدر القضـاء بشأنها مجموعـة من الأحكـام علمـا أن التحكيـم يعتبر قضاء من نوع خـاص وهو من أقـدم الوسائل التي عرفتهـا البشرية لفض المنازعـات ولعـل ما يعزز ذلـك قولـه تعالى في محكمـه العزيـز من سورة النساء ” فلا وربـك لا يؤمنـون حتى يحكمـوك فيما شجر بينهـم “.

   ويعتبـر التحكيـم في الوقـت الحـاضر الأسلوب الأمثـل للفصل في المنـازعـات التي تنشأ بين الأشخـاص، سواء كانوا أشخـاص ذاتييـن أو اعتبارييـن، أشخـاص القانون الخـاص أو العـام، إذ يقصـد بالتحكيم حسب مدلول المـادة الأولى من القانون رقـم 95.17 المتعلق بالتحكيـم والوساطة الاتفاقيـة بأنه ” عرض نزاع على هيئـة تحكيميـة تتلقى من الأطراف مهمـة الفصـل في النزاع بنـاء على اتفاق التحكيـم” وذلك في مجموعـة من المجالات أبرزهـا التجاريـة، الرياضيـة، الاجتماعية (نزاعات الشغل)، نظرا لمـا يوفره من مزايا متعـددة أهمهـا السرعـة، المرونـة، الاختياريـة، توفير الوقت والجهـد وحفظ الأسرار المرتبطة بالنزاعات المعروضة على الهيئـة التحكيميـة.

  ويمثـل المُحكـم حجـر الزاويـة ومركـز الثقـل في الخصومـة التحكيميـة، والمُحكـم لـه مركـز قانونـي خـاص، وبمجـرد قبولـه المهمـة التحكيميـة تنشأ روابط قانونيـة مختلفة بينه وبين الأطراف. وبالرجـوع إلى معظم قوانين التحكيم الوطنيـة لا يوجـد أي نص  يتعلق بمسؤوليـة المحكم أو يقوم على حمايتـه من المسؤوليـة المدنيـة أثناء تأديتـه لمهمتـه، والمُحكم يقوم بمهمة قضائيـة خاصة يتـم اختياره من قبـل أطراف النزاع للفصـل في الخصومـة التي تنشأ بينهم، وقد يتـم قبوله للمهمـة بموجـب عقـد وشروط معينـة، وهذا مـا يجعـل مسؤوليتـه مختلفـة عن مسؤوليـة القاضـي المعين من قبـل الدولـة لسببيـن؛ الأول أن الاتفـاق بينـه وبيـن الخصوم قـد يرتـب مسؤوليـة عقـديـة من قبل الأطراف إذا مـا نكـل عن أداء المهمـة التـي قَبلهـا أو تأخـر في أدائهـا عن الوقـت المحـدد تأخـر ترتـب عليـه أضرار لأحـد الأطراف، والثانـي هو أن المحكـم لا يتمتـع بالضمـانـات  المقررة للقـاضـي، لذلك  فمسـاءلـة المحكـم عن الأخطـاء التي قد يرتكبهـا في أدائـه لمهمتـه خـارج التزامـاته المنصوص عليهـا في الاتفـاق  بينـه وبين أطراف العمليـة التحكيميـة تخضع للقواعـد العـامـة في المسؤوليـة التقصيريـة.  

  ولمعـالجـة هذا الموضوع ارتأينـا طرح الإشكالية التاليـة؟

 إلـى أي مدى يمكـن تحقيـق التوازن بين استقلاليـة المحكـم ومسؤوليتـه القانونيـة؟

 وتتفـرع عن هذه الإشكـاليـة مجموعـة من الأسئلـة:

  – مـا هـي الأسس القانونيـة للتحكيــــم؟

  – ما هي الإجراءات القانونيـة المتبعة؟

  – ما هي الحالات التي تجعل المحكم تحت المساءلـة؟

  – ما هو نطــاق مسؤوليــة المحكــــم؟

 ولمعالجـة الإشكـاليـة المطروحـة والإجابـة على الأسئلـة الفرعيـة سوف نعتمـد التقسيـم التـالي:

  • المطلـب الأول: الإطـار القـانونـي للتـحكيــم
  • المطلـب الثانـي: مســؤولــيــــة المحكـــــــم
  • المطلـب الأول: الإطـار القـانونـي للتـحكيـم

    إن التحكيـم تم اعتمـاده كقضـاء من نوع خـاص وذلك بطبيعـة الحـال وفقـا لقوانيـن وطنيـة ودوليـة، ولذلك ارتأينـا تقسيـم هذا المطلـب إلـى فقرتين اثنتـين نخص (الفقرة الأولـى) للتحكيـم علـى المستوى الوطنـي والدولـي، تـاركيـن (الفقرة الثانيـة) الإجراءات القـانونيـة المتبعـة في التحكيـم.

   الفقـرة الأولـى: التحكيـم علـى المستوى الوطنـي والدولــــــي

   أولا: التحكيـم الوطني بمقتضى القانــون رقـم 95.17

     قـد عرف المغـرب خلال سنـة 2022 طفـرة نوعيـة في مجـال التحكيـم بعدما استجاب المشرع المغربـي لتطلعـات المغـرب سواء التجاريـة أو الاقتصاديـة في مجـال الاستثمـار ليصدر القانـون رقـم 95.17[1] المتعلق بالتحكيـم والوسـاطـة الاتفاقيـة المعدل والمتمـم للقانون رقـم 05.08 والذي يُعرّف التحكيـم في المـادة الأولـى بأنـه يراد بـه “عرض نزاع علـى هيئـة تحكيميـة تتلقـى من الأطراف مهمـة الفصـل في النزاع بنـاء علـى اتفـاق التحكيـم”.

    وينظـم القانون المذكـور علاقـة أطراف العمليـة التحكيميـة سواء من خلال شرط التحكيـم المنصوص عليـه في المـادة 2 وهو ” التزام الأطراف باللجوء إلـى التحكيـم قصـد حـل نزاع نشـأ او قـد ينشأ عن علاقـة قانونيـة، تعاقديـة أو غيـر تعاقديـة.

 يكتسـي اتفاق التحكيـم شكـل عقـد تحكيم أو شرط تحكيم”.

    وأيضـا هنـاك عقـد التحكيـم والذي يعـد حسـب مدلول المادة 4 من نفس القانون بأنـه ” هو الاتفـاق الذي يلتزم فيـه أطراف نزاع نشـأ بينهم بعرض هذا النزاع علـى الهيئـة التحكيميـة”.

   ومن محاسـن المستجدات التـي جاء بهـا القانون المذكور حسمـه للجهـة المختصة للبـت في طلبات تذييل الحكم التحكيمي بالصيغـة التنفيذيـة وذلـك بجعله وفقا لمقتضيـات المادة 67 يعود إلى رئيـس المحكمـة المختصـة الصادر الحكم التحكيمي في دائرتهـا بعد استدعاء الأطراف. كمـا أضافـت المادة 68 بأن الاختصـاص يكون راجع إلـى رئيس المحكمـة الابتدائيـة الإداريـة التي سينفذ الحكم التحكيمي في دائرتها حينمـا يتعلق الأمر بنزاع يكون أحـد أشخاص القانون العام طرفا فيـه، أو إلى رئيس المحكمـة الابتدائيـة الإداريـة بالرباط عندمـا يكون تنفيذ الحكم التحكيمـي يشمل مجمـوع التراب الوطنـي.

   وبنـاء عليـه يتبين بأن المشرع المغربي حاول من خلال المستجدات التي جاء بهـا القانون المذكور أعـلاه أن يستدرك النواقص التـي شابت القانون رقم 08.05 والانفتاح علـى رؤيـة جديـدة وفق منظـور جديـد.

    ثـانيا: القوانيـن المنظمـة للتحكيـم الدولــي

   إن المنازعـات في التجارة الدولية لا تحـل دائمـا عن طريـق المحكمـة، فغالبـا ما تتفـق الأطراف المتعاقدة علـى أن النزاعـات المحتملـة التـي تتعلـق بالعقـد يتـم تسويتهـا عن طريق التحكيـم[2] ، فهذا الأخيـر تطور في محيـط المجتمـع الدولـي كمـا أنه في العقـد الأخيـر من القرن العشريـن عرف الكثيـر من التطورات ولعـل أبرزهـا بالنسبـة لإنجلترا، صدور قانـون التحكيـم الإنجليزي في 17 يوليـو 1996 ، كمـا أن أبرزهـا علـى الصعيد الدولي هو توقيع اتفاقية إنشاء منظمـة التجارة الدوليـة في مراكش في 15 أبريـل 1994 واعتماده التحكيـم وسيلـة  أساسيـة لحـل ما تثيره من منازعـات في مختلـف المسائـل التـي تنظمهـا وبصفـة خاصـة في تجارة الخدمات وحماية حقوق الملكية الفكرية والعلاقـات التجارية وبراءات الاختراع وحقـوق المؤلـف[3].

  وقد اختلفـت الآراء بشأن تحديـد معيـار محدد لضبط دوليـة التحكيـم حيث اتجـه البعض إلى أن فكرة الدولية في تقديرهم فكرة جغرافيـة أكثـر منهـا قانونيـة، إذ يكفـي لتوافرهـا أن يتضمن النزاع عنصـر يخرجه من النظام الوطني كجنسيـة الأطراف، أو المحكم، أو اختلاف مراكـز عمـل الخصـوم أو أجنبيـة القانون الواجـب التطبيـق. غيـر أنـه على سبيـل المثال فالمشرع المغربـي رفع اللبس حول هذه النقطـة حيث نص في المادة 72 من القانون رقم 95.17 بأنـه “يعتبـر دوليـا، حسب مدلول هذا الباب، التحكيم الذي يتعلق بمصالـح التجـارة الدوليـة، والذي يكون لأحـد أطرافـه علـى الأقـل موطن أو مقـر بالخارج”.

 وبناء عليـه سوف نذكـر بعض الاتفاقيات الدوليـة التي تنظـم التحكيـم الدولي أبرزهـا:

  أ) اتفاقية واشنطن لتسوية النزاعات المتعلقة بالاستثمار لسنة 1965.

  أعدت اتفاقية واشنطن لتسوية المنازعات المتعلقة بالاستثمار بين الدول ورعايا الدول الأخرى، من قبل البنك الدولي للإنشاء والتعمير، وكان الهدف منها تشجيع الاستثمارات في الدول النامية من جهة، وتوفير الأمان إلى أصحاب رؤوس الأموال في الدول المتقدمة من جهة ثانية. فأصحاب رؤوس الأموال يحتاجون ضمانات لحماية استثماراتهم من الإجراءات التي تقوم بها الدول النامية في حالة نشوب نزاع بين الدول المضيفة للاستثمار والمستثمر الأجنبي[4]، حيث إن هذا الأخير وهو صاحب رأس المال، يخشى من عرض النزاع أمام المحاكم الوطنية للدولة المضيفة للاستثمار، وفي المقابل فإن الدولة المضيفة للاستثمار لا ترضى أن يعرض النزاع التي تكون طرفاً فيه أمام محاكم دولة أخرى تعتبر بالنسبة لها أجنبية، لذلك كان الحل باللجوء إلى التحكيم لحل هذه النزاعات[5]. وجاءت اتفاقية واشنطن لتنظم عملية التحكيم في النزاعات الناشئة في هذا الجانب، ولتحقيق نوع من كسب الثقة في مجال التجارة الدولية في بلدان العالم الثالث من خلال علاقاتها الخاصة مع البلدان المتقدمة صناعيا[6]، بحيث تحقق نوعا من التوازن بين مصالح الدولة والمستثمر الأجنبي، وتقدم الضمانات الكافية للمستثمر الأجنبي التي يرغب بها وتجعل كلا الطرفين في منزلة واحدة.

  وقد لقيت هذه الاتفاقية صدى واسعا لدى إبرامها من قبل دول العالم المختلفة، فانضمت إليها الكثير من دول العالم، حيث صادقت عليها حوالي تسعين دولة، ومن بينها عدد من الدول العربية كالمغرب والأردن، ومصر، وسوريا، وموريتانيا، والصومال، والسودان، وتونس، والسعودية والإمارات العربية المتحدة[7].

  ونصت اتفاقية واشنطن على إنشاء مركز للتحكيم مقره في واشنطن، ويطلق عليه المركز الدولي لحسم النزاعات المتعلقة بالاستثمار وهو ما يعرف بنظام (ICSID) ، ويتولى هذا المركز الفصل في المنازعات وفقاً لاتفاقية واشنطن، وتقتصر العضوية فيه على الدول المصادقة على اتفاقية واشنطن، والانضمام لاتفاقية واشنطن وللمركز الذي تم إنشاؤه بموجبها ومفتوح لجميع الدول الأعضاء في البنك الدولي، أما الدول غير الأعضاء في البنك الدولي فليس لها الحق في الانضمام إلا في حالة استثنائية، وهي أن تكون الدولة طرفاً في النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، بالإضافة لموافقة المجلس الإداري للمركز على الانضمام بأغلبية ثلثي أعضائه.

  ب) القانون النموذجي للتحكيم التجاري الدولي (الأونسيترال) لسنة 1985.

  يهدف هذا القـانون النموذجـي إلى مسـاعدة الدول علـى إصلاح وتحديث قوانينهـا المتعلقـة بإجراءات التحكيـم لمراعـاة السمـات والاحتياجـات الخـاصـة للتحكيـم التجاري الدولي، ويتناول القانون جميـع مراحـل عمليـة التحكيـم ابتداء من اتفاق التحكيـم، وتكوين هيئة التحكيم واختصاصاتها، ونطاق تدخـل المحكمـة من خلال الاعتـراف بقرار التحكيـم وتنفيـذ.

مقال قد يهمك :   معلومات مهمة حول حق المتهم في حضور المحامي إلى جانبه أثناء استجوابه من طرف الشرطة

   ويجسـد القانون توافقـا عالميا في الآراء بشـأن الجوانب الرئيسيـة لممارسات التحكيم الدولي، بعد أن قبلـت به دول من جميع المناطق ومن مختلـف النظم القانونيـة أو الاقتصادية في العالم.

  كمـا تم إضفـاء تعديلات علـى هذا القـانون سنـة 2006 على مجموعـة من المواد لتصبح الصيغـة الجديدة للقانون النموذجـي.

  ج) اتفاقية نيويورك الخاصة بالاعتراف وتنفيذ قرارات التحكيم الأجنبية لسنة 1958.

  اعترافـا بازديـاد أهميـة التحكيـم الدولـي كوسيلة لتسويـة المنازعات التجاريـة الدوليـة، تسعـى اتفاقيـة الاعتراف بقرارات التحكيـم الأجنبيـة وإنفاذهـا (الاتفاقيـة) إلـى توفيـر معاييـر تشريعيـة مشتركة بشأن الاعتراف باتفاقـات التحكيـم وكذلـك اعتراف المحاكـم بقرارات التحكيـم الأجنبيـة وغيـر المحليـة وإنفاذهـا.

   والهدف الرئيسـي الذي ترمـي إليـه الاتفاقيـة هو السعـي إلى عدم التمييـز تجـاه قرارات التحكيـم الأجنبيـة وغيـر المحليـة، ومن ثم فإن الاتفاقيـة تلزم الدول الأطراف بضمـان الاعتراف بتلك القرارات واعتبارهـا عمومـا قابلـة للإنفـاذ في ولاياتهـا القضائيـة على غرار قرارات التحكيـم المحليـة. كمـا أن الأهداف التبعيـة التي ترمي إليهـا الاتفاقية أنهـا تقتضي من محاكـم الدول الأطراف أن تجعـل اتفاقات التحكيـم ذات مفعول تام، وذلك باقتضائها من المحاكم حرمـان الطرفين من سبـل اللجوء إلى المحكمة إخـلالا باتفاقهما على إحالة مسألة خلاف على هيئـة التحكيـم.

 الفقـرة الثانيـة: الإجراءات القـانونيـة المتبعـة في التحكيـم

 أولا: خصوصيـة المكان والزمـن ولغـة التحكيـم

 أ) مقـر التحكيـم

   يحدد مقر التحكيم من طرف الأطراف اما صراحـة وإما ضمنا كحضورهم مثلا الجلسات من غير إبداء أي احتجـاج[8].

 وقد يتفق الأطراف على أن يكون مكان التحكيـم داخل المغرب أو خارجـه وإلا عينت هيئـة التحكيـم مكانا ملائما للتحكيم، وليس هناك ما يمنع أن تجتمـع الهيئـة في أي مكـان تراه مناسبا للقيام بإجراءات التحكيـم وفقا لمقتضيـات المادة 33 من القانون رقـم 95.17. وبحسـب الفصـل 16 من نظام الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي فالأطراف هم الذين يعينون مقر التحكيم وإذا اختلف هؤلاء عن ذلك تعينـه هيئـة التحكيـم.

 ب) أجـل التحكيـم

 لقـد ترك المشرع المغربـي الحريـة إلـى أطراف العقـد تحديـد أجـل التحكيـم وحدده في 6 أشهـر في حالة عـدم التنصيص علـى ذلك، ويسري هذا الأجـل بعد مضي هذه المدة على اليوم الذي قبـل فيـه آخـر محكـم لمهمتـه وفقا لمقتضيـات المادة 48 من القانون رقم 95.17.

 ج) لغــة التحكيــم

   مبدئيـا يجري التحكيـم باللغـة العربيـة، مـا لم يتفـق الأطراف علـى غيـر ذلك وفقا لمقتضيـات المادة 34، وبالتالي نجد بأن المشرع أعطـى لأطراف التحكيـم حرية اختيار اللغـة التي يريدونهـا مالم يختاروا اللغة العربية كلغة للتحكيم، كمـا أن لغـة التحكيم المختارة تسري على لغـة أو لغات البيانـات والمراسلات والمذكرات المكتوبـة والوثائق والمستندات والحجج والمرافعـات الشفهية والجلسـات والاجتماعات، وعلى كل حكم أو قرار أو أمر تصدره الهيئـة التحكيميـة، ما لم ينص اتفاق الأطراف أو قرار هذه الأخيرة علـى خلاف ذلك.

ثـانيـا: العناصـر التي تشملهـا جلسات التحكيـم

بالإضافة طبعا للعناصر التي ذكرناها سالفـا نجد بأن جلسـات التحكيم تتوافر فيهـا عنـاصـر أخرى تسري بمجرد إحالة موضـوع التحكيم على هيئة التحكيـم ويتم إخطار الطرف الذي لم يبادر إلى ذلك اما بحسب القواعد المتفق عليها بين الأطراف وإلا بحسب قواعد قانون المسطرة المدنيـة.

ويتعين على هيئة التحكيم تحرير محضـر يشمل النزاع المعروض عليهـا وقبولها البث فيه كما أنه يحمـل توقيع المحكمين ويحدد بدقـة حدود تدخلهم، ويمسك الحكام محضرا يتعلق بتسيير الجلسـات واستدعـاء الشهود بما في ذلك الإجراءات الأخرى المعتمدة لديهـم.

كمـا أنه يحق لكل طرف الاطلاع على الوثائق والمستندات التي أدلى بها الطرف الآخـر في إطار حقوق الدفاع. إضافة الى أنه يتعين على هيئة التحكيم إخطار الأطراف بمواعيد الجلسات التي تقرر عقدها قبل التاريخ المحدد لها على الأقل بخمسة أيام وفقا لمقتضيات المادة 39 من القانون رقم 95.17.

وبناء عليه سنحاول التطرق لبعض العناصر التي لا تقل أهميـة عن السابقـة:

أ) أطراف التحكيـم

يشمـل التحكيـم سواء نتج عن شرط التحكيـم أم عن عقـد التحكيـم الأطراف الذين اختاروه كطريق قضائي استثنائي ومن تم فحكم التحكيـم لا ينصرف آثاره إلا اتجاه هؤلاء دون الغيـر وإلا سيكتسـي في حـالة صدوره طابعا تعسفيـا[9].

ولقد نصت على ذلك صراحة المادة 60 من القانون المذكور أعلاه بأنـه ” لا يواجه الأغيار بالأحكام التحكيمية ولو كانت مذيلة بالصيغة التنفيذيـة، ويمكنهم أن يتعرضوا عليها تعرض الغير الخارج عن الخصومة، طبقا للشروط المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية، أمام المحكمـة المختصة كما لو لم يكن هناك اتفاق تحكيم”.

ب) تمثيـل الأطراف

تنص المـادة 30 من القانون رقـم 28.08[10] المنظم لمهنة المحاماة على أنه ” يمارس المحامي مهامه بمجموع تراب المملكة، مع مراعاة الاستثناء المنصوص عليه في المادة الثالثة والعشرين أعلاه من غير الإدلاء بوكالة:

1- الترافع نيابة عن الأطراف ومؤازرتهم والدفاع عنهم وتمثيلهـم امام محاكم المملكـة، والمؤسسات القضائيـة، والتأديبية لإدارات الدولة والجماعات والمؤسسات العمومية، والهيئات المهنيـة …”.

وبالتالي يستفاد من مدلول المادة المذكورة بأنـه من أولى الأشخاص الذين يحق لهم تمثيل الأطراف أمام الهيئـات التحكيميـة هو الحـامي وذلك راجع لما راكمه من تجارب أمام الهيئات القضائيـة وغيرهـا…

ج) إجراءات التحقيـق

لقد أعطى المشرع المغربي سلطات واسعـة لهيئة التحكيـم تتمثل في قيامها بجميع إجراءات التحقيق والاستماع للشهود إلى تعيين الخبير، ناهيك عن القيام بأي إجراء قبل البث في جوهر النزاع.

وهو ما نصت عليـه المادة 41 من القانون المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية بأنه ” تقوم الهيئة التحكيـمية بجميع إجراءات التحقيق، بما في ذلك الاستماع الى الشهود أو تعيين أحد خبراء أو أي إجراء آخـر.

يجوز للهيئة كذلك الاستماع إلى كل شخص متى رأت فائدة في ذلك.

يكون الاستماع أمام الهيئة التحكيمية وفق المسطر الواجبة التطبيق”.

ج) دور هيئة التحكيم بمصالحـة الأطراف

يتضح من خلال اطلاعنـا علـى الفصل 375 من القانون اللبناني الذي يهم التحكيـم بأن مهمة الصلح التي تقوم بها هيئة التحكيم تدخـل ضمن اختصاصاتهـا، حيث يتعين عليهـا ان تباشر مسطرة الصلح أمام الأطراف وفي حالـة تعذرهـا واستمرار النزاع تشرع آنذاك في مهامها للفصل في النزاع.

وإذا كان هذا الوضع في التشريع اللبناني، فالأمر يختلف تماما بالنسبـة للمشرع المغربي حيث نجد في المادة 46 من القانون رقم 95.17 على انه “إذا اتفق الأطراف صراحة على تفويض الهيئة التحكيمية صفة وسيط بالتراضي، تفصل في هذه الحالـة في موضوع النزاع بناء على قواعد العدالة والانصاف”.

وتضيف المادة 47 المواليـة أنه ” إذا اتفق الأطراف خلال مسطرة التحكيم حل النزاع وديا، تنهي الهيئة التحكيمية هذه المسطرة بالإشهاد على ذلك بعد إثبات شروط التسوية بحكم تحكيمي.

يكون لهذا الحكم نفس الأثـر المترتب على أي حكم تحكيمي آخـر صادر في جوهر النزاع”.

  • المطلـب الثانـي: مســؤولــيــة المحكـــــم

     إن استقلاليـة المحكـم في العمليـة التحكيميـة المسنـدة إليـه تجعلـه ملزمـا ببعض الشروط والتـي قـد يترتـب عليهـا في بعض الأحيـان مجموعـة من الآثـار أبرزهـا المسؤوليـة، لذلك سنحاول من خلال هذا المطلـب أن نعالج في (فقرتـه الأولـى) حـالات المسؤوليـة المحتملـة، لنخصـص (الفقرة الثانيـة) لنطاق المسؤوليـة.

   الفقـرة الأولـى: حـالات المسؤوليـة المحتملـة للمحكــم

   هناك مجموعـة من الالتزامـات التي تقـع علـى عاتق المحكـم استنادا إلى العقـد المبرم بينـه وبين أطراف التحكيـم والتي تترتـب على مخالفتهـا المسؤوليـة، وأبرز هذه الحـالات عدم الالتزام بالاستقلال والحيـاد، خرق مبدأ السريـة، خرق مبدأ العدل والإنصـاف، وهي التي سنتطرق إليها بعده.

  أولا: عدم الالتزام بالاستقـلال والحيـاد

  يجـب علـى المحكـم أن يكون محـايدا، وأن يقوم بالمهمـة التحكيميـة بكل تجـرد ونزاهـة فلا يميـل أو يتحيـز، أو يتعاطف مع أي طرف من أطراف النزاع أو ضده، ويبدأ بالعمل على هذا الأساس من تاريـخ تعيينـه كمحكـم إلـى غايـة انتهاء مهمتـه التحكيميـة، وبالتالي فلا يتطلب منه البقاء بهذا الالتزام بعـد الفصل في خصومـة التحكيـم[11].

  وأما الاستقلال فيقصـد به عدم وجـود صلـة أو مصلحـة بموضوع النزاع، أو ارتبـاط بأحـد الأطراف أو ممثليهـم، فلا يجوز أن يكون المحكـم طرفا في النزاع، أو لـه صلـة فيــه على أي وجـه، ويجـب أن يستمـر استقلالـه حتـى صدور الحكـم باعتباره أساس لحصانـة وعدالة حكمـه. وهو الأمر الذي نصت عليـه مقتضيات المادة 24 من القانون 95.17 باعتبار قـد أنه يكون سببا من أسباب التجريح إذا ما تبين أن هناك علاقة قرابة أو مصاهرة أو عداوة ما بين المحكم وأحد أطراف التحكيـم.

  وعليه لا يجوز للمحكـم أن يكون ممثلا لأحد الأطراف، أو يتلقـى التعليمات منـه، أو لـه مصلحـة مباشرة أو غيـر مباشرة في النزاع، كأن يكـون خصما، أو كفيـلا، أو دائنـا، أو ضامنـا لأحد الأطراف، فلا يجوز أن يكون خصمـا وحكمـا في الآن نفسـه، لذلك فإذا تبين أن المحكم لم يصـرح عن ظروف تمس حياده واستقلاليتـه، فيمكن أن يتم تجريحـه وفقا للمادة السالفة الذكر، أو إبطال حكمـه.

مقال قد يهمك :   مستقبل زراعة الكيف وعلاقته بالتنمية المجالية

   ثـانيـا: خـرق مبـدأ السريـة

   تعتبـر السريـة من أهم الالتزامـات التي تقـع على عاتق المحكم، أو هيئـة التحكيم، بحيث يجب أن تكون في كـافـة مراحـل التحكيـم، فلا يجوز للغيـر حضور جلسـات التحكيم ما لم يأذن أطراف التحكيـم بذلك، كما يجب على المحكـم أو هيئـة التحكيـم، الحفاظ علـى المعلومـات التي تم الحصول عيهـا من قبل الأطراف، وعـدم نشـرهـا حيث لا يجوز نشر الحكم أيضا إلا بناء على إذن من أطراف العملية التحكيميـة، وذلك راجع لكون أن أساس اختيـار المحكميـن ينبنـي على عامل الثقـة، وهذا الالتزام يعتبر من الأعراف التجاريـة الواجب مراعاتهـا في التحكيـم التجـاري الدولـي والداخلـي، حتى لو سكتت عنهـا القواعـد القانونيـة النافذة ولم تنص عليهـا.

   وبنـاء عليـه فعدم التزام المحكميـن بالسريـة يوجـب المسؤولية وفقا لقواعـد المسؤولية العقديـة، بسبب الإخـلال بالعقد المبرم بين المحكميـن والأطراف، وخصوصـا في عقود التجـارة الدولية، ومنهـا عقود النقـل البحري، وتراخيص استغلال براءات الاختراع وما تتضمنـه من كشف لأسرار صناعيـة، وقد تكون ضمانـة السرية في التحكيم الإلكترونـي أصعـب منـه في التحكيـم العادي، لأن وسائل الاتصال الحديثـة قد تكون أكثـر عرضـة للسرقـة أو القرصنـة، مما قد يؤدي إلى عواقـب خطيرة على أطراف التحكيـم، لذلك لا بد على المؤسسات التحكيميـة بذل جهودا كبيرة في ضمان حماية سرية المعلومات التي بين أيديها.

   وبالرغـم من عدم وجـود نصوص قانونيـة في أغلب التشريعـات التحكيميـة خاصـة بالسريـة ومنها نصوص القانون المغربي والأردنـي والمصري، حيث أنهـا تركـت الخيار للاتفاق المبرم بين أطراف التحكيـم، فإما أن تكون الجلسات علنيـة أو سريـة. إلا أن المشرع المغربي نص في الفقرة الثانيـة من المادة 54 من القانون رقـم 95.17 على أنـه ” لا يجوز نشر الحكيـم التحكيمـي أو أجزاء منـه إلا بموافقـة أطراف التحكيـم”.

   ثالثـا: عـدم الالتـزام بالميعـاد المتفـق عليـه

   يجـب أن يلتزم المحكـم بالميعـاد المتفق عليـه، وإنجـاز العمليـة التحكيميـة حيث تعتبـر من أبرز المسائل الجوهريـة في العمليـة التحكيميـة، باعتباره القيـد الزمنـي لقيام المحكم بمهمتـه المنوطـة لـه، ذلك أن تحديد مدة معينـة لإصدار الحكـم التحكيمي يتوافق وأهم خصائص التحكيـم وهي السرعـة في البث في النزاع، وذلك راجع في غالبيـة الأحيان اختيار أطراف الخصومة لآلية التحكيم لفض النزاع القائم ما هو سوى هروبا من بطئ اجراءات ومساطر التقاضـي وتعقيداته.

   وقد وضعـت غالبية التشريعـات التحكيمية وبعض قواعـد مؤسسات التحكيـم[12]، هذا الالتزام في نصوصهـا ومنهـا القانون المغربي رقم 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية في المادة 48 منه التي نصـت على ما يلي ” إذا لم يحدد اتفاق التحكيم للهيئـة التحكيميـة أجـلا لإصدار الحكم التحكيمي، فإن مهمـة المحكميـن تنتهـي بمرور ستة 6 أشهـر على اليوم الذي قبل فيـه آخـر محكم مهمتـه.

يمكـن تمديـد الأجل الاتفاقي او القانونـي لنفس المدة باتفاق الأطراف. وفي حـالـة عدم الاتفاق، يمدد الأجل المذكـور لنفس المدة، حسب ظروف كل قضيـة، بأمـر معلل غير قابل للطعـن، يصدر عن رئيـس المحكمـة المختصـة، وذلك بعـد استدعاء الأطراف، وبناء على طلب أحدهم أو على طلب الهيئة التحكيميـة…”. وتقابلهـا المادة 45\1 من قانون التحكيـم المصري[13].

   هذا وتقـرر اغلب التشريعـات التحكيميـة قابليـة الميعاد للتمديـد بقرار من هيئة التحكيم كما هو مشار إليه في المادة 48 أعلاه، أو عن طريق المحكمة بناء على طلب الأطراف.

   وعليـه فإذا أخـل المحكـم بالتزامـه المتفق عليـه دون أي مبرر عملي او قانونـي للتأخيـر فإنه يكون مسؤولا ومطالبا بالتعويض عما قد يصيـب الأطراف من أضرار جـراء ذلك.

   الفقـرة الثانيـة: نطـاق المسـؤوليـــة

   إن الحديـث عن نطـاق المسؤوليـة التي قـد تقـع علـى عاتق المحكـم جراء قيـامـه بإحدى الاخلالات التي ذكرنـا منهـا بعض الأمثلـة السالفـة الذكـر، الأمـر الذي يجعلـه معرضا للمسائلـة والتي بطبيعـة الحـال تتنوع حسب درجـة الخطأ، حيث أن هذه المسؤولية قد تكون مدنيـة، أو مهنية، أو جنائيـة.

  أولا: المسؤوليـة المدنيـة

     أ): المسؤوليــــة العقديــــة

      يتعهـد المحكـم باعتباره متعاقدا ملتزمـا مقابل أجـر، بالقيام بالمهمـة المسنـدة إليـه بموجـب عقـد التحكيـم وبالتالي فإن العلاقـة بين المحكـم والأطراف تجد سندهـا ضمن مقتضيـات الفصل 230 من قانون الالتزامات والعقـود الذي ينص علـى أن ” الالتزامـات التعاقديـة المنشأة على وجـه صحيـح تقوم مقام القانون بالنسبـة إلى منشئيهـا، ولا يجوز إلغاؤهـا إلا برضاهمـا معا أو في الحالات المنصوص عليهـا في هذا القانون”، ومن ثمـة يصعـب القول بعدم ترتيب مسؤولية المحكـم عند الإخـلال بالالتزامـات الناتجـة عن هذا العقـد.

   وقـد سبق للقضـاء الفرنسي أن قرر الطبيعة العقديـة لمسؤولية المحكـم في عدة أحكـام بل وألزم المحكم برد مبلـغ الأتعاب التي تقاضاهـا إضافـة للتعويض عن الضرر الناتـج عن عدم تنفيـذ مقتضيـات عقـد التحكيم[14].

  غيـر أنـه لا يمكن إجبـار المحكم على تنفيـذ العقد بالنظر للطبيعـة الخاصـة لالتزامـه ولا يتصور في حالـة الإخلال إلا جبـر الضرر بواسطـة التعويض[15].

  وإلى جانب دعوى المسؤولية التي تقـام من قبل طرفي النزاع في مواجهـة المحكم يمكن أن تتـم مساءلتـه من لدن مركـز التحكيـم على أساس الإخـلال بعقـد التعاون التحكيمي الرابط بينهمـا.

  وفي حـالة تعـدد المحكميـن فإن التضامن بينهـم لا يفترض مبدئيـا ويتعيـن الرجوع عليهم بدعاوى شخصيـة منفصلـة على خلاف بعض الآراء التي تميـل إلى عدم قابليـة التزامهم للانقسـام.

  ويثـار السؤال حول ما إذا كـان من اللازم وجود الضرر لترتيب المسؤولية المدنيـة العقديـة إذ أن الاتجاهـات الحديثـة تميـل إلـى القول بالاكتفاء باحتمـال وجود ضرر خطيـر غير قابـل للإصلاح، ومثلـوا ذلك بتهديد البيئة أو الصحـة، غيـر أنه بالنسبـة لقيـام مسؤوليـة المحكـم لازال شرط الضرر يعتـد بـه مع ملاحظـة أنـه من النـادر أن ينتـج ضرر مبـاشـر عن خطـأ المحكـم كحـالـة الإهمـال الذي من المفروض أن ترتب تأخيـر في صدور الحكـم يلحـق ضررا بأحـد أطراف النزاع.

  ويمكن للمتنـازع صاحـب المصلحـة أن يسلـك دعوى إبطـال الحكـم علـى أساس خطأ المحكـم، وتتصـور دعاوى أخـرى ناتجـة عن خطـأ المحكـم كمـا هو الشأن بالنسبـة للحالـة التي يفشي فيهـا أسرارا تجاريـة لأحـد الأطراف بلغـت لعلمـه بمناسبـة الفصل في النزاع تؤدي إلى تعويض هذا الطرف لمنافسـة الغير.

  أو أن ينتـج عن تأخيره في عمليـة الفصـل في النزاع فتح مسطرة التسويـة القضائيـة تجـاه أحـد أطراف النزاع لعدم الوفـاء بدين تجـاه الطرف الآخـر.

  وبالرغـم من الأصـل التعاقدي لمسؤوليـة المحكـم فإن الطبيعـة القضائيـة لمهمتـه تحول دون الاقتصـار علـى النظر إلى مسؤوليتـه من زاويـة العقـد فقط، غيـر أن اعتبار هذه الطبيعـة لا يجب في نظرنـا أن يطغـى إلـى درجـة القول بمنحـه حصـانـة مطلقـة كمـا هو الشأن بالنسبـة للقانون الأمريكـي، ومن جهـة أخرى فإن مسؤوليـة المحكـم لا يمكن تقريرهـا بمقاربـة عقديـة صرفـة دون اعتبار الطبيعـة القضائيـة لمهمتـه، إلى درجـة تسويتهـا بمسؤوليـة الوكيـل، لأن من شأن هذا الطرح أن يعرقـل نظـام التحكيـم[16]، لأن اعتبار المحكـم متعاقدا عاديـا  لا يؤدي إلى اهمـال الخصوصيـة الشديـدة لمهمتـه القضائيـة ولكن أيضـا إلى منعـه من القيام بمهمتـه، هذه المهمـة التـي لابـد أن تحمـل سمـات شخصية القائم بهـا وتعتمـد في الكثـير من جوانبهـا على تقديراته الذاتيـة.

  وهذا مـا حـدا بالاجتهاد القضائـي الفرنسـي إلـى اشتراط قيـام هذه المسؤوليـة بوقوع إخلال جسيـم من لـدن المحكـم[17] يتمثـل على الخصوص في الغـش أو التدليـس أو إنكـار العدالـة، ولعل هذا مـا يؤدي إلـى كون المسؤوليـة العقديـة للمحكـم لا تقوم إلا بصفـة استثنائيـة.

   وفي إطـار تقرير المسؤوليـة العقديـة للحكـم يتم التمييـز بين الالتزامات ببدل عنايـة والالتزامـات بتحقيق غايـة، فبالنسبـة لهذا النوع الأخيـر من الالتزامات فإن تقرير المسؤولية يتم بسهولـة أكبـر فهي غالبـا مـا لا تستوجـب تدخل طرفـي النزاع، وبالتالـي يعزي الإخلال بهـا للمحكم، كالالتزامـات بالمشاركـة في جلسات التحكيـم وفي المداولات والالتزام بتوقيع الحكـم.

  وبالنسبـة للالتزامات ببدل عنـايـة فهي ذات طبيعـة مخففـة ولا تقوم إلا بثبوت الخطـأ الشخصي للمحكـم كالالتزام بتعليـل الحكـم أو الدراسة المعمقـة لملف النزاع ومراقبـة حسن سيـر الإجراءات كما يمكـن أن تقوم مسؤوليـة المحكم في حـالـة الخطأ في مضمون الحكم ولو لم يؤد ذلك إلـى إبطالـه كتحريف الوقائـع أو تناقض العلـل أو الخطأ في تطبيق القانون.

  ولعـل ترتيب التزامـات المحكم بهذه الكيفيـة من حيـث قابليتهـا لأن تكون أساسا للمسؤولية يوفر نوعـا من الحماية للمحكـم والفعالية لنظام التحكيم، كمـا أن تنظيـم مسؤوليـة المحكـم يظهـر على أن هذه الأخيـرة ليسـت افتراضية ولا مستبعـدة وبالتالـي من شأنـه أن يفضي مزيـدا من المصداقية على نظـام التحكيـم.

   ب): المسؤوليــــة التقصيريــــة

   يمكـن أن تثـار المسؤوليـة التقصيريـة للمحكـم من خـلال فرضيتيـن: الأولـى أن يكون مدعـي قيـام هذه المسؤولية غير مرتبـط بعقد التحكيـم، والثانيـة أن يرجـع خطـأ المحكـم إلى ما قيل إبرام عقـد التحكيـم.

   ففـي الحـالـة الأولـى يمكـن أن يلحق المحكـم (بمناسبـة مباشرتـه لمهامـه) ضررا بشخـص أجنبـي عن عقـد التحكيـم، ومثال ذلك أن يرجـع حكم علـى زميلـه نتيجـة خطأ جسيـم ترتبت عنـه مسؤوليـة التحكيـم فلحق الضـرر كافة أعضائهـا، كمـا قد تثـار المسؤولية التقصيريـة من لدن أحـد أطراف النزاع على أساس إخلال المحكـم ليـس بمقتضيات عقد التحكيـم ولكن ببنود العقـد الذي يربطـه بمركـز التحكيـم المنظـم للعمليـة، والفرضية الثالثـة أن يرجـع المركـز نفسـه علـى المحكم بدعوى المسؤولية من جراء هذا الإخـلال، غيـر أن الواقع العمـلـي أفرز أن هـذه الفرضيات قليلـة الوقوع.

مقال قد يهمك :   الغموض القانوني يجبر شركة "أوبر" على وضع حد لنشاطها في المغرب

   وقـد نتـج عن المسؤولية التقصيريـة عن إخـلال المحكم بالتزامـه في الفتـرة السابقـة لإبرام عقـد التحكيـم كإخفاء علاقتـه بأحـد أطراف النزاع وهو إخلال يشكـل خطأ في حـد ذاتـه تترتب عنـه المسؤوليـة، ويتمثـل بالنسبـة للقانون المغربي في إخفـاء أحد أسبـاب التجريح المنصوص عليهـا في المادة 24 من القانون رقم 95.17.

  وتدخـل في هذا الإطار قضيـة لوريـال (L’affaire L’Oréal) الشهيرة التي رتب فيهـا القضاء الفرنسي مسؤوليـة المحكـم التقصيريـة لإخفاء علاقتـه الماليـة بأحد أطراف النزاع التي كانت تعود لتاريـخ سابق لإبرام عقـد التحكيـم[18] وتم ذلك على أساس الفصل 1382 من القانون المدني. غيـر أن من الملاحـظ أنـه ليس من بين شروط قيام المسؤولية التقصيرية إبطـال المقرر التحكيمي إلا أن الفقـه انتقـد في هذه النـازلـة اقتصار القضاء على إلزام المحكم بإرجاع المبلغ الذي تقاضاه كأتعاب دون الحكـم عليه بأداء تعويض للطرف المتضرر.

  ثانيـا: المسؤوليـة الجنائيـة

  إن أغلـب الأنظمـة والتشريعـات تقرر بوضوح المسؤولية الجنائيـة للمحكـم في حـالـة ارتكـاب جرائـم بمناسبـة قيامـه بمهامـه كالرشـوة والنصـب، ونستحضـر كمثـال قضية « Bel-Tronics » الشهيـرة في فرنسـا التي أثبـتت التحقيقـات أن مركـز التحكيـم الذي نظمهـا لم يكـن لـه أي وجود قـانونـي وأن المحكـم لم يبـاشـر أي إجراءات واكتفـى بتزويـر المحـاضـر ليصدر مقررا ضـد شركـة كنديـة بأداء تعويضـات لفائدة شركـة فرنسيـة بتواطؤ مع مسيـر الشركـة المحكوم لفائدتهـا وقـد أديـن المحكـم من أجل النصـب والتزويـر وصـدر في حقـه حكـم بالحبس لمـدة ثلاث سنـوات وتعويض قدره 200.000 فرنـك فرنسي لفائـدة الشركـة الكنديـة  المتضررة[19].

  وقد نص نظـام البنك الدولـي لتسويـة منازعـات الاستثمـار علـى إلغـاء الحكـم إذا ثبت الرشـوة علـى أحـد المحكميـن، أما المادة 34/3 من الاتفاقيـة العربيـة للتحكيـم فقـد نصـت من جهتـهـا علـى إبطـال الحكـم إذا وقـع تأثيـر غيـر مشروع على المحكميـن.

  وبالنسبـة للقانون المغربـي فإن مقتضيـات الفصول 248 إلـى 256 من القانون الجنـائـي تكون قابلـة للتطبيق لإقرار المسؤوليـة الجنائيـة للمحكـم، حيث نص الفصـل 248 من القانون المذكـور ما يلـي:

” يعـد مرتكبـا لجريمـة الرشوة ويعاقـب بالحبس من سنتيـن إلـى خمس سنوات وغرامـة من مائتيـن وخمسين إلـى خمسـة آلاف درهـم من طـلـب أو قبـل عرضـا أو وعـدا أو تسلـم هبـة أو هديـة أو أيـة فائـدة أخرى من أجـل:

1) ………

2) إصدار قرار أو إبـداء رأي لمصلحـة شخـص أو ضـده، وذلك بصفـه حكمـا أو خبيـرا عينتـه السلطـة الإداريـة أو القضائيـة أو اختاره الأطراف”.

  وقـد تثـار المسؤوليـة الجنائية للمحكـم إذا قبـل الفصـل في نزاع بشـأن علاقـة غيـر مشروعـة وهو علـى علـم بذلك (كنـزاع حـول صفقـة مخدرات مثلا) إذ يمكـن أن يتـابـع علـى أساس المشاركـة في الجريمـة.

  ثـالثـا: المسؤوليـة التأديبيـة للمحكـم

  تصطـدم فكـرة إقرار المسؤوليـة التأديبيـة للمحكـم بكون مهـام التحكيـم لا تمـارس بالضرورة في إطـار هيئـة منظمـة لهـا سلطـة الرقابـة والتأديـب علـى أعضائهـا، وبالتـالـي كـان من اللزوم  أن يقوم الممـارسـون لمهام التحكيم بنوع من الإجراءات الاحترازيـة والرقابـة الذاتيـة، وفـي هذا الإطـار تقوم بعـض مراكـز التحكيـم بوضع لوائـح سوداء تضـم أسمـاء المحكميـن غيـر المرغـوب فيهـم لارتكابهـم أخطـاء جسيمـة وأفعال مشينـة، ليتـم استبعادهـم وتفادي تكليفهـم بمهـام التحكيـم، بمعنـى أن الأمـر يتعلـق بعقـاب عن طريـق سحـب الثقـة وإسقـاط المصداقيـة.

  وعلـى سبيـل المثـال ينص قانون المسطرة المدنيـة لمقاطعـة لازوريش بسويسرا فـي فصلــه 245 على إمكانيـة تغريم المحكـم من طرف المحكمـة العليا بناء علـى طلب من محكـم آخـر أو من طرف أحـد أطراف النزاع.

  كمـا ينـص القانون الاسبـانـي علـى إمكانيـة الحرمـان من مزاولـة مهام التحكيـم في حالـة إخلال المحكـم بالتزاماتـه[20].

  غيـر أن العقوبات التأديبيـة تجـد مجالهـا للتطبيـق علـى الخصوص في إطـار مراكـز التحكيـم المهنيـة التي تتخـذ شكـل هيئـات منظمـة وفي هذه الحـالـة تكتسـي العقوبـة التأديبيـة فعاليـة وقـوة. وتتمثـل العقوبـة في رد مبلغ الأتعـاب وأداء التعويض كمـا قـد تصـل إلـى الحرمـان من مزاولـة مهام التحكيـم أو بيـد أنـه لا يسوغ التوسع في إقـرار المسؤوليـة التأديبية للمحكم لما في ذلك من تأثـير على مزاولـة مهام التحكيـم، وهو ما دفع إلـى وضـع آليـات للحـد من نطاق مسؤولية المحكمـة.

  خــاتمــة

  نستنـج من خـلال مـا سبـق في سياق موضوعنـا المتعـلق بالتحكيـم ومسؤوليـة المحكـم علـى أن المشرع المغربـي أولى اهتمامـا كبيـرا لحل الخـلافـات عن طريـق الوسائـل البديلـة لحـل المنـازعات ولعـل أبرزهـا التحكيـم باعتباره وسيلـة حيويـة أصبح يعتمـد عليهـا أطراف النزاع في عالـم التجارة والاستثمـار لفض النزاعات الناشئـة أو التي قـد تنشأ بينهـم، ومن تـم ما كـان أمام المشرع سوى أن يسـاير العصـر والقوانيـن الدوليـة في هذا المجـال وأن يستدرك مـا فاتـه من نواقـص في باب التحكيـم والوساطـة الاتفاقيـة، الشيء الذي أبـرزه لنـا القانون رقـم 95.17 المعـدل والمكمـل للقانون رقـم 08.05.

 وإذا كـان استقلال المحكـم أو الهيئـة التحكيميـة أثناء قيـامـه بالمهمـة المنوطـة بـه من قبـل أطراف النزاع لفض الخـلاف القائم بينهـم، فإنـه من زاويـة أخرى قـد يجعـله أمـام المساءلـة والتي تختلـف بين مساءلـة مدنيـة، وجنائيـة، وتأديبيـة، وذلك في حـالـة الخطـأ العمدي أو الجسيـم نظـرا لما تمليـه ضرورة الحفـاظ علـى مختلـف الحقوق والحـرص علـى تخليـق مجـال التحكيـم. وعليـه فإننـا لا نرى مـانعـا من وضـع آليـات للتأميـن علـى مسؤوليـة المحكميـن بل وجعلـه إجباريـا عنـد الاقتضـاء حيث أن ذلك من شأنـه أن يوفـر ضمـانـة إضافيـة، ويزكي عنصـر الثقـة في نظام التحكيـم وفي نفسيـة أطراف التحكيـم، كمـا أنه قد يوفـر حمـايـة للمحكـم تخول لـه ممـارسـة مهـامـه الموكولـة إليـه وسط جـو يطبعـه الارتياح.


[1] ظهير شريف رقم 1.22.34 صادر في 23 شوال 1443 (24 ماي 2022) بتنفيذ القانون رقم 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية.

[2] معمرو بومكوسي: التحكيم التجاري الدولي ودوره في سوية منازعات الاستثمارات الأجنبية، سلسلة الأبحاث والمنشورات لمجلة القضاء المغربي، الطبعة الأولى.

[3]  وليـد البشيـر: تطور التحكيـم في مجال المعاملات التجاريـة الدوليـة ” من الكـات إلـى المنظمة التجـارة العالميـة “، رسالة دبلوم الدراسات العليا المعمقة كلية العلوم القانونيـة والاقتصادية والاجتماعية، جماعـة محمد الخامـس سلا، السنـة الجامعيـة 2006/2007، ص 45 وما بعدهـا.

[4] فوزي محمد سامي، التحكيم التجاري الدولي، الطبعة الأولى، الإصدار الثالث، دار الثقافة، 2008، ص 5.

[5] فوزي محمد سامي، مرجع سابق، ص56.

[6] عبد الله عبد الكريم عبد الله، ضمانات الاستثمار في الدول العربية، دراسة مقارنة، الطبعة الأولى، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، .111 ص، 2008.

[7] فوزي محمد سامي، مرجع سابق، ص58. – ويمكن إرجاع هذا الإقبال الواسع في الانضمام لهذه الاتفاقية إلى محاولة الدول النامية جذب رؤوس الأموال الأجنبية، من خلال المصادقة على الاتفاقية، بالإضافة إلى الدور الذي يلعبه البنك الدولي في تمويل المشاريع في الدولة النامية (أسامة احمد الحوري، القواعد القانونية التي يطبقها الحكم على موضوعات المنازعات الدولية الخاصة، الطبعة الأولى، الإصدار الثاني، دار الثقافة للنشر والتوزيع، سنة 2009، ص59).

[8]  الدكتور زضاكـي عبد الرحيم، التحكيم الداخلي والدولي لفض المنازعات التجارية في القانون المغربي والمقارن، أبريـل 2014.

 الدكتور زضاكـي عبد الرحيم (مرجـع سابق). [9]

[10]  ظهير شريف رقم 1.08.101 صادر في 20 من شوال 1429 (20 أكتوبر 2008) بتنفيذ القانون رقم 28.08 التعلق بتعديل القانون المنظم لمهنة المحاماة.

[11] بني هاني، لانا محمد أحمـد، مسؤولية المحكم عن الاخلال بالتزاماته تجاه أطراف النزاع ص 53. رسالة جامعيـة (2017) جامعة عمان الأهلية، دولة الأردن.

[12]  المادة 30 من قواعد غرفة التجارة الدولية ICC (INTERNATIONAL CHAMBER OF COMMERCE) من أبرز أنشطتها: وضع قواعد التحكيم وتسويـة النزاعات، والدفاع عن التجارة الحرة واقتصاد السوق.

[13]  وتجدر الإشارة إلى أن إجراءات التحكيم في القانون المصري تبدأ من اليوم الأول الذي يتسلم فيه المدعى عليه طلب التحكيم كم المدعي مل لم يتفق الطرفين على موعـد آخـر. المادة 27 من قانون التحكيم المصري.

[14]  TGI PARIS 12 MAI 1993 AFFAIRE DUVALL .

[15]  التهامي القائدي، مسؤوليـة المحكم على ضوء التشريع المغربي والمقارن، مجلة البحوث (المنظومة)، المجلد ع 13،12، سنة 2015. ص 197-183.

[16]  J ROBERT REPONSE SUR LE STATUT DE L’ARBITRE : questionnaire de la CCI 5 sept 1994

[17]   TGI de remise 27 sept 1998 affaire JL FLORANGE/ TGI de Paris 13 juin 1990 (Bompoud)

[18]  TGI Paris 9 Décembre 1992 (Sté L’Oréal groupe Frydman) rev arb 1996-483 31Sep

[19]  CA Bordeaux 14 Oct 1987 (Sté Bel Tronics Ltd – C, Sté Portex) Role gen 2916/87 et 2917/87 Thomas Clay « L’arbitre » P 713 

[20]  القانون الاسبانـي رقـم 1988/36 بتاريخ 5 دجنبـر 1988 المتعلق بالتحكيـم. الفصـل 14.

error: عذرا, لا يمكن حاليا نسخ او طباعة محتوى الموقع للمزيد من المعلومات المرجوا التواصل مع فريق الموقع عبر البريد الالكتروني : [email protected]