مجلة مغرب القانونالقانون العاممصطفى بن شريف: المسطرة المؤطرة لتداول النصوص التشريعية بين مجلسي البرلمان: هل يملك مجلس النواب حق التصدي و التصويت النهائي عليها؟

مصطفى بن شريف: المسطرة المؤطرة لتداول النصوص التشريعية بين مجلسي البرلمان: هل يملك مجلس النواب حق التصدي و التصويت النهائي عليها؟

 الدكتور مصطفى بن شريف محام بهيئة وجـدة.


أولا: مبادئ عامة:

طبقا للفقرة 1 من الفصل 70 من الدستور، “يمارس البرلمان السلطة التشريعية“.

و المبادرة التشريعية موزعة بين الحكومة (مشاريع القوانين) و البرلمان (مقترحات قوانين)، كما يستفاد من الفقرة 1 من الفصل 78 من الدستور التي تنص بأنه “لرئيس الحكومة و لأعضاء البرلمان على السواء حق التقدم بإقتراح القوانين“.

و يؤخذ من فصول دستور 2011، أنه وسع من مجال القانون الذي هو من اختصاص البرلمان، بحيث انتقل من تسعة مجالات في دستور 1996، إلى ثلاثين مجالا في دستور 2011، (الفصل 71 من دستور 2011)، إضافة إلى مجالات و ردت في فصول اخرى من الدستور.

كما أن دستور 2011، منح حق الأولوية لمجلس النواب على مجلس المستشارين، في مناقشة مشاريع القوانين التي مصدرها الحكومة، (الفصل 78 من دستور 2011)، خلافا للفقرة 2 من الفصل 52 من دستور 1996، التي كانت تنص بأنه “توضع مشاريع القوانين بمكتب أحد مجلسي البرلمان“.

و مشاريع القوانين التي تخضع للدراسة و التصويت من طرف البرلمان تشمل:

  • مشاريع القوانين التنظيمية؛
  • مشاريع القوانين العادية؛
  • مقترحات القوانين التنظيمية؛
  • مقترحات القوانين العادية؛
  • مشاريع قوانين المالية؛
  • مشاريع قوانين التصفية؛
  • مشاريع القوانين المتعلقة بالموافقة على المعاهدات و الإتفاقيات الدولية؛
  • مشاريع المراسيم بقوانين؛
  • مشاريع قوانين الاذن.

و يجب التذكير، بأن مجال القانون هو الميدان الذي يشرع فيه البرلمان بتفويض من فصول الدستور، دون جواز التوغل في مجال التنظيم، الذي تشرع فيه السلطة التنفيذية، و يحق للحكومة أن تدفع بعدم قبول كل مقترح أو تعديل لا يندرج ضمن مجال القانون،  و عند الخلاف في ذلك، تبت فيه المحكمة الدستورية في أجل 8 أيام، بطلب من رئيسي المجلسين أو من طرف رئيس الحكومة، هذا التقسيم بين مجال القانون و مجال التنظيم، يعود إلى فلسفة دستور الجمهورية الخامسة لفرنسا لسنة 1958، ضمن ما يعرف بالعقلنة البرلمانية.

و من جهة أخرى، إذا كان البرلمان يتكون من مجلسين (مجلس النواب و مجلس المستشارين)، فما هي حدود اختصاص كل مجلس بالتشريع؟ و ما هي المسطرة المؤطرة لتشريع القوانين؟ و ما هي الإجراءات المنظمة لمشاريع القوانين ذات المصدر الحكومي؟  و ما هي طبيعة العلاقة بين المجلسين في مجال تشريع القوانين؟ و من هو المجلس الذي يملك حق التصويت النهائي على مشاريع و مقترحات القوانين؟ و هل يحق لمجلس المستشارين أن يعدل النص القانوني المحال عليه من مجلس النواب بشكل تتحول معه القراءة إلى حد إضافة مقتضيات جديدة لم ترد في مشروع القانون و لا في النص المصوت عليه من طرف مجلس النواب في إطار القراءة الأولى؟

ثانيا: التفوق الدستوري لمشاريع القوانين ذات المصدر الحكومي:

تنص الفقرة 1 من الفصل 82 من دستور 2011، بأن مكتب كل من مجلسي البرلمان، يضع جدول أعماله الذي يتضمن مشاريع و مقترحات القوانين بالأسبقية و وفق الترتيب الذي تضعه الحكومة، و هو ما يؤشر على هيمنة الحكومة على العملية التشريعية، و ما يعزز هذه الفلسفة، هو أن الفقرة 1 من الفصل 84 من دستور 2011 تنص بأنه “يتداول مجلسا البرلمان  بالتتابع في كل مشروع أو مقترح قانون، بغية التوصل إلى المصادقة على نص واحد، و يتداول مجلس النواب بالأسبقية و على التوالي، في مشاريع القوانين و في مقترحات القوانين التي قدمت بمبادرة من أعضائه، و يتداول مجلس المستشارين بدوره، بالأسبقية، و على التوالي في مشاريع القوانين و كذا في مقترحات القوانين التي هي من مباردة أعضائه، و يتداول كل مجلس في النص الذي صوت عليه المجلس الآخر في الصيغة التي أحيل بها إليه.

و يعود لمجلس النواب التصويت النهائي على النص الذي تم البت فيه، و لا يقع هذا التصويت إلا بالأغلبية المطلقة لأعضائه الحاضرين، إذ تعلق الأمر بنص يخص الجماعات الترابية، و المجالات ذات الصلة بالتنمية الجهوية و الشؤون الإجتماعية“.

و من جهة ثانية، تنص الفقرة 2 من الفصل 78 من الدستور بأنه: “تودع مشاريع القوانين بالأسبقية لدى مجلس النواب، غير أن مشاريع القوانين المتعلقة على وجه الخصوص، بالجماعات الترابية و بالتنمية الجهوية و بالقضايا الإجتماعية، تودع بالأسبقية لدى مكتب مجلس المستشارين“.

إن المبادرة التشريعية الحكومية، (مشاريع القوانين)، تتميز بالتفوق و الأولوية، على مقترحات القوانين ذات المصدر البرلماني، و ذلك بموجب أحكام الدستور، و كذا بمقتضى النظامين الداخليين لمجلسي البرلمان.

ثالثا: هل مجلس المستشارين مؤسسة لتعطيل العمل التشريعي أم لتجويده؟

يعتبر كل من مجلس المستشارين و مجلس النواب مكونين للبرلمان (الفصل 60 من دستور 2011)، و يعرف تقليديا مجلس المستشارين بالغرفة الثانية.

و يتكون مجلس المستشارين من 120 عضوا ينتخبون بالإقتراع العام غير المباشر، لمدة ست (6) سنوات (…).

كثيرا ما أثار إحداث الغرفة الثانية أو مجلس المستشارين، جدلا سياسيا و قانونيا، اعتبره البعض بأنه يمثل وسيلة دستورية للتحكم في مسارات التشريع و الرقابة على أعمال الحكومة.

علما أن مجلس المستشارين عرفه أول دستور للمملكة لسنة 1962، و تم حذفه مع دستور 1970، ثم تمت العودة إليه في دستور 1996، و تم تكريسه من جديد في دستور 2011.

و بناء على مقتضيات الفصلين 78 و 84 من الدستور يتبين بأن المسطرة التشريعية المنظمة لمشاريع القوانين ذات المصدر الحكومي تمر بعدة مراحل قبل أن تصير قانونا،و التي تتمثل فيما يلي:

  •  تداول مجلس النواب بالأسبقية في مشاريع القوانين؛
  • تداول كل مجلس في النص الذي صوت عليه المجلس الآخر في الصيغة التي أحيل بها إليه؛
  • يعود التصويت النهائي لمجلس النواب على النص.

و للتدليل على الدور المعطل لمجلس المستشارين، أنه تمكن من إسقاط قانون المالية لسنة 2014، لكون المعارضة كانت تملك الأغلبية المطلقة داخل مجلس المستشارين ([1]).

لكن، و بحكم أن مجلس النواب يعود إليه التصويت النهائي على جميع القوانين، فإنه صوت ضد جميع التعديلات التي أدخلها مجلس المستشارين، مما يفيد بأن تعديلاته تبقى دون قيمة دستورية، عند تجاوز صلاحياته الدستورية، لأن كلمة الفصل تعود لمجلس النواب،و من هنا يتبين دور مجلس المستشارين كمؤسسة لتعطيل التشريع و ليس لتجويده، و هو ما ينطبق على حالة مشروع القانون رقم: 66.23 المنظم لمهنة المحاماة.

رابعا: مدى جواز إضافة مجلس المستشارين مقتضيات تشريعية جديدة لم تردفي مشاريع القوانين، و لم تكن موضوع مداولات و التصويت عليها من طرف مجلس النواب: حالة مشروع القانون رقم: 66.23:

يؤخذ من أحكام الفصل 84 من الدستور، أن مجلس المستشارين و في إطار ممارسته للوظيفة التشريعية، فإنه مقيد و مطوق بمدلول و روح الفصل 84 من الدستور، التي حصرها في “التداول و التصويت“، وفقا للصيغة التي صوت عليها مجلس النواب المحالة عليه.

و وفقا للفصل 78 من الدستور، أن مشاريع القوانين العادية و التنظيمية تودع بالأسبقية لدى مكتب مجلس النواب، و مشروع القانون رقم: 66.23 تنسحب عليه هذه القاعدة، علما أن المسطرة المؤطرة للقوانين العادية ينظمها الفصل 84 من الدستور، بحيث أن مشروع القانون يودع بالأسبقية لدى مكتب مجلس النواب، و يتم التداول بشأنه من طرف مجلسي البرلمان بالتتابع إلى حين التوافق على نص موحد، و عند عدم توصل المجلسين إلى المصادقة على نص موحد، تكون الكلمة الأخيرة لمجلس النواب.

مقال قد يهمك :   المبسط في شرح الميزانية الجماعية

و من المعلوم أنه قد يتم إقرار مشروع قانون في القراءة الأولى من المجلسين إذا حصل اتفاقا بينهما، أو أنه قد يصير الأمر إلى قراءات متعددة إلى حين التوصل إلى صيغة متوافق عليها، و عند تعذر ذلك، يتم الحسم في الخلافات من طرف مجلس النواب.

و من جهة ثانية، يستفاد من مقتضيات الفصل 84 من الدستور، أن مشروع القانون، بعد المصادقة عليه من طرف مجلس النواب في إطار مسطرة الأولوية، يحال المشروع على مجلس المستشارين، فإذا حظي بالتصويت عليه بالصيغة الصادرة عن مجلس النواب، يصير المشروع قانونا.

لكن، إذا حصل خلاف بين المجلسين في القراءة الأولى لما يصوت مجلس المستشارين على صيغة مخالفة لتلك التي صوت عليها مجلس النواب، فإنه في هذه الحالة يتم إرجاع مشروع القانون لمجلس النواب من أجل قراءة ثانية الذي يعود له التصويت النهائي على النص.

قد يحدث أن تتلو القراءة الثانية عدة قراءات، لا تتوافق إلا عند التوصل إلى صيغة موحدة بين المجلسين ([2]).

و لكن، إذا افترضنا أن النص ظل محل خلاف بين المجلسين، فإنه لا يمكن أن يستمر إلى ما نهاية، لأن من شأن ذلك أن يعطل العملية التشريعية، و لذلك فإن المشرع الدستوري كلف مجلس النواب بأن تكون له الكلمة الحسم و الأخيرة، عملا بأحكام الفقرة الأخيرة من الفصل 84 من الدستور، خلافا لما يقول به بعض الفقه، لأن الدستور لم يمنح لمجلس المستشارين حق التصويت النهائي على مشاريع القوانين العادية لا ضمنا و لا صراحة.

خامسا: رأي المحكمة الدستورية من مسألة تداول مشاريع القوانين بين المجلسين:

جاء في قرار المجلس الدستوري رقم: 931/13 الصادر بتاريخ: 30/12/2013، في الملف عدد: 1388/13، “و حيث إن تقديم الحكومة لمادة إضافية في مرحلة مناقشة مشروع قانون المالية أمام مجلس المستشارين لأول مرة، ليس من شأنه المساس بحقوق مجلس النواب الذي تعود إليه مناقشة هذا التعديل، المقدم في شكل مادة إضافية، و البت فيه بصفة نهائية إعمالا للحق المخول له بموجب القفرة الأخيرة من الفصل 84 من الدستور“.

و تعليقا على قرار المجلس الدستوري، أوضح الفقيه الدستوري مصطفى قلوش،بأن قانون المالية لسنة 2014، يتسم بعدم الدستورية بسبب “عدم إستكمال الإجراءات التشريعية التي يحكمها وجوب التداول بين المجلسين دون توقف إلى أن يتم التوصل إلى إقرار نص بصيغة موحدة، إعمالا لما هو منصوص عليه بشكل واضح في الفقرة الأولى من الفصل 84 من الدستور ([3]) “.

و الرأي الفقهي للأستاذ مصطفى قلوش، مفاده أن مجلس المستشارين يملك حق التداول بالأسبقية في مشاريع القوانين المتعلقة بالجماعات الترابية  و المجالات ذات الصلة بالتنمية الجهوية و الشؤون الإجتماعية، فإنه في هذه الحالة و عند تحقق الخلاف بين المجلسين بشأن إقرار نص موحد، فإن مجلس النواب تعود إليه الكلمة الأخيرة بالتصويت النهائي                   على مشروع  القانون، و لا تنسحب المسطرة على مشاريع القوانين التي تودع بالأولوية  لدى مكتب مجلس النواب.

و بناء عليه، فإنه وفقا لما ذكر، إذا كان مشروع القانون لا يدخل في مجال القوانين التي يملك مجلس المستشارين الحق بالتداول فيها بالأسبقية، كما ينص الفصل 78 من الدستور، فإنه في هذه الحالة لا يجوز لمجلس النواب بأن يتولى التصويت النهائي على مشروع القانون موضوع الخلاف مع مجلس المستشارين حسب مدلول الفصل 84 من الدستور، مما تكون معه مشاريع القوانين من غير تلك التي يتداول فيها مجلس المستشارين بالأسبقية غير معنية بالتصويت النهائي لمجلس النواب.

 و من جهة ثانية، فإذا كان المجلس الدستوري في قراره رقم: 931/13 بتاريخ: 30/12/2013، قد أكد بأن مجلس النواب تعود إليه كلمة الفصل النهائي تطبيقا للفقرة الأخيرة من الفصل 84 من الدستور، علما أن الأمر يتعلق بمشروع قانون المالية، (قانون عادي)، و هو من غير القوانين  التي يملك مجلس المستشارين الحق  بالتداول فيها بالأسبقية، في هذا القرار أكد  المجلس الدستوري بأن حق التصويت النهائي على مشاريع القوانين يعود لمجلس النواب ما لم يتعلق الأمر بنص يخص الجماعات الترابية، و المجالات ذات الصلة بالتنمية الجهوية و الشؤون الإجتماعية.

لكن، بالرجوع إلى القرار عدد: 950/14 م.د الصادر في الملف عدد: 1406/14 بتاريخ: 23 دجنبر 2014، بناء على إحالة رئيس الحكومة القانون التنظيمي رقم: 130.13  لقانون المالية، جاء مخالفا لتوجهه  السابق، بحيث أوضح “و حيث إنه، يتبين من الإطلاع على محاضر أشغال لجنة المالية و التنمية الإقتصادية بمجلس النواب و لجنة المالية و التخطيط و التنمية الإقتصادية بمجلس المستشارين و محاضر الجلسات العامة لمجلس النواب و المستشارين المتعلقة بمناقشة مشروع القانون التنظيمي لقانون المالية  و التصويت عليه، أن مجلس النواب أدخل خلال القراءة الثانية للنص، تعديلا على المواد 21 و 27 و 69 و 70 من مشروع هذا القانون التنظيمي يهم الجدولة الزمنية لدخوله حيز التنفيذ، و صوت عليها نهائيا، دون عرض الأمر من جديد على مجلس المستشارين“.

 و أضاف القرار “…أن مجلسي البرلمان يتداولان بالتتابع في كل مشروع أو مقترح قانون بغية التوصل إلى المصادقة على نص واحد، و أن كل مجلس يتداول في النص الذي صوت عليه المجلس الآخر، و أن مجلس النواب يعود إليه التصويت النهائي على النص الذي البت فيه“.

 و حيث إنه من جهة، يستفاد من هذه الأحكام أن مشاريع و مقترحات القوانين، و كذا مشاريع و مقترحات التعديلات، المدخلة عليها التي تعد من مشمولاتها، يتعين عرضها وجوبا على كل من مجلس النواب و مجلس المستشارين لتدارسها و مناقشتها و التصويت عليها، مع مراعاة باقي مقتضيات مسطرة التشريع المقرر دستوريا، الأمر الذي لم يتم التقيد به في مسطرة التصويت على التعديل المدخل على المواد المذكورة سالفا على القانون التنظيمي لقانون المالية المعروض على نظر المجلس الدستوري.

 “(…) و حيث إنه، لئن كان يجوز لمجلس النواب – تبعا لذلك – من أجل تصحيح خطأ مادي أو ملائمة المقتضيات المصادق عليها، و كذا من أجل التقيد بأحكام الدستور  أو الملائمة بين مقتضيات تشريعية معروضة على البرلمان، تعديل مقتضيات سبق أن توصل المجلسان بشأنها إلى المصادقة على نص واحد، فإن ذلك لا يخول للمجلس المذكور الحق في التصويت النهائي على هذا التعديل، خلال قراءة ثانية أو قراءات موالية، دون عرض النص من جديد على مجلس المستشارين، لما في  ذلك  من إخلال بقاعدة التداول بين المجلسين“.

 و بناء على ما ذكر، قرر المجلس الدستوري بأن عدم إحالة هذا التعديل على مجلس المستشارين ينافي قاعدة التداول بين مجلسي البرلمان المقررة دستوريا، و يكون تبعا لذلك، غير مطابق للدستور.

 و ترتيبا على ما ذكر، يتبين من القرارين الصادرين عن المجلس الدستوري بشأن المسطرة التشريعية المؤطرة لاقرار القوانين من طرف مجلسي البرلمان، خاصة في جانبها المتعلق بالتداول بالتتابع في كل مشروع أو مقترح قانون، أنه في القرار عدد: 931/13 أكد بأنه تطبيقا للفصل 84 من الدستور تكون الكلمة الأخيرة لمجلس النواب في حال عدم الإتفاق على نص موحد، إلا أنه في القرار عدد: 950/14، قرر خلاف ذلك، بتأكيده أن عدم إحالة التعديل على مجلس المستشارين يتعارض مع قاعدة التداول بين مجلسي البرلمان، و بأن مجلس النواب لا يملك في هذه الحالة سلطة البت النهائي.

مقال قد يهمك :   محكمة النقض توضح النص الواجب التطبيق في حالة تزوير شهادة التسليم

 سادسا: من حيث حدود تطبيق مسطرة التداول التشريعي بين مجلسي البرلمان و أثرها:

 يستفاد من مشروع القانون رقم: 66.23 المنظم لمهنة المحاماة أن مجلس المستشارين، أدخل عليه تعديلات جوهرية، خلافا للنص الذي و رد عليه من مجلس النواب، بل و أضاف إليه مقتضيات جديدة، لم ترد في المشروع الذي تقدمت به الحكومة، و لا في النص المحال عليه من طرف مجلس النواب.

 و في هذا الإطار نتساءل هل يحق لمجلس المستشارين إضافة مقتضيات جديدة  في إطار القراءة الأولية لمشروع القانون، لم ترد في النص الأصلي الذي قدمته الحكومة  و لا في النص المحال عليه من طرف مجلس النواب؟

أنه لما كانت القراءة الأولى لمجلس المستشارين مخالفة لما صادق عليه مجلس النواب، و بأنه ثبت ادخال تعديلات جوهرية على مشروع  القانون، الأمر الذ يتعين معه وجوبا وفقا للمسطرة التشريعية إحالة النص على مجلس النواب كما صادق عليه مجلس المستشارين،  في إطار عملية التداول المكوكي بين المجلسين، و هنا نكون أمام حالة عادية تمليها المسطرة التشريعية التي تخول الحق لمجلس النواب ليتولى فحص التعديلات المدخلة على النص الذي سبق أن صادق عليه، و هي واقعة تثبت وجود خلاف بين المجلسين بشأن مشروع القانون رقم: 66.23، و هو ما يتطلب قراءة جديدة من طرف مجلس النواب، قد تتلوها عدة قراءات في إطار ما يعرف بنظام التداول المكوكي NAVETTE بين المجلسين إلى حين الإتفاق على نص موحد.

 و في هذه الحالة هل يملك مجلس النواب حق التصويت النهائي أم أنه مقيد بنظام التداول المكوكي إلى ما لا نهاية؟

يلاحظ من خلال المقارنة بين النص الذي صادق عليه مجلس النواب و النص الذي صادق عليه مجلس المستشارين، أنه توجد مواد خلافية، تتعلق بمشروع قانون عادي ذات المصدر الحكومي، يودع بالأولوية لدى مكتب مجلس النواب، عملا بالفقرة الثانية من الفصل 79 من الدستور.

جانب من الفقه اعتبر بأن الفقرة الثانية من الفصل 84 من الدستور، جاءت متسمة بالغموض أدخلت المسطرة التشريعية التي تحكم العلاقة بين مجلس النواب و مجلس المستشارين في تعقيدات بشأن حدود حق التعديل المخول لمجلس المستشارين، بمناسبة القراءة الأولى لمجلس النواب على مستوى القراءة الثانية ([4]).

 و هكذا، و في جميع الأحوال أن الدستور في الفقرة الأخيرة من الفصل 84، نص صراحة بأنه “يعود لمجلس النواب التصويت النهائي على النص الذي تم البت فيه، و لا يقع هذا التصويت إلا بالأغلبية المطلقة لأعضائه الحاضرين إذا تعلق الأمر بنص يخص الجماعات الترابية، و المجالات ذات الصلة بالتنمية الجهوية و الشؤون الإجتماعية“.

 و يستخلص من مقتضيات الفقرة الأخيرة من الفصل 84 من الدستور، بأن مجلس النواب يملك الحق بالبت و التصويت النهائي على مشاريع القوانين العادية و التنظيمية  مع استثناء القانون التنظيمي لمجلس المستشارين و القوانين المتعلقة بالجماعات الترابية و المجالات ذات الصلة بالتنمية الجهوية و الشؤون الإجتماعية التي تتطلب قراءات متعددة عند الخلاف عليها من المجلسين  إلى حين التوصل لنص موحد بينهما.

 و حيث يستفاد من الفقرة الأخيرة من الفصل 84 من الدستور، أنها فتحت الحق لمجلس النواب التصويت النهائي على مشاريع و مقترحات القوانين، إلا ما استثني بنص واضح.

علما أن مشروع قانون المحاماة لا يدخل ضمن هذا الاستثناء، و هو ما يعني بأن مجلس النواب يملك حق التصدي لما ورد من تعديلات مصدرها مجلس المستشارين، و التصويت النهائي على النص ليصير قانونا بعد استيفاء المسطرة التشريعية لشرائطها.

سابعا: تداول مشاريع القوانين بين مجلسي البرلمان في ضوء نظامهما الداخلي:

 لما كان مجلسا البرلمان يحكمهما نظام داخلي خاص بكل مجلس، فإنه يتعين وجوبا الرجوع إلى أحكامه، لمعاينة ما إذا كان النظامين الداخليين للمجلسين ينظمان “مسطرة التداول التشريعي بينهما” أم لا ؟

 يستفاد من مقتضيات المادة 347 من النظام الداخلي لمجلس النواب، أنها تنص على ما يلي: “تطبيقا لأحكام الفصول 78 و 84 و 85 من الدستور، يدرس مجلس النواب و يناقش و يصوت على كل مشرع قانون تنظيمي و كل مشروع قانون أودع بمكتب المجلس بالأسبقية من قبل الحكومة، على كل مقترح قانون قدم بمبادرة من أعضائه، و على كل مقترح قانون تنظيمي قدم بمبادرة من أعضاء مجلس المستشارين.

 (….) و يتم التداول في مشاريع و مقترحات القوانين من قبل مجلس النواب و مجلس المستشارين بالتتابع بغية التوصل إلى المصادقة على نص واحد.

 و في حالة عدم التوصل إلى ذلك، يعود لمجلس النواب التصويت النهائي بالأغلبية النسبية على مشروع و مقترح القانون الذي تم البت فيه من قبل المجلسين وفق مسطرة التداول (…)“.

 إن النظام الداخلي لمجلس النواب لا يتضمن ما يفيد أنه يتعين عليه إعادة أي نص لمجلس المستشارين من أجل قراءة ثانية، بما معناه أن مجلس النواب يملك السلطة و السيادة التشريعية بالبت و التصويت النهائي على جميع مشاريع و مقترحات القوانين التنظيمية  و العادية، إلا ما استثنى صراحة بموجب الدستور.

 أما النظام الداخلي لمجلس المستشارين، فإنه ينص في المادة 258 أنه “لمجلس المستشارين كامل الصلاحية في الدراسة و التعديل و التصويت على النصوص التشريعية المعروضة عليه في إطار القراءة الأولى، و لا يصوت مجلس النواب نهائيا على هذه النصوص إلا في اطار القراءة الثانية و القراءات التي تليها، و عندما يصوت مجلس  المستشارين على مشروع أو مقترح قانون بصيغة تطابق تلك التي أقرها مجلس النواب، أحاله الرئيس على رئيس الحكومة لتمام الموافقة عليه“.

 مبدئيا و في جميع الأحوال أن التصويت على مشاريع و مقترحات قوانين، يعود لمجلس النواب تطبقا لأحكام الفصلين 84 و 85 من الدستور، و لو في ظل وجود غموض يكتنف الفقرة الأخيرة من الفصل 84 من الدستور، ما دام أن جميع مشاريع و مقترحات القوانين التي تودع بالأسبقية لدى مجلس النواب يعود فيها التصويت النهائي للمجلس المذكور و ليس لمجلس المستشارين.

 أنه و في حال استمرار الخلاف بين مجلس النواب و مجلس المستشارين بشأن نص تشريعي، و عدم إمكانية التوصل إلى نص موحد، فإنه لا شيء يمنع من تصويت مجلس النواب نهائيا على النص في إطار القراءة ثانية، تطبيقا للفقرة الأخيرة من الفصل 84 من الدستور، و لكون “مجلس النواب” يملك حق التصدي التشريعي.

ثامنا: الجهة التي تملك حق سحب مشروع قانون:

 أنه في ظل عدم التوافق على مشروع قانون ذات المصدر الحكومي، يمكن للحكومة أن تسحب المشروع في أي مرحلة من مراحل المسطرة التشريعية قبل الموافقة النهائية عليه تطبيقا لأحكام المادة 126 من النظام الداخلي لمجلس النواب و المادة 179 من النظام الداخلي لمجلس المستشارين.

مقال قد يهمك :   منشور رئيس النيابة العامة بخصوص قضايا المهن القضائية

إن سحب أي مشروع قانون قبل الموافقة التامة عليه من لدن مجلس النواب، هو حق مخول للحكومة، لكونها هي صاحبة المبادرة التشريعية، و عملا بمبدأ توازي الإختصاص،  فإن رئيس الحكومة هو وحده المختص بسحب مشاريع القوانين من مجلس النواب قبل الموافقة التامة عليها، و هو المبدأ الذي أكد عليه المجلس الدستوري ([5]).

 إن النظام الداخلي لا يصوت عليه إلا المجلس الذ ي  وضعه، في حين أن البرلمان يصوت على القوانين، ما يعني أنه لا يجوز للنظام الداخلي لكل مجلس من مجلسي البرلمان  أن يتضمن مقتضيات مخالفة للقانون، مما مفاده أن القانون يسمو على النظام الداخلي، و لا يمكن لهذا الأخير أن يتوغل بالتشريع في مجال القا نون ([6]).

 و بناء عليه، فإنه و لما كانت مسطرة تشريع القوانين تؤطرها الفصول 78 و 79 و 82 و 83 و 84 و 85 من الدستور، فإن المعول عليه في تنظيم المسطرة التشريعية  هي أحكام الدستور المذكورة، و ليس النظامين الداخليين لمجلسي البرلمان.

 و على سبيل الختم، يجب التأكيد بأن مجلس المستشارين، ملزم بأن يتولى قراءة النص كما أحاله عليه مجلس النواب، و له الحق في التعديل، و للحكومة أن تعارض في كل تعديل لم يتم عرضه من قبل.

 لكن، المؤسف و الغريب أن مجلس المستشارين و في إطار القراءة الأولى لمشروع القانون رقم: 23-66، لم يتقيد بالنص كما أحيل عليه من مجلس النواب، و أضاف إليه مقتضيات جديدة، لم ترد في المشروع الذي صادقت عليه الحكومة، و لا في النص المحال عليه من طرف مجلسي النواب، و يكون بذلك مجلس المستشارين قد تجاوز صلاحياته الدستورية في باب التشريع.

 و لما كان مجلس المستشارين لم يكتف بإدخال تعديلات على النص الوارد عليه من مجلس النواب، و أضاف إليه مقتضيات جديدة، و بأن الحكومة لم تعارض في ذلك،رغم علمها المسبق بعدم دستورية ما ذكر، يؤكد بأن الحكومة و البرلمان يتعمدان في خرق و مخالفة الدستور عن سبق اصرار لأهداف سياسية.

و من جهة أخرى، يستفاد من أحكام الفصل 84 من الدستور، أن كل مجلس من مجلسي البرلمان يتداول في نص مشروع أو مقترح القانون الذي صوت عليه المجلس الآخر في الصيغة التي أحيل بها عليه، بما في ذلك التعديلات التي أدخلت عليه.

إن تصويت مجلس المستشارين على مشروع القانون رقم: 23-66، بعد ادخال تعديلات جوهرية عليه و إضافة مقتضيات جديدة لم ترد في مشروع  القانون، و لا في النص الذي صادق عليه مجلس النواب فيها بما يخالف الدستور.

لكن، و مهما يكن من أمر فإن إدراج و تصويت مجلس المستشارين على مواد إضافية   أو مقتضيات جديدة طالت مشروع القانون رقم: 23-66، فإن ذلك ليس من شأنه المساس بحقوق مجلس النواب الذي تعود إليه مناقشة هذا التعديل أو الإضافات الجديدة، و البت في ذلك بصفة نهائية، إعمالا للحق المخول لمجلس النواب بموجب الفقرة الأخيرة من الفصل 84 من الدستور، و هو المبدأ الذي أكد عليه قرار المجلس الدستوري رقم: 931/13م.د، الصادر في الملف رقم: 1388/13 بتاريخ: 30/12/2013.

و من المعلوم أن قرارات المحكمة الدستورية لا تقبل أي طريق من طرق الطعن و تلزم كافة السلطات العامة و جميع الجهات الإدارية و القضائية و ذلك تطبيقا لأحكام الفقرة الأخيرة من الفصل 134 من الدستور، و مجلس النواب تبعا لما ذكر، يملك حق البت النهائي و التصدي للتعديلات أو لإضافة مقتضيات أو مواد جديدة، لم ترد في مشروع القانون الذي تقدمت به الحكومة و لا في النص الذي صادق عليه مجلس النواب في إطار القراءة الأولى.

علما أن المادة 49 من القانون التنظيمي لقانون المالية تنص بأن مجلس النواب يقوم بدراسة التعديلات المصوت عليها من طرف مجلس المستشارين و يعود له البت النهائي في مشروع قانون المالية ([7]).

و لما كان القانون التنظيمي المذكور قد منح حق البت النهائي لمجلس النواب، و بأن القانون التنظيمي هو أعلى من القانون العادي، الأمر الذي يزكي نظرية امتياز مجلس النواب بالبت و التصويت النهائي على مشروع القانون رقم: 66.23 المنظم لمهنة المحاماة.

و اخيرا نرى، بأنه يتعين على الحكومة سحب مشروع القانون رقم: 66.23، و هو حق لرئيس الحكومة، أمام رفضه من طرف هيئات المحامين بالمغرب، و من المحاميات و  المحامين، و سحب المشروع ضرورة تشريعية لتطاوله على مقتضيات دستورية، علما أن الأصل في التشريع التقيد بإحترام القواعد الدستورية، و عدم إضافة قواعد جديدةمن شأنها تغيير القاعدة الدستورية نفسها ([8])، عملا بمبدأ تطابق القواعد القانونية مع الأهداف الدستورية، و على مجلسي البرلمان و الحكومة، الإلتزام بإحترام القيم و المبادئ الدستورية الرامية إلى تعزيز المؤسسات الدستورية و بناء دولة القانون.

علما أن مبدأ الأمن القانوني لا يتحقق إلا من خلال تشريعات مطابقة للدستور، و متلائمة مع الإتفاقيات الدولية، و هو المدخل الأساسي من أجل ضمان الأمن القضائي الذي تتولاه المحاكم، و أن المساس بإستقلالية مهنة المحاماة و حصانة الدفاع و التسيير الذاتي للمؤسسات المهنية، هو بمثابة إعتداء على مبادئ قانونية ذات قيمة دستورية، و يجب و على جميع السلطات أن لا تمارس أي تأثير مباشر أو غير مباشر على سلطة اخرى، إعمالا لمبدأ فصل السلطات، لكون المحاماة المستقلة و الحرة، من مقومات العدالة، و عنصر أساسي لضمان محاكمة عادلة، و لأن القضاء و المحاماة يمثلان معا جناحي العدالة، و كل اضعاف للمحاماة هو مؤشر سلبي ينال أيضا من إستقلال السلطة القضائية وفقا لروح فلسفة الدستور، خلافا لما قد يعتقده أو يمارسه البعض.


[1] – عبد الرحمان القادري، القانون الدستوري و المؤسسات السياسية، الجزء الأول، شرة بايل للطباعة و النشر و التوزيع، الرباط، 1990،  ص: 268.

[2] – مصطفى قلوش، “شرح المقتضيات الدستورية المتعلقة بالمسطرة التشريعية”، جريدة هيبريس الإلكترونية، ليوم 08 يونيو 2015.

[3] – مصطفى قلوش، “السقطة الكبرى للمجلس الدستوري في قانون مالية 2014″، جريدة هيبريس الإلكترونية، ليوم 27 فبراير 2014.

[4] – عبد اللطيف بروحو، “المجلس الدستوري يجمد العمل بالقانون التنظيمي للمالية”، جريدة هيبريس الإلكترونية ليوم: 11 يناير 2015.

[5] – راجع قرار المجلس الدستوري رقم: 829، بتاريخ: 4 فبراير 2012، ملف رقم: 1356/12.

[6] – يحي حلوي، “دستورية القواعد القانونية و تراتبيتها” في “تطور القضاء الدستوري بالمغرب: البنية و الوظائف”، مؤلف جماعي، اشراف عثمان زياني، منشورات مجلة الحقوق، سلسلة المعارف القانونية و القضائية، دار نشر المعرفة، الرباط، ص: 109-110.

[7] – رشيد المدور، البرلمان في ظل الملكية البرلمانية المغربية، منشورات مجلة دفاتر برلمانية، الطبعة الثانية، رؤى برينت، الرباط، 2022،                ص: 131.

[8] – راجع قرار المجلس الدستوري رقم: 943، بتاريخ: 25 يوليو 2014، ملف عدد: 1400/14.