سعيد اولعربي: مشروع قانون مهنة المحاماة -في الحاجة إلى إعادة قراءة المدخل لدراسة القانون لتذكر خاصيتي التجريد والعمومية وما بينهما والتشريع من اتصال دون انفصال-

سعيد اولعربي أستاذ زائر بكلية الحقوق السويسي بالرباط
شهدت الساحة الوطنية خلال السنتين الاخيرتين نقاشات حول مشروع القانون رقم23. 66 المتعلق بمهنة المحاماة خرجت، في حالات، عن الطابع الرصين الهادف إلى سن تشريع عاكس لاختيارات الأمة المغربية ومصالحها العامة، التي تندرج ضمنها بداهة المصالح الخاصة المرحب بها في النظام الليبرالي متى كانت مشروعة، وتنبذ هذه الأخيرة إذا كانت على نقيض الانضباط للمشروعية.
وتزامن ذلك مع تجاذبات وتوظيف أشكال للضغط ليس لإقناع المشرع وقبله المبادرة التشريعية بوجاهة تدبير تشريعي يحقق مصلحة عامة أو مصلحة خاصة مشروعة، بل لفرض رؤية عاكسة لمصالح خاصة، وحمل طرفي المسطرة التشريعية على تمرير الرؤية دون اكتراث بمدى وجاهة هذه المصالح الخاصة الفئوية وتنافيها مع مبادىء المشروعية وابتعادها عن اقتضاء المصلحة العامة، وذلك في أوجه محددة منها أساسا حجب الحق أو التضييق على حقوق بولوج المهنة لفئات منتسبة إلى نشاطات متقاطعة مع مهنة المحاماة؛ في تنكر واضح لمبدأ المساواة المنصوص عليه في الدستور، لاسيما الفصول: 6 ، 19 و31 منه.
وفي سياقه تأتي هذه المساهمة لتقارب الموضوع بنقاش قانوني تقني ابتغاء لفت الانتباه إلى عيوب المنحى غير المنضبط في الضغط على مسار التشريع ضدا على ضابط خاصية التجريد في القاعدة القانونية التي يعي المبتدئون منذ الدرس الأول في السنة أولى- كلية الحقوق مدلول ومغزى هذه الخاصية في “دولة الحق بالقانون”، ويعرفون أنه بدونها ومعها خاصية العمومية، يفقد القانون كل عناصر المعقولية والموضوعية والقبول، ويصير قابلا لمسمى آخر غير القانون أو التشريع.
1- سن المشرع الدستوري في طليعة الفقرة الأولى من الفصل 6 من الدستور مبدأ لزوم التجريد في التشريع، وهو مدرك لما سنه من مقتضى في أبعاده ومراميه، ويبلغ الإدراك مبلغه بترقية المبدأ إلى مصاف القواعد الدستورية المشكلة لعناصر التعاقد الاجتماعي لمكونات الأمة، وذلك بتعريفه القانون على أنه “أسمى تعبير عن إرادة الأمة”، نافيا عنه التعبير عن إرادة فئة من الأشخاص أو زمرة منهم، مع حظر بالنتيجة التشريع على المقاس أو المزاج والهوى.
2- نص المقطع الثاني من الفقرة الأولى من الفصل 6 على مبدأ عمومية القاعدة القانونية بتنصيصه على خضوع الكافة، بما فيها السلطات العامة، للقانون وتساوي الجميع أمامه.
3- تجمع ادبيات المدخل لدراسة القانونية على ما يلي:
أن مبدأ العمومية يفيد أن القاعدة القانونية الناشئة عامة وشاملة في التطبيق لكافة الأشخاص المخاطبين بها بصفاتهم لا بذواتهم مع نبذ التمييز بينهم، بما يحقق مبدأ مساواة الأشخاص أمام القانون، ويضمن موضوعية هذا الأخير وحياد السلطات العامة المكلفة بالإنفاذ والتطبيق حسب الحالة.
أن مبدأ التجريد قائم على قاعدة ذهبية مؤداها تنزيه القاعدة القانونية عند النشأة من النوازع والأهواء والمصالح لصاحب المبادرة التشريعية والجهة الناهضة برسالة وأمانة التشريع نيابة عن الأمة وقبلها الجهات المتدخلة بشكل مباشر أو غير مباشر فيه، وأول هوى يجب أن يسلم منه التشريع هو هوى مخالفة دستور سنة 2011 المسنون بديمقراطية الاستفتاء الشعبي ليكون ميثاقا للتعاقد الاجتماعي بين مختلف مكونات المجتمع واطيافه، مع توجه واضح وعميق لتصنيفه في خانة الدساتير الصلبة مع ما يترتب عليه من آثار على النحو المبين بعده.
وغني عن البيان أن ضابط التجريد يروم موضوعية القانون وحياد الدولة على أساس اعتبار أن غاية الغايات هي تحقيق المساواة بين أشخاص القانون في دولة الحق والمواطنة، وهي دولة لا يتصور أن تقع فيها المفاضلة بين المواطنين امتيازا أو تمييزا بدافع الهوى أو بباعث مصلحة في نفس فئة مستفيدة من المفاضلة وراغبة في استدامتها ولو في ظل الاتجاهات المتطورة والمتقدمة لدستور سنة 2011 .
4- وفي سياق ترسيخ وترقية مبدئي التجريد والعمومية إلى مستوى سمو وسموق القاعدة الدستورية، ألزمت الفقرة الثانية من الفصل 6 المذكور السلطات العمومية بتوفير الظروف الكفيلة بتعميم الطابع الفعلي للمساواة بين المواطنين وكفالة مشاركتهم في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وتستدعي عبارة ” الطابع الفعلي للمساواة” في الفصل 6 التوقف عندها لبيان والتشديد على عمق دلالتها وتعبيراتها في مسايرة المشرع الدستوري المغربي للاتجاهات المتطورة في القانون المقارن بتوطيد المساواة الشكلية بمساواة فعلية تحقق العدل والانصاف بمنح الامتياز لفئة من المواطنين قياسا على فئة أخرى متى كان مبررا ومحققا لنفس الغايات لدى الفئتين.
5- نصت الفقرة الأخيرة من الفصل6 من الدستور على مبدئي دستورية القواعد القانونية وتراتبيتها، مع جعلها مبادئ ملزمة، ويتحصل من ذلك لزوم أن تكون الخطوات المتخذة في مسار التشريع متوافقة مع قواعد المشروعيتين الدستورية الخارجية والداخلية، وكل مخالفة جوهرية للدستور، كما حال ما نحن بصدده، تعتبر خرقا مرادفا لعوار انعدام التجريد المقترن بانتهاك مبدأ المساواة شكليا وفعليا.
6- وفي سياق متناغم ومتفاعل ومتكامل، تبنى الدستور المغربي نظرية السيادة للأمة في الفصل 2منه، وهي سيادة مارستها في تشريع الدستور بشكل مباشر بالاستفتاء، وتمارسها بطريقة غير مباشرة بانتداب المنتخبين في باقي تجليات السيادة، بما فيها تجلي سن التشريعات وتطويرها.
7- وتفيد أدبيات القانون الدستوري أن النظرية المذكورة تفضي إلى جعل تمثيلية البرلماني لا تنسحب حصرا على دائرته الانتخابية ولا على الفئة المهنية أو الحساسية التي ينتمي إليها قبل وبعد نيل انتداب الأمة له نيابة عنها، إنما يمثل الوطن بأكمله ونائبا عن الأمة في الدائرة الانتخابية الكبرى. وبهذه المثابة يفترض تمثله مصالحها العليا، ويفترض أيضا أن عينه شاخصة إلى التحديات التي تشغل الوطن باحثا ومجتهدا في معالجة هذه التحديات بالتشريع عند الاقتضاء، مسترشدا في المقام الأول بالمصلحة العامة وفي المقام الثاني بالمصالح الخاصة المشروعة، ونبراسه في ذلك التجريد والتجرد تجسيدا لمفهوم السيادة للأمة ولحيادية المؤسسة التشريعية ابتغاء موضوعية القاعدة القانونية وكفالة المساواة بين المواطنين.
وهو ما لا تنكفل به جودة التشريع فحسب؛ بل أيضا يضمن التعبير الصحيح للوكلاء، في الانتداب الانتخابي، عن إرادة الأمة بما يفضي إلى استيفاء عناصر الرضى المفترض للناخبين في الدائرة الانتخابية للوطن بشأن التشريع المسنون.
8-ولا يعفي منطق الأغلبية في التصويت على القانون من الامتثال لمبدأ التجريد وسموه، وإلا تسرب العوار إلى التشريع ووصم بالهوى والذاتية والابتعاد عن الموضوعية، ومخالفة التعبير السليم والأمين لإرادة الأمة كشرط أساسي لضمان هيبة القانون وامتثال الافراد له طواعية وتضييق هوامش الاجبار في الإذعان له.
وجدير ذكره أن الدستور الصلب حريص على التصدي لمثل هذا الانحراف عن جادة التجريد بآليات العقلنة البرلمانية القائمة في وجه أساسي على مبدأ تدرج القوانين وخضوع الأدنى منها للأعلى، المترافق مع خضوع التشريع لرقابة دستورية القوانين بشقيها القبلي والبعدي لضمان سيادة القواعد السامية في الوثيقة الدستورية ومنع المشرع العادي من انتهاك الدستور وحجب قواعده أو تبديلها ضمنا.
9- وفي هذا المعنى تواتر القضاء الدستوري على التصريح بإلغاء التشريع المخل بمبدأ لزوم التجريد، مؤكدا على لزوم التقيد بوحدة القاعدة القانونية في مخاطبة الأوضاع المتماثلة عبر مساواتها في الحقوق دون امتياز أو تمييز.
وهكذا صرحت للمحكمة الدستورية في قرار لها بعدم دستورية مادتين من النظام الداخلي لمجلس النواب بسبب اخلالهما بمبدأ المساواة بين النواب، وتواتر التوجه في قرارات أخرى.
وعلى ذات المنوال قضى المجلس الدستوري الفرنسي بأن مبدأ المساواة يملي وحدة القاعدة القانونية إزاء الأوضاع المتماثلة، مع حظر التمييز بينها إلا بناء على عناصر معقولية وموضوعية.
وأكدت محكمة العدل للاتحاد الأوربي المبدأ عندما اعتبرت أن مبدأ المساواة يقتضي أن يستفيد منه جميع الأشخاص المتواجدين في وضعية مماثلة وليست فقط متطابقة. وبدورها اعتبرت المحكمة الأوربية لحقوق الانسان أن كل تمييز غير مبني على تبرير موضوعي ومعقول يعد خرقا لمبدأ المساواة في المعاملة.
10- سلط مجلس المنافسة في تقرير أصدره سنة 2013 الضوء على عدم مراعاة قانون المحاماة لما أثير قبله، متحدثا عن ذلك بلغة السوق الحرة ورديفها المنافسة، حيث توقف عند تموقع المغرب في المرتبة الأولى، ضمن حالات المقارنة، في قيود المنافسة بشأن حق الولوج إلى مهنة المحاماة مع انعدام جسور الالتقاء مع مهن متقاطعة.
وانتهت هذه المؤسسة الدستورية إلى توصيف القانون المغربي الناظم للمهنة بأنه “متزمت ّ في قيوده المنافية لقواعد المنافسة، مؤكدة على أهمية تيسير شروط الولوج وخلق جسور مع مهن أخرى مع انفتاح المهنة على الاستثمار الأجنبي.
وعلى هدي ما سبق يمكن القول أنه إذا كانت الحاجة ماسة إلى العود على بدء بالرجوع إلى ادبيات المدخل لدراسة القانون لإعادة الاعتبار لخصيصتي التجريد والعمومية وتحصيل ناتجهما على نحو ما بين قبله، فإن الحاجة ملحة إلى حسن استحضار مؤدى العقلنة البرلمانية وآثارها في عقلنة التشريع.
ولعله من البداهة التذكير بأن العقلنة تقتضي في هذا المضمار أولا تقيد البرلمان بالتدرج أو التراتبية في سن التشريع، وثانيا توخي الوقاية من النزاع الدستوري باحترام توجهات المحكمة الدستورية الناهضة بوظيفة صيانة مبادىء الدستور، وفي صدارتها مبدأ التجريد، احترام قاعدة التدرج ومبدأ المساواة بين المواطنين/
دون التمييز بينهم على أسس غير موضوعية وغير معقولة، ومنها أساسا التشريع لفائدة من يضغط بحدة لفرض مصالحه بصرف النظر عن وجاهتها وعدم إعارة ما يلزم من عناية لحقوق فئة لا تمارس سوى لغة الاقناع والمحاججة “بالتي هي أحسن”، مع تعويلها – من مرجعية الثقة المشروعة في السلطات العامة- على السلطتين التنفيذية والتشريعية في تعميم الطابع الفعلي للمساواة في حق الولوج إلى مهنة المحاماة وفق اقتضاء الفقرة الثانية من الفصل 6 الآنف الذكر.
بوجه عام وعلى سبيل الختم، تقدر هذه الدراسة أهمية احداث آلية مؤسساتية ذات كفاءة قانونية وذات استقلالية في الآن ذاته لغربلة المبادرات التشريعية، متمثلة في “مجلس الدولة أو هيئة في حكمها”، وضمنه قسم “الفتوى والتشريع”، وذلك من باب معالجة متجردة لمثل هكذا اشكالات في التشريع ومن باب حسن التقاط إشارة المشرع الدستوري في المقطع الأخير من الفصل 114 من الدستور، الذي أشار إلى “أعلى هيئة قضائية إدارية بالمملكة” دون التعريف بها في معرض الحديث عن موضوع آخر.
