مجلة مغرب القانونالقانون الخاصالسياسات العمومية الدينية بالمغرب: بين البنية القانونية والمؤسساتية وتحديات دولة الحق والقانون

السياسات العمومية الدينية بالمغرب: بين البنية القانونية والمؤسساتية وتحديات دولة الحق والقانون

محمد وائل الريسوني طالب باحث بكلية العلوم القانونية والسياسية بتطوان      


تُعدُّ الظاهرة الدينية أحد المكونات الجوهرية والأصيلة في تاريخ البشرية، بل إنها تُشكل الرافد الروحي والوجداني الأعمق الذي لازم الإنسان منذ فجر التاريخ في رحلته للبحث عن المعنى، وتفسير الوجود، وصياغة القيم الأخلاقية. فالأديان، في جوهرها الكوني، ليست مجرد نصوص أو طقوس معزولة، بل هي منظومات فكرية وحضارية شاملة صاغت هويات الشعوب، ورسمت معالم ثقافاتها، ووجهت سلوكياتها الفردية والجماعية. ومن هذا المنطلق، يظل الدين الثابت الإنساني الأكثر تأثيراً في صياغة الضمير الجماعي، مما يجعله حقلاً معرفياً عابراً للعصور، ومحط اهتمام دائم من قِبل مختلف العلوم الإنسانية والفلسفية والاجتماعية، التي تسعى لفهم أسرار هذا الارتباط الوثيق بين الإنسان وما هو مقدس.

وإذا كان هذا الارتباط بين الإنسان والمقدس ثابتاً لا ينفصم، فإن الإطار التاريخي للأديان يكشف عن الكيفية التي تحول بها هذا النزوع الروحي إلى محرك أساسي لصيرورة التاريخ البشري وبناء الحضارات الكبرى. فمنذ العصور القديمة، مرّت الظاهرة الدينية بتحولات بنيوية عميقة؛ حيث انتقلت البشرية من مرحلة التدين البدائي المرتبط بعبادة قوى الطبيعة وتفسير الظواهر الغيبية، إلى عصر الرسالات السماوية والأديان التوحيدية الكبرى التي أحدثت قطيعة معرفية وأخلاقية صاغت وجدان العالم. ولم يقف التاريخ عند حدود رصد انتشار هذه المعتقدات، بل سجل كيف تحولت الأديان إلى ركائز متينة قامت على أساسها الممالك والإمبراطوريات، ومحددات رئيسية لرسم الجغرافيا السياسية والثقافية للأمم، مما جعل التاريخ الديني في جوهره مرآة عاكسة لتطور الفكر الإنساني وتطلع المجتمعات نحو التنظيم والانسجام.

وبهدف تفكيك هذه الروابط المركبة بين التاريخ والمقدس، يستلزم علينا بالضرورة، المساءلة المعجمية لـمفهوم مصطلح “الدين”، عبر تتبع دلالاته في المرجعتين اللغويتين العربية والأجنبية. ففي البيئة اللغوية العربية، يكشف تصفح المعاجم (كلسان العرب وابن منظور) عن ثراء واشتقاقات متعددة للجذر الثلاثي (دَ ا نَ)، حيث يتردد بين معاني الانقياد، والطاعة، والخضوع، والذل لسلطة عليا، كما يحمل في طياته دلالات الجزاء، والحساب، والمكافأة، فضلاً عن العادة والشأن؛ مما يجعل المفهوم في اللسان العربي مرتبطاً برابطة التزام متبادلة بين طرفين يخضع أحدهما لسيادة الآخر.

وفي المقابل، نجد أن الفكر الغربي قد قارب المصطلح من زاوية دلالية مغايرة وإن التقت معها في النتيجة؛ إذ يظهر البعد الإيتيمولوجي (Etymologie) للفظ في اللغات الأوروبية الحديثة ارتباطاً وثيقاً بجذرين لاتينيين محتملين شهدا نقاشاً فلسفياً قديماً: الأول هو (Religare) ويعني الرَّبط، أو الوصل، أو إعادة الاتصال، وهو ما يحيل على تلك الرابطة الروحية والوثاق المتين الذي يجمع الكائن البشري بالقوة الغيبية والمقدس. أما الجذر الثاني المحتمل فيعود إلى كلمة (Relegere) التي تفيد العناية، والتدبر، وإعادة القراءة والتكرار الدقيق للطقوس والشعائر، تعبيراً عن التقدير والاحترام والمواظبة على العبادة. ويتكامل هذان الجذران ليعطيا للمصطلح في الفكر الغربي بعداً يجمع بين عمق الرابطة الوجدانية من جهة، والالتزام بالسلوك الطقوسي الجماعي من جهة أخرى.[1]

وفي قلب هذا السجل التاريخي الديني العالمي، يبرز المغرب كحلقة وصل حضارية فريدة وحقل تاريخي متميز صاغ شخصية دينية مستقلة ومتفردة، متجاوزاً النطاق الإقليمي ليصبح مرجعية دولية في إدارة الروابط بين التاريخ والمجتمع والمقدس. وقد انطلق هذا الزخم الروحي من جذور عميقة تمثلت في معتقدات أمازيغية أصيلة قامت على “التدين الطبيعي”، ليتفاعل لاحقاً مع الوافد الفينيقي والقرطاجي. كما شكل المكون اليهودي رافداً محورياً انصهر بالكامل في التربة السوسيو-ثقافية الأمازيغية منتجاً ظاهرة “اليهودية المغربية”، إلى جانب الديانة المسيحية التي وفدت منذ القرون الأولى للميلاد وخلّفت بنية تحتية روحية متنوعة تؤثث الحواضر المغربية اليوم.

وقد شهدت الجغرافيا المغربية منعطفاً حاسماً مع وفود الفتح الإسلامي في القرن الثامن الميلادي وتأسيس الدولة الإدريسية، ليتوالى بعدها حكم دول كبرى كالمرابطين والموحدين والمرينيين والسعديين والدولة العلوية التي عمّقت التلازم بين السلطة الزمنية والمرجعية الروحية. وقد أفرز هذا المسار التاريخي توليفة متجانسة عُرفت بـ “الإسلام المغربي”، تقوم على ثوابت أساسية تتمثل في العقيدة الأشعرية، والمذهب المالكي، والتصوف السني. وفي العصر الحديث، واصلت المؤسسة الملكية هذا النهج عبر مأسسة “إمارة المؤمنين” وإرساء سياسات عمومية دينية توازن بين تحصين الأمن الروحي وحماية الثوابت، وتكريس المملكة كنموذج حي للتعايش والتعددية الثقافية والدينية.

لقد نجح المغرب المعاصر، بناءً على هذا التوجيه الملكي المستمر عبر المحطات الدستورية المتعاقبة، في ابتكار نموذج فريد للتدبير الديني يوازن بين ضوابط السيادة وخصوصيات المجتمع؛ إذ تحولت هذه السياسات العمومية الدينية إلى أداة استراتيجية تسعى، من جهة، إلى تحصين الأمن الروحي للمواطنين وحماية الثوابت العقائدية والمذهبية للمملكة، وتعمل، من جهة أخرى، على تكريس المغرب كأرض تاريخية ونموذج حي للتعايش العقائدي والتعددية الثقافية من خلال كفالة حقوق الأقليات الدينية وحماية ممارساتهم الدينية التعبدية.

وتبرز أهمية دراسة هذا الموضوع من الناحيتين العلمية والعملية؛ فعلى المستوى النظري، يشكل هذا البحث محاولة لسد فراغ أكاديمي في فقه القانون العام والعلوم السياسية يتعلق بتفكيك آلية تحول “الديني” إلى “سياسة عمومية” خاضعة للتقنين والمأسسة في ظل دولة حديثة. أما على المستوى العملي والواقعي، فتكمن الأهمية في رصد التجربة المغربية الفريدة التي استطاعت توظيف الترسانة القانونية والدستورية لتقديم نموذج حمائي ذي أبعاد مزدوجة: يُعنى بحفظ الأمن الروحي الداخلي وتثبيت الثوابت الدينية للمملكة، ويُقدم في الآن ذاته إجابات قانونية وعملية مرنة لكفالة التعددية، وحماية حريات العبادة لغير المسلمين، مما جعل من هذه السياسات صمام أمان سياسي وحضاري في محيط إقليمي مضطرب.

ولأن هذه السياسات العمومية الدينية تلتقي اليوم عند نقطة تماس حساسة، بين خصوصية الهوية الإسلامية للمملكة، ومقتضيات دولة الحق والقانون بمرجعيتها الوضعيّة والتزاماتها الدولية، فإن هذا التداخل يطرح جملة من التفاعلات والإشكالات القانونية والدستورية الفسيحة. ومن هذا المنطلق، وتأسيساً على هذا التلازم المركب، تتبلور إشكالية بحثنا الرئيسة في التساؤل الآتي:

في ظل هذا الغنى الثقافي والتاريخي للمملكة المغربية، إلى أي حد استطاعت السياسات العمومية بالمغرب، الموازنة والتوفيق بين المرجعية الدستورية القائمة على إمارة المؤمنين وترسيخ قيم الإسلام كأسمى قانون للمملكة، وبين متطلبات الملائمة الحقوقية، وتدبير التعددية الروحية في إطار دولة الحق والقانون المعاصرة؟

وتتفرع عن هذه الإشكالية المركزية تساؤلات فرعية تضيء جوانب الموضوع؛ تتمثل في طبيعة الترسانة القانونية الناظمة للحقل الديني، ورهانات البنية المؤسساتية الساهرة على تنزيل السياسات العمومية، فضلاً عن أبرز التحديات الداخلية والخارجية المحدقة بالأمن الروحي للمملكة:

  • ما هي أهم القوانين التي تؤطر المجال الديني بالمغرب؟
  • ما هي المؤسسات التي تسهر على تنزيل السياسات العمومية في المجال الديني؟
  • ما هي أبرز التحديات التي تواجه المغرب من الجانب الديني؟ داخليا وخارجيا؟

ولمعالجة هذه الإشكالات وتفكيك أبعادها، اعتمدنا منهجاً مزدوجاً يتكامل فيه المنظور الوصفي الذي أتاح لنا جرد وتحليل مختلف النصوص الدستورية، التشريعية، والتنظيمية المؤطرة للحقل الديني، مع المنظور التحليلي والنقدي الذي مكننا من تفكيك طبيعة تدخل المؤسسات الدستورية والتدبيرية، ورصد مكامن القصور والإكراهات العملية، لاسيما تلك المرتبطة بتداخل الاختصاصات وتحديات العولمة الرقمية.

وتبعاً لهذه المقاربة المنهجية، فقد انتظمت خطة هذا البحث في مبحثين أساسيين؛ خصصنا المبحث الأول لدراسة الإطار القانوني والمؤسساتي للسياسات العمومية الدينية، من خلال تفكيك القواعد الدستورية والتشريعية من جهة، ورصد الهياكل المؤسساتية السيادية والتنفيذية من جهة أخرى. في حين تم تخصيص المبحث الثاني لرصد الصعوبات التدبيرية والتحديات الداخلية والخارجية، مع استشراف آفاق ملاءمة السياسة الدينية مع متطلبات دولة الحق والقانون.

المبحث الأول: الإطار القانوني والمؤسساتي للسياسات العمومية الدينية

يشكل الإطار القانوني والمؤسساتي الركيزة الأساسية والمحرك المحوري لتنزيل السياسات العمومية في المجال الديني بالمملكة المغربية؛ إذ لا يمكن تصور سياسة دينية استباقية وفعالة دون وجود ترسانة قانونية متكاملة تضمن شرعيتها، وبنية مؤسساتية مؤهلة لتصريف اختياراتها على أرض الواقع.

وتتميز الهندسة القانونية والمؤسساتية للحقل الديني بالمغرب بخصوصية بنيوية فريدة، تجد سندها في التلازم المتين بين الشرعية التاريخية والشرعية الدستورية الحديثة التي تختزلها مؤسسة ‘إمارة المؤمنين’. فهذه الأخيرة تشكل النواة الصلبة التي تتدفق منها القواعد القانونية المنظمة، وتنبثق عنها الأجهزة المؤسساتية الساهرة على تدبير الشأن الديني، مما يسمح بحفظ الأمن الروحي للمواطنين في تناغم تام مع مبادئ دولة الحق والقانون.

وتأسيساً على ذلك، ولتفكيك هذه اللبنات المرجعية، يقتضي الأمر منا بدايةً البحث في الخلفيات التشريعية المؤطرة لهذا المجال (المطلب الأول)، على أن نعرج بعد ذلك على رصد البنية المؤسساتية الفاعلة في تنزيل هذه السياسات وتوزيع الاختصاصات بينها (المطلب الثاني)

المطلب الأول: الإطار القانوني المؤطر للسياسة الدينية

إن تنظيم المجال الديني بالمملكة المغربية لا ينبثق من فراغ، بل يستند إلى بيئة قانونية هرمية تتدرج فيها القواعد وفق خصوصية تجمع بين السمو الدستوري للوثيقة الأسمى للدولة، والخصوصية الحمائية للترسانة التشريعية والتنظيمية الفرعية. وتجد هذه المنظومة تبريرها في الرغبة في تحصين المشترك الديني وضمان ممارسته في بيئة يسودها الاستقرار وسيادة القانون.

وبناءً عليه، ولدراسة هندسة هذه الترسانة والتدرج الذي يحكمها، سنعمل على تحليل القواعد الدستورية المؤصلة للمجال (الفقرة الأولى)، قبل أن ننتقل لجرّد وتحليل النصوص التشريعية والتنظيمية المؤطرة له (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الدستور

تأسيساً على السمو الدستوري للوثيقة الأسمى للدولة، تبوأت المسألة الدينية مكانة الصدارة في الهندسة الدستورية للمملكة المغربية عبر مختلف محطاتها التاريخية، حيث لم يكن الدستور مجرد وثيقة لتوزيع السلطات السياسية فحسب، بل شكّل دائماً الحصن القانوني الأسمى لتثبيت الهوية الروحية للدولة وتأطير السياسات العمومية المرتبطة بها. وفي هذا السياق، جاء دستور سنة 2011 ليكرس هذه الخصوصية المغربية ويسيجها بضمانات دستورية متطورة، حاولت بذكاء قانوني التوفيق بين الحفاظ على الثوابت الدينية الراسخة للمملكة، وبين الاستجابة لمتطلبات دولة الحق والقانون بمعاييرها المعاصرة. ويمكن تفصيل هذا التأصيل الدستوري من خلال المحورين التاليين:

أ) موقع الإسلام والحريات الدينية في التصدير والفصل الثالث:

تبوأت المسألة الدينية مكانة الصدارة في الهندسة الدستورية للمملكة المغربية عبر مختلف محطاتها التاريخية، حيث لم يكن الدستور مجرد وثيقة لتوزيع السلطات السياسية فحسب، بل شكّل دائماً الحصن القانوني الأسمى لتثبيت الهوية الروحية للدولة وتأطير السياسات العمومية المرتبطة بها.[2] وفي هذا السياق، جاء دستور سنة 2011 ليكرس هذه الخصوصية المغربية ويسيجها بضمانات دستورية متطورة، حاولت بذكاء قانوني التوفيق بين الحفاظ على الثوابت الدينية الراسخة للمملكة، وبين الاستجابة لمتطلبات دولة الحق والقانون بمعاييرها المعاصرة.[3] ويتجلى هذا التوجه الدستوري بوضوح منذ التصدير، الذي أضحى جزءاً لا يتجزأ من النص الدستوري، حيث تم التأكيد على الهوية الوطنية المتميزة بتبوؤ الدين الإسلامي مكانة الصدارة فيها، في ظل تشبث الشعب المغربي بقيم الانفتاح، والاعتدال، والتسامح، والحوار الإنساني، وهو ما يعكس رغبة المشرع الدستوري في تقديم نموذج ديني مغربي منفتح يقطع الطريق أمام كل تأويل متطرف أو انغلاق أيديولوجي.[4]

وتجد هذه الصدارة الدستورية ترجمتها الإجرائية في منطوق الفصل الثالث من الدستور، الذي أرسى ثنائية مبدئية حاسمة تحكم السياسة الدينية للدولة؛ حيث نص صراحة على أن الإسلام هو دين الدولة، متبوعاً بضمانة حقوقية تقضي بأن الدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية. ومن الناحية التحليلية، فإن هذا المقتضى يتجاوز مجرد الإعلان الهوياتي إلى ترتيب التزامات قانونية على عاتق الدولة؛ فهي مطالبة برعاية هذا الدين وحماية أمنه الروحي الجماعي كأصل من أصول المنظومة الوطنية، وفي الآن ذاته، ملزمة بتبني مقاربة حقوقية تحمي الحريات الفردية الروحية وتضمن التعايش السلمي بين مختلف الأفراد والديانات، مما يجعل من الوثيقة الدستورية أداة لإنتاج التوازن والملائمة المستمرة بين المتطلب العقدي والمتطلب الحقوقي الكوني.[5]

ب) إمارة المؤمنين واحتكار الإفتاء عبر المجلس العلمي الأعلى وفق الفصل الحادي والأربعين:

لم يقف الطموح الدستوري عند حدود إعلان المبادئ العامة، بل انتقل نحو مأسسة الحقل الديني وهيكلته بشكل يخرجه من دائرة التنافس السياسي أو الحزبي الضيق، وذلك من خلال إفراد مكانة حصرية ومستقلة لمؤسسة “إمارة المؤمنين” كمحدد أسمى للسياسة الدينية في البلاد.[6] وقد جاء الفصل الحادي والأربعون من الدستور ليوطد هذه الشرعية الدستورية بجعل الملك، بصفته أميراً للمؤمنين، حامي حمى الدين، والضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية، والجهة السيادية الوحيدة والمستقلة التي تمارس اختصاصاتها الدينية عبر ظهائر شريفة غير قابلة للمساءلة أو المراقبة القضائية الإدارية لكونها تتصل بمهام السيادة الروحية.[7] إن هذا الاحتكار المؤسساتي للمجال الديني من طرف إمارة المؤمنين يعد الضمانة البنيوية الأولى لمنع الفوضى واستغلال الدين في الاستحقاقات السياسية، مما يحفظ للمساجد والحقل الروحي طابعهما الحيادي التجميعي داخل المجتمع.

وفي إطار نفس المأسسة الدستورية، حسم ذات الفصل في إشكالية جوهرية كانت تشكل على الدوام منطلقاً للاضطرابات الفكرية والأمنية، وهي إشكالية تضخم الفتاوى العشوائية، حيث نص الدستور على أن الملك يرأس المجلس العلمي الأعلى، الذي يتولى حصرياً إصدار الفتاوى في القضايا التي تُرفع إليه بصفة رسمية. واللافت للانتباه من الزاوية القانونية والتحليلية، هو أن المشرع الدستوري قيد هذه الفتاوى بضرورة الاستناد إلى مبادئ وأحكام الدين الإسلامي الحنيف ومقاصده السمحاء؛ وهو توجيه صريح نحو اعتماد “الاجتهاد المقاصدي” المرن، الذي يبحث عن علل النصوص ومصالح العباد، مما يسمح للمنظومة الفقهية المغربية بالتطور والتفاعل الإيجابي مع المستجدات التشريعية والقضايا المجتمعية المعاصرة دون السقوط في فخ الجمود، وبذلك يظل الدستور هو المهندس الفعلي والمنطلق الأساسي الذي تسترشد به كل التشريعات والسياسات الدينية الفرعية.[8]

الفقرة الثانية: الترسانة التشريعية والتنظيمية الفرعية للحقل الديني

إذا كانت الوثيقة الدستورية قد وضعت الهندسة الجينية والأسس السيادية للسياسة الدينية بالمملكة، فإن تنزيل هذه التوجهات على أرض الواقع تطلب بناء ترسانة قانونية فرعية فريدة من نوعها، تتميز بخصوصية واضحة في منظومة القانون العام المغربي. وتتجلى هذه الخصوصية في المزاوجة بين الأدوات التشريعية العادية التي يختص بها البرلمان، وبين الأداة التنظيمية السامية المتمثلة في الظهائر الشريفة الصادرة عن الملك بوصفه أميراً للمؤمنين.[9] وتكتسي هذه الظهائر الصادرة في المجال الديني صبغة قانونية خاصة، إذ استقر الفقه والقضاء الإداري المغربي على عدم جواز الطعن فيها بالإلغاء بسبب الشطط في استعمال السلطة، لكونها تنبثق عن الاختصاص الديني الحصري للملك باعتباره مرجعية أسمى خارجة عن نطاق رقابة القضاء الإداري العادي، مما يمنح القواعد المنظمة للحقل الديني حصانة قانونية تضمن استقرارها وحيادها.[10]

مقال قد يهمك :   فراجي : رئاسة النيابة العامة تصحح المفاهيم بخصوص قانون مكافحة الاتجار بالبشر

وتتوزع هذه الترسانة التشريعية والتنظيمية لتغطي محاور استراتيجية كبرى تهدف إلى هيكلة الحقل الديني ومنع عشوائيته، ويأتي على رأسها تنظيم وتأطير المساجد والقيمين الدينيين. وفي هذا الصدد، يشكل الظهير الشريف المتعلق بوضع الحصانة للأئمة والخطباء والمؤطرين الدينيين خطوة تشريعية حاسمة لضمان “حياد المساجد”؛ حيث فرض هذا النص على القيمين الدينيين الالتزام بـ “واجب التحفظ” وعدم ممارسة أي نشاط سياسي أو نقابي، أو اتخاذ مواقف تكتسي طابعاً سياسياً أو فئوياً.[11] ومن الناحية التحليلية، فإن هذا المنع القانوني لا يشكل تضييقاً على الحريات بقدر ما يمثل حماية تشريعية ضرورية لمنع تحويل بيوت الله إلى ساحات للاستقطاب الإيديولوجي أو الحزبي، مما يحافظ على الوظيفة التجميعية التعبدية للمسجد داخل بنية الدولة والمجتمع.[12]

وفي نفس السياق الإجرائي، تمتد الترسانة القانونية لتنظيم الجوانب المالية والارتفاقية المرتبطة بالحقل الديني، وهو ما تجسده “مدونة الأوقاف العامة” التي تم تجميعها وتحديثها بموجب ظهير شريف متطور. وتقدم هذه المدونة إطاراً قانونياً متكاثفاً يحمي الأموال والأصول الموقوفة، ويخضعها لقواعد تدبيرية حديثة تسمح باستثمارها وتطويرها بما يضمن استقلاليتها المالية وقدرتها على تمويل المرفق الديني والأنشطة الاجتماعية والخيرية المرتبطة به.[13] كما تتدخل القوانين العادية، كالتشريعات المنظمة للتعليم العتيق، لربط هذا التعليم الأصيل بالمنظومة التربوية الوطنية؛ حيث سعت النصوص القانونية المنظمة له إلى وضع ضوابط ومناهج تضمن تخرّج كفاءات دينية قادرة على فهم العصر، ومحصنة ضد الأفكار الدخيلة، مع فتح الآفاق أمامهم لولوج الجامعات والمعاهد العليا الوطنية. [14]

ولا يقتصر التدخل التشريعي والتنظيمي على البعد الداخلي فحسب، بل يمتد ليشمل تقنين وتنظيم قنوات حماية الأمن الروحي في بعده الثقافي والرمزي، وهو ما يظهر من خلال النصوص المحدثة والمشرفة على طباعة وتوزيع المصحف الشريف، ومراقبة البرامج الدينية في وسائل الإعلام السمعية البصرية. إن هذا التراكم التشريعي والتنظيمي يبرز كيف انتقل المغرب من التدبير الظرفي أو التقليدي للشأن الديني إلى مرحلة “العقلنة القانونية” والمأسسة الشاملة، حيث أضحى كل تفصيل مرتبط بالحقل الروحي خاضعاً لضوابط قانونية صارمة، مما يبرهن على أن السياسة العمومية الدينية بالمغرب تتحرك بمرونة وفعالية في إطار دولة الحق والقانون المعاصرة.[15]

المطلب الثاني: الاطار المؤسساتي

وبعد الانتهاء من الحديث عن الإطار القانوني والتشريعي الذي يؤطر السياسات العمومية الدينية بالمغرب، يستوجب علينا الأمر الانتقال إلى تسليط الضوء على الأذرع والهياكل التنفيذية التي تنزل وتعطي لهاته النصوص التشريعية روحا بتنزيلها على أرض الواقع وفي ميدان الحياة اليومية للأفراد، والتي أيضا تسهر على احترامها بين الأفراد وفي المجتمع. ونظرا لأهمية الموضوع ومساسه المباشر بالجانب الروحي والعقائدي للأفراد والأمة على حد سواء، تنقسم هاته المؤسسات إلى نوعان، مؤسسات دستورية ذات الطابع السيادي (الفقرة الأولى)، ومؤسسات وأجهزة تنفيذية وعلمية (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: المؤسسات الدستورية ذات الطابع السيادي

تتربع المؤسسات الدستورية على هرم الآليات الساهرة على تدبير الشأن الديني بالمغرب، وتستمد هذه المؤسسات طبيعتها السيادية من الاتصال المباشر بمؤسسة “إمارة المؤمنين” التي حدد معالمها الفصل 41 من الدستور كجهة حصرية مشرفة على الحقل الروحي. وتعد إمارة المؤمنين في حد ذاتها المؤسسة الدستورية والشرعية الأسمى التي تنبثق عنها التوجيهات الكبرى لسياسة الدولة الدينية، حيث يمارس الملك صلاحياته في هذا المجال بشكل مستقل عن باقي السلطات السياسية الأخرى. ومن الناحية القانونية والتحليلية، فإن مأسسة إمارة المؤمنين دستورياً تمنح المنظومة الدينية استقراراً استراتيجياً بعيداً عن تقلبات الأغلبيات الحكومية أو التجاذبات الإيديولوجية، مما يجعل القرار الديني قراراً سيادياً يهدف بالأساس إلى حماية الأمن الروحي الجماعي وتأمين المشترك الوطني الأسمى للمغاربة.[16] وخير مثال عملي يجسد هذا الدور السيادي هو التدخل الملكي المباشر لإعادة تنظيم الهيئات الممثلة للطائفة اليهودية المغربية، والذي تُرجم قانوناً بصدور الظهير الشريف رقم 1.22.64 والظهير الشريف رقم 1.22.65؛ وهي نصوص سيادية صادرة عن أمير المؤمنين تعكس التطبيق الميداني لكفالة الحريات الروحية لجميع المغاربة خارج الحسابات السياسية الحكومية . [17]

وتتفرع عن هذه الشرعية السيادية أداة مؤسساتية دستورية بالغة الأهمية، يتجلى دورها في مأسسة الفتوى والاجتهاد الفقهي، وهي مؤسسة “المجلس العلمي الأعلى”. وقد ارتقى دستور 2011 بهذا المجلس لجعله شريكاً دستورياً صريحاً في ضبط الممارسة الدينية وتحصينها؛ إذ نصت الوثيقة الدستورية على أنه المؤسسة الوحيدة المؤهلة قانوناً لإصدار الفتاوى المعتمدة رسمياً في البلاد. ويقود هذا التحليل الباحث إلى إدراك فلسفة المشرع الدستوري التي رامت قطع الطريق على مظاهر الفوضى الدينية وتعدد المنابر الإفتائية التي قد تهدد السلم الاجتماعي. ويشتغل المجلس العلمي الأعلى بآلية تجمع بين الرئاسة الملكية والتركيبة العلمية التي تضم صفوة العلماء، مما يمنحه سلطة معنوية وقانونية نافذة تعزز الاستقرار المقاصدي للمملكة.[18] والمثال العملي الأبرز لعمل هذه المؤسسة على المستوى المركزي تجلى في الفتوى الرسمية الجماعية الصادرة عن الهيئة العلمية المكلفة بالإفتاء بالمجلس العلمي الأعلى، والتي قضت بالإغلاق المؤقت للمساجد بناءً على المقاصد الشرعية لحفظ النفس، حيث كانت هذه الفتوى المؤسساتية هي السند الشرعي والقانوني الذي اعتمدت عليه السلطات العمومية لإنفاذ قرار حالة الطوارئ الصحية وحماية الأمن الصحي والروحي للبلاد في زمن جائحة كورونا. [19]

إن الوظيفة التحليلية للمجلس العلمي الأعلى لا تنحصر في الجانب الإفتائي المحض، بل تمتد لتشكل صمام أمان قانوني وسياسي؛ فهو المؤسسة التي تسهر على تمنيع المجتمع ضد تيارات التطرف الفكري الوافدة، عبر صيانة الهوية الفقهية المغربية المرتكزة على المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية وتصوف الجنيد. كما يتولى المجلس فحص ومواكبة القضايا المستجدة التي تطرحها التطورات التشريعية بطلب من أمير المؤمنين، مما يضفي على النصوص القانونية الحديثة صبغة الملاءمة الشرعية والمقاصدية، ويضمن سير المملكة نحو التحديث المعاصر في تلاؤم وثيق مع ثوابتها الدينية الراسخة.[20] ويمكن هنا العودة إلى الرسالة الملكية السامية الموجهة إلى رئيس المجلس العلمي الأعلى، والتي تم بموجبها إحالة بعض مقترحات تعديل “مدونة الأسرة” إلى المجلس لإصدار فتوى جماعية بشأنها، استناداً إلى الصلاحيات الدستورية للمجلس في الاجتهاد المقاصدي، مما يوضح كيف تتدخل هذه المؤسسة الدستورية لملاءمة النصوص القانونية العصرية مع الضوابط الشرعية المعتمدة .[21]

ولا يقف عمل المؤسسة العلمية عند حدودها المركزية، بل يمتد عبر فروع إقليمية متمثلة في “المجالس العلمية المحلية” (أو الترابية) التي تباشر التأطير الروحي اليومي والمباشر للمواطنين على المستوى الترابي للمملكة. وتلعب هذه المجالس الترابية دوراً محورياً في تنزيل التوجيهات الرسمية وتأمين الأمن الروحي محلياً من خلال مراقبة خطب الجمعة، وتأطير المساجد، وتنظيم كراسي الوعظ والإرشاد.[22] ويتجلى دورها الميداني بشكل ملموس في تفعيل مقتضيات المادة 19 من ظهير إعادة هيكلة المجالس العلمية، حيث تسهر هذه المجالس محلياً على اختبار وتأهيل القيمين الدينيين (الأئمة والخطباء) ومنحهم “تزكية الخطابة والوعظ”، وهو مثال عملي يوضح كيف تمارس هذه المؤسسات الترابية سلطة الضبط القانوني والشرعي المباشر لمنع أي انفلات أو اعتلاء للمنابر خارج الضوابط الرسمية للدولة.[23]

الفقرة الثانية: المؤسسات والأجهزة التنفيذية ذات الطابع التخصصي

بالموازاة مع المؤسسات الدستورية التقريرية، تتدخل مجموعة من الأجهزة والمرافق الإدارية والعلمية ذات الطابع التنفيذي والتخصصي، والتي أنيطت بها مهمة الأجرأة الميدانية للسياسات الدينية الكبرى. وتأتي “وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية” في طليعة هذه الآليات الإدارية، باعتبارها قطاعاً حكومياً يخضع لقواعد القانون الإداري العام، ويسهر على التدبير اليومي والمادي والمالي لارتفاقات الشأن الديني. وتتولى الوزارة عبر مديرياتها المركزية ومندوبياتها الجهوية والإقليمية مهاماً لوجيستيكية جسيمة، تشمل بناء وتجهيز المساجد، وتدبير الوضعية القانونية والمالية للقيمين الدينيين، إلى جانب الإشراف على برامج محو الأمية بالمساجد وتأطير مواسم الحج؛ وهي اختصاصات تجعل من الوزارة الجهاز التنفيذي المحوري الذي يحول التوجيهات السيادية العليا إلى خدمات ارتفاقية ملموسة للمرتفقين.[24] ويتضح هذا الدور إجرائياً في إشراف الوزارة على تنفيذ مقتضيات الظهير الشريف المتعلق بوضع استراتيجية وطنية لـ “محو الأمية بالمساجد”[25]، فضلاً عن إدارتها لـ “معهد محمد السادس للقراءات والدراسات القرآنية” [26]، وهي أمثلة عملية تبرز كيف تتحول الوزارة إلى مرفق عمومي إداري يسخر الموارد المالية والبشرية لتنزيل السياسة الدينية على أرض الواقع.

وإلى جانب البعد الإداري المحض للوزارة، عرفت البنية المؤسساتية الدينية في العقدين الأخيرين طفرة نوعية تمثلت في إحداث مؤسسات علمية وبحثية ذات طبيعة تخصصية تهدف إلى عصرنة الخطاب الديني وتأهيل الفاعلين فيه. وتبرز هنا “الرابطة المحمدية للعلماء” كمؤسسة تم تجميعها وإعادة هيكلتها بموجب ظهير شريف لتشكل مركز تفكير استراتيجي . وتتمحور الوظيفة التحليلية للرابطة في تفكيك الخطابات المتطرفة وإنتاج معرفة إسلامية معاصرة تتلاءم مع قيم حقوق الإنسان والمواطنة، من خلال مراكز أبحاثها المتخصصة في قضايا المرأة والطفل والشباب والرقمنة، مما يساهم في سد الثغرات الفكرية وتحديث لغة التواصل الديني وتوجيهها للأجيال الصاعدة المنفتحة على العالم الافتراضي.[27] ويظهر عملها الميداني بشكل ملموس في تفعيلها للمادة الرابعة من ظهير إعادة هيكلتها، حيث أطلقت بناءً عليه سلسلة “كراسات تفكيك خطاب التطرف” ووحدات رقمية تفاعلية موجهة للناشئة، كأمثلة عملية على مجابهة الفكر المتشدد بوسائل تكنولوجية حديثة تعزز قيم المواطنة .[28]

وفي سياق تعزيز المقاربة الاستباقية للمغرب، تم إحداث مؤسسات تخصصية ذات إشعاع استراتيجي ودبلوماسي يتجاوز الحدود الوطنية؛ لعل أبرزها “معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات” و”مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة”. ويمثل معهد التكوين ذراعاً هيكلياً يعنى بإعداد العنصر البشري المؤهل علمياً وقانونياً وسيكولوجياً لممارسة الخطابة والإرشاد، حيث لم يعد التكوين تقليدياً، بل أضحى أكاديمياً يدمج العلوم الإنسانية والقانونية واللغات. واللافت أن هذا المعهد، إلى جانب مؤسسة العلماء الأفارقة، ينهض بدور ريادي في الدبلوماسية الروحية للمملكة؛ من خلال استقبال وتكوين بعثات من الأئمة الأجانب، ونشر قيم الإسلام الوسطي المعتدل، مما يجعل من السياسة المؤسساتية الدينية للمغرب أداة قوية للسياسة الخارجية وقوة ناعمة تعزز الاستقرار الإقليمي والدولي للمملكة في إطار سيادة دولة الحق والقانون[29]. ومن الأمثلة التطبيقية الصارخة هنا، تفعيل المادة 3 من ظهير إحداث معهد التكوين والتي تتيح استقبال وتكوين الأئمة الأجانب[30]، بالتكامل مع الأنشطة الثقافية لـ “مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة” والتي تنظم بانتظام مسابقات حفظ القرآن الكريم في العواصم الإفريقية [31]، مما يشكل دليلاً حياً على توظيف النص القانوني لتصدير النموذج الديني المغربي كأداة دبلوماسية ناعمة.

المبحث الثاني: التحديات التدبيرية للسياسة الدينية وآفاق ملاءمتها مع متطلبات دولة الحق والقانون

لا يمكن مقاربة الهندسة التنظيمية للسياسة الدينية بالمغرب بمعزل عن حركية المحيط الإداري الداخلي والتحولات المتسارعة للبيئة الرقمية العابرة للحدود؛ إذ يواجه تدبير الحقل الديني المعاصر ازدواجية مركبة في التحديات تتأرجح بين إكراهات التنزيل القانوني والمؤسساتي محلياً، وضغوطات العولمة الافتراضية دولياً. وإذا كانت البنيات المستقرة قادرة على صيانة الثوابت، فإن رصد مكامن القصور المستجدة يعد شرطاً لازماً لتطوير آليات الحكامة الدينية وملاءمتها مع التوجهات الاستراتيجية للمملكة. وبناءً عليه، يستوجب التحليل المنهجي تقسيم هذا المبحث إلى مطلبين؛ نخصص المطلب الأول لرصد وتفكيك التحديات الداخلية والخارجية المحدقة بالسياسة الدينية، على أن نفرد المطلب الثاني لمناقشة آفاق تنزيل مبدأ دولة الحق والقانون بما يلائم الخصوصية الدينية للمغرب وثوابته الدستورية.

المطلب الأول: التحديات الداخلية والخارجية التي تواجهها السياسة الدينية بالمغرب

تخضع السياسة الدينية بالمغرب لضغط مزدوج المصادر؛ يتبلور أوله في الواجهة الداخلية للمرفق العام من خلال تعقيدات مساطر التنزيل الإداري، وتداخل الاختصاصات المؤسساتية، والإكراهات العقارية والمسطرية المؤطرة لتشييد البنيات الدينية، وينشأ ثانيه في الواجهة الخارجية العابرة للسيادات الوطنية بفعل التحديات الرقمية المعاصرة. وتأسيساً على ذلك، لا يمكن إرساء تقييم موضوعي لنجاعة الأمن الروحي بمعزل عن تفكيك هذين المستويين من الإكراهات. وهو ما يقتضي معالجة هذا المطلب عبر فقرتين رئيسيتين: نخصص الفقرة الأولى لرصد التحديات الداخلية الناجمة عن صعوبات التنزيل القانوني، وتداخل الاختصاصات، والإكراهات المجالية والميدانية للمساجد، في حين نركز في الفقرة الثانية على الصعوبات الخارجية المرتبطة باكتساح الفضاء الافتراضي ومنصات التواصل الاجتماعي.

الفقرة الأولى: التحديات الداخلية في ظل صعوبات تنزيل النص القانوني وتداخل الاختصاصات والاكراهات المجالية

تتسم الواجهة الداخلية للسياسة الدينية بتحديات هيكلية متعددة المستويات، ويمكن تفكيك معالمها الأساسية عبر المحاور التالية:

أ- تداخل الصلاحيات وازدواجية الاختصاص المؤسساتي:

تتجلى المعيقات الداخلية للسياسة الدينية أولاً في البنية الإدارية والتنظيمية الارتفاقية، وتحديداً في معضلة “تداخل الصلاحيات وازدواجية الاختصاص” بين الأجهزة التقريرية ذات الصبغة السيادية التنفيذية والأجهزة ذات الطبيعة العلمية الفقهية. فبالرغم من الهيكلة المؤسساتية التي عرفها الحقل الديني، فإن غياب الحدود الفاصلة والدقيقة بين الاختصاص العلمي والفتوائي (المنوط بالمجلس العلمي الأعلى بموجب الوثيقة الدستورية) والاختصاص المادي والتدبيري واللوجيستيكي (المنوط بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية) ينتج نوعاً من البطء الإجرائي والتنازع الصامت في تدبير القضايا ذات البعد المشترك.

ويظهر هذا التحدي التنظيمي جلياً في قطاع “تدبير الإعلام الديني وإنتاج البرامج والخطابات الدينية في وسائل الإعلام العمومية السمعية البصرية”؛ إذ يتوزع الاختصاص الرقابي والتنفيذي عملياً بين المصالح المركزية لوزارة الأوقاف، والمجالس العلمية، والشركات الوطنية للإذاعة والتلفزة، تحت المراقبة البعدية للهيئة العليا للاتصال السمعي البصري (الهاكا) بموجب أحكام القانون رقم 77.03. هذا التعدد في جهات القرار والرقابة ينشئ مساطر إدارية مركبة تؤدي في الكثير من الأحيان إلى ترهل المرفق الإعلامي الديني، وعجزه عن مسايرة الوتيرة المتسارعة للمستجدات الفقهية والنوازل المجتمعية المعاصرة.[32]

ب- الإكراهات المسطرية والعقارية ومجاليّات التدبير:

وعلى صعيد موازٍ، تبرز صعوبات بالغة التعقيد في “تنزيل النصوص القانونية والظهائر الشريفة” وتنزيلها على المستوى المجالي والترابي، ويتبلور ذلك قانونياً وعملياً في تعقيد مساطر بناء وترخيص وتدبير المساجد المنظمة بموجب الظهير الشريف لسنة 2007. إن هذا النص القانوني يفرض شروطاً تقنية، هندسية، معماريّة، وعقارية صارمة جداً (من قبيل إثبات الملكية الصافية الخالية من أي نزاع عيني، وتقديم تصاميم هندسية مصادق عليها من لدن لجان التعمير، والحصول على شهادات المطابقة والرخص الإدارية المتعددة)؛ وهي شروط صُممت بمرونة تتلاءم بالأساس مع البنية الحضرية والمراكز الكبرى، غير أنها تتحول إلى عائق تعجيزي وتتعذر تلبية متطلباتها الإدارية في الوسط القروي، والمناطق الجبلية، والهوامش الوعرة التي تغيب فيها وثائق التعمير وتغلب عليها الملكيات الشائعة والتقليدية.

هذا التفاوت المسطري يتسبب مباشرة في تجميد تسوية الوضعية القانونية والإدارية لآلاف المساجد العتيقة والترابية بالأرياف، ويمنع إدماجها في المنظومة الرسمية، مما يجعلها تشتغل خارج الوصاية المالية والتدبيرية المباشرة للوزارة الوصية لفترات طويلة. ولا تقف آثار هذا الخلل عند الجانب اللوجيستيكي، بل تمتد لتنتج تفاوتات مجالية خطيرة في “الغطاء الروحي والتأطير الديني” بين الحواضر والهوامش؛ حيث تتركز النخب المؤهلة من المرشدين والمرشدات والمجالس العلمية في المدن، بينما تفتقر المناطق النائية للتأطير المستمر واليومي، مما يضعف آليات اليقظة الروحية للدولة في تلك المناطق ويفتح ثغرات ترابية قد تستغلها كيانات أو خطابات غير منضبطة للتوجيهات الرسمية للمملكة.[33]

مقال قد يهمك :   بنحداوي مصطفى : تطبيق الأحكام القضائية الصادرة في مسطرة التحفيظ العقاري

وينضاف إلى ذلك إشكالات مرتبطة بصعوبات التخطيط واختيار المواقع المجالية المناسبة لتشييد البنيات الدينية بعيداً عن التجاذبات المحلية.

ج- تحديات التفاعل اليومي مع المحيط السكني وضبط المذكرات التنظيمية:

ينشأ عن التداخل المجالي المباشر بين المؤسسة المسجدية ومحيطها السكني إشكال مركب يرتبط بحماية “السكينة العامة” كمكون أساسي من مكوّنات الشرطة الإدارية المخولة للسلطات العمومية، وهو ما يفرض تدبير هذا التقاطع المجتمعي بحذر دقيق استناداً إلى أحكام الظهير الشريف رقم 1.07.56 المتعلق بإنشاء المساجد وتدبيرها. وفي هذا السياق، تبرز إشكالية تأطير استعمال المرافق الصوتية والانبعاثات الناتجة عنها؛ إذ تتطلب المقاربة القانونية إيجاد موازنة صارمة بين وجوب تبليغ الشعائر الدينية وفق الثوابت المرعية، وبين الالتزام بالضوابط التنظيمية الرامية إلى صيانة الراحة المجتمعية للعموم وحماية حقوق الجوار.

وتجسيداً لهذا التوازن القانوني والمؤسساتي، تستند السياسة الدينية إلى المرتكزات التأصيلية الواردة في “دليل الإمام والخطيب والواعظ”[34] المستمدة من قواعد الفقه المالكي الكبرى، وفي مقدمتها قاعدة “درء المفاسد وجلب المصالح والمصالح المرسلة“، والتي تعززت بدوريات ومذكرات تنظيمية مصلحية موجهة للمندوبيات الإقليمية وعلى سبيل المثال المذكرة المتضمنة للتوجيهات التفسيرية القاضية بقصر مكبرات الصوت الخارجية على الأذان وخطبة الجمعة، وضبط مستوياتها في الحد الأدنى تفادياً للإزعاج سيما أثناء التهليل وأذان صلاة الفجر[35]. وتستند هذه التدابير إلى تقارير محلية ترصد الواقع الميداني، بما يعكس حرص السياسات العمومية على ترسيخ حكامة ترابية تكفل احترام قدسية الشعائر واستقرار السكينة العامة.

الفقرة الثانية: الصعوبات الخارجية في ظل نشأة العالم الافتراضي ومواقع التواصل الاجتماعي

إذا كانت التحديات الداخلية للمرفق الديني تقع تحت طائلة الرقابة القانونية المباشرة والسيادة الإدارية للدولة، فإن الواجهة الخارجية تفرض تحديات عابرة للحدود الوطنية والسيادات الإقليمية؛ وتتمثل أساساً في ظاهرة “الانفلات الرقمي” واكتساح الفضاء الافتراضي وشبكة الأنترنيت ومختلف منصات التواصل الاجتماعي (مثل فيسبوك، يوتيوب، تيك توك، وتطبيقات البث والمحادثة الفورية الرقمية). إن هذه الطفرة التكنولوجية والاتصالية أحدثت خلخلة عميقة في بنية التلقي عبر “إلغاء الوساطة المؤسساتية التقليدية” التي كانت تحتكرها الدولة تاريخياً في توجيه المعرفة الروحية؛ إذ أصبحت الفتاوى العابرة للقارات، والأطروحات الإيديولوجية الوافدة، والقراءات المتطرفة أو الشاذة للنصوص الدينية، متاحة بشكل مباشر، مجاني، وتفاعلي للمواطن والمستخدم المغربي خارج قنوات التزكية والمراقبة العلمية القبلية المنوطة بالمجلس العلمي الأعلى والهيئات الرسمية للإفتاء. هذا التواجد الكثيف للخطابات البديلة يشوش على الثوابت الروحية الوطنية ويستهدف بشكل مباشر مقومات الأمن الروحي القائم على المذهب المالكي، والعقيدة الأشعرية، وتصوف الجنيد السالك.[36]

وتكمن خطورة هذه الصعوبات الخارجية والافتراضية في “عجز المقاربة القانونية الزجرية” أو الضبطية الإدارية الكلاسيكية (المستندة إلى الحدود الجغرافية) عن فرض سيادتها الكاملة ومراقبتها على التدفقات المالية والرقمية والخوارزميات العابرة للقارات؛ فالآليات التشريعية الوطنية تواجه قصوراً قانونياً وتقنياً بنيوياً في تتبع مصادر الفتاوى الرقمية، أو حجب المنصات التي تبث من خوادم دولية، أو ملاحقة أصحاب الحسابات الوهمية والمنظمة التي تستهدف استقرار النموذج الديني المغربي.

إن هذا الواقع يضع السياسة الدينية أمام معضلة حقيقية تتمثل في تراجع نجاعة المقاربات الإدارية التقليدية القائمة على التدابير الضبطية (كعزل القيمين الدينيين المخالفين، أو إغلاق المنابر غير المرخصة، أو منع المنشورات الورقية)؛ إذ لم يعد هذا المنع الإداري مجدياً في بيئة رقمية مفتوحة تتيح البدائل فوراً وبنقرة زر واحدة. وتأسيساً على ذلك، تتحول صعوبة العالم الافتراضي من مجرد تحدٍّ تكنولوجي إلى عائق استراتيجي يفرض على القائمين على الشأن الديني بالمملكة إحداث قطيعة منهجية، والانتقال من منطق “الحظر والإغلاق الحمائي” إلى منطق “المنافسة الرقمية والاستقطاب الافتراضي”، عبر إنتاج محتوى روحي رقمي مؤسساتي وبديل، يتحدث لغة العصر ويملك القدرة على التحصين الذاتي والاستباقي للناشئة والشباب داخل فضاء رقمي حر، لا يعترف بالحدود المادية أو بالسيادات القانونية التقليدية للدول.[37]

المطلب الثاني: آفاق تحقيق متطلبات دولة الحق والقانون

إن البحث في آفاق تنزيل مبدأ دولة الحق والقانون في منظومة تدبير الحقل الديني بالمغرب يستلزم بالضرورة صياغة مقاربة توفيقية وازنة؛ مقاربة قادرة على استيعاب المبادئ الحديثة للحكامة الارتفاقية، والشفافية المؤسساتية، وخضوع القرارات الإدارية للمشروعية، دون المساس بالخصوصية التاريخية والشرعية للمملكة التي تشكل صمام أمان استقرارها الروحي. وتأسيساً على ذلك، فإن عقلنة السياسة الدينية وملاءمتها مع متطلبات دولة الحق والقانون لا تعني التحلل من الثوابت، بل تعني تجويد الأداء الإداري للمؤسسات الدينية وحمايتها من العشوائية والتنازع البنيوي. وهو ما سنعمل على تفكيكه وتحليله من خلال فقرتين أساسيتين: نخصص الفقرة الأولى لرصد آفاق عقلنة التدبير الإداري ومأسسة التنسيق الوظيفي، على أن نفرد الثانية للبحث في آليات الملاءمة بين المشروعية القانونية والخصوصية الدينية القائمة على إمارة المؤمنين.

الفقرة الأولى: عقلنة التدبير الإداري ومأسسة التنسيق لمواجهة تداخل الاختصاصات

تتطلب أولى آفاق الانتقال بالحقل الديني نحو معايير دولة الحق والقانون تجاوز معضلة التداخل الوظيفي والبطء الإجرائي الذي رصدناه سابقاً، وذلك عبر “مأسسة قنوات التنسيق” والربط الأفقي والعمودي بين وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية كجهاز تنفيذي لوجيستيكي، والمجلس العلمي الأعلى كجهة علمية إفتاوية سيادية. إن إرساء آليات واضحة للحكامة الإدارية يقتضي صياغة نصوص تنظيمية مكملة ومحددة بدقة لمجالات التدخل المشترك، لا سيما في القضايا ذات الحساسية المجتمعية والإعلامية، بما يضمن سرعة اتخاذ القرار الاستراتيجي ومرونته ويمنع تنازع الصلاحيات الصامت.[38]

وعلى صعيد موازٍ، يستدعي مبدأ العدالة المجالية والارتفاقية —وهو من الركائز الأساسية لدولة الحق والقانون— مراجعة المنظومة القانونية المنظمة لإنشاء المساجد وتدبيرها (الظهير الشريف لسنة 2007)، وذلك باتجاه إقرار “المرونة التشريعية والتفريع المسطري”؛ بحيث يتم التمييز في الشروط التقنية والعقارية والمعمارية بين الحواضر الكبرى ذات النسيج العمراني المنظم، وبين الأوساط القروية والمناطق الجبلية النائية. إن تبسيط مساطر تسوية الوضعية القانونية للمساجد بالأرياف، واعتماد مقاربة تصالحية وتيسيرية في إثبات الملكية العقارية بالمناطق التي يغلب عليها العرف والملك الشائع، من شأنه إدماج آلاف المساجد والمرافق الدينية الترابية تحت الوصاية الإدارية والمالية المباشرة للدولة.

هذا الإدماج المسطري سيسمح بإعادة توزيع الموارد البشرية والمالية بشكل عادل، وضمان تعميم قنوات التأطير الروحي الرسمي (من مرشدين ومجالس علمية محلية) على الهوامش الجغرافية للمملكة، مما يغلق الثغرات الترابية أمام أي اختراق فكري وافد ويحقق في الآن ذاته مبدأ المساواة في الولوج إلى المرفق الديني وتحصين الأمن الروحي لجميع المواطنين على قدم المساواة. [39]

الفقرة الثانية: ملاءمة المشروعية القانونية مع الخصوصية الدينية المرتكزة على إمارة المؤمنين

إن المظهر التجلي الأبرز لدولة الحق والقانون في المجال الديني يتمثل في إخضاع العمل الإداري للمرفق الديني لرقابة القضاء والمشروعية، غير أن هذه الملاءمة تصطدم بالخصوصية الدستورية والشرعية للمملكة المغربية، حيث تتبوأ مؤسسة “إمارة المؤمنين” مكانة سيادية سامية تتداخل فيها الشرعية الدينية التاريخية بالشرعية الدستورية الحديثة. وتتجلى هذه الخصوصية في حظر الطعن بالإلغاء ضد القرارات والظهائر الشريفة الصادرة عن الملك باعتباره أميراً للمؤمنين ورئيساً للمجلس العلمي الأعلى، وهي الحصانة التي أكدها واجترحها الاجتهاد القضائي الراسخ للغرفة الإدارية بمحكمة النقض (المجلس الأعلى سابقاً) في قرارها الشهير في “قضية عبد العزيز التلغاني” لسنة 1970، والتي أسست لعدم اختصاص القضاء الإداري بالنظر في المقررات الصادرة عن الملك بصفتها تصرفات سيادية دينية خارجة عن نطاق رقابة إلغاء القرارات الإدارية الكلاسيكية.[40]

بيد أن آفاق ملاءمة هذا المعطى السيادي مع متطلبات دولة الحق والقانون تبلورت بشكل متقدم في الوثيقة الدستورية لسنة 2011، وتحديدا عبر الفصل 41 الذي حدد بدقة النطاق الحصري لصلاحيات إمارة المؤمنين في المجال الديني (الفتوى الرسمية، رعاية الشأن الديني، رياسة المجلس العلمي الأعلى)، متميزاً عن المجال التنفيذي والإداري العام. وتأسيساً على هذا المقتضى الدستوري، تبرز آفاق الملاءمة في إمكانية تفعيل الرقابة القضائية والإدارية على “القرارات التدبيرية والتنفيذية الفرعية” الصادرة عن وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أو عن المجالس العلمية المحلية، طالما أنها قرارات ارتفاقية، مالية، أو تأديبية لا تكتسي صبغة ظهير شريف سيادي؛ مما يضمن حقوق ومراكز القيمين الدينيين والموظفين بالمرفق الديني، ويتيح لهم قنوات الطعن الإداري والقضائي في حالة الشطط أو القصور.

إن هذا التكييف القانوني يضمن صيانة الهيبة والخصوصية السيادية لإمارة المؤمنين كحصن روحي ثابت للمملكة، وفي الآن ذاته يدعم دينامية دولة الحق والقانون عبر إخضاع التدبير اليومي والمادي للحقل الديني لقواعد الشفافية والمسؤولية والمحاسبة القضائية، مما يوفر نموذجاً مغربياً متميزاً قادراً على الموازنة الاستراتيجية بين الأصالة الشرعية وتحديث البنيات الإدارية.[41]

الخاتمة

شكلت السياسة الدينية بالمملكة المغربية — وعبر مختلف محطاتها الإصلاحية والتنظيمية — نموذجاً تدبيرياً متميزاً يسعى بصلابة إلى الموازنة الاستراتيجية بين صيانة الأصالة والخصوصية الروحية للأمة، وبين الانخراط في دينامية العصرنة ومقومات المؤسساتية الحديثة. وقد سمح لنا هذا البحث، عبر ثناياه التحليلية والميدانية، بالوصول إلى جملة من الخلاصات والاستنتاجات المركزية؛ لعل أبرزها أن الهندسة المؤسساتية للشأن الديني بالمغرب تستمد متانتها واستقرارها من اتصالها البنيوي المباشر بمؤسسة “إمارة المؤمنين”، التي منحها المشرع الدستوري صبغة سيادية حصرية وسامية تعلو فوق التجاذبات الإيديولوجية والسياسوية العابرة، مما وفّر حصانة قانونية وشرعية للمشترك الوطني الروحي للمغاربة، جسدتها الفتاوى الرسمية الجماعية للمجلس العلمي الأعلى، والقرارات الملكية السيادية التي شملت حتى تنظيم الشؤون الدينية والحريات الروحية للأقليات الدينية الوطنية.

وبالموازاة مع هذا الإطار السيادي، كشف البحث أن الشق التنفيذي والإداري المنوط بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وبباقي الأجهزة التخصصية المعاصرة (كالرابطة المحمدية للعلماء ومؤسسات التكوين والدبلوماسية الروحية)، قد نجح في نقل الاختيارات الاستراتيجية للدولة إلى ارتفاقات عمومية ملموسة ومؤهلة علمياً. بيد أن محك الممارسة الميدانية أبان في الآن ذاته عن وجود تحديات وإكراهات معقدة؛ تتأرجح بين واجهة داخلية مطبوعة بتداخل الصلاحيات الإجرائية وصعوبة ملائمة الشروط التقنية لعقود بناء وتدبير المساجد مع الخصوصيات المجالية للأرياف، وواجهة خارجية فرضتها العولمة الافتراضية والانفلات الرقمي العابر للسيادات، والذي أدى إلى إلغاء الوساطة المؤسساتية التقليدية، واختراق الأمن الروحي للمواطنين عبر منصات التواصل الاجتماعي بمؤثرات فكرية وفتاوى شاذة غير خاضعة للتزكية الرسمية.

وتأسيساً على ما تقدم، فإن آفاق الارتقاء بالسياسة الدينية وملاءمتها مع متطلبات دولة الحق والقانون تستوجب تبني مقاربة استشرافية متكاملة تقوم على الركائز التالية:

  • أولاً: مأسسة التنسيق الأفقي والعمودي بين وزارة الأوقاف والمجلس العلمي الأعلى عبر نصوص تنظيمية مكملة، تُحدد بدقة خطوط التماس الفاصلة بين التدبير المادي اللوجيستيكي والتوجيه العلمي الفقهي، لتجاوز معضلة بطء القرار الإداري المشترك.
  • ثانياً: إقرار “التفريع التشريعي والمسطري” في القوانين المنظمة لإنشاء وترخيص المساجد (ظهير 2007)، عبر تبسيط المساطر العقارية والتقنية في الوسط القروي والمناطق الجبلية النائية، لدمجها في الشبكة الرسمية للوزارة وتحقيق العدالة المجالية في التأطير الروحي.
  • ثالثاً: دعم مقتضيات دولة الحق والقانون عبر تكريس الرقابة القضائية الإدارية (طعناً بالإلغاء لعلة الشطط في استعمال السلطة) على المقررات والقرارات التأديبية والتدبيرية الفرعية الصادرة عن الوزارة الوصية أو المجالس المحلية في حق القيمين الدينيين، طالما أنها لا تكتسي صبغة ظهائر شريفة؛ بما يضمن الأمان الوظيفي للفاعل الميداني ويحفظ في الآن ذاته الحصانة السيادية لإمارة المؤمنين.
  • رابعاً: الانتقال بالسياسة الحمائية للأمن الروحي من منطق “المنع والحظر الإداري الكلاسيكي” للمنابر، إلى منطق “المنافسة والاستقطاب الافتراضي الرقمي”، عبر الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الاتصالية لإنتاج معرفة إسلامية رسمية، بديلة، وجاذبة، تتحدث لغة العصر وتملك القدرة على التحصين الذاتي والاستباقي للناشئة في فضاء سيبراني مفتوح.[42]

 


لائحة المراجع:

§        الكتب:

 

·        د. عبد العزيز أشرقي، إمارة المؤمنين في الدساتير المغربية: دراسة دستورية وسياسية مفصلة، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2012.

·        Émile Benveniste, Le Vocabulaire des institutions indo-européennes, tome 2 : Pouvoir, droit, religion, Paris, Les Éditions de Minuit, 1969, p. 265-272

·        حاييم الزعفراني، ألف سنة من حياة اليهود بالمغرب: التاريخ – الثقافة – الدين والآداب، ترجمة: أحمد شحلان وعبد الغني أبو العزم، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1987، ص 23-31.

 

§        الأطروحات:

 

·        د. المصطفى معزوز، تدبير الشأن الديني بالمغرب بين الحكامة الإدارية والخصوصية السيادية، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء، 2021.

·        د. عادل المسعودي، السياسة الدينية بالمغرب وتحديات كفالة الحريات الروحية في ظل دولة القانون، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة محمد الخامس، الرباط، السنة الجامعية 2018/2019، ص 112.

·        د. عبد الحكيم الحكامي، مأسسة الحقل الديني بالمغرب: دراسة في آليات تدبير التدين وشرعياته، أطروحة لنيل الدكتوراه في العلوم السياسية، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية سويسي، جامعة محمد الخامس، الرباط، 2016.

 

 

§        البحوث العلمية:

 

·        د. أحمد التوفيق، إعادة هيكلة الحقل الديني بالمغرب: الحصيلة والآفاق، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الرباط، 2018.

·        د. أحمد التوفيق، الحقل الديني في المغرب: الخصوصيات والتحولات المعاصرة، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الرباط، 2018.

·        د. أمينة المسعودي، الوزير السيادي والمرفق الديني: حدود الرقابة والمشروعية في ظل دستور 2011، مجلة أبحاث قانونية وسياسية، كلية الحقوق بمراكش، العدد 14، 2023.

·        د. رشيد مقتدر، الحقل الديني المغربي وتحديات العولمة الرقمية: دراسة في آليات التحصين الروحي الرقمي، مجلة سياسات عمومية، المركز المغربي للدراسات والأبحاث المعاصرة، العدد 18، 2021.

·        د. سعيد شبار، المؤسسة الدينية والتحولات الرقمية: إشكالات الفتوى والتوجيه الروحي في الفضاء الافتراضي المعاصر، منشورات رابطة علماء المغرب، الرباط، 2022، ص 45.

·        د. عبد العالي بنلياس، السياسة العامة الدينية بالمغرب: دراسة في الأبعاد السياسية والقانونية لتنظيم المرفق الديني، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية (REMALD)، عدد 142، سنة 2019.

·        د. محمد أتركين، التعديل الدستوري لسنة 2011 وإعادة هيكلة الحقل الديني بالمغرب، المجلة المغربية للأنظمة القانونية والسياسية، عدد خاص، سنة 2014.

·        د. محمد أمين، دولة الحق والقانون والخصوصية المغربية: جدلية التحديث والمحافظة في تدبير الحقل الديني، مجلة الحقوق والقانون، جامعة محمد الخامس، الرباط، العدد 22، 2022.

·        محمد كنبيب، المسلمون واليهود في المغرب: من أصول الذاكرة المشتركة إلى تحديات الحماية، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، 1994، ص 45-52.

·        د. مصطفى أعشي، تاريخ المغرب القديم: دراسة في الدين والاجتماع والسياسة عند الأمازيغ، منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية (إيركام)، الرباط، 2005، ص 142-150.

 

§        النصوص القانونية:

 

–         الدستور:

 

·        ظهير شريف رقم 1.11.91 صادر في 27 من شعبان 1432 (29 يوليو 2011) بتنفيذ نص الدستور، الجريدة الرسمية للمملكة المغربية، عدد 5964 مكرر، الصادر بتاريخ 30 يوليو 2011، (تصدير الدستور)

·        الفصل 41 من الدستور المغربي لسنة 2011.

·        المقتضيات المنظمة لاختصاصات الإفتاء في الفصل 41 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011.

 

 

–         الرسائل الملكية:

 

·        الرسالة الملكية السامية الموجهة إلى رئيس المجلس العلمي الأعلى، الصادرة بالرباط بتاريخ 21 ذي الحجة 1445 (28 يونيو 2024) والمتعلقة بإحالة بعض مقترحات الهيئة المكلفة بمراجعة مدونة الأسرة على المجلس العلمي الأعلى، الديوان الملكي.

 

 

 

 

 

–         الظهائر الشريفة والقوانين:

·        القانون رقم 13.01 في شأن التعليم العتيق، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.02.09 بتاريخ 21 من ذي القعدة 1422 (5 فبراير 2002)، الجريدة الرسمية، عدد 4984، بتاريخ 7 مارس 2002.

·        المادة 19 من الظهير الشريف رقم 1.03.300 الصادر في 22 من ربيع الأول 1425 (12 ماي 2004) بإعادة هيكلة المجالس العلمية (تأسيس المجالس العلمية المحلية)، الجريدة الرسمية، عدد 5214 بتاريخ 30 ربيع الأول 1425 (20 ماي 2004)، ص 2329.

·        الظهير الشريف رقم 1.04.257 الصادر بتاريخ 7 يناير 2005 بتنفيذ قانون رقم 77.03 المتعلق بالاتصال السمعي البصري، الجريدة الرسمية، عدد 5288 بتاريخ 3 فبراير 2005، ص 412.

·        الظهير الشريف رقم 1.06.56 الصادر في 15 من محرم 1427 (14 فبراير 2006) بإعادة هيكلة الرابطة المحمدية للعلماء، الجريدة الرسمية، عدد 5400 بتاريخ 3 صفر 1427 (2 مارس 2006)، ص 553.

·        الظهير الشريف رقم 1.07.56 الصادر في 30 من شوال 1428 (12 نوفمبر 2007) المتعلق بإنشاء المساجد وأماكن مخصصة لإقامة شعائر الدين الإسلامي وتدبيرها، الجريدة الرسمية، عدد 5584 بتاريخ 5 ديسمبر 2007.

·        الظهير الشريف رقم 1.09.236 صادر في 8 ربيع الأول 1431 (23 فبراير 2010) المتعلق بمدونة الأوقاف العامة، الجريدة الرسمية، عدد 5818، بتاريخ 4 مارس 2010 .

·        الظهير الشريف رقم 1.14.101 الصادر في 20 من رجب 1435 (20 ماي 2014) المتعلق بوضع برنامج لمحو الأمية بالمساجد، الجريدة الرسمية، عدد 6268 بتاريخ 28 شعبان 1435 (26 يونيو 2014).

·        الظهير الشريف رقم 1.14.103 الصادر في 20 من رجب 1435 (20 ماي 2014) بإحداث معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات، الجريدة الرسمية، عدد 6268 بتاريخ 28 شعبان 1435 (26 يونيو 2014)، ص 5536.

·        ظهير شريف رقم 1.14.104 صادر في 20 من رجب 1435 (20 ماي 2014) يتعلق بتنظيم مهام القيمين الدينيين وتحديد وضعيتهم، الجريدة الرسمية، عدد 6268، بتاريخ 26 يونيو 2014.

·        الظهير الشريف رقم 1.15.69 الصادر في 14 من شعبان 1436 (2 يونيو 2015) بإعادة تنظيم معهد محمد السادس للقراءات والدراسات القرآنية، الجريدة الرسمية، عدد 6374 بتاريخ 15 رمضان 1436 (2 يوليو 2015).

·        الظهير الشريف رقم 1.15.75 الصادر في 7 رمضان 1436 (24 يونيو 2015) بإحداث مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، الجريدة الرسمية، عدد 6374 بتاريخ 15 رمضان 1436 (2 يوليو 2015).

·        الظهير الشريف رقم 1.22.64 بنشر نظام تنظيم الطائفة اليهودية المغربية، والظهير الشريف رقم 1.22.65 بإحداث مؤسسة الديانة اليهودية المغربية، الصادرين في غرة ذي الحجة 1443 (30 يونيو 2022)، الجريدة الرسمية، عدد 7116 بتاريخ 13 محرم 1444 (11 أغسطس 2022).

 

–         التقارير والمنشورات الرسمية:

 

·        منشورات المجلس العلمي الأعلى، المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية المحلية: الهوية والاختصاصات، مطبعة دار المناهل، الرباط، 2015، ص 31.

·        منشورات المجلس العلمي الأعلى، المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية المحلية: الهوية والاختصاصات، مطبعة دار المناهل، الرباط، 2015، ص 62.

·        الهيئة العلمية المكلفة بالإفتاء بالمجلس العلمي الأعلى، فتوى بوجوب إغلاق قاعات المساجد سواء الصلوات الخمس أو الجمعة، الصادرة بالرباط بتاريخ 20 رجب 1441 (16 مارس 2020)، البلاغ الرسمي الموزع عبر وكالة المغرب العربي للأنباء.

·        مذكرة للمندوبية الجهوية للشؤون الإسلامية بجهة الدار البيضاء الكبرى، بتاريخ 20فبراير 2007

 

–         القرارات القضائية:

 

·        تفاصيل الاجتهاد القضائي التاريخي: قرار الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى (محكمة النقض حالياً)، في قضية “عبد العزيز التلغاني” ضد وزير الأوقاف”، قرار رقم 45 بتاريخ 18 نوفمبر 1970، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، العدد 34

·        قرار المجلس الأعلى (محكمة النقض حالياً)، الغرفة الإدارية، الصادر بتاريخ 17 أبريل 1970 في ملف “عبد العزيز المداسني ضد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية”، المنشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، العدد 17، ص 89. ينظر تعليقاً فقهياً حول هذا القرار في: د. أمينة المسعودي، الآليات الدستورية لتدبير الحقل الديني بالمغرب، مطبعة طوب بريس، الرباط، 2010، ص 92..

 

 

 
 
مقال قد يهمك :   قراءة نقدية للنصوص المنظمة لصفقات الجماعات الترابية وأوجه تجويدها

[1] Émile Benveniste, Le Vocabulaire des institutions indo-européennes, tome 2 : Pouvoir, droit, religion, Paris, Les Éditions de Minuit, 1969, p. 265-272.

[2] د. عبد العزيز أشرقي، إمارة المؤمنين في الدساتير المغربية: دراسة دستورية وسياسية مفصلة، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2012، ص 45.

[3] د. محمد أتركين، التعديل الدستوري لسنة 2011 وإعادة هيكلة الحقل الديني بالمغرب، المجلة المغربية للأنظمة القانونية والسياسية، عدد خاص، سنة 2014، ص 58.

[4] ظهير شريف رقم 1.11.91 صادر في 27 من شعبان 1432 (29 يوليو 2011) بتنفيذ نص الدستور، الجريدة الرسمية للمملكة المغربية، عدد 5964 مكرر، الصادر بتاريخ 30 يوليو 2011، ص 3600 (تصدير الدستور)

[5] د. عادل المسعودي، السياسة الدينية بالمغرب وتحديات كفالة الحريات الروحية في ظل دولة القانون، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة محمد الخامس، الرباط، السنة الجامعية 2018/2019، ص 112.

[6] د. عبد الحكيم الحكامي، مأسسة الحقل الديني بالمغرب: دراسة في آليات تدبير التدين وشرعياته، أطروحة لنيل الدكتوراه في العلوم السياسية، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية سويسي، جامعة محمد الخامس، الرباط، 2016، ص 74.

[7] الفصل 41 من الدستور المغربي لسنة 2011، مرجع سابق.

[8] منشورات المجلس العلمي الأعلى، المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية المحلية: الهوية والاختصاصات، مطبعة دار المناهل، الرباط، 2015، ص 31.

[9] د. المصطفى معزوز، تدبير الشأن الديني بالمغرب بين الحكامة الإدارية والخصوصية السيادية، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء، 2021، ص 145.

[10] قرار المجلس الأعلى (محكمة النقض حالياً)، الغرفة الإدارية، الصادر بتاريخ 17 أبريل 1970 في ملف “عبد العزيز المداسني ضد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية”، المنشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، العدد 17، ص 89. ينظر تعليقاً فقهياً حول هذا القرار في: د. أمينة المسعودي، الآليات الدستورية لتدبير الحقل الديني بالمغرب، مطبعة طوب بريس، الرباط، 2010، ص 92.

[11] ظهير شريف رقم 1.14.104 صادر في 20 من رجب 1435 (20 ماي 2014) يتعلق بتنظيم مهام القيمين الدينيين وتحديد وضعيتهم، الجريدة الرسمية، عدد 6268، بتاريخ 26 يونيو 2014، ص 5508.

[12] د. عبد الحكيم الحكامي، مأسسة الحقل الديني بالمغرب، أطروحة دكتوراه سابقة، ص 203.

[13] ظهير شريف رقم 1.09.236 صادر في 8 ربيع الأول 1431 (23 فبراير 2010) المتعلق بمدونة الأوقاف العامة، الجريدة الرسمية، عدد 5818، بتاريخ 4 مارس 2010، ص 844.

[14] القانون رقم 13.01 في شأن التعليم العتيق، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.02.09 بتاريخ 21 من ذي القعدة 1422 (5 فبراير 2002)، الجريدة الرسمية، عدد 4984، بتاريخ 7 مارس 2002، ص 480.

[15] د. المصطفى معزوز، تدبير الشأن الديني بالمغرب بين الحكامة الإدارية والخصوصية السيادية، أطروحة دكتوراه سابقة، ص 288.

[16] د. عبد الحكيم الحكامي، أطروحة دكتوراه سابقة ، ص 98.

[17] الظهير الشريف رقم 1.22.64 بنشر نظام تنظيم الطائفة اليهودية المغربية، والظهير الشريف رقم 1.22.65 بإحداث مؤسسة الديانة اليهودية المغربية، الصادرين في غرة ذي الحجة 1443 (30 يونيو 2022)، الجريدة الرسمية، عدد 7116 بتاريخ 13 محرم 1444 (11 أغسطس 2022)، ص 5074.

[18] المقتضيات المنظمة لاختصاصات الإفتاء في الفصل 41 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011.

[19] الهيئة العلمية المكلفة بالإفتاء بالمجلس العلمي الأعلى، فتوى بوجوب إغلاق قاعات المساجد سواء الصلوات الخمس أو الجمعة، الصادرة بالرباط بتاريخ 20 رجب 1441 (16 مارس 2020)، البلاغ الرسمي الموزع عبر وكالة المغرب العربي للأنباء.

[20] د. محمد أتركين، التعديل الدستوري لسنة 2011 وإعادة هيكلة الحقل الديني بالمغرب، المجلة المغربية للأنظمة القانونية والسياسية، عدد خاص، سنة 2014، ص 72.

[21] الرسالة الملكية السامية الموجهة إلى رئيس المجلس العلمي الأعلى، الصادرة بالرباط بتاريخ 21 ذي الحجة 1445 (28 يونيو 2024) والمتعلقة بإحالة بعض مقترحات الهيئة المكلفة بمراجعة مدونة الأسرة على المجلس العلمي الأعلى، الديوان الملكي.

[22] منشورات المجلس العلمي الأعلى، المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية المحلية: الهوية والاختصاصات، مطبعة دار المناهل، الرباط، 2015، ص 62.

[23] المادة 19 من الظهير الشريف رقم 1.03.300 الصادر في 22 من ربيع الأول 1425 (12 ماي 2004) بإعادة هيكلة المجالس العلمية (تأسيس المجالس العلمية المحلية)، الجريدة الرسمية، عدد 5214 بتاريخ 30 ربيع الأول 1425 (20 ماي 2004)، ص 2329.

[24] د. المصطفى معزوز، تدبير الشأن الديني بالمغرب بين الحكامة الإدارية والخصوصية السيادية، أطروحة دكتوراه سابقة، ص 182.

[25] الظهير الشريف رقم 1.14.101 الصادر في 20 من رجب 1435 (20 ماي 2014) المتعلق بوضع برنامج لمحو الأمية بالمساجد، الجريدة الرسمية، عدد 6268 بتاريخ 28 شعبان 1435 (26 يونيو 2014)، ص 5534.

[26] الظهير الشريف رقم 1.15.69 الصادر في 14 من شعبان 1436 (2 يونيو 2015) بإعادة تنظيم معهد محمد السادس للقراءات والدراسات القرآنية، الجريدة الرسمية، عدد 6374 بتاريخ 15 رمضان 1436 (2 يوليو 2015)، ص 6176.

[27] د. أحمد التوفيق، إعادة هيكلة الحقل الديني بالمغرب: الحصيلة والآفاق، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الرباط، 2018، ص 104.

[28] المادة 4 من الظهير الشريف رقم 1.06.56 الصادر في 15 من محرم 1427 (14 فبراير 2006) بإعادة هيكلة الرابطة المحمدية للعلماء، الجريدة الرسمية، عدد 5400 بتاريخ 3 صفر 1427 (2 مارس 2006)، ص 553.

[29] د. عادل المسعودي، السياسة الدينية بالمغرب وتحديات كفالة الحريات الروحية في ظل دولة القانون، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة محمد الخامس، الرباط، السنة الجامعية 2018/2019، ص 215.

[30] المادة 3 من الظهير الشريف رقم 1.14.103 الصادر في 20 من رجب 1435 (20 ماي 2014) بإحداث معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات، الجريدة الرسمية، عدد 6268 بتاريخ 28 شعبان 1435 (26 يونيو 2014)، ص 5536.

[31] الظهير الشريف رقم 1.15.75 الصادر في 7 رمضان 1436 (24 يونيو 2015) بإحداث مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، الجريدة الرسمية، عدد 6374 بتاريخ 15 رمضان 1436 (2 يوليو 2015)، ص 6183.

[32] المقتضيات المشتركة في المادة 2 والمادة 49 من القانون رقم 77.03 المتعلق بالاتصال السمعي البصري، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.04.257 بتاريخ 7 يناير 2005، الجريدة الرسمية، عدد 5288 بتاريخ 3 فبراير 2005، ص 412.

[33] الظهير الشريف رقم 1.07.56 الصادر في 30 من شوال 1428 (12 نوفمبر 2007) المتعلق بإنشاء المساجد وأماكن مخصصة لإقامة شعائر الدين الإسلامي وتدبيرها، الجريدة الرسمية، عدد 5584 بتاريخ 5 ديسمبر 2007، ص 3870.

[34] دليل الإمام والخطيب الواعظ، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية -المملكة المغربية- 1428هـ/2007م.

[35] مذكرة للمندوبية الجهوية للشؤون الإسلامية بجهة الدار البيضاء الكبرى بتاريخ 20فبراير 2007

[36] د. سعيد شبار، المؤسسة الدينية والتحولات الرقمية: إشكالات الفتوى والتوجيه الروحي في الفضاء الافتراضي المعاصر، منشورات رابطة علماء المغرب، الرباط، 2022، ص 45.

[37] د. رشيد مقتدر، الحقل الديني المغربي وتحديات العولمة الرقمية: دراسة في آليات التحصين الروحي الرقمي، مجلة سياسات عمومية، المركز المغربي للدراسات والأبحاث المعاصرة، العدد 18، 2021، ص 78.

[38] د. عبد العالي بنلياس، السياسة العامة الدينية بالمغرب: دراسة في الأبعاد السياسية والقانونية لتنظيم المرفق الديني، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية (REMALD)، عدد 142، سنة 2019، ص 118.

[39] د. المصطفى معزوز، تدبير الشأن الديني بالمغرب بين الحكامة الإدارية والخصوصية السيادية، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء، 2021، ص 295.

[40] تفاصيل الاجتهاد القضائي التاريخي: قرار الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى (محكمة النقض حالياً)، في قضية “عبد العزيز التلغاني” ضد وزير الأوقاف”، قرار رقم 45 بتاريخ 18 نوفمبر 1970، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، العدد 21، ص 34.

[41] د. أمينة المسعودي، الوزير السيادي والمرفق الديني: حدود الرقابة والمشروعية في ظل دستور 2011، مجلة أبحاث قانونية وسياسية، كلية الحقوق بمراكش، العدد 14، 2023، ص 62.

[42] د. محمد أمين، دولة الحق والقانون والخصوصية المغربية: جدلية التحديث والمحافظة في تدبير الحقل الديني، مجلة الحقوق والقانون، جامعة محمد الخامس، الرباط، العدد 22، 2022، ص 140.

error: عذرا, لا يمكن حاليا نسخ او طباعة محتوى الموقع للمزيد من المعلومات المرجوا التواصل مع فريق الموقع عبر البريد الالكتروني : [email protected]