مجلة مغرب القانونالقانون الخاصميمون أزناي/عبد الرزاق حباني: سلطة قاضي التحقيق في تقدير الأدلة المبررة للمتابعة وحدود الرقابة القضائية عليها: دراسة تحليلية نقدية في ضوء الاجتهاد القضائي المقارن

ميمون أزناي/عبد الرزاق حباني: سلطة قاضي التحقيق في تقدير الأدلة المبررة للمتابعة وحدود الرقابة القضائية عليها: دراسة تحليلية نقدية في ضوء الاجتهاد القضائي المقارن

 د. ميمون أزناي دكتور في القانون الخاص

د. عبد الرزاق حباني أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق وجدة


سلطة قاضي التحقيق في تقدير الأدلة المبررة للمتابعة وحدود الرقابة القضائية عليها: دراسة تحليلية نقدية في ضوء الاجتهاد القضائي المقارن

  • تعليق على قرار محكمة النقض المغربية عدد 349/1 الصادر بتاريخ 28 فبراير 2024، في الملف الجنحي عدد 8111/6/1/2022.

لتحميل القرار انقر على الرابط أدناه:

تحميل القرار القضائي موضوع التعليق


ملخص:

يتناول هذا المقال إشكالية السلطة التقديرية لقاضي التحقيق في تقييم الأدلة المبررة للمتابعة وحدود الرقابة القضائية على ممارستها، من خلال دراسة تحليلية نقدية لقرار محكمة النقض المغربية عدد 349/1 الصادر بتاريخ 28 فبراير 2024، في ضوء الاجتهاد القضائي المغربي والفرنسي. وتتمحور الدراسة حول التمييز بين معيار كفاية الأدلة المبررة للإحالة على المحاكمة ومعيار الاقتناع القضائي اللازم للإدانة، مع تحديد الحدود الوظيفية الفاصلة بين قضاء التحقيق وقضاء الحكم. كما تبحث في نطاق الرقابة التي تمارسها الغرفة الجنحية ومحكمة النقض على تقدير الأدلة، ولا سيما من حيث سلامة التعليل واحترام المعيار القانوني الواجب التطبيق. وتخلص الدراسة إلى أن سلطة قاضي التحقيق لا تقتصر على جمع الأدلة، بل تمتد إلى فحص مضمونها وتقييم جديتها وكفايتها لتبرير المتابعة، دون أن تتحول إلى فصل نهائي في المسؤولية الجنائية. كما تؤكد ضرورة تحقيق التوازن بين استقلال السلطة التقديرية لقضاء التحقيق وفعالية الرقابة القضائية، بما يكفل احترام المشروعية وضمانات المحاكمة العادلة.

الكلمات المفتاحية: قاضي التحقيق؛ السلطة التقديرية؛ كفاية الأدلة؛ عدم المتابعة؛ الرقابة القضائية؛ الاجتهاد القضائي المقارن.


Abstract:

This article examines the investigating judge’s discretion in assessing the sufficiency of evidence justifying referral to trial and the limits of judicial review over the exercise of such discretion. Through a critical and analytical study of Judgment No. 349/1, delivered by the Moroccan Court of Cassation on 28 February 2024, in light of Moroccan and French case law, it explores the distinction between the evidentiary threshold required for referral to trial and the standard of proof necessary for a criminal conviction. The study also addresses the functional boundaries between investigating and trial courts, as well as the scope of review exercised by the competent appellate chamber and the Court of Cassation, particularly regarding the adequacy of judicial reasoning and compliance with applicable legal standards. It concludes that the investigating judge’s discretion extends beyond collecting evidence to examining its substance and assessing its sufficiency, without making a final determination of criminal liability. The article emphasizes the need to balance judicial discretion with effective judicial oversight, ensuring respect for legality and the fundamental guarantees of a fair trial.

Keywords: Investigating Judge; Judicial Discretion; Sufficiency of Evidence; Dismissal of Charges; Judicial Review; Comparative Case Law.


مقدمة

تحتل مرحلة التحقيق الإعدادي مكانة محورية في منظومة العدالة الجنائية، باعتبارها المرحلة التي تتحدد خلالها معالم الاتهام، ويجري فيها البحث عن الأدلة والقرائن الكفيلة بالكشف عن الحقيقة، تمهيدا لاتخاذ القرار المناسب بشأن مآل الدعوى العمومية. وإذا كان المشرع قد أسند إلى قاضي التحقيق مهمة البحث والتحري عن الوقائع المنسوبة إلى المتهم، فإن هذه المهمة لا تقتصر على جمع الأدلة والمحافظة عليها، بل تمتد إلى فحصها وتقييم مدى كفايتها لتبرير المتابعة، الأمر الذي يجعل من السلطة التقديرية عنصرا جوهريا في ممارسة الوظيفة التحقيقية.

غير أن هذه السلطة تثير إشكالا قانونيا دقيقا يتصل بتحديد الحدود الفاصلة بين اختصاص قاضي التحقيق في تقدير الأدلة المبررة للمتابعة، واختصاص قضاء الحكم في تقدير الأدلة اللازمة لتأسيس الإدانة أو البراءة. فبينما يقتضي اتخاذ قرار الإحالة أو عدم المتابعة ممارسة تقييم قضائي للعناصر الواقعية والقانونية التي أسفر عنها التحقيق، فإن هذا التقييم لا ينبغي أن يتحول إلى فصل نهائي في المسؤولية الجنائية، وإلا اختلت الحدود الوظيفية التي يقوم عليها التنظيم القضائي للدعوى العمومية.

وتتجلى أهمية هذه الإشكالية بصفة خاصة في الجرائم التي تتداخل فيها العلاقات المدنية أو التعاقدية مع الأفعال المحتمل اكتسابها وصفا جنائيا، كما هو الشأن بالنسبة لجريمة خيانة الأمانة، حيث يقتضي تحديد مدى توافر الأدلة المبررة للمتابعة التمييز بين مجرد الإخلال بالالتزامات المدنية وبين السلوك الذي تتوافر فيه العناصر القانونية للجريمة.

وفي هذا السياق، يندرج قرار محكمة النقض المغربية عدد 349/1 الصادر بتاريخ 28 فبراير 2024، الذي أعاد طرح مسألة حدود السلطة التقديرية لقاضي التحقيق والغرفة الجنحية في تقييم الأدلة، ومدى خضوع هذه السلطة لرقابة محكمة النقض[1]. وتتلخص وقائع النازلة في نزاع يتعلق بتسيير مركز للفحص التقني، حيث أثيرت معطيات مرتبطة بتولي أحد الأشخاص مهام التسيير الإداري وتسلم مبالغ مالية من الزبناء، في سياق شكاية تتعلق بجريمة خيانة الأمانة والمشاركة فيها. وقد انتهت إجراءات التحقيق إلى صدور أمر بعدم المتابعة، أيدته الغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف بالحسيمة بمقتضى قرارها الصادر بتاريخ 8 فبراير 2022، تحت عدد 118/2525/2021. غير أن الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالحسيمة طعن في القرار بالنقض، مؤسسا وسيلته على نقصان التعليل الموازي لانعدامه، معتبرا أن القرار المطعون فيه لم يناقش الأدلة المتوافرة في الملف من حيث كفايتها لتبرير المتابعة، وإنما اتجه إلى تقييمها من زاوية مدى صلاحيتها لتأسيس الإدانة، وهو ما اعتبره الطاعن تجاوزا للحدود الوظيفية لقضاء التحقيق.

وانتهت محكمة النقض إلى نقض القرار المطعون فيه وإبطاله، وإحالة القضية على المحكمة نفسها لتبت فيها من جديد، وهي مشكلة من هيئة أخرى.

ويثير القرار إشكالية قانونية أساسية تتمثل في مدى السلطة التي يتمتع بها قاضي التحقيق في تقدير وسائل الإثبات، وحدود التمييز بين تقدير الأدلة المبررة للمتابعة وتقدير الأدلة اللازمة للإدانة، فضلا عن طبيعة الرقابة التي تمارسها الغرفة الجنحية ومحكمة النقض على هذا التقدير.

وعليه، يمكن صياغة الإشكالية المركزية على النحو الآتي:

إلى أي حد يملك قاضي التحقيق سلطة تقدير الأدلة المبررة للمتابعة، وما الضوابط التي تحكم هذه السلطة في ضوء الرقابة القضائية والاجتهاد المقارن؟

ولمعالجة هذه الإشكالية، سنعتمد التقسيم الآتي:

  • المطلب الأول: نطاق السلطة التقديرية لقاضي التحقيق في تقييم الأدلة
  • المطلب الثاني: حدود الرقابة القضائية على تقدير الأدلة المبررة للمتابعة

 

المطلب الأول: نطاق السلطة التقديرية لقاضي التحقيق في تقييم الأدلة

تقتضي دراسة القرار موضوع التعليق تحديد الطبيعة القانونية للسلطة التي يمارسها قاضي التحقيق عند انتهاء إجراءات التحقيق الإعدادي، بالنظر إلى أن اتخاذ قرار المتابعة أو عدمها لا يمكن أن يتم بمعزل عن فحص الأدلة والقرائن المستخلصة من الملف. غير أن خصوصية هذه السلطة تكمن في اختلاف الغاية من ممارستها عن تلك التي تحكم سلطة قضاء الحكم، وهو ما يستدعي الوقوف عند الأساس القانوني لتقدير كفاية الأدلة (الفقرة الأولى)، قبل بيان الحدود الفاصلة بين هذا التقدير والاقتناع القضائي اللازم للإدانة (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الأساس القانوني لسلطة قاضي التحقيق في تقدير كفاية الأدلة

لا يقتصر الدور الذي يضطلع به قاضي التحقيق في الدعوى العمومية على جمع الأدلة وإجراء الأبحاث اللازمة للكشف عن الحقيقة، وإنما يمتد إلى ممارسة سلطة قضائية في فحص العناصر الواقعية والقانونية التي أسفرت عنها إجراءات التحقيق، وتحديد مدى كفايتها لاتخاذ القرار المناسب بشأن مآل الدعوى. فقرار الإحالة على المحكمة المختصة، شأنه شأن الأمر بعدم المتابعة، لا يمثل مجرد نتيجة إجرائية آلية، وإنما يشكل حصيلة تقييم قضائي للأدلة والقرائن المتوافرة في الملف[2].

ويجد هذا الاختصاص أساسه التشريعي في المادة 216 من قانون المسطرة الجنائية المغربي[3]، التي كانت تجيز لقاضي التحقيق إصدار أمر بعدم المتابعة إذا تبين له أن الأفعال لا تخضع للقانون الجنائي أو لم تعد خاضعة له، أو أنه ليست هناك أدلة كافية ضد المتهم، أو أن الفاعل ظل مجهولا. ويستفاد من هذا المقتضى أن المشرع ربط إمكانية استمرار المتابعة بتوافر أدلة كافية، وهو معيار لا يمكن التحقق منه دون ممارسة سلطة تقديرية تسمح لقاضي التحقيق بفحص مضمون الأدلة ومدى جديتها وترابطها.

غير أن الاعتراف بهذه السلطة لا يعني تخويل قاضي التحقيق اختصاص الفصل النهائي في المسؤولية الجنائية، وإنما يقتضي التمييز بين وظيفتين مختلفتين من حيث الغاية والمعيار، إذ ينصب تقدير قاضي التحقيق على مدى وجود أساس كاف لعرض الدعوى على قضاء الحكم، بينما يتعلق تقدير هذا الأخير بثبوت الجريمة ونسبتها إلى المتهم وفق قواعد الإثبات الجنائي[4].

وقد كرس المجلس الأعلى هذا التمييز في أحد قراراته، عندما قرر أن الأدلة المبررة للمتابعة لا يشترط أن تكون مقنعة بالإدانة، وأن الاقتناع الجازم بثبوت الجريمة يدخل في اختصاص قضاء الحكم، في حين تنحصر وظيفة قاضي التحقيق في البحث عن الأدلة التي تبرر المتابعة[5].

وتكشف هذه القاعدة عن اختلاف جوهري بين الكفاية الإجرائية للدليل والقوة الإثباتية اللازمة للإدانة، ذلك أن الإحالة على المحاكمة لا تفترض الجزم بثبوت المسؤولية الجنائية، وإنما تستلزم توافر عناصر جدية تسمح بعرض الاتهام على المحكمة المختصة. ومع ذلك، فإن عدم اشتراط اليقين القضائي لا يعني إمكان تأسيس المتابعة على مجرد الشك أو الافتراض، لأن معيار الكفاية يقتضي وجود أدلة أو قرائن ذات مضمون واقعي يمكن إخضاعها للفحص والمناقشة.

ويجد هذا التوجه ما يقابله في القانون الفرنسي، حيث يرتبط قرار الإحالة بوجود قرائن اتهام كافية، وهو ما أكدته محكمة النقض الفرنسية في قرارها الصادر بتاريخ 17 يناير 2024، حين اعتبرت أن وصف القرائن بأنها لا يستهان بها (charges non négligeables) لا يقوم مقام التحقق من كونها كافية (charges suffisantes) لتبرير الإحالة على قضاء الحكم[6].

وتبرز أهمية هذا الاجتهاد في كونه لا يكتفي بالاعتراف لقضاء التحقيق بسلطة تقدير الأدلة، بل يربط ممارسة هذه السلطة بوجوب احترام المعيار القانوني الذي يحكم قرار الإحالة. فوجود قرائن ذات أهمية لا يؤدي بالضرورة إلى اعتبارها كافية، كما أن تعدد الأدلة لا يعفي المحكمة من بيان مدى صلاحيتها لتبرير المتابعة.

وبالعودة إلى القرار موضوع التعليق، يتبين أن النزاع المعروض على محكمة النقض يرتبط بهذه الإشكالية تحديدا، بالنظر إلى أن النيابة العامة نعت على القرار المطعون فيه انتقاله من تقدير الأدلة المبررة للمتابعة إلى بحث مدى كفايتها لتأسيس الإدانة. ويثير ذلك مسألة مدى جواز اعتماد عدم ثبوت عناصر الجريمة بصورة نهائية سببا لعدم المتابعة، دون بيان ما إذا كانت المعطيات المتوافرة تكفي لإحالة القضية على قضاء الحكم.

غير أن مناقشة هذا الدفع تقتضي عدم الخلط بين عدم توافر أدلة كافية وبين عدم ثبوت الجريمة ثبوتا نهائيا، فالأول يدخل في صميم وظيفة قاضي التحقيق، بينما يرتبط الثاني بوظيفة قضاء الحكم. ومن ثم، فإن سلامة التقدير القضائي تتوقف على طبيعة المعيار الذي جرى تطبيقه، وليس على مجرد استعمال عبارات تتعلق بقوة الأدلة أو ضعفها.

الفقرة الثانية: التمييز بين تقدير الأدلة المبررة للمتابعة والاقتناع القضائي بالإدانة

يعد التمييز بين تقدير الأدلة المبررة للمتابعة وتقدير الأدلة اللازمة للإدانة من أكثر المسائل دقة في تحديد نطاق السلطة التقديرية لقاضي التحقيق، بالنظر إلى أن كلا التقديرين ينصب على عناصر إثباتية قد تكون متشابهة من حيث طبيعتها، وإن اختلفت الغاية القانونية من فحصها والنتيجة المترتبة عليها[7].

فإذا كان قاضي الحكم يمارس سلطته في تقدير الأدلة من أجل الفصل في ثبوت الأفعال المنسوبة إلى المتهم، فإن قاضي التحقيق يتولى فحص الأدلة والقرائن بقصد تحديد ما إذا كانت تبرر استمرار الدعوى العمومية وإحالتها على المحكمة المختصة. ويترتب على هذا الاختلاف أن تقدير قاضي التحقيق لا ينبغي أن يبلغ بالضرورة درجة الاقتناع النهائي بالإدانة، كما لا يجوز أن ينحصر في مجرد التحقق الشكلي من وجود أدلة داخل الملف[8].

ذلك أن معيار كفاية الأدلة يقتضي بالضرورة فحص مضمونها ومدى جديتها وقابليتها لدعم الاتهام، وهو ما يجعل من الصعب إقامة فصل مطلق بين تقدير الأدلة وتقييم قوتها الإثباتية. فقاضي التحقيق الذي يصدر أمرا بعدم المتابعة لعدم كفاية الأدلة يكون قد مارس، بحكم الضرورة، نشاطا تقييميا استخلص من خلاله أن العناصر المتاحة لا تسمح قانونا بإحالة المتهم على المحاكمة.

مقال قد يهمك :   غضبة وسيط المملكة : الإدارات تتهرب من تنفيذ أحكام صادرة باسم جلالة الملك والداخلية في المقدمة.

وفي هذا السياق، يكتسي قرار محكمة النقض المغربية عدد 546 الصادر بتاريخ 20 أبريل 2022، في الملف الجنحي عدد 2020/4/6/13839، أهمية خاصة، إذ اعتبرت المحكمة أن استناد قاضي التحقيق إلى خلو الملف من الأدلة والقرائن الكافية لتوجيه الاتهام يندرج ضمن الحالات التي تجيز إصدار أمر بعدم المتابعة وفق المادة 216 من قانون المسطرة الجنائية. كما أكدت أن تأييد الغرفة الجنحية لهذا الأمر يمكن أن يستقيم بالتعليل الذي اعتمده قاضي التحقيق، ولو تضمنت أسبابها الإضافية مناقشة لبعض عناصر الجرائم الداخلة في اختصاص قضاء الحكم[9].

ويكشف هذا الاجتهاد عن توجه يميز بين ممارسة قاضي التحقيق لسلطته في تقدير كفاية الأدلة وبين الخوض في الحسم النهائي لعناصر المسؤولية الجنائية. غير أن هذا التمييز لا يخلو من صعوبة عملية، لأن تقرير عدم كفاية الأدلة قد يستلزم أحيانا فحص عناصر الجريمة ذاتها، ولا سيما عندما يكون النزاع متعلقا بمدى توافر الركن المادي أو المعنوي.

وفي القضاء الفرنسي، أكدت محكمة النقض، في قرارها الصادر بتاريخ 21 مارس 2012، أن تقدير كفاية قرائن الاتهام يدخل في السلطة التقديرية لقضاء التحقيق، متى كانت غرفة التحقيق قد ناقشت الوقائع المعروضة عليها وأجابت عن الدفوع الجوهرية، وبينت الأسباب التي استندت إليها في تأييد الأمر بألا وجه للمتابعة[10].

ويستفاد من هذا التوجه أن الاعتراف بالسلطة التقديرية لقضاء التحقيق لا يتعارض مع خضوعها للرقابة القضائية، ما دام موضوع الرقابة ينصب على سلامة التعليل واحترام القواعد القانونية، دون إعادة مناقشة القيمة الواقعية للأدلة باعتبار محكمة النقض درجة إضافية من درجات التقاضي.

ومن زاوية نقدية، يبدو أن الفصل بين اختصاص قاضي التحقيق واختصاص قضاء الحكم ينبغي أن يقوم على اختلاف معيار التقدير والغاية منه، لا على منع قاضي التحقيق من فحص مضمون الأدلة أو استبعاد ما يراه غير كاف منها. فالتقدير الأولي ليس حكما بالإدانة أو البراءة، كما أن الأمر بعدم المتابعة لا يعادل بالضرورة حكما نهائيا بانتفاء المسؤولية الجنائية.

وتتأكد أهمية هذا التحليل في القرار عدد 349/1، بالنظر إلى أن الوقائع تتعلق بعلاقة تسيير إداري ومالي، وهو مجال قد تختلط فيه الالتزامات التعاقدية بالعناصر المكونة لجريمة خيانة الأمانة. ولذلك فإن فحص مدى وجود أدلة على التسليم والاختلاس أو التبديد والقصد الجنائي يندرج في نطاق التقدير اللازم لاتخاذ القرار بشأن المتابعة، شريطة ألا يتحول هذا الفحص إلى تقرير نهائي للمسؤولية الجنائية خارج الضمانات المقررة أمام قضاء الحكم.

وعليه، فإن السلطة التقديرية لقاضي التحقيق لا يمكن اختزالها في مجرد جمع الأدلة، كما لا يجوز توسيعها إلى حد الحلول محل قاضي الحكم، وإنما يتعين النظر إليها بوصفها سلطة قضائية مستقلة من حيث وظيفتها، ومحددة من حيث غايتها، وخاضعة من حيث ممارستها لضوابط المشروعية والتعليل.

المطلب الثاني: حدود الرقابة القضائية على تقدير الأدلة المبررة للمتابعة

إن الاعتراف لقاضي التحقيق بسلطة تقديرية في فحص الأدلة والقرائن لا يعني إطلاق هذه السلطة من كل قيد، وإنما يقتضي إخضاعها لضوابط قانونية وقضائية تضمن عدم الانحراف عن الغاية التي خولها المشرع من أجلها. وتبرز أهمية هذه الضوابط عند الطعن في الأوامر الصادرة عن قاضي التحقيق، حيث تتولى الغرفة الجنحية مراقبة مدى سلامة التقدير الذي استند إليه، بينما تضطلع محكمة النقض بمراقبة احترام القانون وكفاية التعليل. ومن ثم، فإن دراسة حدود هذه الرقابة تقتضي بيان اختصاص الغرفة الجنحية في مراجعة تقدير الأدلة (الفقرة الأولى)، قبل الوقوف عند نطاق رقابة محكمة النقض على سلامة التعليل والتكييف القانوني (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: رقابة الغرفة الجنحية على سلامة تقدير الأدلة

تشكل الرقابة التي تمارسها الغرفة الجنحية على أوامر قاضي التحقيق إحدى الضمانات الأساسية لحسن سير العدالة الجنائية، بالنظر إلى ما تتيحه من إمكانية مراجعة القرارات المتخذة خلال مرحلة التحقيق الإعدادي، والتحقق من مدى استنادها إلى أسس واقعية وقانونية سليمة. وإذا كان قاضي التحقيق يتمتع بسلطة تقديرية في فحص الأدلة وتحديد مدى كفايتها لتبرير المتابعة، فإن هذه السلطة لا تحول دون إعادة النظر في نتائجها من طرف الجهة القضائية المختصة باستئناف أوامره، بما يحقق التوازن بين استقلال قضاء التحقيق وضرورة إخضاع قراراته للرقابة القضائية.

وتكتسي هذه الرقابة أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بالأوامر الصادرة بعدم المتابعة، بالنظر إلى ما يترتب عليها من آثار إجرائية تمس مآل الدعوى العمومية ومصالح أطرافها. فالغرفة الجنحية، عند نظر استئناف أمر بعدم المتابعة، لا تقتصر وظيفتها على مراقبة استيفاء الشروط الشكلية، وإنما تتولى، في حدود اختصاصها، فحص الأسباب التي استند إليها قاضي التحقيق، وتقدير مدى كفاية العناصر الواقعية والقانونية التي بني عليها الأمر المستأنف، وذلك في إطار الاختصاصات التي خولها لها المشرع بمقتضى قانون المسطرة الجنائية[11].

وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن المشرع المغربي، بموجب القانون رقم 03.23 القاضي بتغيير وتتميم قانون المسطرة الجنائية، حافظ على حق النيابة العامة في استئناف أوامر قاضي التحقيق وفق المادة 222[12]، كما أبقى على حق المطالب بالحق المدني في استئناف الأوامر الصادرة بعدم إجراء التحقيق أو بعدم المتابعة أو الماسة بمصالحه المدنية، طبقا للمادة [13]224، في حين وسع بمقتضى المادة [14]223 بعض حالات الاستئناف المخولة للمتهم. وتبرز هذه المقتضيات أهمية الرقابة التي تمارسها الغرفة الجنحية على أعمال قاضي التحقيق، باعتبارها ضمانة إجرائية تسمح بمراجعة أوامره، وتحقيق التوازن بين مقتضيات البحث عن الحقيقة وحماية حقوق أطراف الدعوى العمومية[15].

غير أن ممارسة هذه الرقابة تثير إشكالا يتعلق بمدى جواز إعادة تقييم الأدلة والقرائن التي سبق لقاضي التحقيق فحصها، وما إذا كان ذلك يسمح للغرفة الجنحية بإجراء تقدير مستقل لمضمونها، أم يقتصر دورها على التحقق من سلامة الاستنتاج الذي انتهى إليه؟

والواقع أن الاعتراف للغرفة الجنحية بسلطة مراجعة أوامر التحقيق يفترض بالضرورة تمكينها من مناقشة العناصر الواقعية والقانونية المؤثرة في القرار، وإلا تحولت الرقابة الاستئنافية إلى مجرد مصادقة شكلية على النتائج التي انتهى إليها قاضي التحقيق، بما يفقدها وظيفتها في تصحيح ما قد يشوب هذه النتائج من قصور.

وفي هذا الإطار، يبرز قرار محكمة النقض المغربية عدد 546 الصادر بتاريخ 20 أبريل 2022، الذي اعتبر أن تأييد الغرفة الجنحية لأمر قاضي التحقيق بعدم المتابعة يمكن أن يستقيم بالتعليلات التي اعتمدها هذا الأخير، متى كانت كافية لتبرير النتيجة التي انتهى إليها. كما ميز القرار بين تقدير عدم كفاية الأدلة، الذي يدخل ضمن الوظيفة التحقيقية، وبين الحسم في عناصر الجرائم على نحو يندرج ضمن اختصاص قضاء الحكم[16].

ويستفاد من هذا الاجتهاد أن تبني الغرفة الجنحية لتعليل قاضي التحقيق لا يشكل، في حد ذاته، إخلالا بواجب التعليل، شريطة أن تكون الأسباب المعتمدة كافية قانونا وواقعا لتبرير القرار. غير أن ذلك لا يعفيها من مناقشة الدفوع الجوهرية والعناصر المؤثرة التي أثيرت أمامها، لأن الرقابة القضائية الفعالة لا تقاس بمجرد وجود تعليل شكلي، وإنما بمدى قدرته على الكشف عن الأسس التي بني عليها تقدير كفاية الأدلة، وتمكين محكمة النقض من مراقبة سلامة تطبيق القانون.

وفي مقابل سلطة الغرفة الجنحية في تأييد أوامر قاضي التحقيق استنادا إلى التعليلات التي اعتمدها، يبرز وجه آخر لرقابتها يتمثل في إمكانية إعادة تقييم الأدلة والقرائن والخروج بنتيجة مخالفة لما انتهى إليه قاضي التحقيق. ويتجلى ذلك في قرار الغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف بوجدة عدد 82 الصادر بتاريخ 22 أبريل 2025، الذي ألغت بموجبه أمرا بعدم المتابعة في قضية تتعلق بالنصب وعدم تنفيذ عقد، بعدما أعادت فحص وثائق الملف وتصريحات الأطراف، وخلصت إلى وجود عناصر كافية لتبرير المتابعة. وقد أكدت الغرفة في تعليلها أنها تضع يدها على جميع الأدلة المتوافرة أمامها، وتملك تقدير مدى كفايتها أو عدم كفايتها للمتابعة[17]. ويكشف هذا التوجه أن الرقابة الاستئنافية على أوامر قاضي التحقيق لا تنحصر في مراقبة سلامة الإجراءات والتعليل، بل تمتد إلى إعادة تقدير الأساس الواقعي للاتهام، ولو أدى ذلك إلى نتيجة مغايرة لما انتهى إليه قاضي التحقيق، دون أن يعني ذلك الفصل النهائي في ثبوت المسؤولية الجنائية.

غير أن هذا الامتداد في سلطة الغرفة الجنحية يثير إشكالا دقيقا عندما تتداخل العلاقات التعاقدية مع الوقائع ذات الطبيعة الجنائية، كما هو الحال في القرار المذكور، إذ إن مجرد الإخلال بالالتزامات التعاقدية لا يكفي بذاته لتبرير المتابعة من أجل النصب، ما لم تتوافر قرائن جدية على قيام العناصر المكونة للجريمة، ولا سيما الوسائل الاحتيالية والقصد الجنائي. ومن ثم، فإن مشروعية التقدير الذي تمارسه الغرفة الجنحية تظل مرتبطة بضرورة بيان الصلة بين العناصر المستخلصة من الملف والوصف الجنائي المعتمد، بما يحول دون تحول تقدير كفاية الأدلة للمتابعة إلى حسم مسبق في الإدانة، أو إلى وسيلة لإضفاء وصف جنائي على مجرد منازعة تعاقدية.[18]

وإذا كان الاجتهاد القضائي السابق يبرز اتساع سلطة الغرفة الجنحية في إعادة تقدير الأدلة المبررة للمتابعة، فإن الإشكال الأكثر دقة يتعلق بالحدود التي ينبغي أن تقف عندها هذه السلطة، ولا سيما من حيث الالتزام بمناقشة العناصر الجوهرية للملف وتعليل النتيجة المستخلصة منها. وهو ما يبرز في القرار عدد 349/1 موضوع التعليق، حيث انصبت وسيلة النقض المثارة من طرف النيابة العامة على نقصان التعليل، تأسيسا على أن الغرفة الجنحية لم تتناول بعض المعطيات المتعلقة بتسيير مركز الفحص التقني وتسلم المبالغ المالية من الزبناء، وإنما خلصت إلى عدم المتابعة استناداً إلى عدم ثبوت القصد الجنائي واكتساب النزاع صبغة مدنية.

وتطرح هذه المعطيات مسألة دقيقة تتعلق بمدى التزام الغرفة الجنحية بمناقشة الأدلة ذات الصلة بعناصر جريمة خيانة الأمانة، خاصة أن مجرد وجود علاقة تعاقدية بين الأطراف لا يكفي بذاته لاستبعاد الوصف الجنائي، كما أن مجرد الإخلال بالتزام تعاقدي لا يؤدي بالضرورة إلى قيام الجريمة. فالتكييف القانوني للوقائع يقتضي التحقق من مدى توافر العناصر المكونة للجريمة، وفي مقدمتها طبيعة تسليم المال والغرض منه، وما إذا كان التصرف المنسوب إلى المتهم يشكل اختلاسا أو تبديدا بالمعنى القانوني، فضلا عن مدى وجود عناصر تدعم قيام القصد الجنائي. ويظل هذا الفحص لازما لتحديد كفاية الأدلة للمتابعة، دون أن يعني بالضرورة الحسم النهائي في المسؤولية الجنائية.

ومن هذه الزاوية، يمكن التمييز بين حالتين مختلفتين: تتمثل الأولى في استبعاد المتابعة بعد فحص الأدلة والقرائن والاقتناع بعدم كفايتها، بينما تتمثل الثانية في إغفال مناقشة عناصر جوهرية قد يكون من شأنها التأثير في القرار. ففي الحالة الأولى، نكون أمام ممارسة للسلطة التقديرية المخولة لقضاء التحقيق، أما في الحالة الثانية، فقد يتعلق الأمر بنقصان التعليل الذي يبرر تدخل محكمة النقض. وبذلك، فإن نطاق الرقابة لا يتحدد بمجرد اختلاف النتيجة التي انتهت إليها الغرفة الجنحية، وإنما بمدى استناد هذه النتيجة إلى تعليل يكشف عن فحص العناصر المؤثرة في تقدير كفاية الأدلة.

ويجد هذا التمييز سندا مقارنا في الاجتهاد الفرنسي، حيث أكدت محكمة النقض الفرنسية في قرارها الصادر بتاريخ 21 مارس 2012 أن غرفة التحقيق، عندما تؤيد أمراً بألا وجه للمتابعة بعد مناقشة الوقائع والرد على الدفوع الأساسية، تكون قد مارست سلطتها التقديرية في تقييم كفاية قرائن الاتهام، ولا يجوز تحويل الطعن بالنقض إلى وسيلة لإعادة مناقشة هذا التقدير الواقعي[19]. ويبرز هذا التوجه أن الرقابة القضائية الفعالة لا تستلزم إحلال تقدير جهة الطعن محل تقدير قضاء التحقيق في جميع الأحوال، وإنما تقتضي التحقق من احترام الحدود القانونية والوظيفية للتقدير، ومن وجود تعليل كاف يسمح بفهم الأسس التي بني عليها القرار.

وعليه، فإن الرقابة التي تمارسها الغرفة الجنحية على أوامر قاضي التحقيق تتخذ طابعا موضوعيا يتيح لها إعادة فحص الأدلة والقرائن وتقدير مدى كفايتها للمتابعة، سواء انتهت إلى تأييد الأمر المستأنف أو إلغائه. غير أن اتساع هذه السلطة لا ينبغي أن يؤدي إلى الخلط بين وظيفة التحقيق ووظيفة الحكم، إذ يظل تقدير الأدلة خلال مرحلة التحقيق موجها إلى تحديد مدى وجود أساس جدي للإحالة على المحاكمة، دون الفصل النهائي في ثبوت الجريمة ونسبتها إلى المتهم. ومن ثم، فإن سلامة ممارسة هذه الرقابة تظل رهينة بالتعليل الكافي، ومناقشة العناصر الجوهرية للملف، واحترام الحدود الوظيفية التي تفصل بين قضاء التحقيق وقضاء الحكم.

مقال قد يهمك :   إحسان مجاجي: الـجريمة الـبيئية فــي التشريع المغربي

الفقرة الثانية: رقابة محكمة النقض على التعليل وحدود الاقتناع القضائي

إذا كانت الغرفة الجنحية تتمتع بسلطة مراجعة أوامر قاضي التحقيق، فإن رقابة محكمة النقض تتخذ طبيعة مختلفة، باعتبارها رقابة قانونية تنصب على سلامة تطبيق النصوص التشريعية وكفاية التعليل واحترام القواعد الإجرائية، دون أن تتحول إلى إعادة الفصل في الوقائع أو تقدير الأدلة باعتبارها محكمة موضوع.

وتتجلى أهمية هذه الرقابة في أن السلطة التقديرية، مهما اتسع نطاقها، لا تعفي القاضي من بيان الأسباب الواقعية والقانونية التي أسس عليها قراره. فالتعليل لا يمثل مجرد التزام شكلي، وإنما يشكل الضمانة الأساسية للتحقق من أن القرار القضائي قد صدر بناء على تقدير موضوعي للعناصر المعروضة، وأن النتيجة المستخلصة تستند إلى أسباب سائغة ومترابطة[20].

غير أن رقابة التعليل تثير إشكالا يتعلق بالحدود الفاصلة بين التحقق من كفاية الأسباب وإعادة تقييم الأدلة ذاتها. فإذا كان لمحكمة النقض أن تتدخل عندما يكون القرار مشوبا بنقصان التعليل أو فساده، فإن ذلك لا يعني حلولها محل قضاء التحقيق في تقدير القيمة الواقعية لكل دليل أو قرينة.

وفي هذا الإطار، يكتسي قرار المجلس الأعلى عدد 962/5 الصادر بتاريخ 20 ماي 2009 أهمية خاصة، إذ انتهى إلى نقض قرار أيد أمرا بعدم المتابعة، بعدما تبين أن التعليل المعتمد لم يراع التمييز بين الأدلة الكافية لتبرير المتابعة والأدلة اللازمة لتأسيس الإدانة[21]. ويكشف هذا الاجتهاد أن رقابة محكمة النقض لا تقتصر على التحقق من وجود أسباب للقرار، وإنما تمتد إلى مراقبة سلامة المعيار القانوني الذي استند إليه قضاء التحقيق عند تقدير الأدلة. فاشتراط الاقتناع الجازم بالإدانة لإصدار قرار الإحالة يؤدي إلى تطبيق معيار قانوني غير ملائم لطبيعة مرحلة التحقيق، وهو ما يبرر تدخل محكمة النقض لتصحيح هذا الخلل[22].

بيد أن هذا التوجه ينبغي أن يقرأ في ضوء قرار محكمة النقض عدد 546 الصادر بتاريخ 20 أبريل 2022، الذي أقر مشروعية الأمر بعدم المتابعة عندما يستند إلى عدم وجود أدلة كافية ضد المتهم، معتبرا أن ذلك يدخل ضمن الحالات التي حددتها المادة 216 من قانون المسطرة الجنائية[23].

وتسمح المقارنة بين القرارين بإبراز أن الإشكال لا يتعلق بمجرد إصدار أمر بعدم المتابعة أو بإجراء تقييم للأدلة، وإنما يرتبط بطبيعة الأسباب المعتمدة ومدى انسجامها مع المعيار القانوني الذي يحكم مرحلة التحقيق.

وفي القانون الفرنسي، تقدم محكمة النقض مثالا واضحا على هذا النوع من الرقابة في قرارها الصادر بتاريخ 17 يناير 2024، الذي نقضت بموجبه قرار إحالة على محكمة الجنايات بعدما اكتفت غرفة التحقيق بوصف القرائن بأنها لا يستهان بها، دون أن تثبت أنها كافية بالمعنى الذي يتطلبه القانون. وقد استندت المحكمة في ذلك إلى المادة 211 من قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي[24]، مؤكدة ضرورة التقيد بالوصف القانوني الدقيق لمعيار الإحالة[25].

وتبرز القيمة المقارنة لهذا القرار في أنه يميز بين حرية قضاء التحقيق في تقييم العناصر الواقعية وبين وجوب احترام الشرط القانوني الذي يسمح بإحالة المتهم على المحاكمة. فالمحكمة لا تحل محل قضاء التحقيق في تقدير الوقائع، وإنما تراقب مدى استناد القرار إلى المعيار الذي حدده المشرع.

وفي المقابل، أكد قرار محكمة النقض الفرنسية الصادر بتاريخ 21 مارس 2012 أن تقدير كفاية قرائن الاتهام يدخل في السلطة التقديرية لقضاء التحقيق، متى كان القرار معللا بصورة تسمح بمراقبة سلامته القانونية[26].

ويستفاد من الجمع بين هذين القرارين أن الرقابة القضائية الفعالة تقوم على التمييز بين مجالين: مجال التقدير الواقعي للأدلة، الذي يدخل أصلا ضمن اختصاص قضاء التحقيق، ومجال التحقق من احترام المعيار القانوني وكفاية التعليل، الذي يخضع لرقابة محكمة النقض.

ويتضح جانب آخر من حدود هذه الرقابة في قرار محكمة النقض عدد 179/1 الصادر بتاريخ 29 يناير 2025، الذي نقض قرار الغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف بوجدة الصادر بتاريخ 23 أكتوبر 2024. فقد لاحظت محكمة النقض أن الغرفة الجنحية ناقشت تصريحات المشتكية المتعلقة بمدة لقائها بالمتهم، وانتهت إلى استبعاد تلك التصريحات دون تحديد موقفها من قيمتها في تبرير المتابعة، معتبرة أن الغرفة بذلك انتقلت إلى تقدير الأدلة على نحو يدخل في اختصاص قضاء الحكم. ويبرز هذا الاجتهاد أهمية التمييز بين فحص كفاية الأدلة للإحالة، وبين الحسم في قيمتها النهائية للإدانة، مع وجوب تسبيب استبعاد العناصر المؤثرة في تقدير المتابعة.[27]

وقد أعيد عرض القضية، بعد النقض والإحالة، على الغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف بوجدة، التي أصدرت قرارها بتاريخ 29 يوليوز 2025  بإلغاء أمر عدم المتابعة والأمر بمتابعة المتهم وإحالته على قضاء الحكم. واستندت الغرفة، في تعليلها، إلى معطيات من تصريحات المشتكية المتعلقة بالتواصل مع المتهم واللقاء به والتنقل معه، واعتبرت أنها تبرر المتابعة. وتبرز هذه النتيجة الأثر الإجرائي للنقض في إعادة فحص كفاية الأدلة، مع بقاء قرار الإحالة متميزاً عن الحكم بالإدانة.[28]

وعلى ضوء ذلك، يثير القرار المغربي عدد 349/1 إشكالا يتعلق بالأساس الذي يبرر نقض قرار الغرفة الجنحية المؤيد لأمر عدم المتابعة. فإذا كان النقض مؤسسا على إغفال مناقشة أدلة جوهرية أو اعتماد معيار الإثبات النهائي بدلا من معيار كفاية الأدلة للمتابعة، فإن هذا التوجه ينسجم مع وظيفة محكمة النقض في مراقبة سلامة التعليل والتطبيق القانوني. أما إذا فهم منه أن قاضي التحقيق لا يملك فحص مضمون الأدلة أو تقدير مدى صلاحيتها لتأسيس الاتهام، فإن مثل هذا الفهم قد يؤدي إلى تضييق غير مبرر على الاختصاص الذي خوله له المشرع، خاصة أن تقرير عدم كفاية الأدلة يفترض بالضرورة إجراء تقييم قضائي لمضمونها.

وتتأكد أهمية هذه الملاحظة بالنظر إلى طبيعة الوقائع موضوع القرار، حيث يرتبط النزاع بعلاقة تسيير إداري ومالي، وهو ما يجعل التمييز بين المسؤولية المدنية والمسؤولية الجنائية مسألة لا يمكن حسمها دون فحص العناصر القانونية لجريمة خيانة الأمانة ومدى توافر أدلة جدية عليها. وبالتالي، فإن الرقابة التي تمارسها محكمة النقض ينبغي أن تظل موجهة إلى ضمان احترام الحدود القانونية للسلطة التقديرية، دون أن تؤدي إلى إفراغها من مضمونها أو تحويل قرار الإحالة إلى نتيجة حتمية لمجرد وجود ادعاء جنائي.

وفي تقديرنا، فإن الإشكال الذي يثيره القرار موضوع التعليق لا يتعلق بمدى أحقية قاضي التحقيق في فحص الأدلة واستبعادها، باعتبار أن هذا الاختصاص يجد أساسه في السلطة المخولة له قانونا لتقدير مدى كفاية الأدلة المبررة للمتابعة، وإنما يتعلق بالحدود التي ينبغي أن تقف عندها هذه السلطة، وبالمعيار القانوني الواجب اعتماده عند ممارستها. ذلك أن التمييز بين وظيفة التحقيق ووظيفة الحكم لا ينبغي أن يقوم على منع قاضي التحقيق من مناقشة مضمون الأدلة أو تقييم قوتها، وإنما على اختلاف الغاية القانونية من هذا التقييم، فإذا كان قضاء التحقيق يبحث عن مدى وجود أساس كاف لإحالة المتهم على المحاكمة، فإن قضاء الحكم يتولى الفصل النهائي في ثبوت الأفعال ونسبتها إليه وفق الضمانات المقررة للمحاكمة العادلة.

وعلى هذا الأساس، فإن استبعاد الأدلة لا يشكل في ذاته تجاوزا لاختصاص قضاء التحقيق، متى كان مؤسسا على فحص العناصر الجوهرية للملف، وانتهى إلى عدم كفايتها لتبرير المتابعة بموجب تعليل سائغ. أما إذا انصب الاستبعاد على أدلة مؤثرة دون مناقشة قيمتها في دعم الاتهام، أو استند إلى اشتراط درجة من اليقين لا تتطلبها مرحلة التحقيق، فإن الأمر لا يعود مجرد ممارسة للسلطة التقديرية، وإنما يصبح متعلقا بسلامة التعليل واحترام المعيار القانوني الواجب التطبيق، وهو ما يبرر تدخل محكمة النقض في حدود اختصاصها.

وتتجلى أهمية هذا التمييز في القضايا التي تتداخل فيها العلاقات التعاقدية مع الوقائع المحتمل اكتسابها وصفا جنائيا، كما هو الشأن في النازلة موضوع القرار عدد 349/1، إذ لا يكفي وجود علاقة تعاقدية لاستبعاد المتابعة من أجل خيانة الأمانة، كما لا يكفي مجرد الإخلال بالالتزامات الناشئة عنها لتبرير الاتهام. وإنما يتعين فحص العناصر المرتبطة بطبيعة تسليم المال والغرض منه ومدى وجود اختلاس أو تبديد والقصد الجنائي، قصد تحديد ما إذا كانت الأدلة المتوافرة تسمح بإحالة القضية على قضاء الحكم.

وبناء عليه، نرى أن رقابة محكمة النقض ينبغي أن تتجه إلى ضمان احترام قضاء التحقيق للمعيار القانوني الخاص بكفاية الأدلة، والتحقق من استناد قراراته إلى تعليل يكشف عن مناقشة العناصر المؤثرة في الملف، دون أن تتحول إلى رقابة على الملاءمة الموضوعية للتقدير القضائي. وبذلك يتحقق التوازن بين ضرورة حماية الأفراد من المتابعات التي لا تستند إلى أساس جدي، وبين عدم إغلاق طريق المحاكمة بسبب تقدير يتجاوز الحدود الوظيفية لقضاء التحقيق.

خاتمة

خلصت هذه الدراسة، من خلال التحليل النقدي لقرار محكمة النقض عدد 349/1 الصادر بتاريخ 28 فبراير 2024، واستحضار الاجتهادات القضائية المغربية والفرنسية ذات الصلة، إلى أن الإشكال الجوهري الذي تثيره السلطة التقديرية لقاضي التحقيق لا يكمن في مدى الاعتراف له بصلاحية تقدير الأدلة، وإنما في تحديد نطاق هذه الصلاحية والمعيار القانوني الذي يحكم ممارستها، والحدود التي تفصل بينها وبين سلطة قضاء الحكم، فضلا عن طبيعة الرقابة القضائية التي تخضع لها.

وقد تبين أن سلطة قاضي التحقيق في تقدير الأدلة المبررة للمتابعة لا يمكن اختزالها في مجرد التحقق من وجود عناصر إثباتية داخل الملف، بل تمتد بالضرورة إلى فحص مضمونها وتقييم مدى جديتها وترابطها وكفايتها لتبرير إحالة المتهم على المحاكمة. فإقرار المشرع إمكانية إصدار أمر بعدم المتابعة لعدم كفاية الأدلة يفترض الاعتراف لقاضي التحقيق بسلطة تقدير قيمتها في دعم الاتهام، وإلا فقد هذا الاختصاص مضمونه القانوني والعملي.

إلا أن ممارسة هذه السلطة تظل محكومة بخصوصية الوظيفة التحقيقية، التي تختلف عن وظيفة قضاء الحكم من حيث الغاية والمعيار، دون أن يعني ذلك وجود فصل مطلق بينهما من حيث طبيعة الأدلة محل التقدير. فإذا كان قاضي التحقيق يتولى تحديد مدى توافر أساس جدي يبرر عرض الدعوى على المحكمة المختصة، فإن قاضي الحكم يختص بالفصل النهائي في ثبوت الجريمة ونسبتها إلى المتهم. ومن ثم، فإن استبعاد الأدلة أو عدم الأخذ ببعض القرائن لا يشكل، في ذاته، تجاوزا لاختصاص قاضي التحقيق، متى كان ذلك نتيجة فحص موضوعي للعناصر المؤثرة في الملف، واستند إلى تعليل كافٍ يبرر عدم صلاحيتها لتأسيس المتابعة.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة الاجتهادات القضائية المعتمدة أن الحدود الفاصلة بين التقدير المشروع للأدلة والقصور الموجب للرقابة لا تتحدد بمجرد النتيجة التي ينتهي إليها قضاء التحقيق، وإنما بطبيعة المعيار القانوني المعتمد ومدى سلامة الأسباب التي بني عليها القرار. فثمة فرق بين استبعاد المتابعة بعد مناقشة الأدلة والاقتناع بعدم كفايتها، وبين استبعادها نتيجة إغفال عناصر جوهرية أو اشتراط درجة من اليقين لا تتطلبها مرحلة التحقيق. ففي الحالة الأولى، نكون أمام ممارسة للسلطة التقديرية المخولة قانونا، بينما تبرر الحالة الثانية تدخل الجهة القضائية المختصة لتصحيح ما قد يشوب القرار من قصور في التعليل أو مخالفة للقانون.

وتتأكد أهمية هذا التمييز في القضايا التي تتداخل فيها العلاقات المدنية أو التعاقدية مع الوقائع المحتمل اكتسابها وصفا جنائيا، كما هو الشأن بالنسبة للنازلة موضوع القرار عدد 349/1. إذ إن مجرد وجود علاقة تعاقدية لا يكفي لاستبعاد المتابعة من أجل خيانة الأمانة، كما أن مجرد الإخلال بالالتزامات الناشئة عنها لا يبرر، في حد ذاته، قيام الاتهام الجنائي. وإنما يتعين فحص العناصر القانونية للجريمة ومدى توافر أدلة جدية بشأنها، دون أن يتحول هذا الفحص إلى حسم مسبق في المسؤولية الجنائية.

مقال قد يهمك :   نقاش حقوقي حول أثر حضور المحامي في مخافر الشرطة على المحاكمة العادلة

وعليه، فإن التوازن بين استقلال السلطة التقديرية لقضاء التحقيق وفعالية الرقابة القضائية يقتضي التمييز بين رقابة الغرفة الجنحية، التي تمتد إلى إعادة فحص الأدلة وتقدير كفايتها للمتابعة، ورقابة محكمة النقض، التي ينبغي أن تظل منصبة على سلامة تطبيق القانون وكفاية التعليل واحترام المعيار القانوني الواجب التطبيق، دون أن تتحول إلى إعادة تقدير الوقائع باعتبارها درجة إضافية من درجات التقاضي الموضوعي.

وبناءً على ذلك، فإن ضمان سلامة ممارسة السلطة التقديرية لقاضي التحقيق لا يتحقق بتقييد قدرته على فحص الأدلة واستبعاد غير الكافي منها، وإنما بإخضاع هذا التقدير لمتطلبات المشروعية والتعليل الموضوعي ومناقشة العناصر الجوهرية للملف. كما تبرز الحاجة إلى ترسيخ توجه قضائي واضح يحدد معيار كفاية الأدلة المبررة للمتابعة، ويميز بين الاختلاف المشروع في تقديرها وبين القصور القانوني الذي يستوجب التدخل القضائي، بما يعزز الأمن القضائي ويحافظ على التوازن بين فعالية المتابعة الجنائية وحماية الأفراد من الإحالة على المحاكمة دون أساس جدي، في إطار احترام قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة.


لائحة المراجع:

أولا: الكتب

  • أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية، الكتاب الأول: الأحكام العامة للإجراءات الجنائية، الإجراءات السابقة على المحاكمة، إجراءات المحاكمة، الطبعة العاشرة (مطورة)، دار النهضة العربية، القاهرة، 2016.
  • الرافة وتاب، سلطة قاضي التحقيق في جمع وتقدير الأدلة، الطبعة الأولى، مكتبة الرشاد سطات، سطات، المغرب، 2022.
  • محمد عياط، دراسة في المسطرة الجنائية المغربية، الجزء الثاني: البحث التمهيدي، التحقيق الإعدادي، الاختصاص والمحاكمة، شركة بابل للطباعة والنشر والتوزيع، الرباط، الطبعة الأولى، 1991.

ثانيا: الاجتهادات القضائية

  • الاجتهادات القضائية المغربية
  • محكمة النقض، قرار عدد 349/1، صادر بتاريخ 28 فبراير 2024، في الملف الجنحي عدد 8111/6/1/2022، غير منشور.
  • محكمة النقض، قرار عدد 546، صادر بتاريخ 20 أبريل 2022، في الملف الجنحي عدد 2020/4/6/13839.
  • المجلس الأعلى، قرار عدد 962/5، صادر بتاريخ 20 ماي 2009.
  • محكمة الاستئناف بالحسيمة، الغرفة الجنحية، قرار صادر بتاريخ 8 فبراير 2022، عدد 118/2525/2021، غير منشور.
  • محكمة الاستئناف بوجدة، الغرفة الجنحية، قرار عدد 82، صادر بتاريخ 22 أبريل 2025، في الملف عدد 2025/2526/172، غير منشور.
  • محكمة الاستئناف بوجدة، الغرفة الجنحية، قرار عدد 262، صادر بتاريخ 23 أكتوبر 2024، في الملف عدد 2024/2525/471، غير منشور.
  • محكمة النقض المغربية، الغرفة الجنائية، قرار عدد 179/1، صادر بتاريخ 29 يناير 2025، في الملف الجنحي عدد 2024/1/6/24210، غير منشور.
  • محكمة الاستئناف بوجدة، الغرفة الجنحية، قرار صادر بتاريخ 29 يوليوز 2025، في الملف عدد 2025/2525/275، غير منشور.
  • الاجتهادات القضائية الفرنسية

– Cour de cassation française, chambre criminelle, arrêt du 17 janvier 2024, pourvoi n° 23-85.918, ECLI:FR:CCASS:2024:CR00167

– Cour de cassation française, chambre criminelle, arrêt du 21 mars 2012, pourvoi n° 11-83.631

 


[1] محكمة النقض المغربية، الغرفة الجنائية، القسم الأول، قرار عدد 349/1، صادر بتاريخ 28 فبراير 2024، في الملف الجنحي عدد 8111/6/1/2022، غير منشور.

[2] محمد عياط، دراسة في المسطرة الجنائية المغربية، الجزء الثاني: البحث التمهيدي، التحقيق الإعدادي، الاختصاص والمحاكمة، شركة بابل للطباعة والنشر والتوزيع، الرباط، الطبعة الأولى، 1991، ص. 131 وما يليها.

[3] تنص المادة 216 من قانون المسطرة الجنائية على: “يصدر قاضي التحقيق أمرا بعدم المتابعة إذا تبين له أن الفعل لا يكون مخالفة للتشريع الجنائي أو لم يعد خاضعا لأحكامه، أو أنه ليست هناك أدلة كافية ضد المتهم، أو أن الفاعل ظل مجهولاً أو في حالة سقوط الدعوى العمومية طبقا لمقتضيات المادة 4 من هذا القانون.

يبت في نفس الوقت في شأن رد الأشياء والأموال والممتلكات المحجوزة.

يصفي صوائر الدعوى، وإذا كان فيها طرف مدني يحكم عليه بالمصاريف كلا أو بعضا، غير أنه يمكن إعفاء الطرف المدني إذا كان حسن النية من أداء هذه المصاريف، بموجب مقرر خاص معلل، مالم يكن هو الذي أقام الدعوى العمومية.

يفرج حالا عن المتهمين المعتقلين مالم يكونوا معتقلين لسبب آخر رغم استئناف النيابة العامة.

ينتهي مفعول الأمر بالوضع تحت المراقبة القضائية. يمكن لقاضي التحقيق أن يأمر بنشر القرار بعدم المتابعة كليا أو جزئيا بناء على طلب الشخص المعني أو بطلب من النيابة العامة بصحيفة أو عدة صحف أو عبر وسائل الاتصال السمعية البصرية أو الإلكترونية.

ويحدد القاضي البيانات القابلة للنشر، ويقبل هذا القرار الطعن أمام الغرفة الجنحية وفقا للشروط المشار إليها في المادتين 222 و223 أدناه.”

[4] أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية، الكتاب الأول: الأحكام العامة للإجراءات الجنائية، الإجراءات السابقة على المحاكمة، إجراءات المحاكمة، الطبعة العاشرة (مطورة)، دار النهضة العربية، القاهرة، 2016، ص. 1139 وما يليها.

[5] المجلس الأعلى، قرار عدد 962/5، صادر بتاريخ 20 ماي 2009، في الملف عدد 19634/6/5/2007، منشور بنشرة قرارات المجلس الأعلى، ومتاح بموقع  Jurisprudence.maبتاريخ 15/09/2026.

[6] Cour de cassation française, chambre criminelle, arrêt du 17 janvier 2024, pourvoi n° 23-85.918, ECLI:FR:CCASS:2024, publié au Bulletin des arrêts de la chambre criminelle, n° 1, janvier 2024, p. 102 et s., disponible sur le site officiel de la Cour de cassation : https://www.courdecassation.fr (consulté le 15 septembre 2026).

[7] للتوسع ينظر: الرافة وتاب، سلطة قاضي التحقيق في جمع وتقدير الأدلة، الطبعة الأولى، مكتبة الرشاد سطات، سطات، المغرب، 2022.

[8] يذهب الدكتور أحمد فتحي سرور، في معرض تمييزه بين سلطة التحقيق وسلطة الحكم في تقدير الأدلة، إلى أن إحالة الدعوى الجنائية إلى المحكمة لا تستلزم بلوغ الأدلة درجة اليقين المطلوبة للحكم بالإدانة، وإنما يكفي أن تكون من القوة بما يرجح نسبة الجريمة إلى المتهم ويبرر عرضها على قضاء الحكم. فبينما يتعين أن يقوم الحكم بالإدانة على الاقتناع اليقيني، فإن قرار الإحالة يستند إلى تقدير احتمالي راجح، دون أن يشكل ذلك مساسا بقرينة البراءة أو حكما مسبقا بثبوت الجريمة. أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية، الكتاب الأول، ص 1144.

[9] محكمة النقض المغربية، قرار عدد 546، صادر بتاريخ 20 أبريل 2022، في الملف الجنحي عدد 2020/4/6/13839، منشور بموقع Lawyer.net.ma ma بتاريخ 15/09/2026.

[10] Cour de cassation française, chambre criminelle, arrêt du 21 mars 2012, pourvoi n° 11-83.631, inédit (non publié au Bulletin), disponible sur Légifrance : https://www.legifrance.gouv.fr (consulté le 16 septembre 2026).

[11] تجدر الإشارة إلى أن المشرع المغربي نظم الغرفة الجنحية لدى محكمة الاستئناف بمقتضى المواد من 231 إلى 250 من قانون المسطرة الجنائية، كما تم تغييره وتتميمه بالقانون رقم 03.23، محددا تشكيلتها واختصاصاتها والإجراءات المتبعة أمامها، ولا سيما ما يتعلق بمراقبة أعمال قاضي التحقيق، والبت في الطعون الموجهة ضد أوامره، ومراقبة مشروعية الإجراءات، بما يجعلها آلية أساسية للرقابة القضائية على ممارسة السلطة التقديرية خلال مرحلة التحقيق الإعدادي. يراجع على وجه الخصوص: المواد 231 و237 و239 و243 من قانون المسطرة الجنائية، بشأن اختصاصات الغرفة الجنحية والرقابة على إجراءات التحقيق ومآل أوامر عدم المتابعة.

[12] تنص المادة 222 من قانون المسطرة الجنائية على: “يحق للنيابة العامة أن تستأنف لدى الغرفة الجنحية كل أمر قضائي يصدره قاضي التحقيق، باستثناء الأوامر الصادرة بإجراء خبرة طبقا لمقتضيات المادة 196.

يتم هذا الاستئناف في صيغة تصريح يقدم إلى كتابة الضبط بالمحكمة التي يوجد بها قاضي التحقيق في اليوم الموالي لإشعارها بصدور الأمر.

يبقى المتهم معتقلا في حالة صدور أمر بالإفراج المؤقت إلى حين انصرام أجل الاستئناف المنصوص عليه في الفقرة السابقة، ما لم توافق النيابة العامة على الإفراج عنه في الحال.

تسري نفس المقتضيات إذا تعلق الأمر برفع المراقبة القضائية.

يترتب عن الاستئناف الذي تقدمه النيابة العامة إبقاء المتهم في حالة اعتقال إلى أن يبت في هذا الاستئناف.”

[13] تنص المادة 224 من قانون المسطرة الجنائية على: “يمكن للطرف المدني أن يستأنف لدى الغرفة الجنحية الأوامر الصادرة بعدم إجراء التحقيق، وبعدم المتابعة، وكذا الأوامر التي تمس بمصالحه المدنية.

غير أنه لا يمكنه بأي حال من الأحوال، أن يستأنف أمرا قضائيا متعلقا باعتقال المتهم، أو مقتضى من مقتضيات أمر قضائي يتعلق بهذا الاعتقال أو بالمراقبة القضائية.

يمكن للطرف المدني استئناف الأمر الذي يبت في الاختصاص الصادر عن قاضي التحقيق إما تلقائيا أو بناء على دفع الأطراف بعدم الاختصاص.

يقدم الطرف المدني استئنافه طبق الكيفيات المنصوص عليها في الفقرة الثالثة من المادة 223 أعلاه خلال الثلاثة أيام الموالية لتبليغ الأمر القضائي في موطنه الحقيقي أو المختار.”

[14] تنص المادة 223 من قانون المسطرة الجنائية على: “يحق للمتهم أن يستأنف لدى الغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف الأوامر المنصوص عليها في المواد 94 و139 و152 و175 و175-1 و175-2 و176 و177 و179 و181 و181-1 و194 (الفقرة الأخيرة) و208 و216 (الفقرات 2 و3 و6 و7).

يحق له كذلك استئناف الأمر الذي يبت في الاختصاص الصادر عن قاضي التحقيق، إما تلقائيا وإما بناء على دفع الأطراف بعدم الاختصاص.

يقدم الاستئناف بتصريح إلى كتابة ضبط المحكمة التي يوجد بها مقر قاضي التحقيق خلال الثلاثة أيام الموالية ليوم تبليغ الأمر إلى المتهم طبقا للمادة 220 أعلاه.

إذا كان المتهم معتقلا، فإن هذا التصريح يكون صحيحا إذا تلقته كتابة الضبط للمؤسسة السجنية التي يجب عليها أن تقيده حالا في سجل خاص، وعلى رئيس المؤسسة أن يقوم بتوجيه هذا التصريح لكتابة الضبط للمحكمة في ظرف أربع وعشرين ساعة وإلا تعرض لعقوبات تأديبية.”

[15] المجلس الأعلى للسلطة القضائية، “قراءة أولية في مستجدات المسطرة الجنائية: استئناف أوامر قاضي التحقيق”، وثيقة تحليلية حول مستجدات القانون رقم 03.23 القاضي بتغيير وتتميم قانون المسطرة الجنائية، (وثيقة غير منشورة)، ص. 2. حيث تناولت مستجدات المواد 222 و223 و224 من قانون المسطرة الجنائية، ولا سيما توسيع بعض حالات استئناف المتهم لأوامر قاضي التحقيق.

[16] محكمة النقض المغربية، قرار عدد 546، بتاريخ 20 أبريل 2022، مرجع سابق.

[17] محكمة الاستئناف بوجدة، الغرفة الجنحية، قرار عدد 82، صادر بتاريخ 22 أبريل 2025، في الملف عدد 2025/2526/172، غير منشور.

[18] محكمة الاستئناف بوجدة، الغرفة الجنحية، قرار عدد 262، صادر بتاريخ 23 أكتوبر 2024، في الملف عدد 2024/2525/471، غير منشور.

[19] Cass. crim., 21 mars 2012, n° 11-83.631, précité.

[20] انظر المواد 518 و521 و534 من قانون المسطرة الجنائية المغربي.

[21] المجلس الأعلى، قرار عدد 962/5، بتاريخ 20 ماي 2009، مرجع سابق.

[22] إذا كان من المتداول القول إن النيابة العامة تشك، وقاضي التحقيق يظن، وقاضي الحكم يقتنع، فإن هذه المقولة، على ما تنطوي عليه من تبسيط، تعكس اختلاف الوظيفة الإجرائية والمعيار الإثباتي الذي يحكم تدخل كل سلطة من سلطات العدالة الجنائية، إذ يكفي لمباشرة المتابعة قيام أساس قانوني وواقعي يبررها، بينما يتطلب قرار الإحالة الصادر عن قاضي التحقيق توافر أدلة وقرائن كافية لتبرير عرض القضية على قضاء الحكم، في حين تظل الإدانة مشروطة بتكوين اقتناع قضائي جازم بثبوت الجريمة ونسبتها إلى المتهم.

[23] محكمة النقض المغربية، قرار عدد 546، بتاريخ 20 أبريل 2022، مرجع سابق.

[24] Article 211 du Code de procédure pénale français :

« Elle examine s’il existe contre la personne mise en examen des charges suffisantes. »

[25] Cass. crim., 17 janvier 2024, n° 23-85.918, précité.

[26] Cass. crim., 21 mars 2012, n° 11-83.631, précité

[27] محكمة النقض، الغرفة الجنائية، قرار عدد 179/1، صادر بتاريخ 29 يناير 2025، في الملف الجنحي عدد 2024/1/6/24210، غير منشور.

[28] محكمة الاستئناف بوجدة، الغرفة الجنحية، قرار صادر بتاريخ 29 يوليوز 2025، في الملف عدد 2025/2525/275، غير منشور.

error: عذرا, لا يمكن حاليا نسخ او طباعة محتوى الموقع للمزيد من المعلومات المرجوا التواصل مع فريق الموقع عبر البريد الالكتروني : [email protected]