مجلة مغرب القانونالقانون الخاصيوسف الغدواني: حدود تقيد محكمة التحفيظ بمضمون شهادة التعرض وإشكالية إنشاء حقوق الارتفاق على الأملاك الوقفية العامة

يوسف الغدواني: حدود تقيد محكمة التحفيظ بمضمون شهادة التعرض وإشكالية إنشاء حقوق الارتفاق على الأملاك الوقفية العامة

 يوسف الغدواني حاصل على شهادة الماستر في القانون الخاص، إطار مكلف بالمنازعات لدى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية


حدود تقيد محكمة التحفيظ بمضمون شهادة التعرض وإشكالية إنشاء حقوق الارتفاق على الأملاك الوقفية العامة – تعليق على حكم صادر عن المحكمة الابتدائية بالناظور عدد 03 بتاريخ 23 يناير 2020 الملف عدد 54/1403/2018-


مقدمة:

إن النظام القانوني المنظم للتعرض في التشريع العقاري المغربي يتميز بطبيعة خاصة قائمة على التوازن الدقيق بين السلطة الإدارية للمحافظ على الملكية العقارية في تلقي التعرض ودراسته وتكييف موضوعه وسلطة المحكمة عند البت فيه، وفي هذا الإطار يعد القضاء العقاري قضاءً استثنائيا ونوعيا نظرا لمحدودية صلاحياته بمناسبة البت في التعرض بالحكم بصحته أو عدم صحته، ولكون أن الأطراف لا يملكون حق عرض النزاع أمامه بشكل مباشر، بل يتلقى ذلك إلزاميا عبر قناة الإحالة الإدارية.

 وتبعا لذلك، تشكل مسطرة إحالة مطلب التحفيظ للبت في التعرضات إطارا يحدد لمحكمة التحفيظ بصفة مسبقة أطراف التعرض وموضوعه ونوعه ونطاقه، حيث يضمن المحافظ  كل ذلك في شهادة تسمى: شهادة التعرض، فتكون هذه الأخيرة هي الإطار الذي ترجع إليه المحكمة لحصر نطاق التعرض موضوعا وأطرفا.

وتعرف الممارسة العملية أحيانا انحرافا في تطبيق هذه القواعد المسطرية، إذ قد تعمد المحكمة التي تبت في التعرض بناء على سلطتها التقديرية أو نتائج تحقيق الدعوى إلى عدم التقيد بمضمون شهادة التعرض من خلال إعادة تكييف التعرض وتحوير موضوعه من تلقاء نفسها، فيطرح الإشكال حدود تقيد المحكمة بما يحال عليها من طرف المحافظ والمسجل في شهادة التعرض على المطلب.

وتزداد هذه الوضعية تعقيدا عندما ينصب هذا التكييف الجديد لموضوع التعرض على عقار ذو صبغة وقفية عامة، ليتصادم الخرق الإجرائي مع خرق موضوعي يتمثل في المساس بالأملاك الوقفية العامة، والتي أحيطت بنظام قانوني صارم ومحصن بموجب مدونة الأوقاف، يمنع منعا كليا تفويتها إلا بشروط أو كسب حقوق عليها بالتقادم أو إثقالها بأية حقوق عينية أو ارتفاقات من شأنها الانقاص من قيمتها النفعية أو المالية.

وهو ما أثار انتباهي في حكم صادر عن المحكمة الابتدائية بالناظور حيث جاءت وقائعه  في أن: ورثة تقدموا بطلب تسجيل تعرض جزئي ضد مطلب تقدمت به إدارة الأوقاف لتحفيظ عقار موقوف وقفا عاما، حيث ادعوا أن إدارة الأوقاف تجاوزت عند تحديد مطلبها حدود عقارها لتدخل جزء من أرضهم التي آلت إليهم إرثا في الحدين الشمالي والغربي للمطلب، وبعد تلقي المحافظ تعرضهم تم قبوله وسجل في شهادة التعرض تعرضهم الجزئي على قطعة أرضية حددوا مساحتها في11 آر 50 س، وبينوا ذلك في رسم تخطيطي.

 وبعد إحالة ملف التحفيظ على المحكمة الابتدائية بالناظور سجل تحت عدد 54/1403/2018، وبعد تحقيق الدعوى قضت المحكمة في حكمها عدد 03 بتاريخ 23 يناير 2020 بصحة التعرض الجزئي في الحدود المحددة في منطوق الحكم الذي جاء تعليله كما يلي:  “… حيث ثبت للمحكمة من خلال استيعابها لمعطيات النزاع أخذا بنتائج البحث بعين المكان وما استقته من نتائج البحث وتصريحات الأطراف ومعطيات الوقائع وخلاصات ونتائج التحقيق عموما أن التعرض المثار من قبل المتعرضين وإن أخذ شكل تعرض جزئي عند إثارته أمام السيد المحافظ، فإنه ينصب في حقيقته على المطالبة بحق ارتفاق المطل وفق المواد 37 و38 و39 و68 من مدونة الحقوق العينية، وأن هذا التكييف الذي استقته المحكمة من معطيات النازلة والوقائع منسجم مع تصريحات المتعرضين المفضي بها بعين المكان…

وحيث إن المعطيات الواقعية والأسباب أعلاه، تجعل التعرض مؤسسا ومبررا في حدود تمكين الطرف المتعرض من استعمال حق ارتفاق المطل…

ولهذه الأسباب حكمت المحكمة علنيا وابتدائيا وحضوريا:

… بصحة التعرض الجزئي على المطلب… في حدود تمكين المتعرضين من استعمال حق ارتفاق المطل وفق المبين في الحكم… والحكم بعدم صحته في غير ذلك… “. 

ومن خلال وقائع هذا الحكم وتعليله يظهر أن محكمة التحفيظ قد تجاوزت حدود الإحالة وأعادت تكييف موضوع التعرض من التعرض على قطعة أرضية إلى إنشاء حق ارتفاق المطل على الأملاك الوقفية العامة.

فإلى أي حد صادف هذا الحكم الصواب في ما قضى به؟

ومن خلال هذه الإشكالية يمكن طرح السؤالين التاليين:

  • مدى تقيد قاضي التحفيظ بحدود شهادة التعرض كما أحيلت عليه؟
  • ومدى مشروعية إنشاء حق ارتفاق المطل على الأملاك الوقفية من طرف قضاء التحفيظ من خلال إعادة تكييف موضوع التعرض رغم خصوصية عدم جواز تفويتها إلا بشروط؟

وللإجابة عن هذه الإشكاليات ارتأينا معالجة الموضوع وفق مبحثين:

المبحث الأول: الإطار المحدد لنطاق التعرض أمام محكمة التحفيظ

المبحث الثاني: مشروعية إنشاء حقوق الارتفاق على الأملاك الوقفية


المبحث الاول: الإطار المحدد لموضوع التعرض أمام محكمة التحفيظ

إن المحافظ على الملكية العقارية حينما يقوم بتضمين شهادة التعرض التعرضات المثارة ضد مطلب التحفيظ ويطبق المقتضيات الجارية عليها يصدر قراره بإحالة مطلب التحفيظ إلى المحكمة للبت فيها.

والمحكمة حينما يحال عليها ملف التحفيظ بقرار المحافظ تفتح ملفا وتبت في التعرضات في الحدود التي يسمح بها القانون، فكانت شهادة التعرض على المطلب التي هي من وثائق ملف التحفيظ وثيقة أساسية ترجع إليها المحكمة لتحديد نطاق التعرض أو التعرضات كما قدمت أمام المحافظ موضوعا وأطرافا ونوعا، على اعتبار أن صلاحيات المحافظ اتجاه مطلب التحفيظ هي أوسع من صلاحيات المحكمة، على اعتبار أن قرار التحفيظ هو من صلاحيات المحافظ كمبدأ، كما أن محكمة التحفيظ لا تتدخل في مسطرة التحفيظ إلا عند وجود تعرضات وتبت في حدودها بين طالب التحفيظ والمتعرضين، وليس من صلاحياتها البت بين المتعرضين، لهذا يقال: أن مسطرة التحفيظ تبدأ إدارية وتنتهي إدارية وتتخللها المسطرة القضائية في حالة وجود تعرض أو تعرضات.

فكانت شهادة التعرض على المطلب هي الإطار الذي يحدد للمحكمة نطاق التعرض أطرافا وموضوعا ونوعا، وعدد التعرضات المثارة ضد المطلب كما قدمت أمام المحافظ، فالإشكال يطرح عند تجاوز المحكمة هذا الإطار وتبت في غير ما هو مضمن في هذه الشهادة.

لذا كان البحث عند الإطار المحدد لنطاق للتعرض أطرافا وموضوعا أمرا ضروريا لوضع توازن بين السلطات الإدارية للمحافظ في تلقي التعرضات وتكييفها، وسلطات المحكمة للبت فيها (المطلب الأول)، كما أنه يجب البحث في نتائج عدم تقيد المحكمة بحدود الإحالة (المطلب الثاني).

المطلب الأول: حدود تقيد محكمة التحفيظ بنطاق التعرض المضمن في شهادة التعرض

تعد شهادة التعرض على المطلب التي يحررها المحافظ الإطار الذي ترجع إليه المحكمة لحصر نطاق التعرض، فدعوى التعرض تبدأ عند المحافظ، فهو من له صلاحيات تلقي التعرضات، وتكييفها، وتحديد نوعها، ويضمن كل ذلك في شهادة التعرض، فيطرح السؤال حول هل مضمون هذه الشهادة يعد إلزاميا للمحكمة لحصر نطاق التعرض أطرافا وموضوعا (المطلب الثاني)، وإذا كانت كذلك ما هي آثار عدم تقيد المحكمة بموضوع هذه الشهادة (المطلب الثاني).

أولا: مدى إلزامية شهادة التعرض عند حصر نطاق التعرض أمام محكمة التحفيظ

المعلوم أن دعوى التعرض هي دعوى تبدأ عند السيد المحافظ، فالمتعرض لا يقدم مقالا افتتاحيا إلى المحكمة، وإنما يقدم طلبا بتسجيل تعرضه – جزئيا كان أم كليا-  لدى المحافظة العقارية، فبمجرد تلقي المحافظ الطلب يعمل على دراسته ويتأكد من تأييد التعرض بالحجج الكفيلة لقبوله.

وبالرجوع إلى مقتضيات الفصل 25 من ظهير التحفيظ العقاري[1] نجده لا يشترط شكلاً معينا لتقديم التعرض، إذ يمكن تقديمه شفويا أم كتابية لا عيب في ذلك،[2] الأساس أن يكون مدعما بالحجج التي تؤيد ادعاء المتعرض.

والمحافظ على الملكية العقارية يعمل عند قبوله التعرض على تسجيله وتضمينه في شهادة تسمى شهادة التعرض على المطلب، وهي وثيقة إدارية يحررها المحافظ عند اتخاذ قراره بإحالة نزاع التحفيظ على المحكمة، بحيث يحدد بموجبها أطراف وموضوع ونطاق النزاع.[3]

 من بين البيانات الأساسية التي يجب أن تضمن في شهادة التعرض على المطلب نجد التعريف بطالب التحفيظ وبرقم مطلبه وبتاريخ انتهاء التحديد، إذ على أساسه يبدأ احتساب أجل التعرض وهو أجل شهرين[4]، وأيضا التعريف بالمتعرض من خلال ذكر اسمه أو أسمائهم إذا تعدد المتعرضين، وأيضا موضوع التعرض هل هو تعرض على حق الملكية أو على الحدود أو على حق عيني عقاري كحق الارتفاق مثلا، كما حددت ذلك مقتضيات الفصل 24 من ظ ت ع.

ومن ثم فشهادة التعرض على المطلب إذن هي: وثيقة إدارية ترفق بملف التحفيظ وتحال على المحكمة، فبواسطتها تعرف المحكمة نطاق التعرض – موضوعاً وأشخاصاً- عند المحافظ العقاري، وعلى الصيغة التي قيد بها لديه.

ومن خلال ذلك، هل تكون هذه الشهادة إلزاميةً للمحكمة عند حصرها لنطاق التعرض؟

 إن الإجابة عن هذا السؤال في اعتقادنا تقتضي الحديث عن خصوصية دعوى التعرض، فالمعلوم أنه لا خلاف في أنها تبدأ عند السيد المحافظ، والمقصود بأنها دعوى تبدأ عند السيد المحافظ أن المتعرض لا يقدم مقالا افتتاحيا إلى كتابة ضبط المحكمة الابتدائية لتسجيل الدعوى وإنما يقدم طلبه أمام السيد المحافظ.[5] ومن نتائج ذلك أن تأدية الرسوم تتم في المحافظة العقارية.[6]

وقد يقول قائلٌ ماذا عن مذكرة بيان أسباب التعرض التي يقدمها المتعرض بواسطة دفاعه لدى كتابة ضبط المحكمة المحال عليها التعرض؛ ألا تُفتتح بها الدعوى؟

ردا عن هذا القول، فمذكرة بيان أسباب التعرض تقدم بعد إحالة ملف التحفيظ على المحكمة الابتدائية، أي أنها لا تنزل منزلة المقال الافتتاحي للدعوى، وإن قُدمت قبل إحالة التعرض يكون مآلها عدم القبول، وبالتالي فهي مذكرة تقدم إلى كتابة الضبط وتسجل ويعطى للملف رقما، ويبين بواسطتها المتعرض أسباب تعرضه وما يؤيده ويبقى لطالب التحفيظ حق التعقيب والجواب.

ومن ثم، إذا كانت دعوى التعرض لا تسجل لدى كتابة ضبط المحكمة الابتدائية كسائر الدعاوى الأخرى إلا بعد إحالة ملف التحفيظ عليها، فإن ذلك يستنتج منه أن المحكمة لا يمكنها تحديد نطاق التعرض موضوعاً وأشخاصاً إلا بعدما يحيل عليها المحافظ ملف التحفيظ بجميع وثائقه من بينها شهادة التعرض.[7]

وعلى أساس ذلك، فإن شهادة التعرض تبقى إلزامية في اعتقادنا للمحكمة لحصر نطاق التعرض من حيث أطرافه وموضوعه سواء تعلق الأمر بطالب التحفيظ أو المتعرضين ولا صلاحية لها في قبول تدخل الأطراف تدخلاً هجومياً[8] لم تسجل أمام المحافظ، وإن كانت لها مصلحة في ذلك، كما لا حق لمحكمة التحفيظ أن تناقش تعرضا لم يكن مسجلا لدى المحافظة العقارية، إذ أن نطاق دعوى التعرض يحدد أمام المحافظ، فهو من يحدد في شهادة التعرض طالب التحفيظ ويعرف به ويحدد المتعرض أو المتعرضين بأسمائهم وصفتهم وتاريخ تقديمهم للتعرض ونوعه، كما يحدد موضوع التعرض هل ينصب على حق الملكية أو مدى هذا الحق أو على حدود العقار أو على حق عيني عقاري.

مقال قد يهمك :   سعيد بيومي : لغة القانون في ضوء علم لغة النص-دراسة في التماسك النصي-

فقد جاء في قرار صادر عن محكمة النقض ما يلي: » …إذا كانت المحكمة مقيدة بالبت في الطلب موضوع الإحالة من طرف المحافظ، فإن إحالة هذا الأخير لملف مطلب التحفيظ مرة ثانية على المحكمة من أجل تدارك إغفال في منطوق الحكم الذي لم يشر إلى مآل أحد التعرضات الواردة بشهادة التعرض، يجعل تدخل المشتري من طالب التحفيظ والرامي إلى الحكم بعدم صحة التعرض غير مقبول « [9]

ثانيا: صلاحيات القضاء العقاري في إعادة تكييف موضوع التعرض

إن مقتضيات الفصل 24 من ظهير التحفيظ العقاري أطرت مسطرة التعرض وبينت الحقوق التي يمكن أن تكون محل هذا التعرض من خلال قولها: »يمكن لكل شخص يدعي حقا على عقار تم طلب تحفيظه أن يتدخل عن طريق التعرض في مسطرة التحفيظ خلال أجل شهرين يبتدئ من يوم نشر الإعلان عن انتهاء التحديد في الجريدة الرسمية، إن لم يكن قام بذلك من قبل وذلك:

  • في حالة المنازعة في وجود حق الملكية لطالب التحفيظ أو في مدى هذا الحق أو بشأن حدود العقار؛
  • في حالة الادعاء باستحقاق حق عيني عقاري قابل للتقييد بالرسم العقاري الذي سيقع تأسسيه؛
  • في حالة المنازعة في حق وقع الإعلان عنه طبقا للفصل 84 من هذا القانون«.

وبتأملنا مقتضيات هذا الفصل يظهر أن التعرض إما أن يكون موضوعه استحقاق عقار أو المنازعة في حدود هذا العقار أو في مداه، وإما أن يكون موضوعه حقاً عينياً عقارياً قابلاً للتقييد، وهي الحقوق المحددة حصرا في المادة 9 من مدونة الحقوق العينية[10] التي نجد من بينها حقوق الارتفاق، والذي من صوره حق اتفاق المطل.

ومن ثم حينما يقدم المتعرض طلبه بتسجيل التعرض فالمحافظ على الملكية العقارية له صلاحية تكييف هذا التعرض هل موضوعه استحقاق عقار أو حق عيني عقاري، لعلة أن هذا التكييف يرتب نتائجا أساسية تمس من جانب مصالح طالب التحفيظ ومن جهة ثانية تمس مصالح المتعرض.

ومن خلال هذا وذاك، فالتساؤل الذي يطرح في هذا الصدد مفاده: هل تملك المحكمة صلاحية إعادة تكييف موضوع التعرض المقيد بشهادة التعرض من التعرض على ملكية قطعة أرضية إلى تكييف التعرض من جديد بأنه ينصب على المطالبة بحق ارتفاق المطل كما ذهب الحكم موضوع التعليق؟

ارتباطا بالجواب عن ذلك يرى بعض الفقه أن المحكمة التي تنظر في التعرض تتقيد بما يحال عليها من طرف المحافظ بخصوص موضوع التعرض أي بما هو مقيد بشهادة التعرض[11]، وليس لها التوسع في موضوعه أو تحويره، فإذا كانت شهادة التعرض موضوعها المطالبة باستحقاق عقار أو المنازعة في حدود العقار فالمحكمة عليها أن تناقش حجج المتعرض التي تثبت ادعاءه، أما إذا كان حقا عينيا عقاريا فتتقيد بذلك وتناقش مدى حق المتعرض في هذا الحق العيني، وهو ما يستشف من خلال مقتضيات الفصل 37 من ظ ت ع التي تؤكد أن المحكمة تبت في وجود الحق المدعى فيه من قبل المتعرضين….

كما أن المتعرض نفسه تحكمه طلباته أمام المحكمة والتي يكون قد تقدم بها أمام السيد المحافظ بخصوص تعرضه، فلا حق للمتعرض أن يوسع نطاق التعرض أو يطالب بأكثر مما ضمن بشهادة التعرض على المطلب أو يغير موضوع التعرض بما يضر طالب التحفيظ[12]، وإن كان يمكنه – أي المتعرض- أن يطالب بأقل مما طلبه تنازلا منه، فيمكن للمحكمة أن تحكم بما طلبه المتعرض من خلال تنازله سواء كليا أم جزئيا، لكن ماذا لو تنازل المتعرض عن تعرضه أمام المحافظ فهل: يحق له أن يتراجع عنه أمام المحكمة بعد إحالة ملف التحفيظ على المحكمة؟

يجيبنا قرار صادر عن محكمة النقض جاء فيه ما يلي »… في حين أنه بمقتضى الفصل 18 من ق ل ع فإن الالتزامات الصادرة من طرف واحد تلزم من صدرت عنه بمجرد وصولها إلى علم الملتزم له، وأن القرار لما استبعد أثار تنازل المتعرض عن تعرضه أمام المحافظ بتعليله أن التنازل لا يعتد به إلا إذا وقع الاشهاد عليه قضائيا يكون معللاً تعيلا فاسدا يوازي انعدامه مما يعرضه للنقض والإبطال. [13]

وعليه فإن صلاحيات المحكمة التي تنظر في التعرض تبقى مقيدة في نظرنا بما يحال عليها من طرف المحافظ بخصوص موضوع التعرض والمقيد بشهادة التعرض، ولا حق لها قانونا في اعتقادنا أن تقوم بإعادة تكييف موضوع التعرض وذلك من استحقاق قطعة أرضية إلى تقرير حق من حقوق الارتفاق من قبيل مثلا: حق اتفاق المطل كما ذهب الحكم موضوع التعليق، وإن كانت إجراءات تحقيق الدعوى وما استقته المحكمة منها خلصت إلى أن الأمر يتعلق بحق الارتفاق ما دام أنه لم يكن طلبا أمام السيد المحافظ ولم يقيد بشهادة التعرض كحق عيني عقاري.

كما أن الفصل 37 من القانون رقم 07-14 المتعلق بالتحفيظ العقاري حينما نص في فقرته الثانية على أن المحكمة تبت في وجود الحق المدعى به من قبل المتعرضين وطبيعته ومشتملاته ونطاقه، فإن المقصود بنطاق التعرض في اعتقادنا هو نطاق التعرض المسجل في شهادة التعرض من حيث الموضوع والأطراف، حيث لا يمكنها أن تبت في ما هو غير مضمن في شهادة التعرض، وما يؤكد رأينا هو تنصيص المشرع في الفصل 25 من نفس القانون على كون المتعرض يجب عليه أن يصرح أثناء تعرضه بطبيعة ومدى الحق موضوع النزاع.

 وخير ما نؤسس عليه رأينا أعلاه قرار صادر عن محكمة النقض الذي أسس لقاعدة مؤداها: أن عدم بت المحكمة في موضوع التعرض المقيد أمام المحافظة العقارية وبتها في موضوع آخر يجعل قرارها عديم الأساس القانوني، فقد جاء في حيثياته ما يلي : »… حيث صح ما عابه الطاعن على القرار ذلك أنه اقتصر في تعليل قضائه بأنه: “ثبت من البحث الذي أجري ابتدائيا بتاريخ 7/2/2008 واستئنافيا بتاريخ 7/5/2009 أن طالب التحفيظ يقر بأن المتعرضين يقطنان بالمنزل المجاور لمدة 40 سنة ويستعملان المدخل المشترك المتواجد بين المنزلين للمرور عبره باعتباره منفذا وحيدا، وهذه الواقعة ثابتة كذلك بشهادة الشاهدين اللذان أكدا أن الممر كان مستعملا من قبل مالكي المحل المشترى من قبل طالب التحفيظ والمتعرض…”، في حين لا يستفاد من وثائق الملف أن تعرض المطلوب في النقض كان يهدف إلى المطالبة بحق المرور ولا حتى أنه تمسك أمام المحكمة بذلك ونص القرار مع ذلك على اعتبار موضوع التعرض ممرا عموميا، الأمر الذي  يكون معه القرار غير مرتكز على أساس مما عرضه للنقض والإبطال « [14]

كما جاء في قرار آخر صادر عن محكمة النقض ما يلي: »إذا كانت المحكمة تبت في الحق المدعى فيه كما أحيل عليها من طرف المحافظ فإن ثبت لها أن التعرض حسب شهادة التعرض يتعلق فقط بحقوق زوجة طالب التحفيظ المتوفى والمحددة في أسهم معينة والتي فوتتها للمتعرض دون حقوق أولادها يجعل مناقشة صحة تفويت هذه الحقوق للمتعرض غير ذي أساس، ويبقى معه التعرض المذكور صحيحا«[15]

وورد في قرار آخر لمحكمة النقض ما يلي: »لكن ردا على الوسيلتين معا فإن التعرض هو بمثابة دعوى يحدد موضوعها أمام المحافظ، وأنه بالرجوع إلى شهادة التعرض يتبين أن الطاعن يقصتر تعرضه على المطالبة بحقوق مشاعة ولا ذكر لحق المرور به « [16]

كما أن ما يؤسس لقاعدة أن محكمة التحفيظ تتقيد بما يحال عليها من طرف المحافظ عدم السماح لها بتغيير نوع التعرض من تعرض جزئي إلى تعرض كلي مثلا أو العكس، فتبت في التعرض كما سجل عند المحافظ وكما حدده المحافظ، وهذا فيه تكريس لمبدأ التوازن بين صلاحيات المحافظ في تلقي التعرض وسلطات المحكمة للبت فيه، فقد جاء في قرار لمحكمة النقض ما يلي:”… لما غيرت محكمة التحفيظ طلب التعرض على مطلب التحفيظ من تعرض جزئي إلى تعرض كلي تكون قد خرقت مقتضيات الفصل الثالث من ق م م والتي لها مساس بالنظام العام، وعرضت قرارها للنقض والإبطال”.[17]

المطلب الثاني: نتائج عدم بت المحمة في حدود ما يحال عليها

إن عدم تقيد محكمة التحفيظ بحدود الإحالة من خلال إعادة تكييف التعرض وتحوير موضوعه يرتب نتائج أساسية أهمها: أن ذلك يؤدي إلى خرق مبدأ البت في حدود الطلبات (الفقرة الأولى)، كما من شأنه التأثير على قاعدة الإثبات لما لها من خصوصيات في دعوى التعرض (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: خرق مبدأ البت في حدود الطلبات

المعلوم أن حياد القاضي يعد من بين أهم الركائز التي تقوم عليها السلطة القضائية ضمانا لاستقلالها، فالقاضي ليس طرفا في النزاع بل حكما يفصل فيه بما أتاه الله من علم، فهو لا يزكي ادعاءً إلا إذا كان معززا بحجة وبينة، ولا يصنع حجة لأحد الخصوم، فيستمع للكل ويمحص كل دليل، ويغلب في قضائه الدليل الأقوى، فكان حياد القاضي ليس فقط ضمانا لاستقلاله، بل ضمانا لاستقلال السلطة القضائية ككل.

ويعد من بين صور حياد القاضي تقيده بما طلبه الخصوم في دعواهم، فلا ينبه طرفا لطلب أغفله، ولا يبين دفعا للأخر تجنبه، فيحكم بما طلب منه وفق ما تسمح به القوانين إذا كان معززا بدليل، وفي هذا الإطار يعد مبدأ البت في حدود طلبات الأطراف من بين المبادئ التي جاء بها القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدينة حيث أكدت الفقرة الأولى من الفصل 13 على أن: ” تبت المحكمة في حدود طلبات الأطراف، وفق التكييف القانوني السليم للوقائع المعروضة عليها، وطبق القوانين المطبقة على النازلة، ولو لم يطلب الأطراف ذلك بصفة صريحة”. وهذا ليس مستجدا جديدا حيث كان الفصل 3 من قانون م م الملغى يؤكده.

مقال قد يهمك :   د.إدريس الفاخوري: مسؤولية المحافظ على الأملاك العقارية.

فإذا كانت المحكمة ذات الولاية العامة ملزمة بتطبيق هذه القاعدة لاتصالها بالنظام العام، فإن القضاء العقاري أولى بتطبيقها، والعلة في ذلك أن الدعوى ترفع ابتداءً أمام المحافظ ويحدد نطاقها أمامه موضوعا وأطرافا في شهادة التعرض، ومن ثم فمحكمة التحفيظ عليها أن تتقيد بما طلبه المتعرض والمضمن في شهادة التعرض، فإذا ما غيرت موضوع التعرض وأعادت تكييفه من تلقاء نفسها كما فعلت في الحكم موضوع التعليق، حيث غيرت موضوع التعرض من خلال إعادة تكييفه من تعرض جزئي على ملكية قطعة أرضية إلى تقرير حق الارتفاق خاصة ارتفاق المطل، ومن ثم تكون قد تجاوزت حدود الإحالة وخرقت مقتضيات الفصل 13 من ق م م الذي يلزم المحكمة في فقرته الثانية بعدم تغيير موضوع طلبات الأطراف تلقائيا.

الفقرة الثانية: التأثير على قاعدة الاثبات في دعوى التعرض

 المعلوم أن دعوى التعرض هي دعوى استحقاقية، ولما كانت كذلك فإن المتعرض ينزل منزلة طالب الاستحقاق الملزم بإثبات الملكية، أما طالب التحفيظ لا تناقش حججه ولا تقيم إلا بعد أن يدلي المتعرض بحجة مقبولة في مجال الإثبات وخالية من المآخذ والقوادح. وعليه، فإن لجوء محكمة التحفيظ إلى إعادة تكييف موضوع التعرض وتحوير موضوعه يطرح سؤالا مهما مؤداه: هل يؤثر هذا التغيير في موضوع التعرض على قاعدة الإثبات المحدد أعلاه؟

جوابا عن ذلك، إذا كان الإثبات في دعوى التعرض ملقى على عاتق المتعرض، فإن إعادة تكييف موضوع التعرض من شأنه أن يؤدي إلى قلب عبء الإثبات أو إعمال الترجيح بين البينات، وهو ما قد يضر بطالب التحفيظ الذي يفترض فيه أنه المالك من خلال قرينة التحفيظ، أو قد تحكم المحكمة بصحة التعرض دون فحصها للحجج إذا تعلق الأمر بحق عيني يكون مقررا قانونا كحق المرور مثلا، ولم يكن هو موضوع التعرض أمام المحافظة.

لذا كانت مسألة الإثبات مسألة محصورة في دعوى التعرض في كون أن المتعرض هو الملزم بإثبات صحة تعرضه، والذي يكون قد تقدم به أمام المحافظ وفق النطاق المحدد في شهادة التعرض، أما محكمة التحفيظ فهي ملزمة بفحص وتمحيص أدلة المتعرض أولا ومدى مطابقتها للواقع بخصوص صحة التعرض، ومن ثم فانتقال المحكمة إلى تكييف التعرض من جديد من استحقاق قطعة أرضية مثلا إلى مناقشة حق ارتفاق المطل فيه تجاوز لصلاحيتها، وفيه خرق لمبدأ الإثبات الذي يقع على المتعرض.

المبحث الثاني: مشروعية إنشاء حقوق الارتفاق على الأملاك الوقفية العامة

إن مدونة الأوقاف والنصوص الصادرة بتطبيقها جاءت بأحكام خاصة تنظم الأملاك الوقفية، اعتبارا لكونها ليست مالا عاديا، بل هي مال عليه حق الله وحق العباد، ولهذه العلة شُرعت له مقتضيات تراعي خصوصيتها والمصلحة عند التصرف فيها، إذ تحافظ على أصلها وتضمن لها الاستمرارية، كما تجعلها مالاً لا تنتقل ملكيته إلى الغير إلا وفق شروط ومساطر أخذ فيها بعين الاعتبار المصلحة الظاهرة للوقف.

والمعلوم أن التصرف في هذه الأملاك لا يكون إلا وفق التصرفات التي سمحت بإجرائها مدونة الأوقاف، الأمر الذي يطرح إشكالات حينما يتم تفويت ملكية الوقف خارج هذه المساطر أو تثقيلها بحقوق وتحملات تنقص من منفعتها المادية والمالية كما هو الحال عند إنشاء حقوق الارتفاق على الملك الوقفي بمختلف أنواعها التي من بينها حق ارتفاق المطل كما ذهب الحكم موضوع التعليق.

الأمر الذي يطرح سؤالا مفاده: مدى مشروعية إنشاء حقوق الارتفاق على الأملاك الوقفية؟ وهذا التساؤل بدوره يطرح إشكالية حول: مدى ملاءمة النظام القانوني الخاص بتفويت هذه الأملاك لإنشاء هذه الحقوق عليها خارج أحكام مدونة الأوقاف (المطلب الأول)، ثم يطرح أيضا تساؤلا حول: آثار إنشاء هذه الحقوق على الملك الوقفي دون احترام خصوصيته المتمثلة في عدم القابلية للتفويت (المطلب الثاني).

المطلب الأول: خصوصية النظام القانوني لتفويت الأملاك الوقفية وملاءمته لإنشاء حقوق الارتفاق عليها خارج أحكام مدونة الأوقاف

مر معنا أن مشرع مدونة الأوقاف قد حصر التصرفات الجارية على الأملاك الوقفية، وجعلها تصرفات تحافظ على أصل الوقف وتثمن مداخيله، إذ حصر التصرف الناقل لملكية الأملاك الوقفية للخواص في المعاوضات (أولا)، كما أن إنشاء حقوق الارتفاق بحكم القضاء يطرح إشكالية نقل ملكيته خارج المقتضيات المنصوص عليها في مدونة الأوقاف والتي هي من النظام العام (ثانيا).

أولا: حصر التصرفات الجارية على الأملاك الوقفية للخواص في المعاوضات

المعلوم أن الأملاك الوقفية لا تقبل التفويت إلا وفق شروط خاصة كما جاء في المادة 51 من مدونة الأوقاف:” يترتب عن اكتساب المال لصفة الوقف العام عدم جواز حجزه أو كسبه بالحيازة أو بالتقادم، وعدم جواز التصرف فيه إلا وفق المقتضيات المنصوص عليها في هذه المدونة”، والمقصود بعدم قابلية تفويت الملك الوقفي عدم إمكانية تفويته في إطار المسطرة العادية سواء بالبيع أو غيره من التصرفات الناقلة للملكية، وإنما يجب التصرف فيه وفق التصرفات المسموح بها في إطار مدونة الأوقاف.

والتصرف في الأملاك الوقفية العامة بنقل ملكيتها للغير يكون إما عن طريق المعاوضة العينية أو النقدية أو عن طريق الاتفاق المباشر شريطة احترام شروط هاته المساطر المنصوص عليها في مدونة الأوقاف والنصوص الصادرة بتطبيقها، سواء منها المتعلقة بفتح هذه المساطر أو بشكلياتها أو بشروط نقل ملكية فيها.

ومن ثم، فالملك الوقفي كمبدأ لا يقبل تصرفا ينقل ملكيته غير التصرفات المنصوص عليها في مدونة الأوقاف، والمعلوم أن من بين حقوق الارتفاق من تنقل الملكية من قبيل حق المرور مثلا، حيث ينقل محل هذا الحق لمالك العقار المخدوم مقابل التعويض، فهل يمكن إنشاء هذا الحق على الملك الوقفي العام رغم عدم سلوك مسطرة المعاوضة؟

جوابا عن هذا التساؤل في اعتقادنا يمكن القول أنه رغم وجاهة مقتضيات الفصل 64 من مدونة الحقوق العينية التي نصت على أنه: لكل مالك عقار ليس له منفذ إلى الطريق العمومي أو له منفذ غير كاف لاستغلال عقاره أن يحصل على ممر في أرض جاره نظير تعويض مناسب شرط أن يقام هذا الممر في المكان الذي لا يسبب للعقار المرتفق به إلا أقل ضرر”، فإن إنشاء هذا الحق على الملك الوقفي قد يتعارض مع مصلحة الوقف، خصوصا إذا لم تحترم مسطرة تفويت محله، حيث إن مدونة الأوقاف هي نص خاص وواجبة التطبيق على كل مسألة يكون موضوعها الأملاك الوقفية، كما أن الفصل 64 أعلاه وإن جاء في صيغة العموم فلا يعني أن يمس بمقتضيات خاصة تتعارض معه شكلا ومضمونا، سيما أن مدونة الأوقاف حصرت التصرفات الناقلة لملكية الوقف في المعاوضات، وأكدت على بطلان أي تصرف يتم خارج المساطر المنصوص عليها في هذه المدونة.

وارتباطا مع ذلك، ما دام أن تفويت الملك الوقفي يخضع لمساطر خاصة تتمثل في المعاوضات العينية أو النقدية أو الاتفاق المباشر، فإنه يمكن القول أن حق المرور وإن كان تفرضه ضرورة الانتفاع بالعقارات، فإنه لا يمكن أن يتم في اعتقادنا إلا في إطار مسطرة المعاوضة أو المساطر الأخرى المحددة حصرا في مدونة الأوقاف، لأن إنشاءه بحكم القضاء دون احترام شكليات تفويت الأملاك الوقفية سيؤدي إلى المساس بمقتضيات قانونية خاصة من النظام العام، وهي أولى بالتطبيق.

وما قيل عن حق المرور ينطبق أيضا على حق ارتفاق المطل، خاصة أن الحكم موضوع التعليق ذهب في سياق إعادة تكييف موضوع التعرض من استحقاق قطعة أرضية إلى تقرير حق ارتفاق المطل بناء على تصريحات الأطراف ونتائج البحث دون أن يكون هذا الحق هو الذي سجل في شهادة التعرض، فالمتعرضين حينما شيدوا على عقارهم منازلهم لم يتركوا أية مسافة بين عقارهم والملك الوقفي تبرر لهم الانتفاع بحق المطل ولم يثبتوا ذلك، وأن حق المطل لا يتقرر بقوة القانون، وأن مطلب تحفيظ الأوقاف يمتد إلى حد جدران منازلهم، ولم يثبتوا أنهم تركوا مسافة مترين في مذكراتهم، وإنما تمسكوا بملكية القطعة التي هي موضوع التعرض الجزئي، وكان إثباتهم يعوزه الدليل.

وعليه كان على المتعرضين إن أرادوا الانتفاع بحق المطل ترك المسافة المحددة في المادة 63 من م ح ق في عقارهم والتي هي من النظام العام وأن يثبتوا ذلك، وليس من حقهم أن يأخذوا هذه المساحة من عقار جارهم وهو الملك الوقفي ما لم يثبتوا أن الجزء المتعرض عليه في ملكيتهم، وليس لكونه فقط حق ارتفاق ينشأ بقوة القانون، والمحكمة حين اعتبرت أن التعرض ينصب على حق ارتفاق المطل من خلال إعادة تكييفه دون فحص الحجج ومطابقتها للواقع وكذا الترجيح بين البيانات في حالة قلب عبء الإثبات تكون قد أساءت تطبيق القانون، وكان قرارها ينقصه التعليل الموازي لإعدامه.

كما أن حق المطل له نطاق محدد، حيث لا يمكن أن تفتح نوافذ أو فتحات تجاه عقار الجار دون احترام المسافة المحددة قانونا، والأصل أن مالك العقار حينما يريد أن يشيد فوق أرضه يجب أن يترك مسافة مترين أو متر حسب الحالة بين عقاره وعقار جاره حتى يكون له مستقبلاً إن أراد أن يفتح مطلات تكون المسافة موجودة ويسمح له بفتحها شريطة عدم التعسف في استعمال هذا الحق، لكن في المقابل يكون المالك الذي لا يترك هذه المسافة عند البناء إما مفرطا وهو أولى بالخسارة أو سيء النية ليستفيد من مسافة مترين في عقار جاره، وهو ما يتعارض مع مصلحة عقار جاره، خصوصا إذا كان عقار جاره أرضاً عاريةً وقفيةً كما هو الحال في الأرض المتعرض عليها موضوع الحكم موضوع التعليق.

ومن ثم سواء تعلق الأمر بحق المرور أو حق ارتفاق المطل أو أي حق آخر ينقل ملكية الوقف لا يمكن إنشاؤه على الأملاك الوقفية، لأنه سيؤدي ذلك إلى تفويت هذا الملك أو جزء منه وفق مساطر لم ينص عليها القانون، فقد جاء في حكم صادر عن المحكمة الابتدائية بآسفي ما يلي:” إن العقارات المحبسة تخرج من دائرة التعامل العادية ولا يمكن التصرف فيها بالتفويت إلا في إطار الإجراءات المنصوص عليها قانونا، أي من خلال المعاوضة، وهو ما يمنع المحكمة من الاستجابة لطلب إنشاء حق ارتفاق على عقار حبسي ما يترتب عليه من إلزام دائرة الأملاك الحبسية بالتفويت لفائدة الخواص”.

مقال قد يهمك :   منتدى قانوني بإيطاليا يقارب موضوع مدونة الأسرة و حقوق المرأة المغربية

ثانيا: مشروعية نقل ملكية الأملاك الوقفية بحكم القضاء

مر معنا أن حقوق من بين حقوق الارتفاق ما ينقل ملكية الأملاك الوقفية أو جزء منها إلى الخواص كحق المرور أو حق ارتفاق المطل، كما أن إنشاء هذا الأخير من شأنه أن يعطل استثمار الملك الوقفي، ومن ثم تجميد منفعته المالية، وهو ما يتعارض مع مصلحة الوقف الظاهرة.

فإن كان الحكم موضوع التعليق حكما منشئا لحق لفائدة الخواص، حيث أنشأ حق الارتفاق لفائدتهم، ومن ثم نقل ملكية محل هذا الحق إلى المتعرضين، الأمر الذي يطرح سؤالا مفاده: هل يمكن للمحكمة أن تنقل ملكية الوقف بواسطة حكمها البات رغم تعارض ذلك مع مقتضيات المادة 64 من مدونة الأوقاف؟

بالرجوع إلى مقتضيات المادة 64 من مدونة الأوقات نجدها حددت الجهات التي توافق على نقل ملكية الوقف في إطار المعاوضات، والتي هي – أي المعاوضات- التصرف الوحيد المسروح بإجرائه على الملك الوقفي والذي ينقل ملكية الوقف للخواص وذلك بشروط، حيث جاء في ذات المادة ما يلي:” تخضع المعاوضات المتعلقة بالعقارات والمنقولات المعتبرة ضمن الأوقاف العامة والتي تزيد قيمتها التقديرية عن عشرة ملايين (10.000.000) درهم للموافقة السامية المسبقة لجلالتنا الشريفة.

تخضع معاوضة نفس العقارات والمنقولات للموافقة المسبقة للمجلس الأعلى لمراقبة مالية الاوقاف العامة المشار إليه في المادة 157 من هذه المدونة إذا كانت قيمتها التقديرية تتراوح ما بين خمسة ملايين (5.000.000)  درهم وعشرة ملايين(10.000.000) درهم.

وكل معاوضة تتعلق بالعقارات والمنقولات التي تقل قيمتها التقديرية عن خمسة ملايين (5.000.000(  درهم، وكذا معاوضة القيم المنقولة المحددة القيمة التي يتم توظيفها لفائدة الأوقاف العامة مهما كانت قيمتها، تخضع للموافقة المسبقة للسلطة الحكومية المكلفة بالأوقاف.

 تحدد القيمة التقديرية للعقار المراد معاوضته، حسب كل حالة، من قبل خبير مسجل في لائحة الخبراء المعتمدين في مجال الوقف”.

وبتأملنا مقتضيات المادة 64 أعلاه نجدها حددت بشكل دقيق مسطرة نقل ملكية الأملاك الوقفية العامة في المعاوضات، حيث لا يمكن نقلها أو نقل جزء منها إلا بالموافقة الصريحة للجهات المحددة في ذات المادة، سيما أن ملكية الوقفية التي تزيد قيمته عن 10.000.000,00 درهم ( هكذا عشرة ملايين درهم) يخضع للموافقة السامية لجلالة الملك، وبمفهوم الموافقة فإن نقل ملكية الأملاك الوقفية دون موافقة هذه الجهات يكون باطلا ولم تم عن طريق المحكمة، لأن المحكمة عليها أن تطبق القانون، وأن القانون كان صريحا في تحديد مساطر تفويت الملك الوقفي، على اعتبار أن مدونة الأوقاف هي نص خاص وواجب التطبيق على نزاع يكون موضوعه الملك الوقفي.

 ومن ثم، فإنشاء حق ارتفاق المطل على الملك الوقفي أو أي حق آخر ينقل ملكية الوقف للخواص دون احترام المقتضيات القانونية المحددة في مدونة الأوقاف يكون على غير أساس، فالمحكمة إن تبين لها صحة ادعاء المتعرضين أو ادعاء كل من يطلب إنشاء حق ناقل للملكية على الملك الوقفي، فإن حكمها يجب أن ينحصر في تقرير الحق لفائدة المستفيد دون أن يكون ناقلا للملكية، وأن تأكد في حكمها أن نقل ملكية الملك الوقفي موضوع النزاع لا يكون نهائيا إلا بتطبيق المساطر المحددة في مدونة الأوقاف، حتى يكون قضاؤها صائبا من ناحية الفصل في النزاع من جهة، ومن جهة أخرى تطبيقها للنص القانوني الصريح.

وهو ما سبق تأكيده من خلال الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية بآسفي الذي جاء فيه: “إن العقارات المحبسة تخرج من دائرة التعامل العادية ولا يمكن التصرف فيها بالتفويت إلا في إطار الإجراءات المنصوص عليها قانونا، أي من خلال المعاوضة، وهو ما يمنع المحكمة من الاستجابة لطلب إنشاء حق ارتفاق على عقار حبسي ما يترتب عليه من إلزام دائرة الأملاك الحبسية بالتفويت لفائدة الخواص”.

المطلب الثاني: جزاء إنشاء حق الاتفاق على الأملاك الوقفية بحكم القضاء

حينما تذهب المحكمة إلى إنشاء حق من حقوق الارتفاق على الأملاك الوقفية العامة كما ذهب الحكم موضوع التعليق تكون قد جانبت الصواب فيما قضت به، لمخالفته لأحكام قانونية صريحة، والأصل أن المحكمة تطبق القانون الجاري على النازلة، وأن لها سلطة تقديرية في مجريات الدعوى وفي تقدير قناعتها عند الحكم وفق ما يسمح به القانون ضمانا لاستقلال القضاء، لكن هذه السلطة التقديرية ليست مطلقة فتبقى خاضعة للرقابة من خلال التعليل الذي أسست عليه المحكمة قناعتها ومدى مطابقته للقانون والواقع من محكمة أعلى درجة من المحكمة التي أصدرت الحكم، وتتجلى هذه الرقابة عن طريق سلوك طرق الطعن في المقررات القضائية.

ومن ثم، حين تلجأ المحكمة لإنشاء حقوق الارتفاق على الأملاك الوقفية دون احترام المساطر الخاصة التي تجري على هذه الأملاك، ودون احترام النصوص الخاصة التي أضفت الحماية على الوقف تكون قد أساءت القانون ويكون جزاء ذلك هو الطعن في مقررها أمام محكمة أعلى درجة لبطلانه لعدم تطبيقه نص قانوني صريح.

خاتمة:

وفي الأخير نخلص إلى استنتاج مفاده أن محكمة التحفيظ حينما تتجاوز حدود الإحالة وتذهب في سياق إعادة تكييف موضوع التعرض من تعرض على قطعة أرضية إلى إنشاء حق ارتفاق المطل على الملك الوقفي رغم تعارض ذلك مع خصوصية النظام القانوني المنظم لتفويت هذه الأملاك تكون قد جانبت الصواب في ما قضت به، وخالفت القانون في قضائها، وذلك من خلال العلل والأسباب السابق مناقشتها.

 وعليه فالقضاء العقاري هو قضاء استثنائي وصلاحياته مقيدة ومشتركة مع صلاحيات المحافظ العقاري اتجاه مطلب التحفيظ واتجاه التعرضات المثارة ضده، من ثم فإن احترام مضمون شهادة التعرض من طرف محكمة التحفيظ والتقييد بحدود الإحالة من شأنه خلق توازن مسطري بين صلاحيات المحافظ في تلقي التعرضات وتكييفها، وبين سلطات المحكمة للبت فيها.


لائحة المراجع

  • الظهير الشريف الصادر في 9 رمضان 1331 (12 أغسطس 1913( المتعلق بالتحفيظ العقاري كما وقع تعديله وتتميمه بموجب القـــانـــون رقــم 14.07 الـجريـدة الرسمية عــــدد 5998 بتــاريــخ 27 مـن ذي الحــجة 1432 (24 نونبر 2011)
  • الظهير الشريف رقم 1.09.236 الصادر في 8 ربيع الأول 1431 (23 فبراير 2010) المتعلق بمدونة الأوقاف
  • عبد الكريم شهبون، الشافي في شرح قانون التحفيظ العقاري الجديد رقم 07-14، الطبعة الأولى 2014، مطبعة الرشاد السطات.
  • إدريس الفاخوري، الوسيط في نظام التحفيظ العقاري، مطبعة النجاح الجديدة- الدار البيضاء -، طبعة 2018.
  • محمد مهدي الجم:»التحفيظ العقاري بالمغرب «الطبعة الثالثة 1986، دار الثقافة الدار البيضاء.

[1]  الظهير الشريف الصادر في 9 رمضان 1331 (12 أغسطس 1913( المتعلق بالتحفيظ العقاري كما وقع تعديله وتتميمه بموجب القـــانـــون رقــم 14.07 الـجريـدة الرسمية عــــدد 5998 بتــاريــخ 27 مـن ذي الحــجة 1432 (24 نونبر 2011)

[2]  عبد الكريم شهبون، الشافي في شرح قانون التحفيظ العقاري الجديد رقم 07-14، الطبعة الأولى 2014، مطبعة الرشاد السطات، ص 87

[3]  إدريس الفاخوري، الوسيط في نظام التحفيظ العقاري، مطبعة النجاح الجديدة- الدار البيضاء -، طبعة 2018، الهامش 321، ص 155

[4]  الفصل 24 من ظهير التحفيظ العقاري.

[5]  إدريس الفاخوري، الوسيط في نظام التحفيظ العقاري، م س، ص 155

[6] جاء في الفقرة الثانية من الفصل32 من ظ ت ع  ما يلي :” تؤدى الرسوم القضائية وحقوق المرافعة عن كل واحد من التعرضات المتعلقة بالطلب الواحد ويتم استخلاصها من طرف المحافظة العقارية لفائدة كتابة الضبط بالمحكمة الابتدائية…

[7] إن مقتضيات الفقرة الأخيرة من الفصل 32 من ظ ت ع توحي أن محكمة التحفيظ عليها أن التقيد بالوثائق التي تحال عليها من طرف المحافظ، وان تكون منها قناعتها بالإضافة إلى إجراءات تحقيق الدعوى، ولا يمكنها قبول وثائق جديدة لم تقدم أمام السيد المحافظ. لكن من الفقه من يقول أنه جرى العرف القضائي، سندا للفقرة الاخيرة من الفصل 34 من ظ ت ع أن تقبل ما يقدم من وثائق جديدة، ولا سيما في مرحلة التحقيق المحلي، للتوسع أكثر أنظر محمد مهدي الجم: »التحفيظ العقاري بالمغرب «الطبعة الثالثة 1986، دار الثقافة الدار البيضاء، ص 68

[8]  يرى بعض الفقه أن التدخل المسموح به في نزاعات التحفيظ هو التدخل الانضمامي الذي يهدف من خلاله المتدخل مؤازرة أحد أطراف النزاع. انظر إدريس الفاخوري: م س، ص 157

[9]  قرار صادر عن محكمة النقض عدد 114 بتاريخ 26 فبراير 2013 في الملف المدني عدد 1064/1/1/2012، منشور بمجلة ملفات عقارية عدد 3، ص 94

[10]  جاء في المادة التاسعة من مدونة الحقوق العينية ما يلي : » الحق العيني الأصلي هو الحق الذي يقوم بذاته من غير حاجة إلى أي حق آخر يستند إليه.

والحقوق العينية الأصلية هي:  حق المكية؛  حق الارتفاق والتحملات العقارية؛ حق الانتفاع؛ حق العمرى ؛ حق الاستعمال ؛ حق السطحية؛  حق الكراء الطويل الأمد؛  حق الحبس؛  حق الزينة؛ حق الهواء و التعلية « 

[11]  ادريس الفاخوري، الوسيط في نظام التحفيظ العقاري، م س، ص 155

[12]  محمد مهدي الجم، التحفيظ العقاري بالمغرب «الطبعة الثالثة 1986، دار الثقافة الدار البيضاء، ص 70

[13]  قرار صادر عن محكمة النقض عدد 256 بتاريخ 7 ماي 2013 ملف مدني عدد 1842/1/8/2012، منشور بمجلة ملفات عقارية عدد 3، ص 101

[14]  قرار صادر عن محكمة النقض منشور على الموقع الإلكتروني:

https://www.google.com/amp/s/mahkamaty.com/

[15]  قرار صادر عن محكمة النقض عدد 148 بتاريخ 12 مارس 2012 في الملف المدني عدد 2012/1/1/4191، منشور بمجلة ملفات عقارية عدد 3، ص 87

[16]  قرار صادر عن المجلس الاعلى محكمة النقض حاليا عدد 2804 أورده إدريس الفاخوري: م س، ص155

[17]  قرار صادر عن محكمة النقض عدد 661 ملف رقم 7243/1/8/2019 بتاريخ 14/09/2021، منشور في دفاتر محكمة النقض، الموقع الإلكتروني المنشور فيه:

  https://www.bibliotdroit.com 

error: عذرا, لا يمكن حاليا نسخ او طباعة محتوى الموقع للمزيد من المعلومات المرجوا التواصل مع فريق الموقع عبر البريد الالكتروني : [email protected]