محمد أيت بود: سيادة القانون في المغرب ورهان اِعتماد الخيار التواصلي

محمد ايت بود دكتور في القانون العام
ملخص
تعني سيادة القانون[1] أن يكون هو المؤطر الأساسي لجميع الأفعال والتصرفات والسلوكيات الاجتماعية الفردية والجماعية للناس حكاما ومحكومين، وهذا الأمر يفرض على جميع مستويات الدولة و سلطاتها الخضوع للقانون في جميع تصرفاتها وأفعالها وذلك في إطار مبدأ الشرعية القانونية، و احتراما لمبدأ الشرعية الجنائية ” لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص”؛ بحيث يتعين عليها باعتبارها صاحبة الحق في إصدار القانون أن تكون هي أول من يحترمه ويسهر على تنفيذه، لكن قبل ذلك لابد لها أن تبذل قصارى جهدها من أجل نشره والتوعية به بواسطة اعتماد وتفعيل الخيار التواصلي، وبالتالي يقع على الدولة عبئ توعية الناس به وجعله يحظى باحترامهم والنتيجة ستكون هي خلق مجتمع يسود فيه القانون.
كلمات مفتاحية: سيادة القانون – الوعي القانوني – الدولة – الخيار التواصلي.
Résumé :
L’État de droit signifie qu’il constitue le cadre fondamental de tous les actes, comportements et conduites sociales, tant individuels que collectifs, des gouvernants et des gouvernés, Ce principe impose à tous les niveaux de l’État et à ses autorités de se soumettre à la loi dans tous leurs actes et comportements, dans le cadre du principe de légalité et dans le respect du principe de légalité pénale « pas de crime ni de peine sans texte de loi » ; de sorte qu’en tant que détentrice du pouvoir législatif, l’État doit être le premier à respecter la loi et à veiller à son application, mais avant cela, elle doit tout mettre en œuvre pour le diffuser et le faire connaître en adoptant et en mettant en œuvre l’option communicative. Il incombe donc à l’État de sensibiliser la population à ce principe et de lui faire gagner son respect, ce qui aboutira à la création d’une société où règne la loi.
Mots-clés : État de droit – sensibilisation juridique – État – option de communication.
مقدمة
تبين المؤشرات الإحصائية والسوسيولوجية أن سيادة القانون في المغرب لاتزال تعترضها عدة عقبات، بعضها مرتبط بالتمثلات الاجتماعية ونمط التفكير وسلوك المجتمع، وبعضها الآخر مرتبط بالدولة ومؤسساتها نفسها، وبالتالي يتم خرق القانون و لا يطبق في أغلب الأحيان بالكيفية السليمة سواء من طرف الأفراد أو من طرف الدولة، وهذا الأمر ينعكس سلبا على التماسك الاجتماعي و التنمية وعلى مسار بناء دولة الحق والقانون، لذا يتعين على هذه الأخيرة وعلى المجتمع القانوني أيضا بذل المزيد من الجهود من أجل نشر التوعية القانونية والثقافة القانونية وتمكين جميع شرائح المجتمع من معرفة الهدف من وجود القانون ومزاياه وكذا سلبيات غيابه، و عليها تمكين المجتمع من الاطلاع على القواعد القانونية التي تنظم المجالات الاجتماعية سواء في جانبها المدني أو الجنائي، وذلك من خلال اعتماد رهان تواصلي فعال وتبني سياسة تواصلية تستهدف جميع الطبقات و الشرائح الاجتماعية في إطار من البساطة والشفافية والوضوح.
في هذه المقالة سوف نقوم بدراسة وتحليل إشكالية سيادة القانون في المجتمع المغربي وذلك من خلال تناول مرتكزات ومعايير سيادة القانون (المطلب الأول) ثم نعرج على مظاهر الإخلال بالقانون في المجتمع المغربي (المطلب الثاني).
المطلب الأول: مرتكزات ومعايير سيادة القانون
ترتكز سيادة القانون على عدة مرتكزات ومعايير، فمن مرتكزاته[2]:
المسؤولية أمام القانون -المساواة أمام القانون – توافق القانون الوطني مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان – نشر القوانين – استقلال القضاء.
ومن معاييره:
الشرعية – الضمان القانوني (اليقين القانوني) – المساواة أمام القانون – الوصول إلى العدالة.
ولا بد لهذه المرتكزات وهذه المعايير من وجود الوعي القانوني في المجتمع، وهذا يتطلب ضرورة تضافر جهود الجميع؛ دولة ومؤسسات وأفرادا؛ وهذه الجهود يجب أن تنصب على نشر الوعي القانوني كل من موقعه وحسب إمكاناته، فالدولة ملزمة بنشر الوعي القانوني من خلال الوسائل التي تمتلكها والإمكانات المتوفرة لديها مثل وسائل الإعلام والوسائط الرقمية وسلطة ضبط ومراقبة الفضاء العام، وعلى النخبة المثقفة هي بدورها أن تعمل على نشر الوعي القانوني والثقافة القانونية من خلال تنظيم التظاهرات الثقافية والندوات الفكرية لشرح القانون ومناقشته وتوعية الناس بأهميته، وعلى المؤسسات أن تعمل هي أيضا من خلال برامجها الاجتماعية والاقتصادية على نشر التوعية القانونية وتعزيز ثقافة حقوق الإنسان، وهذا الأمر يتطلب تحيينا دوريا للخطة الوطنية في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان[3].
إن الوعي القانوني يجب أن يكون متاحا لجميع الشرائح الاجتماعية من خلال المجهودات التي يجب أن تبذلها الأطراف المعنية المتدخلة في صنع السياسات العمومية، لكن الثقافة القانونية تخص فقط نخبة من ذوي الاختصاص من نساء ورجال القانون، وهؤلاء يتكونون من القضاة والمحامين ورجال السلطة والإدارة وموظفو الدولة السامون والعاديون والأكاديميون، فهؤلاء يتميزون عن غيرهم بامتلاكهم القدرة على التحليل القانوني ولديهم سلطة وضع وتنفيذ القانون، لهذا فالمسؤولية التي تقع عليهم في فرض سلطة القانون في المجتمع لا تقل أهمية عن سلطة الدولة والمؤسسات، إن لم يكن هؤلاء هم فعلا ممثلوها الحقيقيون، وذلك لن يتأتى بطبيعة الحال إلا إذا كان هؤلاء جميعا هم من يحترمون القانون في المجتمع ويسعون إلى تطبيقه السليم، ويستبطنونه في سلوكياتهم العادية وتصرفاتهم القانونية.
الفقرة الأولى: سيادة القانون والوعي القانوني
تستلزم سيادة القانون[4] أن هناك مجتمعا عصريا قائما على ممارسة الحقوق والحريات في إطار مبدأ الشفافية و المساءلة أو المحاسبة[5]، وذلك نابع بشكل أساسي من وجود الخيار الديمقراطي ومبادئ دولة الحق و القانون،[6] ومن حيث كون الإنسان هو الفاعل القانوني فهو أيضا صاحب حق، وهذا يفترض أن هناك قواعد تنظم المجتمع يتعين على الجميع الخضوع لها؛ أفرادا وجماعات ودولة و مؤسسات، وهذا سيؤدي إلى ترسيخ مبدأ سيادة القانون بجعله كافلا وضامنا للحقوق والحريات ومجسدا للديمقراطية، الشيء الذي يتطلب وعيا قانونيا وإدراكا لأهمية القانون في المجتمع، والمحصلة هي خلق مجتمع المواطنة والحرية.
يؤدي تكريس الوعي القانوني وترسيخه في المجتمع إلى ممارسة الحرية في إطار مبادئ دولة الحق والقانون، ومن هنا تظهر أهمية الوعي بالقانون باعتباره المدخل الأساسي لمعرفة الحقوق والواجبات وبناء الدولة المدنية العصرية التي ترتكز على مرتكزات ومعايير سيادة القانون، كما أنه هو الإطار الذي يعمل داخله المواطن على ممارسة الحرية، لهذا فالثقافة القانونية باعتبارها تساهم في تطور القانون في المجتمع لابد لها من التوعية القانونية حتى تستطيع أن تنتج ثمارها في جعل المجتمع يستشعر أهمية القانون ويمتثل له ويحترمه، وباعتبار أن المتخصصين من نساء و رجال القانون والإدارة، يمتلكون الثقافة القانونية التي تؤهلهم لوضع وتفسير وتطبيق القانون وكذا تحليل ونقد النظريات القانونية؛ فإن المسؤولية التي تقع على عاتقهم في فرض احترام القانون لا تقل جسامة عن المسؤولية التي تقع على عاتق المواطن البسيط غير الملم بالقواعد القانونية، والذي عليه أن يحترس من الوقوع في المحظور قانونيا، أخذا بعين الاعتبار المبدأ القانوني الذي يقول : ” لا يعذر أحد بجهله للقانون –Nul n’est censé ignorer la loi ” ، فكيف يمكن التوفيق بين هذا المبدأ وبين مبدأ ممارسة الحرية باعتبارها هي الأصل؟
يفترض هذا المبدأ أن الوعي القانوني منتشر في المجتمع وهو يخاطب في الحقيقة المجتمعات المتعلمة والمتحضرة حيث يسود القانون ويتم احترامه من لدن الجميع أفراد ومؤسسات ودولة، لهذا فهو يطرح في المجتمع المغربي إشكالا يتعلق بالجهل بالقانون والأمية الأبجدية والقانونية؛ إذ كيف يمكن متابعة مواطن جاهل بالقانون بواسطة نصوص قانونية لا يعلم بوجودها أصلا بعد اقترافه جرما لا يعرف أنه مجرم من طرف القانون؟
الفقرة الثانية: سيادة القانون في المجتمع المغربي
يطرح فرض سلطة القانون في ظل مجتمع محافظ مثل المجتمع المغربي تحديات كثيرة وكبيرة، فالقانون هو صوت المجتمع العصري المتحضر والدولة المدنية، ولكنه عبارة عن قواعد وضعية هي من صنع الإنسان، في حين هناك قانونا أسمى ألا وهو القانون الإلهي والذي هو موضوع الشريعة الإسلامية وهو في الذهنية الجماعية قانون منزل من السماء وهذا يجعله منزها عن النقصان ولا يطاله الخطأ الذي يقع فيه القانون الوضعي عند تنفيذ أحكامه على الوضعيات والحالات الاجتماعية والمراكز القانونية وعلى الحقوق والواجبات والجرائم والمخالفات؛ لأنه له جزاء أخرويا، ويحكم على الأفعال والنوايا، وبالتالي فهو قانون مقدس، وهذا الأمر يؤدي إلى تعارض القانون الوضعي مع الشريعة الإسلامية[7].
في غياب الوعي القانوني والحقوقي لدى رجال الدين، وفي غياب التأطير القانوني من طرف الدولة، يصبح من العسير على الدولة أن تجعل القانون وسريانه يحظيان بسلاسة التنفيذ والتطبيق، لهذا فأول مدخل لجعل القانون قابلا للتطبيق والتنفيذ في مجتمع محافظ مثل المجتمع المغربي هو المدخل الديني، بحيث يتعين نزع التعارض الموجود في ذهن الفرد والمجتمع بين القواعد القانونية الوضعية والقواعد المتأتية من الشريعة الإسلامية، ويتطلب ذلك العمل على توعية رجال الدين بأهمية القانون، وجعلهم يتقبلون حقيقة أن هناك تكاملا لا تعارضا بين قواعد الشريعة والقانون، وبالتالي تضمين هذه القناعة في دروسهم الدينية وخطب الجمعة والعيدين ودروس الوعظ والإرشاد، وبالتالي جعل المسجد أداة من أدوات نشر الوعي القانوني ووسيلة من الوسائل التي في يد الدولة من أجل فرض سلطة القانون و ترسيخ مجتمع المواطنة والحرية والديمقراطية، وهكذا سوف يتحول القانون من وسيلة للضبط والإكراه إلى قناعة اجتماعية راسخة تكرس سموه وأهميته[8].
لهذا فعلى الدولة أن تسعى جاهدة من أجل تجاوز هذه المفارقة –Paradoxe[9] وأن تعمل على إضفاء الانسجام على الوضعية التي يحتلها كلا القانونين في ذهن المواطن، وهذا لن يتأتى إلا بواسطة تفعيل الخيار التواصلي بشكل واسع جدا وتوظيف جميع الإمكانيات المادية والمعنوية والمؤسسات والمناهج التعليمية من أجل إنجاح هذه المهمة، وهذا لا يعفي المجتمع أيضا بكل مؤسساته من بذل الجهد من أجل الخروج من هذا التعارض الذي لا يعدو كونه مفتعلا، وليس حقيقيا، بيد أن القانون الوضعي المغربي، و خاصة القانون الخاص، يتخذ الشريعة الإسلامية مصدرا من مصادره في الكثير من فروعه، وبالأخص في مدونة الأسرة والقانون التجاري و القانون المدني أي قانون الالتزامات والعقود وقانون المسطرة المدنية ومدونة الحقوق العينية.
المطلب الثاني: مظاهر الإخلال بالقانون في المجتمع المغربي
يساهم ذلك التعارض الموجود في الذهنية الجماعية بين القواعد المتأتية من القانون الوضعي الوطني وقواعد الشريعة الإسلامية، وكذا تعارض التقييم المعياري للمصفوفة الأخلاقية الدينية مع قيم المجتمع العصري ورفض المجتمع لها، علاوة على ضعف ثقافة المواطنة والإيمان بالديمقراطية والدولة المدنية في المجتمع، في نشر ثقافة الاستهانة بالقانون وسهولة الإخلال به، مادام لا يرتب جزاء أخرويا مثلما هو الحال مع قواعد الشريعة الإسلامية، الشيء الذي يؤدي إلى عدم إكترات الفرد والمجتمع بالقانون، والخرق العمدي والقصدي له، ونتج عن ذلك مجموعة من السلوكيات الانتهازية التي تتعامل مع القانون بمنطق الظرفية؛ بحيث يقوم المواطن بإظهار الاحترام للقانون أمام ممثلي سلطات الدولة ( الشرطة – الدرك – السلطة الإدارية والقضائية)، لكنه لا يستبطن القانون في وعيه وإدراكه الداخلي ولا يترجم ذلك إلى سلوك وممارسة حضارية تنم عن رغبة حقيقية في احترام القانون والامتثال له.
ومن أجل شيء من التفصيل نورد هنا بعضا من الأمثلة الواقعية و اليومية على خرق القانون وعدم لامتثال له؛ و منها استغلال النفوذ والمحاباة والشطط في استعمال السلطة، والاٍرشاء لقضاء أغراض إدارية والتزوير وشهادة الزور، وإصدار أحكام قضائية منافية للقانون ومغتصبة للحقوق، والتحايل على القانون، والغش والتهرب الضريبين، والغش في الصفقات العمومية، واٍرشاء الناخبين من أجل الحصول على مقعد في البرلمان والجماعات الترابية، وعدم احترام قانون السير والقائمين على تطبيقه، واغتصاب الحقوق، وخرق المساطر الإدارية، و استعمال الرشوة أو الحظوة أو الوجاهة الاجتماعية لنيل حقوق غير مشروعة أو الإفلات من العقاب، وانتحال الصفة والغش في المباريات؛ و الحصول على رخص الاستفادة من الريع، والحصول على الشواهد العلمية بدون احترام الشروط الموضوعية والقانونية لها، وإحجام الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية عن تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضدها، والأمثلة على خرق القانون وعدم الاكتراث له في المجتمع المغربي سواء من لدن الأفراد والدولة والمؤسسات كثيرة ومتنوعة، وتشمل جميع المجالات، وهي ليست مجرد سلوكيات منعزلة بل هي عبارة عن ثقافة مجتمع راسخة وناتجة عن قناعات وتمثلات اجتماعية خاصة للقانون والشريعة والدولة المدنية والمواطنة وحقوق الإنسان.
الفقرة الأولى: مؤشر سيادة القانون في المغرب
أصدرت مؤسسة (The World Justice Project WJP) تقريرا يتضمن قياس مؤشر سيادة القانون الخاص ببرنامج العدالة العالمية، حيث شمل المؤشر 143دولة من بينها المغرب، وذلك عبر ثمانية أبعاد للقياس هي: القيود على السلطات الحكومية؛ غياب الفساد؛ الحكومة المفتوحة؛ الحقوق الأساسية؛ النظام والأمن؛ إنفاذ القوانين: العدالة المدنية والعدالة الجنائية، حيث احتل المغرب الرتبة 91من أصل143 دولة التي شملتها الدراسة في مؤشر سيادة القانون 2025،[10]وقد سجل المؤشر ارتفاعا عن آخر سنة تم فيها قياسه وهي 2015 بالمرتبة 55 من أصل 102 دولة شملها التقرير، وقد تم تسجيل الملاحظات التالية فيما يخص مستوى تقدم المغرب في مؤشر سيادة القانون :
- ارتفع تنقيط المغرب سنة 2025 إلى 0.48 نقطة مسجلا زيادة قدرها 0.0041 أي 0.9% مقارنة مع السنة الماضية؛
- جاء المغرب في المرتبة 91 عالمياً من بين 143 دولة يشملها المؤشر اكتسب خلالها أربعة مراكز مقارنة بالعام الماضي (+4).
- تبقى درجة المغرب أقل من المتوسط العالمي البالغ 0.551؛
- احتل المغرب المركز السادس من بين 8 دول في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (مقابل المركز الخامس في عام 2022)، والمركز 14 من بين 38 دولة في إفريقيا؛
- من بين المؤشرات الفرعية الثمانية التي يتكون منها المؤشر، خسر المغرب نقاطا في مؤشرين فرعيين مقابل خمس مؤشرات فرعية سنة 2022 وتحسنت نقاطه في 6 مؤشرات فرعية مقابل ثلاثة في عام 2022؛
- سجل المؤشر الفرعي “غياب الفساد” ارتفاعاً قدره 0.0031 نقطة الشيء الذي مكن المغرب من اكتساب ثلاث مراكز في الترتيب؛
- على مستوى المؤشر الفرعي “غياب الفساد” خسر المغرب 0.04 نقطة في العامل الفرعي “الفساد داخل السلطة التشريعية”[11].
يبدو من خلال مقارنة تقرير قياس مؤشر سيادة القانون في المغرب لعامي 2015 و2025أن هناك تقدما في سيادة القانون، لكن رغم ذلك لاتزال تعترضه عدة عراقيل، خاصة ما يتعلق منها بمسألة الجهل بالقانون والأمية القانونية وعدم الاكتراث للقانون، لذا يتعين على الدولة أن تعمل على تفعيل الخيار التواصلي من أجل تحقيق ما هو مأمول من عملية فرض سلطة القانون في المجتمع، وبالتالي جعله يحظى بالاحترام من لدن الجميع أفرادا ومؤسسات والقائمين على تنفيذه الذين يمثلون الدولة في مراكزهم القانونية ومناصبهم الإدارية التي يشغلونها، ذلك لأن مسألة تعطيل نفاذ القانون في المجتمع لا تقل خطورة عن غيابه.
الفقرة الثانية: في الحاجة إلى اعتماد الخيار التواصلي
يقوم الخيار التواصلي على اعتماد عدة آليات وتوظيف عدة وسائل مادية ومعنوية ولوجستية ومؤسسات وبرامج وخطط، وفق منطوق الفصل 160 من الدستور المغربي المعدل سنة 2011، وتفعيلا للقانون رقم 31.13 يتعلق بالحق في الحصول على المعلومات، وذلك بهدف نشر القانون في المجتمع وإيصال المعلومة القانونية إلى الناس على اختلاف مراتبهم الاجتماعية ومراكزهم القانونية وأصولهم الاجتماعية واختلاف لهجاتهم وثقافاتهم، وهذا الأمر من شأنه أن يضمن الانتقال إلى مجتمع يسود فيه القانون وقيم المواطنة وحقوق الإنسان[12].
ومن بين الوسائل التي يتعين على الدولة أن تعتمدها في نشر الوعي القانوني؛ وسائل الاتصال الجماهيرية من راديو وتلفزيون؛ بحيث تخصص برامج تلفزيونية وإذاعية للتوعية القانونية وإبراز الهدف من وجود القانون في المجتمع باللغات الرسمية للدولة ( العربية الأمازيغية ) مع ضرورة استعمال اللهجات المحلية من أجل تعميق الوعي القانوني في الطبقات الشعبية القاطنة في المدن والقرى النائية، والتوعية بمنافع وجوده ومخاطر غيابه على السلم الاجتماعي وعلى ممارسة الحقوق والواجبات، وبالأخص ممارسة الحرية باعتبارها – كقيمة إنسانية عليا – أساسا للتنظيم الاجتماعي العصري، وذات أهمية قصوى في تجسير العلاقة بين قيم الفرد والمجتمع، وضامنة للعيش المشترك والتنمية وحقوق الإنسان، كما يتعين عليها كذلك توظيف وسائل التواصل الاجتماعي وشبكات الانترنيت من أجل القيام بهذه المهمة التواصلية، وذلك من خلال فتح قنوات على يوتيوب وفايسبوك وتويتر وإنستغرام وغيرها، تعرف أولا بأهمية القانون ثم تقوم بنشر المعلومة القانونية وذلك من خلال تتبع جميع المستجدات في مجال القانون.
كما يتعين عليها أيضا استعمال أماكن العبادة مثل المساجد ومنابر الخطب والإرشاد الديني من أجل نشر فضائل القانون ومزايا وجوده في المجتمع وعيوب وكذا مخاطر عدم الامتثال له وعدم احترامه وعدم تنفيذه، سواء بالنسبة للفرد أو المجتمع، في انسجام تام مع مبادئ الشريعة الإسلامية السمحة التي تحث على طاعة ولاة الأمور وتدعو إلى الشورى ولزوم جماعة المسلمين وعدم مفارقتها، وعلى مؤسسات الدولة أن تخصص برامج خاصة بنشر الوعي القانوني وأن تضمن برامجها الاجتماعية جانبا خاصا يولي عناية وأهمية إلى الجانب القانوني في المجتمع.
وإلى جانب ذلك على ذوي الثقافة القانونية من رجال ونساء القانون وأساتذة الجامعات، وكذا المجتمع المدني (الأحزاب – النقابات – الجمعيات) أن يوظفوا الخيار التواصلي من أجل نشر الوعي القانوني في المجتمع، وذلك من خلال تنظيم اللقاءات التواصلية سواء في الفضاء العام أو في التلفزيون أو في وسائل التواصل الاجتماعي، وتنظيم ندوات فكرية وموائد مستديرة لنشر الوعي القانوني وإبراز أهمية القانون والدعوة إلى احترامه من أجل تجسيد المجتمع المتضامن الذي يحترم حقوقه وواجباته، وعلى الجماعات الترابية أيضا أن تنخرط في هذا الورش القانوني – الاجتماعي ذي الأهمية القصوى وذلك من خلال تشجيع كل المبادرات الجمعوية الرامية إلى نشر الوعي القانوني في المجتمع وأن تعمل على تمويل مشاريع تصب في هذا الاتجاه. والأهم جدا في تعزيز الوعي القانوني بواسطة المناهج التعليمية التي يجب أن تتضمن هدف نشر الوعي القانوني والثقافة القانونية في ابتداء من المستوى الإعدادي والثانوي إلى الجامعي، وكذا تشجيع الأعمال الإبداعية والفنية باللغتين العربية الأمازيغية الهادفة إلى نشر الوعي القانوني.
خلاصة
إن انخراط الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية والمجتمع المدني ورجال ونساء القانون وأستاذة الجامعات في الرهان التواصلي – القانوني هو المدخل الأساسي لنشر الوعي القانوني في المجتمع وتكريس سيادة وسمو القانون، وهذا من شأنه أن يدعم أسس بناء دولة الحق والقانون ونشر قيم المجتمع المتضامن وقيم المواطنة التي نص عليها تصدير الدستور المغربي المعدل سنة 2011، لهذا فعلى من يهمهم الأمر العمل من داخل المؤسسة التشريعية والحكومة ومراكز القرار الأخرى على بلورة استراتيجية وطنية تواصلية من أجل نشر الوعي القانوني في المجتمع و بلورة سياسة عمومية تواصلية واضحة وهادفة منسجمة ومتناسقة تهدف إلى نشر الوعي القانوني و الثقافة القانونية وثقافة المواطنة والدولة المدنية في المجتمع بواسطة جميع الوسائل الممكنة والمتاحة والتي منها :
-إصدار تشريعات ملزمة لوسائل الإعلام المرئية والمسموعة المملوكة للدولة والقطاع الخاص حول ضرورة تضمين إنتاج برامج لنشر الوعي القانوني والثقافة القانونية، وكذا الدولة والمؤسسات العمومية ( مؤسسات الحكامة الوطنية) والجماعات الترابية والمجتمع المدني حول ضرورة نشر الوعي القانوني من خلال البرامج الاجتماعية مثل برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وكذا خطباء المساجد والوعاظ والمرشدين الدينيين حول ضرورة تضمين خطب الجمعة والعيدين ودروس الوعظ والإرشاد التي يلقونها في المساجد أهمية القانون في المجتمع والحث على احترامه والتذكير بخطورة غيابه في المجتمع، و تشجيع جميع المبادرات الرامية إلى نشر الوعي القانوني والثقافة القانونية وثقافة المواطنة من طرف الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية والقطاع الخاص.
– قيام الدولة بتوظيف الفضاء العام ووسائل التواصل الاجتماعي وأماكن العبادة من أجل نشر فضائل مجتمع المواطنة وسيادة القانون، وتشجيع جميع المبادرات والمنتديات الفكرية واللقاءات التواصلية التي تنظمها الجمعيات والأحزاب والنقابات ورجال ونساء القانون وأساتذة الجامعات والرامية إلى نشر الوعي القانوني والثقافة القانونية في المجتمع، وحث الأفراد والجمعيات على فتح قنوات تواصلية من أجل نشر الوعي القانوني في وسائل التواصل الاجتماعي.
– وضع خطط وبرامج لتنفيذ السياسة العمومية أو الاستراتيجية التواصلية الوطنية الرامية لنشر وتعزيز الوعي القانوني، وإنشاء مرصد وطني حول التتبع ونشر الوعي واليقظة والثقافة القانونية، و دعم مراكز البحث الرامية إلى إنجاز البحوث والدراسات القانونية، وبلورة مؤشر وطني حول سيادة القانون، واستصدار رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حول مستوى انتشار الوعي القانوني والثقافة القانونية ومجتمع المواطنة والدولة المدنية في المغرب، مع ضرورة العمل على الأخذ بتوصياته أثناء بلورة الاستراتيجية التواصلية، وتحيين دوري للخطة الوطنية في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان.
المراجع والمصادر:
[1] – سيادة القانون – دليل للسياسيين -معهد راؤول ويلنبريغ لحقوق الإنسان والقانون الإنساني ومعهد لاهاي لتدويل القانون- The Raoul Wallenberg Institute of Human Rights and Humanitarian Law– ص –الرابط:https://rwi.lu.se/app/uploads/2013/06/Rule-of-Law-Arabic.pdf
2 -سيادة القانون كأساس وكشرط لبناء دولة وطنية حديثة – مركز حرمون للدراسات المعاصرة –الكاتب: قسم الدراسات – ص 18 –الرابط: https://tinyurl.com/wbrxupa4
3 -الفصل الأول من الدستور المغربي المعدل سنة 2011
4-تصدير الدستور المغربي المعدل سنة 2011
5-سيادة القانون كأساس وكشرط لبناء دولة وطنية حديثة – مركز حرمون للدراسات المعاصرة –الكاتب: قسم الدراسات – ص 4 –الرابط:https://tinyurl.com/wbrxupa4
6 -الحصيلة المرحلية لتنفيذ خطة العمل الوطنية في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان – موقع وزارة الدولة المكلفة بحقوق الإنسان والعلاقة مع البرلمان– تقرير المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان-الرابط:https://tinyurl.com/35bxtbwr
7 -د محسن محمد الرحوتي، د عبد الرحمان الزكريتي -الحريات الفردية بالمغرب: تمثلات وممارسات – الحريات الفردية بالمغرب: تمثلات وممارسات – منصات للأبحاث والدراسات الاجتماعية – ص 11 – الرابط: https://tinyurl.com/ym37a6v6
8 -اخلفة يزة – جعفر مهدي – خضري عبد الصمد – السياسات الدينية الرسمية تصنع مفارقات مجتمعية بالمغرب -منصات للأبحاث والدراسات الاجتماعية – ص 7– الرابط: https://tinyurl.com/46jhu5sv
9 -الموقع الرسمي لمشروع العدالة العالمية–الرابط:https://worldjusticeproject.org/rule-of-law-index/country/2024/Morocco
10-الموقع الرسمي الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها–الرابط: https://www.inpplc.ma/ar/node/336
11 -يونس مسكين – مؤسسات الحكامة وإدارة حقوق الإنسان والديمقراطية -البعد التواصلي وولوج المعلومة –منشورات مركز دراسات حقوق الإنسان – أشغال ندوة مؤسسات الحكامة وإدارة حقوق الإنسان –مطبعة البيضاوي – السنة 2023 – ص 75 – الرابط: https://library.fes.de/pdf-files/bueros/maroc/20034.pdf
[1] – سيادة القانون – دليل للسياسيين -معهد راؤول ويلنبريغ لحقوق الإنسان والقانون الإنساني ومعهد لاهاي لتدويل القانون -The Raoul Wallenberg Institute of Human Rights and Humanitarian Law– ص 7 –الرابط:https://rwi.lu.se/app/uploads/2013/06/Rule-of-Law-Arabic.pdf
[2]– سيادة القانون كأساس وكشرط لبناء دولة وطنية حديثة – مركز حرمون للدراسات المعاصرة –الكاتب: قسم الدراسات – ص 4 –الرابط: https://tinyurl.com/wbrxupa4
[3] – الحصيلة المرحلية لتنفيذ خطة العمل الوطنية في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان – موقع وزارة الدولة المكلفة بحقوق الإنسان والعلاقة مع البرلمان– تقرير المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان-الرابط: https://tinyurl.com/35bxtbwr
[4] – سيادة القانون كأساس وكشرط لبناء دولة وطنية حديثة – مركز حرمون للدراسات المعاصرة –الكاتب: قسم الدراسات – ص 18 –الرابط: https://tinyurl.com/wbrxupa4
[5] – الفصل الأول من الدستور المغربي المعدل سنة 2011
– تصدير الدستور المغربي المعدل سنة 2011[6]
[7] – د محسن محمد الرحوتي، د عبد الرحمان الزكريتي -الحريات الفردية بالمغرب: تمثلات وممارسات – الحريات الفردية بالمغرب: تمثلات وممارسات – منصات للأبحاث والدراسات الاجتماعية – ص 11 – الرابط: https://tinyurl.com/ym37a6v6
[8] – اخلفة يزة – جعفر مهدي – خضري عبد الصمد – السياسات الدينية الرسمية تصنع مفارقات مجتمعية بالمغرب -منصات للأبحاث والدراسات الاجتماعية – ص 7– الرابط: https://tinyurl.com/46jhu5sv
[9] – نفس المرجع السابق
[10] – الموقع الرسمي لمشروع العدالة العالمية–الرابط :https://worldjusticeproject.org/rule-of-law-index/country/2024/Morocco
[11] – الموقع الرسمي الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها–الرابط:https://www.inpplc.ma/ar/node/336
[12] – يونس مسكين – مؤسسات الحكامة وإدارة حقوق الإنسان والديمقراطية – البعد التواصلي وولوج المعلومة –منشورات مركز دراسات حقوق الإنسان – أشغال ندوة مؤسسات الحكامة وإدارة حقوق الإنسان –مطبعة البيضاوي – السنة 2023 – ص 75 – الرابط: https://library.fes.de/pdf-files/bueros/maroc/20034.pdf
