طارق السباعي: المقومات السياسية للامركزية: من الديمقراطية التشاركية إلى بناء الشرعية السياسية المحلية في التجربة المغربية

طارق السباعي حاصل على شهادة الدكتوراه في القانون العام كلية العلوم القانونية والسياسية بطنجة جامعة عبد المالك السعدي، إطار بوزارة الداخلية
الملخص
يتناول هذا المقال المقومات السياسية للامركزية بوصفها تجسيدًا للتحول الديمقراطي في بنية الدولة الحديثة، انطلاقًا من فرضية أن توزيع السلطة لا يُضعف الدولة بل يُعزز شرعيتها عبر ربطها بالمجتمع. يحلل المقال أربعة مقومات جوهرية تقوم عليها اللامركزية السياسية، هي التمثيل والمشاركة والشرعية والمساءلة، ويستعرض آليات الديمقراطية التشاركية (العرائض، هيئات التشاور، الموازنات التشاركية) بوصفها أدوات تُحوّل المواطن من متلقٍ إلى فاعل في الشأن العام. ويولي المقال عناية خاصة للتجربة المغربية، من خلال تتبع مسار بناء الشرعية الترابية منذ دستور 1962 وصولاً إلى الجهوية المتقدمة التي أقرّها دستور 2011، مبرزًا كيف يتكامل مبدأ التدبير الحر مع آليات المساءلة والمحاسبة في صياغة شرعية سياسية محلية ذات أبعاد ثلاثة: انتخابية وتشاركية وإنجازية. ويخلص المقال إلى أن استقرار النموذج المغربي يقوم على تكامل عضوي بين الشرعية المحلية المنبثقة من الانتخاب والمشاركة، والشرعية الوطنية التي تضمنها المؤسسة الملكية، بما يجعل من اللامركزية مشروعًا سياسيًا لبناء الثقة والديمقراطية في آن واحد، لا مجرد إصلاح إداري.
الكلمات المفتاحية: اللامركزية السياسية، الديمقراطية التشاركية، الشرعية السياسية المحلية، التدبير الحر، الجهوية المتقدمة، المساءلة والمحاسبة.
Abstract
This article examines the political foundations of decentralization as an embodiment of democratic transformation within the structure of the modern state, proceeding from the premise that distributing power does not weaken the state but rather strengthens its legitimacy by binding it more closely to society. The article analyzes four essential pillars underpinning political decentralization—representation, participation, legitimacy, and accountability—and surveys the mechanisms of participatory democracy (petitions, consultative bodies, participatory budgeting) as tools that transform the citizen from a passive recipient into an active stakeholder in public affairs. Particular attention is given to the Moroccan experience, tracing the trajectory of territorial legitimacy-building from the 1962 constitution through to the advanced regionalization enshrined in the 2011 constitution, and highlighting how the principle of free administration (gestion libre) is integrated with mechanisms of accountability to shape a three-dimensional local political legitimacy: electoral, participatory, and performance-based. The article concludes that the stability of the Moroccan model rests on an organic complementarity between local legitimacy—arising from elections and participation—and national legitimacy, guaranteed by the monarchical institution, making decentralization a political project for building both trust and democracy, rather than a mere administrative reform.
Keywords : Political decentralization, participatory democracy, local political legitimacy, free administration (gestion libre), advanced regionalization, accountability.
مقدمة:
إن اللامركزية في بعدها السياسي تمثل التجسيد الأسمى للتحول الديمقراطي في بنية الدولة الحديثة، لأنها تنقل ممارسة السلطة من النخبة المركزية إلى المواطنين على المستوى الترابي، وتجعل من المشاركة السياسية ركيزة في صنع القرار العمومي، فالمقومات السياسية للامركزية ليست مجرد مبادئ تنظيمية، بل هي قيم ديمقراطية تتصل مباشرة بشرعية الحكم وفعالية الدولة في تحقيق التمثيلية والمساءلة، إنّ الدولة التي تُوزّع سلطتها وتُشرك مواطنيها في تدبير الشأن العام لا تفقد قوتها، بل تُعزّز مشروعيتها، لأنها تربط السلطة بالمجتمع وتحوّلها من امتياز إلى وظيفة عمومية .[1]
من هذا المنظور، تشكّل اللامركزية وسيلة لإعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والمواطن على قاعدة المشاركة والمسؤولية. فالسلطة لم تعد تُمارس من الأعلى إلى الأسفل، بل من خلال تفاعل مستمر بين المستويات المركزية والمحلية، هذا التفاعل هو الذي يضفي على الدولة طابعها الديمقراطي الحديث، لأن الديمقراطية لا تُقاس فقط بحرية الانتخابات، بل أيضًا بمدى إشراك المواطن في تدبير الشأن العام اليومي، لذلك أصبحت اللامركزية السياسية تُعرف في الأدبيات الحديثة بـ “الديمقراطية القريبة” (démocratie de proximité) التي تُعيد الاعتبار للمجال الترابي كفضاء للمواطنة.
المقومات السياسية للامركزية تتأسس على أربعة مبادئ رئيسية: التمثيل، المشاركة، الشرعية، والمساءلة، فالتمثيل يضمن التعبير عن الإرادة الشعبية عبر المجالس المنتخبة، والمشاركة تجعل المواطن شريكًا في القرار العمومي، والشرعية تمنح اللامركزية بعدها الدستوري كجزء من بنية النظام السياسي، والمساءلة تضمن ألا تتحول الاستقلالية المحلية إلى سلطة مطلقة، بهذه المقومات تكتمل الدائرة الديمقراطية التي تجعل اللامركزية وسيلة لتوزيع السلطة ضمن وحدة الدولة، لا لتفكيكها.[2]
الفكر السياسي المقارن يؤكد أن اللامركزية تُسهم في “دمقرطة الدولة من الداخل”، لأنها تنقل ثقافة الديمقراطية من المركز إلى المحيط، ففي الأنظمة المركزية الصارمة، تظل الديمقراطية محصورة في مؤسسات وطنية بعيدة عن المواطن، بينما في الأنظمة اللامركزية، تتجسد الديمقراطية في الممارسة اليومية عبر الانتخابات المحلية، والمشاورات، والموازنات التشاركية. هذه الآليات تُعيد صياغة المجال السياسي المحلي كمختبر للتجديد الديمقراطي ومن هنا فإنّ إصلاح الدولة من خلال اللامركزية هو أيضًا إصلاح للثقافة السياسية، أي تحويل المواطن من متلقٍ إلى فاعل.[3]
المنظور المقارن يبيّن كذلك أن الأنظمة التي نجحت في ترسيخ الديمقراطية هي تلك التي دمجت البعد اللامركزي في هياكلها السياسية. فالتجربة الإسبانية بعد 1978، والألمانية بعد الحرب العالمية الثانية، والفرنسية بعد إصلاحات 1982، كلها تؤكد أن توسيع صلاحيات الهيئات المنتخبة على الصعيد الجهوي والمحلي ساهم في ترسيخ الشرعية السياسية للنظام الديمقراطي. فالجهوية الموسعة في إسبانيا مثلًا لم تكن مجرد إصلاح إداري، بل كانت آلية لإدارة التنوع اللغوي والثقافي، وتحقيق الوحدة من خلال الاعتراف بالاختلاف.
أما في العالم العربي، فإنّ التحولات الدستورية التي عرفتها العقود الأخيرة بدأت تعترف تدريجيًا بالدور السياسي للامركزية، فالمغرب شكّل نموذجًا بارزًا في هذا السياق من خلال دستور 2011 الذي جعل من “التدبير الحر” مبدأً دستوريًا، وأقرّ انتخاب رؤساء الجهات والمجالس الترابية بطريقة ديمقراطية مباشرة ، هذه الخطوة نقلت اللامركزية من مستوى الإدارة إلى مستوى الحكم المحلي، وجعلت من المجالس الجهوية فاعلًا سياسيًا منتخبًا له شرعية ديمقراطية في تدبير التنمية.
في النهاية، يمكن القول إن المقومات السياسية للامركزية تُعبّر عن تلاقي الديمقراطية التمثيلية والديمقراطية التشاركية، فهي تسعى إلى بناء نظام سياسي يقوم على المشاركة والمسؤولية، وعلى توزيع السلطة لا احتكارها. هذا المنظور يجعل اللامركزية خيارًا استراتيجيًا لإصلاح الدولة وتوسيع قاعدة الشرعية السياسية، لأنه يُعيد الاعتبار للمجال كفضاء للمواطنة، ويمنح المواطن سلطة في صياغة مستقبله، لا مجرد الحق في مراقبة الدولة من بعيد إنها المقاربة التي تُحوّل الديمقراطية من فكرة إلى ممارسة، ومن نص إلى فعل يومي في تدبير الشأن المحلي.
الفقرة الأولى: اللامركزية كوسيلة لترسيخ الديمقراطية وتعزيز المشاركة الشعبية.
توسّعت دلالات اللامركزية في الفكر الدستوري المعاصر من كونها تقنية إدارية إلى كونها اختيارًا سياسيًا يهدف إلى إعادة توزيع السلطة على نحوٍ يقرّب القرار من المواطن، ويوسّع قاعدة المشاركة، ويرفع كفاية الدولة في الاستجابة للطلب العمومي ، بهذا المعنى تُطرح اللامركزية بوصفها رافعة لترسيخ الديمقراطية، لا بديلاً عنها؛ فهي تُمكّن من تحويل «التمثيل» من مستوى وطني مجرّد إلى مواطنة يومية تمارس محليًا عبر مؤسسات منتخبة مسؤولة أمام الساكنة، ويُلاحظ في الأدبيات المغربية المقارنة أن هذا التحوّل لم يأتِ دفعة واحدة، بل تراكم عبر محطات تشريعية ومؤسساتية جعلت مبدأ التدبير الحر والاختصاصات الذاتية للجهات والجماعات إحدى ركائز الشرعية السياسية الجديدة على المستوى الترابي.[4]
1. الأسس النظرية ومفاعيلها الدستورية
ينطلق التصوّر الديمقراطي للامركزية من فرضية بسيطة مفادها أنّ القرار الأفضل هو الأقرب إلى موضوعه؛ أي إن جودة السياسة العمومية ترتفع كلّما صيغت في فضاء مؤسّسي قريب من المواطنين الذين تطالهم آثارها، لذلك تُؤسِّس اللامركزية لمعادلة ثلاثية: المشروعية عبر الانتخاب، والمشاركة عبر آليات التشاور والتعبئة المجتمعية، والمساءلة عبر رقابة الناخبين والأجهزة المالية والقضائية، هذا ما تؤكّده الدراسات الوطنية التي ترى أنّ اللامركزية ليست تفويضًا إداريًا فحسب، بل إعادة بناء لمصدر الشرعية السياسية على المستوى المحلي، بحيث يغدو المجلس المنتخب فاعلًا سياسيًا لا مرفقًا إداريًا تابعًا .[5]
ومع ترسّخ هذا المنظور، برز سؤال كيف تُترجم اللامركزية إلى مكاسب ديمقراطية ملموسة؟ تُجيب المقاربة المقارنة بأنّ تفعيل مبدأ «الاختصاصات المقابلة للموارد» هو شرط لئلاّ تظل الديمقراطية المحلية شكليّة، فالانتخاب يمنح الشرعية، لكنه لا يضمن القدرة على الإنجاز دون استقلال مالي نسبي وآليات تضامن بيني تقلّص الفوارق المجالية عند هذه النقطة، يصبح ربط اللامركزية السياسية باللامركزية المالية ضرورة منهجية لتوليد أثر ديمقراطي قابل للقياس على صعيد المشاركة وجودة الخدمات، وقد ارتكزت الإصلاحات المغربية الحديثة على هذا الربط، فتمّ تدعيم التدبير الحر بنُظم تحويلات وصناديق تضامنية، بما يدعم قدرة الفاعل الترابي على تنفيذ البرامج التي التزم بها انتخابيًا .[6]
في المستوى النظري، تُبرز أدبيات القانون العام أنّ شرعية القرار العمومي تُقاس اليوم بالنتائج (تحسين الخدمة، إدماج الفئات، تقليص الفوارق) بقدر ما تُقاس بإجراءات صنعه (الانتخاب والعلنية). واللامركزية، بهذا المعنى، توسع دائرة الشرعية لأنّها تضيف إلى الإجراءات التمثيلية بُعدًا إجرائيًا–تواصليًا: جلسات عمومية، مداولات منشورة، عرائض، وهيئات تشاركية، هذه الأدوات لا تكتفي بتحسين صورة المؤسسات، بل تغيّر بنية الفعل السياسي المحلي ذاتها من منطق التفويض المطلق إلى التفويض المسائل إنّها تَحوُّلٌ من «حكم على الناس» إلى «حكم مع الناس» .[7]
وتتجلّى مركزية هذا التحول في مكانة مبدأ التدبير الحر الذي يمثّل في التجربة المقارنة قاعدةً دستوريةً تضمن استقلالية القرار المحلي ضمن حدود القانون، وتُقابله رقابةٌ قضائيةٌ لاحقةٌ على المشروعية، لا وصاية سياسية سابقة تُفرغ الانتخاب من محتواه، وقد بيّنت الممارسة الفرنسية–المغربية أنّ الانتقال من «الوصاية» إلى «الرقابة القضائية» يخلق فضاءً أوسع للمبادرة الترابية، ويعطي للمجالس المنتخبة حافزًا لتطوير آليات التعاقد والشراكة مع الفاعلين الاقتصاديين والمجتمعيين[8].
غير أنّ ترسيخ الديمقراطية عبر اللامركزية لا يتحقّق تلقائيًا بالمقتضيات الدستورية؛ إذ تشير الخبرة الوطنية إلى ثلاث عوائق سياسية–مؤسساتية ينبغي تجاوزها:
- محدودية الثقافة التشاركية داخل الأجهزة المنتخبة والإدارة الترابية، حيث تغلب أحيانًا سرديّات التقننة والملفّات على حساب منطق التداول العمومي المفتوح. لذلك تبرز الحاجة إلى تعميم ممارسات الموازنة التشاركية، والهيئات الاستشارية الموضوعاتية، وضمان وصول المعلومات لتعزيز قدرة المواطنين على المشاركة الفعلية.[9]
- التداخل بين الاختصاصات وضعف قابلية التوقع المؤسّسي، بما يربك مسارات القرار ويثير منازعات اختصاص تُضعف المساءلة، وتؤكد الأعمال المقارنة أهمية ضبط «سلّم الاختصاص» على أساس مبدأ التفريع: إسناد المهام للمستوى الأقرب القادر على إنجازها بكلفة أقل وجودة أعلى، مع وضع آليات تحكيم مؤسسية للفضّ السريع للنزاعات.
- عدم التوازن المالي المجالي، وهو ما قد يُفرّغ الانتخاب من مضمونه إذا عجزت الهيئات المنتخبة عن تمويل أولوياتها. وتدلّ التجربة المقارنة على أن إنشاء صناديق معادلة وتحديد نسب واضحة من الضرائب المشتركة يعزّز العدالة المجالية ويعطي معنى ديمقراطيًا ملموسًا للتفويض السياسي المحلي.[10]
إلى جانب ذلك، تُبرز المقاربة الدستورية أنّ اللامركزية تُعَمِّق الشرعية السياسية من زاوية أخرى: إدارة التعدّد، ففي الدول المركّبة اجتماعيًا وثقافيًا، يسمح الاعتراف بالدور السياسي للجهات والجماعات بإدارة الاختلاف داخل مؤسسات منتخبة، بدل تركه يتراكم خارج المؤسسات ومن ثمّ تُصبح الديمقراطية المحلية آليةً للاندماج عبر تمكين مختلف الجماعات من التعبير المؤسَّس عن أولوياتها الترابية ضمن إطار الدولة الواحدة وقد دافع الفقه الإداري المغربي الحديث عن هذا المنظور، معتبرًا أنّ اللامركزية تحوّل «الدولة–الراعية» إلى «الدولة–الشريكة» في صنع القرار مع مواطنيها ومجالسهم .
ولأنّ الديمقراطية ليست مجرّد اقتراع دوري، بل أيضًا تداول مستمر حول المصلحة العامة، فإنّ فعالية اللامركزية في ترسيخ المشاركة الشعبية تُقاس بمدى استدامة قنوات الحوار المحلي: منتديات الجوار، مجالس الأحياء، منصّات التشاور الرقمي، جلسات الاستماع الموضوعاتية. هذه القنوات تُكسِب القرار المحلي «معرفة اجتماعية» لا تتوافر للمركز، وتوفّر للمجالس المنتخبة رأس مالٍ رمزيًا يُترجم إلى ثقة عامة أعلى، وإلى امتثال طوعي أكبر للسياسات العمومية. بذلك، تتحوّل المشاركة من إجراء شكلي إلى عنصر مُنتِج للفعالية السياسية والإدارية، أي إلى مورد مؤسّسي بحد ذاته
ويظلّ القضاء الإداري وأجهزة الرقابة العليا على المال العام شريكين في ترسيخ هذا البناء الديمقراطي–اللامركزي: فالأول يحمي حرية الإدارة المحلية ضمن حدود القانون عبر رقابة المشروعية والتناسب، والثانية تُعزّز ثقة المواطنين من خلال شفافية الإنفاق وربط المسؤولية بالمحاسبة. على هذا الأساس، لا تتعارض اللامركزية مع مبدأ وحدة الدولة؛ بل تعيد تعريفه كـ «وحدة متعدّدة المستويات»، تجمع بين توجيهٍ مركزي استراتيجي ومبادرة محلية خاضعة للمساءلة. ومن هنا يتبيّن أن الديمقراطية المحلية ليست «تفويضًا ناقصًا»، بل مكوّنًا تأسيسيًا للديمقراطية الدستورية الحديثة.
أما على مستوى هندسة التمثيل، فتُظهر التجربة أن انتخاب رؤساء الجهات والمجالس الترابية، مقرونًا بآليات العزل والتصريح بالممتلكات، يُحدث قطيعة مع منطق «التفويض الإداري» ويؤسّس لـمسؤولية سياسية مباشرة أمام الناخبين عندئذٍ، تصبح أدوات السياسة العمومية—من التخطيط والبرمجة إلى التعاقد والشراكة—موضوع مداولة عمومية، ويُعاد تعريف «الفاعلين المحليين» (جمعيات، مقاولات، جامعات) كأطراف في صنع القرار، وليس كمستفيدين سلبيين منه. هذا التحوّل يعزّز «الديمقراطية القريبة» ويُنتج شرعيةً فعّالة لأنّ المواطن يرى أثر صوته في ميزانية مشروع، أو مسار مرفق، أو أولوية استثمار.
في المحصلة، تُبيّن القراءة السياسية–القانونية أنّ اللامركزية أداة لترسيخ الديمقراطية بقدر ما هي أداة لتحسين الأداء؛ فهي تُوسّع قاعدة الشرعية عبر الانتخاب والتشاور، وتُقوّي المساءلة عبر شفافية القرار والإنفاق، وتُعيد وصل السياسة بالمجتمع عبر قنوات المشاركة. ولكي يكتمل أثرها، يلزم ضبط مثلّث المؤسّسة الديمقراطية المحلية: (1) اختصاصات واضحة، (2) موارد ملائمة، (3) رقابة لاحقة نزيهة عندها فقط تتحول الديمقراطية من شعار إلى ممارسة تُرى وتُقاس في حياة الناس اليومية طريق مُنجَز، مدرسة مُحسَّنة، مرفقٌ يُدار بكفاءة. هنا تكتسب الدولة شرعية المنفعة العامة، وهي أمتن من أي شرعية لفظية، وتلك هي ثمرة اللامركزية حين تُصمَّم وتُفعَّل في إطارٍ دستوري متماسك.
2. آليات المشاركة الشعبية وأدوات الديمقراطية القريبة في الممارسة الترابية
أصبحت المشاركة الشعبية اليوم أحد الأعمدة الجوهرية التي تقوم عليها اللامركزية الحديثة، إذ لم يعد يكفي وجود مؤسسات منتخبة لإرساء الديمقراطية المحلية ما لم تُفتح قنوات دائمة للتشاور والمساءلة والمبادرة المواطِنة، فالمجالس الترابية المنتخبة تمثّل الإطار السياسي للتدبير، لكن المشاركة المباشرة هي التي تمنح الشرعية الاجتماعية للمؤسسات وتجعل القرار العمومي نتاجًا لتفاعل أفقي بين الدولة والمجتمع[11].
تقوم المشاركة الترابية على مبدأين أساسيين: الشفافية في المعلومة والتشاور في القرار فحين تكون المعطيات المتعلقة بالميزانيات والبرامج والسياسات العمومية متاحة للجمهور، يمكن للمواطن أن يتحوّل من متلقٍ إلى فاعل، هذا المبدأ أصبح جزءًا من فلسفة “الحكامة الديمقراطية” التي تشجعها المواثيق الدولية والهيئات الأممية باعتبارها السبيل إلى تحقيق التنمية المستدامة والعدالة المجالية .[12]
في السياق المغربي، جاء دستور 2011 ليُحدث نقلة نوعية في هذا المجال، إذ نصّ في الفصلين 12 و139 على حق المواطنات والمواطنين في المساهمة في إعداد السياسات العمومية وتفعيلها وتقييمها، عبر آليات العرائض والملتمسات وهيئات التشاور، هذه الآليات تجعل الديمقراطية التمثيلية تتكامل مع الديمقراطية التشاركية في نظام مؤسسي واحد، يربط بين الشرعية الانتخابية والشرعية التفاعلية[13].
وتبرز في الممارسة ثلاث آليات رئيسية للمشاركة الشعبية على المستوى الترابي:
أولاً، آلية العرائض والمقترحات الشعبية، التي تخوّل للمواطنين تقديم مطالب أو اقتراحات إلى المجالس الترابية في القضايا التي تدخل في اختصاصها، هذه الآلية تُعدّ تمرينًا ديمقراطيًا يتيح للمواطنين ممارسة الضغط الإيجابي على ممثليهم، ويجعل القرار المحلي أكثر تمثيلاً للانتظارات الواقعية، فقد سمحت التجربة المغربية منذ اعتماد القوانين التنظيمية للجماعات الترابية سنة 2015، بتقديم مئات العرائض التي تناولت قضايا تتعلق بالبنيات التحتية المحلية والبيئة والخدمات الاجتماعية، مما يعكس تطورًا ملموسًا في وعي المواطن بدوره في تدبير الشأن العام.[14].
ثانيًا، هيئات التشاور العمومي، وهي آلية مؤسساتية نصّت عليها القوانين التنظيمية للجماعات والجهات، إذ تُحدث لدى كل جماعة ترابية ثلاث هيئات أساسية: هيئة المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع، وهيئة التشاور مع الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، وهيئة التشاور مع الجمعيات المدنية، هذه الهيئات تمثل جسورًا للتفاعل بين القرار السياسي والمجتمع المدني، وتسهم في جعل عملية إعداد السياسات المحلية أكثر انفتاحًا وواقعية.[15]
ثالثًا، الموازنات التشاركية التي تشكّل نموذجًا متقدمًا لإشراك المواطنين في تحديد أولويات الإنفاق العمومي المحلي، هذا النموذج الذي طُبّق أول مرة في البرازيل بمدينة بورتو أليغري سنة 1989، بدأ يعرف طريقه إلى التجارب المقارنة العربية، ومنها المغرب الذي تبنّت بعض جماعاته (كوجدة وأكادير) تجارب رائدة في هذا المجال، فالموازنة التشاركية لا تقتصر على المشاورات الشكلية، بل تُعدّ مسارًا تشاوريًا منظمًا يشارك فيه المواطنون في وضع الخطوط الكبرى لميزانية الجماعة الترابية.
إنّ هذه الآليات الثلاث تعكس تحوّلًا في فلسفة التدبير المحلي من منطق “الحكم من فوق” إلى منطق “التدبير المشترك”، حيث لم يعد المواطن مجرد مستهلك للخدمات العمومية، بل شريكًا في إنتاجها وتقييمها. ومن ثم، يصبح نجاح اللامركزية مرهونًا بمدى تفعيل هذه القنوات المؤسسية، لأنّها وحدها القادرة على تحويل الديمقراطية إلى ممارسة ملموسة.
من جهة أخرى، فإن المشاركة الشعبية لا تُقاس فقط بمدى وجود القنوات القانونية، بل أيضًا بمدى الثقة المؤسسية التي تُحيطها. فحين يشعر المواطن بأنّ مشاركته تُحدث فرقًا فعليًا في السياسات المحلية، يزداد انخراطه في الحياة العامة، وهو ما يعزز بدوره الشرعية السياسية للهيئات المنتخبة ، لذلك تركز التجارب المقارنة، خاصة في فرنسا وإسبانيا، على تقييم “أثر المشاركة” (impact participatif) من خلال مؤشرات محددة مثل عدد المبادرات المقدمة، نسبة التنفيذ، ودرجة الرضا الشعبي
ففي فرنسا، أدى اعتماد “الديمقراطية التشاركية الترابية” منذ بداية الألفية إلى إدماج المواطن في مراحل إعداد المخططات الجهوية للتنمية المستدامة (SRADDET). أما في إسبانيا، فقد طُوّرت آليات “المجالس المواطِنة” في الأقاليم المستقلة مثل كتالونيا والباسك، والتي تمثل فضاءات دائمة للحوار بين المواطنين والإدارة حول السياسات الترابية، وقد ساعدت هذه الممارسات على ترسيخ الثقة في المؤسسات المحلية، وتعزيز ثقافة المشاركة النشطة داخل المجتمع.
في المقابل، تُظهر الدراسات المغربية أنّ ضعف تكوين المنتخبين المحليين والفاعلين الجمعويين يُعدّ أحد العراقيل الرئيسية أمام تفعيل المشاركة الترابية الفعالة، فالمشاركة لا يمكن أن تُختزل في حضور رمزي داخل الاجتماعات، بل تتطلب كفاءة في التحليل والتخطيط والتفاوض ، من هنا يبرز دور برامج التأهيل والدعم التقني التي تنفذها وزارة الداخلية بشراكة مع البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي لتعزيز قدرات الجماعات الترابية في مجال التشاور العمومي والتواصل المؤسساتي.
يُضاف إلى ذلك أنّ التحول الرقمي يفتح آفاقًا جديدة لتوسيع قاعدة المشاركة. فالمجالس الترابية أصبحت تستخدم المنصات الإلكترونية لتلقي المقترحات، وتنظيم الاستشارات الافتراضية، ونشر تقاريرها المالية، هذا التطور يعكس الانتقال نحو نموذج “الديمقراطية الرقمية المحلية”، الذي يتيح المشاركة دون قيود جغرافية أو زمنية، فالمجالس التي تعتمد الشفافية الرقمية وتُسهّل التواصل تُكرّس فعليًا ثقافة المواطنة التفاعلية، وهو ما يندرج ضمن أهداف الحكامة الحديثة التي تسعى إلى جعل القرار العمومي مفتوحًا أمام المراقبة المجتمعية.
وتشير العديد من البحوث إلى أنّ اللامركزية السياسية لا يمكن أن تنجح دون بنية تواصلية قوية بين الدولة والمجتمع المدني، فكلما تزايدت اللقاءات الدورية بين الفاعلين الترابيين، ارتفعت فرص التوافق وتقلّصت النزاعات السياسية حول الاختصاصات. لذلك، يُعدّ الحوار المحلي المستمر آلية حيوية لتقوية التماسك الاجتماعي وتحقيق الاستقرار السياسي على المستوى الترابي.
ختامًا، تُبرز التجربة المغربية والمقارنة أنّ آليات المشاركة الشعبية وأدوات الديمقراطية القريبة أصبحت شرطًا بنيويًا لنجاح اللامركزية، فالمجالس المنتخبة التي تُحاور مواطنيها وتُشركهم في القرار المالي والتنموي، تُكسب شرعية مزدوجة: شرعية انتخابية تستمدها من صناديق الاقتراع، وشرعية تفاعلية تستمدها من الثقة والمساءلة، بهذه الصيغة تتحول اللامركزية من نظام لتوزيع السلطة إلى ثقافة سياسية جديدة تُعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس القرب والمواطنة الفاعلة.
3.اللامركزية كمدرسة للمواطنة وبناء الثقة في المؤسسات المحلية
تُعتبر اللامركزية في التجربة المغربية اليوم إحدى أهم الرهانات التي تسعى الدولة من خلالها إلى إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات العمومية، فهي ليست مجرد إصلاح إداري، بل مشروع مجتمعي يستهدف ترسيخ قيم المواطنة النشطة وجعل المواطن محور العملية التنموية. بهذا المعنى، أصبحت اللامركزية مدرسة لتعلّم المشاركة وتحمل المسؤولية، وأداة لتوطيد علاقة جديدة بين السلطة والمجتمع تقوم على القرب والشفافية والتعاون.[16].
لقد أكدت الخطب الملكية منذ مطلع الألفية الجديدة على أن إصلاح الدولة لا يمكن أن ينجح من دون إشراك المواطنين في تدبير شؤونهم. ففي خطاب 12 أكتوبر 1999، تحدث الملك محمد السادس عن “سياسة القرب” باعتبارها جوهر المفهوم الجديد للسلطة، ودعا إلى اعتماد مقاربة جديدة قوامها الاستماع للمواطن والانفتاح على انتظاراته[17]. هذا التصور السياسي يُشكّل الأساس الفلسفي للامركزية المغربية، لأنها لا تسعى فقط إلى توزيع الاختصاصات، بل إلى توزيع الثقة والمسؤولية داخل المجتمع.
من هذا المنطلق، تُعد اللامركزية وسيلة لتجسيد المواطنة في بعدها العملي، إذ تمنح للأفراد إمكانية التأثير المباشر في محيطهم من خلال الانتخاب، والمشاركة في إعداد البرامج الجهوية، ومراقبة أداء المجالس الترابية. هذا الانخراط الفعلي يُعيد للمواطن الإحساس بجدوى العمل العمومي ويقوّي ثقته في الدولة باعتبارها فاعلاً يخدم المصلحة العامة وليس سلطة متعالية[18]، فالمواطنة في إطار اللامركزية لا تُختزل في التصويت، بل تمتد إلى التفاعل اليومي مع القرارات الترابية، من خلال المشاورات العمومية والعرائض المحلية ومبادرات المجتمع المدني.
إن التجربة المغربية أظهرت أن بناء الثقة المؤسسية يمر عبر تجسيد مبدأ التدبير الحر في الممارسة الواقعية. فكلما أتيحت للمجالس المنتخبة حرية اتخاذ القرار في حدود اختصاصاتها، وجرى تمكينها من الموارد اللازمة، كلما شعر المواطن بأن المؤسسات القريبة منه قادرة على الاستجابة لحاجاته، فالنجاح في إصلاح الدولة على المستوى الترابي مرتبط بمدى قدرة الجماعات والجهات على تحقيق نتائج ملموسة في التنمية والخدمات العمومية، لأن الثقة تُبنى بالإنجاز لا بالشعارات.[19]
وفي هذا السياق، اعتُبرت الجهوية المتقدمة التي أقرّها دستور 2011 نقطة تحول نوعية في مسار المواطنة المحلية، فهي تُترجم عمليًا مبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة” من خلال انتخاب رؤساء الجهات انتخابًا مباشرًا، ومنحهم سلطات تقريرية واضحة في مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كما نصّ الفصل 136 من الدستور على أن “التنظيم الترابي للمملكة يرتكز على مبادئ التدبير الحر والتعاون والتضامن بهدف تحقيق تنمية مندمجة ومستدامة”، هذه الصياغة تُبرز أن المواطنة لا تُبنى فقط على الحقوق، بل كذلك على واجب المساهمة في التنمية المحلية.[20].
من جهة أخرى، فإن الثقة في المؤسسات الترابية لا تتحقق إلا بوجود إدارة قريبة وفعالة فالمفهوم الجديد للسلطة الذي أرسي منذ بداية الألفية ركّز على ضرورة تغيير علاقة رجل السلطة بالمواطن من علاقة عمودية إلى علاقة تواصلية تشاركية. العامل أو الوالي لم يعد ممثلًا للوصاية، بل وسيطًا ومُيسّرًا للحوار بين الدولة والمجتمع المحلي، هذا التحول ساهم في دمقرطة العلاقة الإدارية وإضفاء بُعد إنساني على الممارسة السلطوية، مما جعل الإدارة الترابية فاعلًا أساسيًا في تكريس المواطنة والثقة[21].
اللامركزية تُتيح كذلك تعلم المسؤولية السياسية لدى الفاعلين المحليين. فالمجالس المنتخبة التي تتولى تدبير الشأن العام تكتسب مع مرور الوقت خبرة في اتخاذ القرار والتخطيط التشاركي، وهو ما يُسهم في تكوين نخب محلية قادرة على بلورة مشاريع واقعية تستجيب لتطلعات الساكنة وبهذا المعنى تتحول اللامركزية إلى مختبر للمواطنة السياسية، حيث يكتسب الأفراد مهارات النقاش والتفاوض والمساءلة، ويتعلّمون أن الديمقراطية ليست صراعًا على السلطة بل توافقًا حول التنمية[22].
كما أن إشراك المواطن في متابعة المشاريع الترابية يعزز الرقابة الشعبية ويحدّ من الفساد. فحين تُصبح المعلومات المالية متاحة، ويُتاح للمواطنين حضور جلسات المجالس ونشر محاضرها، تنشأ ثقافة جديدة قوامها الشفافية والحق في المعلومة، وقد نصّ القانون التنظيمي للجماعات الترابية على آليات لإشراك المواطنين في تتبع المشاريع وتقديم المقترحات، وهو ما يُترجم فلسفة ربط المسؤولية بالمحاسبة في بعدها العملي.
ولا يمكن الحديث عن بناء الثقة دون التطرق إلى مسألة العدالة المجالية. فالمواطن الذي يعيش في منطقة نائية لا يمكن أن يثق في مؤسسات الدولة إذا كان يشعر بالإقصاء من الخدمات الأساسية، من هنا جاءت آلية صندوقي التأهيل الاجتماعي والتضامن بين الجهات لضمان نوع من التوازن في توزيع الموارد والفرص. إنّ العدالة في التنمية تُعتبر أساس العدالة في المواطنة، وهي ما يجعل المواطن يشعر بأن الدولة منصفة وقريبة في آن واحد.
على المستوى المقارن، تُظهر التجربة الفرنسية أن ترسيخ الثقة بين المواطن والمؤسسات المحلية تحقق تدريجيًا عبر مسار طويل من نقل الصلاحيات وتعزيز الشفافية. فإصلاحات 1982–1983 لم تكتفِ بإعطاء الجماعات المحلية اختصاصات جديدة، بل أنشأت أيضًا آليات للتنسيق والمساءلة مثل المجالس الجهوية المفتوحة أمام الجمهور، وهيئات تقييم السياسات المحلية. أما في التجربة الإسبانية، فقد مكّن الاعتراف الدستوري بالأقاليم المستقلة من تعزيز الاندماج الوطني وإدارة التعدد الثقافي في إطار من الثقة المتبادلة بين المركز والمجالات الترابية.
وإذا كانت هذه التجارب قد نجحت في تحقيق توازن بين الحرية المحلية ووحدة الدولة، فإن التجربة المغربية تسير في الاتجاه نفسه، مع مراعاة الخصوصية التاريخية والسياسية للمغرب فالملكية باعتبارها ضامن وحدة الأمة، جعلت من اللامركزية مشروعًا متدرجًا ومتوازنًا يجمع بين التعدد والتكامل، وهذا ما أكده الخطاب الملكي ليوم 6 نونبر 2008 بمناسبة الذكرى الثالثة والثلاثين للمسيرة الخضراء، حين دعا إلى اعتماد جهوية متقدمة قائمة على “التضامن الوطني، والتدبير الديمقراطي، والنجاعة في الأداء”.
اللامركزية إذن، ليست مجرد إصلاح إداري، بل مدرسة لإعادة بناء الثقة في الدولة عبر إشراك المواطن في الفعل العمومي. فهي تُعيد تعريف العلاقة بين المواطن والمجتمع، وتجعل من المشاركة التزامًا، ومن الرقابة واجبًا، ومن التنمية مشروعًا مشتركًا، بهذا المعنى، يتحقق الانتقال من “مواطنة المتفرّج” إلى “مواطنة الفاعل”، ومن “دولة الرعاية” إلى “دولة التفاعل”. وعندما يرى المواطن أن صوته في الانتخابات يتحول إلى طريق معبد أو مدرسة جديدة أو مشروع بيئي في محيطه، تتحول الديمقراطية إلى حقيقة معيشة، وتصبح الثقة في المؤسسات قاعدة لا شعارًا.
الفقرة الثانية: العلاقة بين اللامركزية وبناء الشرعية السياسية على المستوى المحلي.
تشكل العلاقة بين اللامركزية وبناء الشرعية السياسية على المستوى المحلي إحدى الركائز الجوهرية في تطور النموذج الدستوري المغربي الحديث. فالتحول نحو الجهوية المتقدمة لم يكن مجرّد إعادة توزيع للاختصاصات الإدارية، بل تأسيس لمسار سياسي جديد يهدف إلى ربط السلطة بالمجتمع وتعزيز الثقة في المؤسسات المنتخبة، فالشرعية السياسية في الدولة اللامركزية لا تُستمد فقط من المركز، بل تُبنى تدريجيًا داخل الفضاءات الترابية من خلال المشاركة الديمقراطية الفعلية، والقدرة على تدبير الشأن العام بكفاءة وشفافية.
في هذا الإطار، أصبحت اللامركزية أداة لإعادة إنتاج الثقة في الدولة من خلال تمكين المواطن من المساهمة في القرار العمومي ومراقبة نتائجه على المستوى المحلي، فالمجالس الترابية المنتخبة لا تمارس مجرد اختصاصات تنظيمية، بل تتحول إلى مؤسسات تمنح معنى جديدًا للتمثيلية السياسية، لأنها تُجسد إرادة الناخبين في المجال الذي يعيشون فيه، وتجعل السلطة أقرب إلى حاجاتهم اليومية.
إنّ الشرعية السياسية المحلية تتقوّى حين يشعر المواطن بأنّ صوته يُحدث أثرًا ملموسًا في السياسات الترابية، وأنّ ممثليه يتمتعون بالاستقلالية في اتخاذ القرار والمحاسبة على النتائج، ومن هنا تتجسد العلاقة العضوية بين اللامركزية والشرعية: الأولى تمنح الإطار المؤسساتي لممارسة السلطة محليًا، والثانية تمنحها القبول والاعتراف الاجتماعي. في هذا المنظور، يتحول المشروع اللامركزي إلى رهان سياسي لإصلاح الدولة وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية، عبر مجالس قادرة على الفعل والمساءلة في آن واحد، فكلما توسعت الديمقراطية المحلية، ازدادت شرعية الدولة في نظر مواطنيها، لأن القرب يولّد الثقة، والثقة تصنع الاستقرار السياسي.
1.الإطار الدستوري والسياسي لبناء الشرعية الترابية في المغرب
تطور البناء الدستوري المغربي على مدى العقود الماضية في اتجاه تكريس مبدأ الشرعية الترابية بوصفه أحد مظاهر تحديث الدولة وتوسيع قاعدة التمثيلية السياسية، فمنذ أول دستور لسنة 1962، اتجه المشرع الدستوري إلى ترسيخ فكرة الجماعات المحلية كإحدى ركائز التنظيم الإداري، غير أن حضورها في البداية كان محدودًا من حيث الصلاحيات والتمثيلية حيث كانت السلطة الفعلية في يد ممثلي الدولة المركزيين، بينما ظلت المجالس المنتخبة في موقع تابع، وهو ما جعل الشرعية السياسية محصورة في المركز دون امتداد فعلي إلى المحيط المحلي .[23]
عرف هذا الوضع تحولًا تدريجيًا مع التعديلات الدستورية المتلاحقة، خاصة في دساتير 1992 و1996، التي أدخلت مفاهيم جديدة مثل الجهة كمستوى ترابي، ومبدأ التدبير الذاتي للشؤون المحلية، غير أن التحول العميق جاء مع دستور 2011 الذي أعلن صراحة أن التنظيم الترابي للمملكة يقوم على أساس اللامركزية، وأن الجماعات الترابية تُدبّر شؤونها وفق مبدأ التدبير الح، هذا النص الدستوري لم يكن مجرد تأكيد قانوني، بل كان تتويجًا لمسار سياسي طويل سعى إلى إعادة بناء علاقة الثقة بين الدولة والمجتمع عبر البوابة الترابية[24].
يستمد هذا التحول جذوره من إرادة سياسية عبّر عنها الملك محمد السادس منذ بداية عهده، حين دعا إلى إرساء مفهوم جديد للسلطة، قوامه القرب من المواطن وخدمة مصالحه. ففي خطاب 12 أكتوبر 1999، تحدث الملك عن ضرورة تجاوز المركزية المفرطة واعتماد سياسة القرب كأساس لتحديث الإدارة، كما شدد في خطاب 6 نونبر 2008 بمناسبة الذكرى الثالثة والثلاثين للمسيرة الخضراء على أن اللامركزية الحقيقية تقوم على الجهوية المتقدمة، التي تُعد مدخلًا لترسيخ الديمقراطية المحلية وتعزيز المشاركة المواطنة، وقد جاء دستور 2011 ليترجم هذه الرؤية الملكية إلى قواعد دستورية واضحة، حيث نصّ في فصله الأول على أن “النظام الدستوري للمملكة يقوم على أساس فصل السلط، وتوازنها، وتعاونها، والديمقراطية المواطِنة والتشاركية”، وهكذا أضحت الشرعية السياسية في المغرب متعددة المستويات، تتوزع بين المركز والمجالات الترابية[25].
إن الشرعية السياسية في الدولة اللامركزية تُبنى على محورين متكاملين: الانتخاب والمساءلة، فالمجالس الجهوية والجماعية المنتخبة أصبحت تمتلك شرعية مباشرة تستمدها من صناديق الاقتراع، وهو ما يمنحها موقعًا مؤسسيًا مستقلًا عن ممثلي الدولة لكن هذه الشرعية تبقى مشروطة بقدرتها على تحقيق النتائج وتدبير الشأن العام المحلي بفعالية، فالانتخاب يمنح المشروعية، غير أن الأداء هو الذي يكرس الثقة، لذلك أقرّ المشرع الدستوري مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة ليوازن بين حرية التدبير والمراقبة الديمقراطية، هذه المعادلة تمثل جوهر الإصلاح الترابي في المغرب الحديث[26].
في الإطار ذاته، جاء القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات ليُحدّد بوضوح اختصاصات المجالس الجهوية في مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومنح رؤساء الجهات سلطة تنفيذية فعلية، وهو ما جعل الشرعية المحلية تتجاوز الطابع الرمزي إلى ممارسة السلطة الفعلية، هذا القانون جعل من الجهة فاعلًا سياسيًا وتنمويًا في الوقت نفسه، وفتح المجال أمام بروز نخب جهوية جديدة تُعيد إنتاج المشهد السياسي من القاعدة نحو القمة، فالمجالس المنتخبة لم تعد مجرّد إدارات محلية، بل فضاءات للمنافسة السياسية المشروعة، ما وسّع من دائرة الشرعية الديمقراطية داخل الدولة.
ويلاحظ أن المشرع المغربي لم يفصل بين البعد السياسي والبعد الإداري في بناء الشرعية الترابية، بل عمل على دمجهما في مقاربة واحدة. فالجهوية المتقدمة ليست فقط تنظيماً إدارياً جديداً، بل مشروع لإعادة توزيع السلطة السياسية، وهو ما يتجلى في مبدأ “التعاون والتضامن” المنصوص عليه في الفصل 136 من الدستور، والذي يعكس فلسفة المشاركة المتبادلة بين المركز والجهات، فكل جهة تتمتع باستقلالية تدبيرية، لكنها تظل جزءًا من وحدة الدولة، بما يضمن توازناً دقيقاً بين اللامركزية السياسية والانسجام الوطني.
من الناحية العملية، ساهم انتخاب رؤساء الجهات مباشرة من قبل أعضاء المجالس المنتخبة في إضفاء شرعية مضاعفة على المؤسسات الجهوية. إذ لم تعد هذه الهيئات مجرد امتداد إداري للمركز، بل أصبحت تمثل الإرادة الشعبية المحلية، وهو ما يمنحها ثقلاً سياسياً داخل النظام العام. وقد أدى هذا التطور إلى إعادة ترتيب العلاقة بين ممثلي الدولة من جهة والمنتخبين المحليين من جهة أخرى، فالعامل والوالي تحوّلا إلى شركاء في التنفيذ والتنسيق بدلاً من سلطة وصاية، ما يعكس انتقال الدولة من منطق الرقابة إلى منطق المواكبة.
كما أن تعزيز اختصاصات المجالس الجهوية في إعداد وتتبع وتنفيذ السياسات التنموية أضفى على الشرعية الترابية بعداً وظيفياً، فالمواطن لم يعد يقيس شرعية المؤسسات من خلال الخطاب السياسي، بل من خلال قدرتها على تحسين ظروف عيشه، وبذلك انتقلت الشرعية من المجال القانوني الصرف إلى المجال العملي الملموس، ويمكن القول إن التجربة المغربية تسعى إلى بناء شرعية مزدوجة: شرعية ديمقراطية ناتجة عن الانتخاب، وشرعية إنجازية قائمة على تحقيق النتائج، هذا التوازن بين المشروعية والمردودية يشكل أساس الثقة في المؤسسات المحلية.
وعلى المستوى المقارن، يُلاحظ أن هذا التوجه المغربي يقترب من النموذج الفرنسي الذي أعاد الاعتبار للمنتخب المحلي كمحور للحكم الترابي بعد إصلاحات الثمانينيات، فالقوانين اللامركزية لسنة 1982 أعطت للمجالس المحلية صلاحيات تقريرية واسعة، وهو ما خلق شرعية سياسية جديدة خارج العاصمة، لكن النموذج المغربي يتفوق في كونه يربط هذه الشرعية بالثوابت الوطنية والوحدة الترابية، في إطار ملكية دستورية ضامنة للتوازن بين المستويات المختلفة للحكم.
ولأن الشرعية السياسية لا تُبنى فقط على النصوص، بل تحتاج إلى ممارسة مستمرة، فقد عملت الدولة على مواكبة اللامركزية بإصلاحات موازية، من بينها إصدار الميثاق الوطني للاتمركز الإداري سنة 2018، الذي أعاد تنظيم العلاقة بين الوزارات والمصالح الخارجية. الهدف من هذا الميثاق هو دعم اللامركزية عبر تقريب القرار الإداري من المستوى الترابي، وتعزيز تنسيق السياسات العمومية بين المركز والجهات، فالمسؤولية المشتركة بين المستويين السياسي والإداري تضمن تجانس الفعل العمومي وتُقوّي ثقة المواطن في فعالية الدولة.
إن الشرعية الترابية في المغرب لا تقوم فقط على مبدأ الانتخاب، بل أيضًا على مبدأ القرب الاجتماعي. فالمجالس الجهوية والجماعية التي تنفتح على المواطنين وتُشركهم في إعداد مشاريع التنمية، تُكسب نفسها شرعية تفاعلية تتجاوز الإطار القانوني إلى القبول الاجتماعي. لذلك نصت القوانين التنظيمية على إحداث آليات المشاركة المواطِنة من عرائض وهيئات استشارية، بما يجعل الشرعية السياسية نتاج تفاعل دائم بين الفاعلين والمؤسسات.
من جهة أخرى، تُعَدّ الخطب الملكية مرجعًا أساسيًا في ترسيخ هذا المفهوم. فقد أكد الملك محمد السادس في خطاب 9 مارس 2011 أن “مشروع الجهوية المتقدمة ليس غاية في ذاته، بل هو وسيلة لإقامة ديمقراطية قريبة من المواطنين”، وفي خطاب 30 يوليوز 2018 شدد على أن نجاح النموذج التنموي الجديد رهين بإشراك الفاعلين المحليين وتمكينهم من الوسائل الضرورية، هذه التوجيهات السياسية تؤطر العمل الترابي وتمنحه بعدًا وطنيًا متجددًا، يجعل الشرعية السياسية المحلية امتدادًا للشرعية الدستورية العليا.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن التجربة المغربية أفرزت نموذجًا خاصًا من الشرعية السياسية المحلية يقوم على ثلاثة أبعاد: الشرعية الانتخابية التي تمنح السلطة للمجالس المنتخبة، الشرعية التشاركية التي تنشأ من انخراط المواطنين والمجتمع المدني في القرار، والشرعية الإنجازية التي تستمدها المؤسسات من نتائجها التنموية، هذا التفاعل الثلاثي هو ما يُميز الإصلاح اللامركزي المغربي عن غيره من النماذج في العالم العربي ، فهو يربط بين الديمقراطية والحكامة، بين القانون والسياسة، وبين القرب والمحاسبة، بما يعكس توازنًا دقيقًا بين المركزية الوطنية والشرعية الترابية[27].
2.المجالس الترابية ودورها في تجديد الشرعية السياسية من خلال الممارسة الديمقراطية
تُعدّ المجالس الترابية المنتخبة اليوم القلب النابض للتجربة اللامركزية المغربية، إذ تمثل الفضاء الذي تُختبر فيه فعليًا مقومات الشرعية السياسية والديمقراطية المحلية. فبقدر ما تمارس هذه المجالس اختصاصاتها في إطار من الحرية والمسؤولية، بقدر ما تتكرس ثقة المواطن في المؤسسات وتتعزز مشروعية الدولة في مستوياتها الترابية، إن العلاقة بين المجالس الترابية والشرعية السياسية لا تُقاس فقط بنصوص الدستور أو القوانين التنظيمية، بل بمدى تحويل الانتخاب إلى ممارسة فعلية للتمثيلية والمساءلة. ومن هذا المنطلق، تشكّل هذه المجالس المعبر الأهم لتجسيد المشاركة المواطنة، وتُعدّ المدرسة الحقيقية لتربية الأجيال على قيم الديمقراطية والحكامة الرشيدة
2-1 الشرعية الانتخابية للمجالس الترابية وأسس تمثيليتها السياسية
الانتخاب يشكل في التجربة المغربية حجر الزاوية في بناء الشرعية الترابية. فمن خلاله تنتقل السلطة من المركز إلى الفضاء المحلي عبر تفويض شعبي مباشر، وهو ما يمنح المجالس الترابية صفة الممثل الشرعي لاهتمامات المواطنين وحاجاتهم. غير أن الشرعية الانتخابية لا تُقاس فقط بنسبة المشاركة أو عدد المقاعد، بل بمدى تعبيرها عن الإرادة العامة وفاعليتها في ترجمة البرامج إلى قرارات واقعية. لذلك، جعل دستور 2011 من الاقتراع الحر والنزيه شرطًا جوهريًا لقيام المجالس الترابية باعتبارها مؤسسات ديمقراطية مسؤولة أمام الناخبين.[28]
القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات أكد هذا التوجه من خلال إسناد انتخاب رئيس الجهة ونوابه للمجلس الجهوي المنتخب، مما يعزز التمثيلية الديمقراطية الداخلية ويمنح المؤسسات الترابية شرعية مضاعفة، كما أن مسطرة إعداد المخططات الجهوية للتنمية تُبنى على مشاركة جميع مكونات المجلس وممثلي المجتمع المدني، بما يضمن التوازن بين الشرعية الانتخابية والشرعية التشاركية، في هذا الإطار، تتحول الانتخابات من لحظة إجرائية إلى فعل تأسيسي للثقة بين المواطن وممثليه، ومن ثم بين المواطن والدولة[29].
ويُظهر الواقع المغربي أن الشرعية الانتخابية وحدها لا تكفي لترسيخ المصداقية المؤسساتية، ما لم تُرفق بقدرة المجلس على الإنجاز والتواصل ، فالمجالس التي تُحافظ على استمرارية الحوار مع المواطنين وتشرح قراراتها بشفافية، تُعيد إنتاج شرعيتها في كل دورة انتخابية، لأنها تربط التمثيلية بالمردودية، وبهذا المعنى، يصبح الانتخاب نقطة انطلاق لمسار طويل من التفاعل المتبادل بين السلطة المحلية والمجتمع[30].
2-2 مبدأ التدبير الحر كإطار دستوري لترسيخ الشرعية الديمقراطية
يُعدّ مبدأ التدبير الحر من أبرز مظاهر التحول الدستوري الذي عرفه المغرب بعد 2011، إذ أقرّه الفصل 136 باعتباره أحد أسس التنظيم الترابي، هذا المبدأ يمنح الجماعات الترابية حرية ممارسة اختصاصاتها في نطاق القانون، دون وصاية سياسية أو تدخل إداري مباشر من السلطة المركزية، ومن خلال هذا الإطار، تتحول المجالس الترابية إلى فاعل سياسي مستقل يمارس السلطة باسمه وباسم المواطنين الذين انتخبوه، مما يضفي عليها شرعية مضاعفة قائمة على الاستقلالية والمحاسبة[31].
في التطبيق، يُترجم التدبير الحر عبر عدة مظاهر عملية، أبرزها سلطة المجلس في إعداد الميزانية والمصادقة عليها، وتحديد أولويات الاستثمار، وإبرام الاتفاقيات مع الشركاء العموميين والخواص. كما أن القرارات التنظيمية للمجالس لم تعد خاضعة للمصادقة المسبقة من طرف السلطات المحلية، بل تُكتسب قوتها القانونية بمجرد المصادقة الداخلية عليها ونشرها، ما دام القضاء الإداري هو الجهة الوحيدة المخوّلة لإلغائها عند الاقتضاء، هذا التطور يعكس انتقال الشرعية من منطق الوصاية إلى منطق الرقابة القانونية اللاحقة، وهو تحول عميق في بنية السلطة الترابية المغربية[32].
ويرتبط مبدأ التدبير الحر ارتباطًا وثيقًا بمفهوم الشرعية الديمقراطية، لأنه يضع الثقة في إرادة الناخبين وقدرتهم على اختيار ممثلين أكفاء لتدبير الشأن العام. فالمشرع حين يمنح المجالس المنتخبة حرية القرار، يفترض ضمنيًا أن المواطن هو المصدر الأصلي للشرعية، وأن إرادته لا يمكن أن تُصحَّح إلا عبر صناديق الاقتراع أو الرقابة القضائية، لا بواسطة سلطة وصاية إدارية، بهذا المعنى يشكل التدبير الحر تعبيرًا مؤسساتيًا عن الثقة السياسية المتبادلة بين الدولة والمجتمع[33].
ويلاحظ أن التجربة المغربية في هذا المجال تقترب من النموذج الفرنسي بعد إصلاحات 1982، حين تحولت البلديات والجهات إلى وحدات حكم محلية قائمة بذاتها، تُدير شؤونها بحرية تحت رقابة القضاء الإداري، غير أن المغرب أضاف إلى هذا المبدأ بعدًا وطنيًا، إذ جعله مشروطًا بوحدة الدولة وتكامل السياسات العمومية، فحرية التدبير ليست استقلالاً عن الدولة، بل شراكة في تحقيق المصلحة العامة ضمن نسق موحد، وهو ما يعكس توازناً دقيقًا بين الديمقراطية الترابية والانسجام الوطني[34].
2-3. المساءلة والمحاسبة كآلية لتجديد الثقة والشرعية الترابية
لا يمكن تصور شرعية سياسية بدون مساءلة، ولا مساءلة فعالة بدون شفافية. لذلك جعل الدستور المغربي مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة قاعدة عامة للحكم الجيد. فالمجالس الترابية المنتخبة لا تكتسب شرعيتها فقط من الانتخاب، بل من استعدادها لتحمل المسؤولية أمام المواطنين والمؤسسات الرقابية. وتكمن أهمية المساءلة في كونها تخلق علاقة دائرية بين السلطة والمجتمع: المجلس يُحاسَب على قراراته، والمواطن يُحفَّز على المشاركة، فتتجدد الشرعية في كل دورة سياسية.
آليات المساءلة متعددة: من بينها الأسئلة الكتابية والشفوية داخل المجالس، نشر محاضر الجلسات، تقارير المجالس الجهوية للحسابات، وجلسات الاستماع العمومية، هذه الأدوات تجعل الفعل العمومي شفافًا، وتُعيد تعريف المسؤول السياسي كفاعل خاضع للتقييم لا كصاحب امتياز. ومن خلال تكرار هذا المسار الديمقراطي في مختلف الجهات والجماعات، تُعاد صياغة ثقافة سياسية جديدة أساسها ربط السلطة بالمسؤولية.
كما أن القضاء الإداري يلعب دورًا حاسمًا في دعم هذه الشرعية، إذ يمنح المواطنين والجمعيات حق الطعن في قرارات المجالس أمام المحاكم الإدارية، وهو ما يعزز الرقابة القانونية ويحد من الانحرافات، فالمساءلة القضائية إلى جانب الرقابة المالية، تمثل تجسيدًا لمبدأ الدولة القانونية على المستوى الترابي، وتؤكد أن الشرعية لا يمكن أن تكون مطلقة، بل تظل دائمًا مشروطة باحترام القانون وحماية الحقوق.
إنّ تطبيق هذه الآليات أسهم في ترسيخ مفهوم “الديمقراطية المراقبة” التي توازن بين حرية التصرف والالتزام بالشفافية، فكلما زادت المجالس انفتاحًا على المساءلة، ازدادت ثقة المواطنين بها، وهذه الثقة بدورها تتحول إلى شرعية متجددة تُغذي استقرار النظام السياسي برمّته، لأن المواطن الذي يثق في مؤسساته المحلية يثق أيضًا في الدولة، ومن هنا، يتضح أن المساءلة ليست أداة رقابية فحسب، بل آلية لإعادة بناء الشرعية السياسية في بعدها الترابي.
في نهاية التحليل، يمكن القول إن المجالس الترابية في المغرب أصبحت مدرسة لممارسة الديمقراطية الحقيقية، لأنها تُجسّد التقاء ثلاثة عناصر: الانتخاب الحر، التدبير المستقل، والمساءلة الشفافة. هذا الثالوث هو الذي يصنع الشرعية الحديثة للدولة، ويجعل من اللامركزية مشروعًا سياسيًا بامتياز، لا مجرد إصلاح إداري، فحين تُمارس السلطة محليًا باسم المواطنين ولصالحهم، تتحول الدولة إلى كيان تشاركي مفتوح، وتستعيد الشرعية معناها الأصيل القائم على الرضا والثقة.
3.التكامل بين الشرعية المحلية والشرعية الوطنية في تعزيز استقرار الدولة المغربية
تقوم التجربة المغربية في اللامركزية على رؤية متكاملة للشرعية، تجعل من البعد المحلي امتدادًا طبيعياً للشرعية الوطنية لا بديلاً عنها، فالمغرب لم يسلك طريق الفيدرالية أو التقسيم السياسي للسلطة، وإنما تبنّى نموذجًا متدرجًا يقوم على التوزيع الوظيفي للاختصاصات ضمن وحدة الدولة، هذه المقاربة تؤكد أن الشرعية السياسية في المجال الترابي لا يمكن أن تنفصل عن الشرعية الدستورية العامة، لأنها تستمد قوتها من الثوابت الوطنية المكرسة في الدستور، وفي مقدمتها النظام الملكي الموحد، وسيادة القانون، ووحدة التراب الوطني[35].
الرهان المركزي في هذا النموذج هو تحقيق توازن دقيق بين الحرية المحلية والتماسك الوطني. فاللامركزية السياسية، رغم أهميتها في تعزيز المشاركة والديمقراطية، يمكن أن تتحول في بعض النماذج إلى عامل تفكك إذا لم تؤطر بضمانات دستورية قوية، لذلك أُنيطت بالمؤسسة الملكية وظيفة التحكيم والضمان، ليس بمعنى الهيمنة على المستويات الترابية، بل باعتبارها الضامن لوحدة القرار السياسي في إطار التنوع الترابي. هذا الدور يعبّر عن استمرار الدولة المغربية في الجمع بين الشرعية التاريخية والشرعية الديمقراطية، وهو ما يُكسب التجربة المغربية خصوصية واستقراراً في آن واحد.[36]
يتضح من نصوص الدستور المغربي أنّ الملك يشكل محور توازن بين المستويين الوطني والمحلي. فالفصل 42 يؤكد أن الملك “ضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، ويسهر على احترام الدستور” كما أن الفصل 145 يحدد أن الولاة والعمال يمثلون السلطة المركزية في الجماعات الترابية، مع الحرص على احترام مبدأ التدبير الحر. هذا الترتيب يبرز كيف تمّ تصميم النظام الدستوري بطريقة تدمج الشرعية الترابية في النظام العام للدولة دون تعارض، بل في تكامل وظيفي ومؤسساتي[37].
إنّ الشرعية المحلية في المغرب تُبنى من أسفل، عبر الانتخابات والمشاركة المواطنة، بينما الشرعية الوطنية تُبنى من أعلى، عبر الرمزية الملكية والمؤسسات الدستورية المركزية. والتقاطع بين المستويين يتم عبر “التحكيم الملكي” الذي يحافظ على وحدة النسق السياسي، ويوجه العمل الترابي نحو المصلحة الوطنية. فالمجالس الترابية، مهما بلغت من استقلالية، تظل جزءًا من منظومة حكم موحدة، تخضع في توجهاتها العامة للسياسات العمومية الوطنية، التي تحددها الحكومة بتوجيه من الملك بصفته رئيسًا للدولة، هذا التوازن بين اللامركزية والتوجيه المركزي هو سرّ استقرار التجربة المغربية[38].
من الناحية السياسية، يُسهم هذا التكامل في إعادة إنتاج الثقة في الدولة ، فحين يرى المواطن أن المؤسسات المحلية تنفذ مشاريع تنموية منسجمة مع الخطط الوطنية الكبرى، تتعزز لديه قناعة بأن الدولة تعمل بمنطق التكامل لا التنازع، وقد ظهر ذلك جليًا في برامج التنمية الجهوية التي تم تمويلها في إطار الشراكة بين الدولة والجهات، مثل “برنامج الحسيمة منارة المتوسط” و“البرنامج التنموي للأقاليم الجنوبية”، هذه المشاريع تُبرز أن الشرعية المحلية لا تنمو بمعزل عن الدولة، بل داخلها، من خلال علاقة تشاركية بين المركز والمجال[39].
كما أنّ المؤسسة الملكية تُمارس دورها في توجيه الشرعية الترابية من خلال الخطابات الملكية التي تضع الإطار الاستراتيجي للسياسات الجهوية، ففي خطاب 9 مارس 2011، تم التأكيد على أن الجهوية المتقدمة “تشكل نقلة نوعية في مسار الديمقراطية والتنمية”، وعلى أن نجاحها رهين باحترام مبادئ التضامن والتوازن بين الجهات، وفي خطاب 30 يوليوز 2017، دعا الملك إلى “إعادة النظر في نموذج التنمية لتصحيح الاختلالات المجالية”، وهو ما يعكس رؤية ملكية تجعل اللامركزية أداة لتقوية الوحدة الوطنية لا لتجزئتها. بذلك تتحول الشرعية الملكية إلى مرجعية ناظمة لبناء الشرعية الترابية[40].
التكامل بين الشرعيتين يتجسد أيضًا على المستوى القانوني من خلال مبدأ التعاون والتضامن المنصوص عليه في الفصل 136 من الدستور. هذا المبدأ يُلزم الجماعات الترابية بالعمل المشترك وتبادل الخبرات والموارد فيما بينها ومع الدولة، فشرعية المجلس المحلي لا تكتمل إلا بقدر مساهمته في خدمة المصلحة العامة الوطنية، ومن هنا يصبح العمل الترابي جزءًا من المشروع الوطني، وتتحول اللامركزية إلى أداة لتحقيق التماسك السياسي والاجتماعي بدل أن تكون مدخلاً للانقسام أو التنافس السلبي[41].
في هذا الإطار، تمثل المجالس الجهوية اليوم واجهة الشرعية السياسية المتجددة للدولة. فهي تتولى تنزيل السياسات العمومية في بعدها الترابي، وتعمل تحت إشراف الدولة على تنسيق المشاريع المندمجة بين القطاعات، كما أن ممثلي السلطة المركزية (الولاة والعمال) يمارسون وظيفة المساعدة والتنسيق لا الوصاية، مما يكرّس الشرعية المتبادلة بين الطرفين: شرعية المجالس المنتخبة المستمدة من التصويت، وشرعية ممثلي الدولة المستمدة من الدستور والولاء الوطني. هذه الازدواجية في الشرعية تضمن مرونة النظام السياسي وقدرته على التكيف مع المتغيرات الداخلية والدولية.
أما على المستوى المقارن، فإنّ النموذج الإسباني يقدم مثالاً قريبًا من المغرب من حيث محاولة المواءمة بين الحكم الذاتي المحلي ووحدة الدولة، فقد نجحت مدريد في إدارة التعدد الجهوي من خلال الاعتراف الدستوري بـ“الدولة الموحّدة المتعددة الأقاليم”، وهو ما جعل الانتماء الوطني والولاء المحلي يسيران في مسار متوازٍ ، التجربة الفرنسية أيضًا تؤكد أهمية الدولة الضامنة في تأطير الحكم المحلي، إذ ظل المحافظ ممثل الدولة يحتفظ بسلطة المراقبة القانونية دون المساس بحرية المجالس المنتخبة، هذه النماذج المقارنة تثبت أن استقرار الدولة لا يتحقق إلا حين تلتقي الشرعية المحلية مع الشرعية الوطنية في هدف مشترك هو خدمة المصلحة العامة.
التجربة المغربية تسير في الاتجاه ذاته، لكنها تتميز بتأصيلها لمبدأ “الوحدة في التنوع” على أساس ملكية دستورية ضامنة، فالمؤسسة الملكية لا تلغي الإرادة المحلية، بل تمنحها الشرعية النهائية عبر التنصيب والمواكبة والتتبع، كما أن مجلس الوصاية، المنصوص عليه في الفصل 49 من الدستور، يمثل آلية دستورية لحماية النظام الترابي وضمان استمرارية الدولة، بذلك يتحول النظام المغربي إلى نموذج فريد في العالم العربي، إذ يربط بين التعدد المؤسساتي والانسجام السياسي ضمن إطار سيادة واحدة.
إنّ الشرعية الوطنية تمنح المجالس الترابية قوة الاعتراف والالتزام بالقانون، بينما تضفي الشرعية المحلية على النظام السياسي روح الحيوية والمشاركة، ومن تفاعل المستويين تنبثق شرعية ثالثة، هي الشرعية الإنمائية، التي تقوم على النتائج والإنجازات في الميدان. فالمؤسسات التي تحقق التنمية المتوازنة وتستجيب لحاجات المواطنين تُكسب الدولة شرعية مستمرة تتجاوز المواسم الانتخابية، بهذا المعنى لم تعد الشرعية في المغرب مجرد مفهوم دستوري، بل أصبحت عملية دينامية تتجدد عبر الممارسة والمردودية.
في المحصلة، يمكن القول إنّ نجاح اللامركزية المغربية في ترسيخ الاستقرار السياسي يرجع إلى قدرتها على بناء جسر دائم بين الشرعية الوطنية والشرعية الترابية، فالمؤسسة الملكية تضبط الإيقاع العام للنظام السياسي، بينما تتيح المجالس الترابية للمواطنين الانخراط الفعلي في تدبير شؤونهم. هذا التكامل العضوي هو الذي يميز التجربة المغربية عن غيرها، ويجعلها نموذجًا متوازنًا يجمع بين الديمقراطية والمشروعية والوحدة، فحين تتقاطع إرادة الدولة مع إرادة المواطن داخل مؤسسات دستورية فعالة، يصبح الاستقرار نتيجة طبيعية، وتتحول اللامركزية إلى مشروع وطني مستدام لبناء الشرعية والديمقراطية معًا.
لائحة المراجع
أولاً: المراجع باللغة العربية
- عبد الرحيم بنعلي، الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري في المغرب: قراءة في الأبعاد السياسية والإدارية، الطبعة الأولى، دار أبي رقراق، الرباط، 2022
- عبد الكريم أحمد الغلاب، الحكم المحلي والديمقراطية التمثيلية في العالم العربي، الطبعة الثانية، دار النهضة العربية، بيروت، 2020
- إبراهيم الزمهري، الجهوية المتقدمة وإستراتيجية التنمية الجهوية المندمجة، سلسلة اللامركزية والإدارة المحلية، الطبعة الثالثة، 2012
- المصطفى بلقزبور، توزيع الاختصاص بين الدولة والجهات: أيّ نموذج ممكن في أفق مغرب الجهات، السلسلة المغربية لبحوث الإدارة والاقتصاد والمال، مطبعة طوب بريس، الرباط، 2011
- عبد العزيز أشرقي، الجهوية الموسعة: نمط جديد للحكامة الترابية والتنمية المندمجة، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2011
- إبراهيم كومغار، التنظيم الإداري وفق النموذج المغربي، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2016
- عبد الرحيم فاضل، مسار وتحولات سياسة اللامركزية الترابية بالمغرب، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2012
- خالد صديق، مؤسسة الوالي والعامل بين سياستي اللاتمركز واللامركزية على ضوء دستور 2011 والقوانين التنظيمية للجماعات الترابية، مطبعة الأمنية، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2015
- الخطاب الملكي لجلالة الملك محمد السادس بمناسبة اجتماع مع ممثلي الولايات والجهات والعمالات والأقاليم بالدار البيضاء، 12 أكتوبر 1999، منشور في المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد خاص، 2001
- أحمد محمد قاسمي، الشأن المحلي في سياق اللامركزية وعدم التمركز، السلسلة الإدارية، مطبعة فضالة، المحمدية، 1999
- حجيبة زيتوني، الجهة والإصلاح الجهوي بالمغرب، السلسلة المغربية لبحوث الإدارة والاقتصاد والمال، مطبعة طوب بريس، الرباط، الطبعة الأولى، 2011
- عبد العزيز أشرقي، العامل والمفهوم الجديد للسلطة، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2003
- الخطاب الملكي لجلالة الملك محمد السادس بتاريخ 6 نونبر 2008 بمناسبة الذكرى 33 للمسيرة الخضراء، منشور في المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد خاص، 2009
- عبد الفتاح البجيوي، مؤسسة الوالي والعامل وآفاق عدم التمركز الإداري بالمغرب، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، الطبعة الأولى، 2014
- تورية لعيوني، القانون الإداري المغربي، دار النشر الجسور، وجدة، الطبعة الثالثة، 2013
- عبد الغني عبيزة، سياسة التحديث الإداري بالمغرب: دراسة قانونية مؤسساتية، مطبعة دار القلم، الرياض، الطبعة الثانية، 2011
- عبد العزيز الشرقاوي، دراسة في اللاتمركز الإداري، منشورات البرنامج الوطني لتحديث الإدارة، مطبعة دار القلم، الرباط، الطبعة الأولى، 2000
- الخطاب الملكي لجلالة الملك محمد السادس بتاريخ 9 مارس 2011، منشور في المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد خاص، 2011
- فاطمة السعيدي مزروع، الإدارة المحلية اللامركزية بالمغرب، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2003
- عبد العزيز أشرقي، الحكامة الترابية وتدبير المرافق العمومية المحلية على ضوء مشروع الجهوية المتقدمة، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2014.
ثانياً: المراجع باللغة الأجنبية
- Robert A. Dahl, Democracy and Its Critics, Yale University Press, New Haven, 1989
- Tarik ZAIR, «Le principe de libre administration des collectivités territoriales», REMALD, n°107, Novembre–Décembre 2012
- Rousset (M.) & Gargnon (J.), Droit administratif marocain, 6ᵉ éd., Édition La Porte / Imprimerie El Maarif Al Jadida, Rabat, 2003
- Ahmed Bouachik, La régionalisation, un nouveau mode de gouvernance territoriale, REMALD, n°67, Collection Thèmes actuels, 2010
- Alain Larange, La Déconcentration administrative, LGDJ, Paris, 2001
- Hassan OUZZANI CHAHIDI, Droit Administratif, Imprimerie Najah El Jadida, Casablanca, 1ʳᵉ éd., 1997
- Mohamed El Yaagoubi, Les grandes contradictions de la réforme administrative, REMALD, n°25, 2001
- Nadine Leclerc, Droit administratif, Éditions DUMAS, France, 1998
- Christian Stark, Les fondements du fédéralisme allemand, REMALD, n°68, Mai–Juin 2006
- Alain Cluisse, Stratégie d’aménagement et supports sociaux au Maroc, A.A.N., 1983
- Mohamed Brahimi, La décentralisation et la déconcentration au Maroc: réalités et cohabitation synergique, RMFPE, n°8, 1992
- Jordi Bassols Coma, El Estado de las Autonomías en España: Origen y Desarrollo, Editorial Tecnos, Madrid, 2019
الهوامش:
[1] عبد الرحيم بنعلي، الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري في المغرب: قراءة في الأبعاد السياسية والإدارية، الطبعة الأولى، دار أبي رقراق، الرباط، 2022، ص. 15
[2] عبد الكريم أحمد الغلاب، الحكم المحلي والديمقراطية التمثيلية في العالم العربي، الطبعة الثانية، دار النهضة العربية، بيروت، 2020، ص. 40
[3] Robert A. Dahl, Democracy and Its Critics, Yale University Press, New Haven, 1989, pp. 53–60
[4] إبراهيم الزمهري، الجهوية المتقدمة وإستراتيجية التنمية الجهوية المندمجة، سلسلة اللامركزية والإدارة المحلية، الطبعة الثالثة، 2012، ص. 43
[5] المصطفى بلقزبور، توزيع الاختصاص بين الدولة والجهات: أيّ نموذج ممكن في أفق مغرب الجهات، السلسلة المغربية لبحوث الإدارة والاقتصاد والمال، مطبعة طوب بريس، الرباط، 2011، ص. 21
[6] عبد العزيز أشرقي، الجهوية الموسعة: نمط جديد للحكامة الترابية والتنمية المندمجة، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2011، ص. 55
[7] Tarik ZAIR، «Le principe de libre administration des collectivités territoriales»، REMALD, n°107, Novembre–Décembre 2012، pp. 5
[8] Rousset (M.) & Gargnon (J.)، Droit administratif marocain، 6e éd.، Édition La Porte / Imprimerie El Maarif Al Jadida, Rabat, 2003، pp. 9
[9] إبراهيم الزمهري، الجهوية المتقدمة وإستراتيجية التنمية الجهوية المندمجة، سلسلة اللامركزية والإدارة المحلية، الطبعة الثالثة، 2012، ص. 88
[10] عبد العزيز أشرقي، الجهوية الموسعة: نمط جديد للحكامة الترابية والتنمية المندمجة، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2011، ص. 58
[11] إبراهيم كومغار، التنظيم الإداري وفق النموذج المغربي، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2016، ص. 52
[12] Ahmed Bouachik, La régionalisation, un nouveau mode de gouvernance territoriale, REMALD, nº67, Collection Thèmes actuels, 2010, pp. 40
[13] عبد الرحيم فاضل، مسار وتحولات سياسة اللامركزية الترابية بالمغرب، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2012، ص. 64
[14] خالد صديق، مؤسسة الوالي والعامل بين سياستي اللاتمركز واللامركزية على ضوء دستور 2011 والقوانين التنظيمية للجماعات الترابية، مطبعة الأمنية، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2015، ص. 80
[15] Alain Larange, La Déconcentration administrative, LGDJ, Paris, 2001, pp. 92
[16] عبد الرحيم فاضل، مسار وتحولات سياسة اللامركزية الترابية بالمغرب، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2012، ص. 92
[17] الخطاب الملكي لجلالة الملك محمد السادس بمناسبة اجتماع مع ممثلي الولايات والجهات والعمالات والأقاليم بالدار البيضاء، 12 أكتوبر 1999، منشور في المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد خاص، 2001، ص. 25.
[18] إبراهيم الزمهري، الجهوية المتقدمة واستراتيجية التنمية الجهوية المندمجة، سلسلة اللامركزية والإدارة المحلية، الطبعة الثالثة، 2012، ص. 118
[19] المصطفى بلقزبور، توزيع الاختصاص بين الدولة والجهات أي نموذج ممكن في أفق مغرب الجهات، السلسلة المغربية لبحوث الإدارة والاقتصاد والمال، مطبعة طوب بريس، الرباط، 2011، ص. 74
[20] Hassan OUZZANI CHAHIDI, Droit Administratif, Imprimerie Najah El Jadida, Casablanca, 1re éd., 1997, pp. 213
[21] خالد صديق، مؤسسة الوالي والعامل بين سياستي اللاتمركز واللامركزية على ضوء دستور 2011 والقوانين التنظيمية للجماعات الترابية، مطبعة الأمنية، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2015، ص. 90
[22] عبد العزيز أشرقي، الحكامة الترابية وتدبير المرافق العمومية المحلية على ضوء مشروع الجهوية المتقدمة، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2014، ص. 55
[23] أحمد محمد قاسمي، الشأن المحلي في سياق اللامركزية وعدم التمركز، السلسلة الإدارية، مطبعة فضالة، المحمدية، 1999، ص. 45
[24] حجيبة زيتوني، الجهة والإصلاح الجهوي بالمغرب، السلسلة المغربية لبحوث الإدارة والاقتصاد والمال، مطبعة طوب بريس، الرباط، الطبعة الأولى، 2011، ص. 60
[25] عبد العزيز أشرقي، العامل والمفهوم الجديد للسلطة، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2003، ص. 22
[26] الخطاب الملكي لجلالة الملك محمد السادس بتاريخ 6 نونبر 2008 بمناسبة الذكرى 33 للمسيرة الخضراء، منشور في المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد خاص، 2009، ص. 14
[27] Ahmed Bouachik, La régionalisation, un nouveau mode de gouvernance territoriale, REMALD, n° 67, 2010, pp. 35
[28] عبد الفتاح البجيوي، مؤسسة الوالي والعامل وآفاق عدم التمركز الإداري بالمغرب، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، الطبعة الأولى، 2014، ص. 44
[29] عبد الرحيم فاضل، مسار وتحولات سياسة اللامركزية الترابية بالمغرب، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2012، ص. 105
[30] تورية لعيوني، القانون الإداري المغربي، دار النشر الجسور، وجدة، الطبعة الثالثة، 2013، ص. 72
[31] عبد الغني عبيزة، سياسة التحديث الإداري بالمغرب: دراسة قانونية مؤسساتية، مطبعة دار القلم، الرياض، الطبعة الثانية، 2011، ص. 63
[32] Mohamed El Yaagoubi, Les grandes contradictions de la réforme administrative, REMALD, n°25, 2001, pp. 42
[33] Nadine Leclerc, Droit administratif, Éditions DUMAS, France, 1998, pp. 91
[34] Christian Stark, Les fondements du fédéralisme allemand, REMALD, n°68, Mai–Juin 2006, pp. 25
[35] عبد العزيز الشرقاوي، دراسة في اللاتمركز الإداري، منشورات البرنامج الوطني لتحديث الإدارة، مطبعة دار القلم، الرباط، الطبعة الأولى، 2000، ص. 54
[36] عبد العزيز أشرقي، الجهوية الموسعة: نمط جديد للحكامة الترابية والتنمية المندمجة، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الثالثة، 2011، ص. 115
[37] الخطاب الملكي لجلالة الملك محمد السادس بتاريخ 9 مارس 2011، منشور في المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد خاص، 2011، ص. 12–14.
[38] فاطمة السعيدي مزروع، الإدارة المحلية اللامركزية بالمغرب، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2003، ص. 82
[39] Alain Cluisse, Stratégie d’aménagement et supports sociaux au Maroc, A.A.N., 1983, pp. 71
[40] Mohamed Brahimi, La décentralisation et la déconcentration au Maroc: réalités et cohabitation synergique, RMFPE, n°8, 1992, pp. 72
[41] Jordi Bassols Coma, El Estado de las Autonomías en España: Origen y Desarrollo, Editorial Tecnos, Madrid, 2019, pp. 88
