مجلة مغرب القانونالقانون الخاصزكرياء سويدي: الضمانات القانونية لتدبير الأموال الرقمية في ظل التشريع المغربي والمقارن- دراسة تحليلية ونقدية-

زكرياء سويدي: الضمانات القانونية لتدبير الأموال الرقمية في ظل التشريع المغربي والمقارن- دراسة تحليلية ونقدية-

زكرياء سويدي باحث في سلك الدكتوراه -مخبر الأنظمة المدنية والمهنية- بكلية الحقوق بوجدة

محامي بهيئة المحامين بوجدة


ملخص المقال

​يتناول هذا البحث الإشكاليات القانونية العميقة التي يطرحها التطور المتسارع للأموال الرقمية والأصول المشفرة، وتأثير طبيعتها اللامادية واللامركزية على آليات الضمان والائتمان المالي. في ظل قصور القواعد المدنية الكلاسيكية (كظهير الالتزامات والعقود المغربي) عن استيعاب هذه الظاهرة وتكييفها بدقة، تسعى هذه الدراسة إلى استكشاف الهندسة القانونية والمؤسساتية الكفيلة بحماية المستهلك المالي والنظام العام الاقتصادي.

​يعتمد البحث على مقاربة تحليلية نقدية ومقارنة، تسلط الضوء على محدودية المقاربة الزجرية التي اعتمدها المغرب سابقاً، في مقابل الدينامية البراغماتية للتشريعات المقارنة، وعلى رأسها لائحة تنظيم أسواق الأصول المشفرة الأوروبية (MiCA) وقانون (PACTE) الفرنسي. وقد خلصت الدراسة إلى ضرورة تجاوز “الترقيع التشريعي” نحو صياغة إطار قانوني مستقل (Sui Generis) في المغرب. كما يقدم البحث جملة من التوصيات العملية، أبرزها: الإقرار الإلزامي لمبدأ “الفصل الذمي” لأصول العملاء لتفادي مخاطر إفلاس منصات التدبير، فرض نظام ترخيص مسبق وصارم لمقدمي الخدمات، إنشاء “صندوق ضمان الأصول الرقمية”، بالإضافة إلى ضرورة تطويع القواعد الإجرائية (المسطرة المدنية والجنائية) لتفعيل آليات الحجز والتنفيذ على المحافظ الرقمية وإثبات العقود الذكية.

​الكلمات المفتاحية:

الأموال الرقمية، الأصول المشفرة، الضمانات القانونية، التشريع المغربي، لائحة MiCA، التكييف القانوني، منصات التدبير، فصل الأصول، العقود الذكية


Abstract:

​Research Title: Legal Guarantees for the Management of Digital Assets under Moroccan and Comparative Legislation: A Critical Analytical Study

​This research addresses the profound legal challenges posed by the rapid evolution of digital and crypto-assets, and the impact of their dematerialized, decentralized nature on financial guarantees and credit mechanisms. Given the inability of classical civil rules—such as the Moroccan Code of Obligations and Contracts—to accurately characterize and accommodate this phenomenon, this study explores the legal and institutional architecture necessary to protect both the financial consumer and the economic public order.

​Relying on a critical, analytical, and comparative approach, the research highlights the limitations of the prohibitive stance previously adopted by Morocco. It contrasts this with the pragmatic dynamism of comparative legislation, most notably the European Markets in Crypto-Assets Regulation (MiCA) and the French PACTE Law. The study concludes that “legislative patching” must be bypassed in favor of establishing a sui generis legal framework in Morocco. Furthermore, the research presents several practical recommendations, primarily: the mandatory enforcement of the “asset segregation” principle to mitigate the bankruptcy risks of custodial platforms, the implementation of a strict prior licensing regime for Crypto-Asset Service Providers (CASPs), the establishment of a “Digital Asset Guarantee Fund”, and the imperative need to adapt procedural rules (civil and criminal) to operationalize the seizure and execution mechanisms on digital wallets and validate smart contracts.

​Keywords:

Digital Assets, Crypto-assets, Legal Guarantees, Moroccan Law, MiCA Regulation, Legal Characterization, VASP/CASP, Asset Segregation, Smart Contracts.


مقدمة

شهدت المنظومة المالية العالمية خلال العقد الأخير تحولاً بنيوياً عميقاً، انتقل بموجبه مفهوم “القيمة” و”الائتمان” من التجسيد المادي والمؤسساتي المركزي، إلى التجريد الرقمي واللامركزية المطلقة. هذا التحول الذي قادته تكنولوجيا السجلات الموزعة (Blockchain) أسفر عن ميلاد جيل جديد من الأصول عرف بـ “الأموال الرقمية” (Digital Assets) أو “الأصول المشفرة” (Crypto-assets). لم يعد الأمر يقتصر على مجرد ابتكار تقني، بل أصبحنا أمام ظاهرة اقتصادية ضخمة تفرض نفسها كواقع بديل للأنظمة المالية التقليدية، متجاوزةً الحدود الجغرافية ومخترقةً السيادات النقدية للدول.[1]

إن هذا المخاض التكنولوجي وضع القاعدة القانونية، التي تتسم عادة بالثبات والاستقرار، أمام اختبار عسير. فالقانون الكلاسيكي بُني في مجمله على فكرة “المادية” (Matérialité) وعلى وجود “مركزية” (Centralisation) يسهل إخضاعها للرقابة والمساءلة. في حين أن الأموال الرقمية هي كيانات غير مادية، تتداول في شبكات ند-للند (Peer-to-Peer)، متدثرة بغطاء من التشفير الخوارزمي الذي يوفر شبه-إخفاء لهوية المتعاملين (Pseudonymat). هذا التناقض الوجودي بين طبيعة هذه الأصول وآليات القانون التقليدي، أفرز إشكاليات معقدة تتعلق بكيفية “تدبير” هذه الأموال و”ضمان” حقوق المتعاملين فيها، خاصة في ظل تنامي المخاطر السيبرانية وحالات إفلاس منصات التداول.[2]

في السياق المغربي، اتسم التفاعل المؤسساتي والتشريعي مع هذه الظاهرة بالارتباك في مراحله الأولى. فقد سارعت السلطات المالية، ممثلة في مكتب الصرف وبنك المغرب والهيئة المغربية لسوق الرساميل، إلى إصدار بلاغ مشترك سنة 2017 يمنع منعاً باتاً التعامل بالعملات الافتراضية، مبررةً ذلك بغياب الحماية القانونية والمخاطر المتعلقة بغسل الأموال وتمويل الإرهاب.[3] إلا أن المقاربة الزجرية أثبتت قصورها؛ إذ لم تمنع هذا المنع انخراط شريحة واسعة من المغاربة في التداول عبر الأسواق الموازية (Peer-to-peer platforms)، مما جعلهم عرضة لمخاطر فقدان أصولهم في غياب أي غطاء قانوني حمائي. وأمام هذا الواقع، تبنى بنك المغرب مؤخراً تحولاً براغماتياً، معلناً عن شروعه في صياغة مشروع قانون ينظم الأصول المشفرة، في محاولة للانتقال من سياسة “المنع” إلى سياسة “التقنين والضبط”.[4]

بالمقابل، نجد أن التشريعات المقارنة قد قطعت أشواطاً متقدمة. ففي فرنسا، أسس قانون (PACTE) لسنة 2019 إطاراً لمقدمي الخدمات على الأصول الرقمية (PSAN). وعلى المستوى الأوروبي، شكل صدور لائحة (MiCA) لسنة 2023 ثورة تشريعية، حيث وضعت إطاراً موحداً وشاملاً يحدد التزامات الفاعلين ويقر ضمانات غير مسبوقة لحماية المستهلك المالي.[5]

أهمية الموضوع:

تكتسي هذه الدراسة أهمية بالغة، علمياً وعملياً. فمن الناحية العلمية، يحاول البحث تفكيك الطبيعة القانونية للأموال الرقمية في ظل قصور ظهير الالتزامات والعقود المغربي، ومحاولة إيجاد تكييفات مرنة تستوعب هذه الظاهرة. أما من الناحية العملية، فإن البحث يقدم رؤية استشرافية للمشرع المغربي حول الضمانات المؤسساتية والتقنية الواجب إقرارها في التشريع المرتقب، متفادياً بذلك أخطاء التجارب الدولية.

إشكالية البحث:

تتمحور الإشكالية المركزية لهذا البحث حول التساؤل التالي: كيف يمكن للمنظومة القانونية المغربية، في ظل جمود قواعدها المدنية والمالية الكلاسيكية، استيعاب الطبيعة المعقدة للأموال الرقمية؟ وما هي إمكانيات الاستفادة من التجارب التشريعية المقارنة لهندسة ضمانات قانونية ومؤسساتية فعالة لتدبير هذه الأموال، تحقق التوازن بين تشجيع الابتكار المالي وحماية النظام العام الاقتصادي؟

وتتفرع عن هذه الإشكالية المركزية مجموعة من التساؤلات الفرعية:

  • ما هو التكييف القانوني الأنسب للأموال الرقمية في ظل صمت المشرع المغربي وقواعد ظهير الالتزامات والعقود؟
  • ما هي التبعات القانونية لإيداع وحفظ الأموال الرقمية لدى منصات التداول المركزية؟ وكيف تحمي قواعد الإفلاس حقوق المودعين؟
  • كيف نظم التشريع المقارن مهنة “مقدمي خدمات الأصول الرقمية”، وما هي الضمانات التي يفرضها عليهم؟
  • ما هو الدور الذي تلعبه العقود الذكية (Smart Contracts) كضمانة تكنولوجية، وما مدى حجيته في القانون المغربي؟

المنهج المعتمد:

لمقاربة هذه الإشكالية، اقتضت طبيعة الموضوع الاعتماد على المنهج التحليلي النقدي لتفكيك النصوص القانونية الحالية، خاصة ق.ل.ع والقانون البنكي، وبيان مدى قصورها أو قدرتها على استيعاب النوازل الرقمية. كما سنعتمد بشكل أساسي على المنهج المقارن، من خلال استدعاء التجربة الفرنسية والأوروبية عبر لائحة MiCA والأمريكية من خلال مقاربة SEC، ليس بغرض الاستنساخ الأعمى، بل بهدف الاستئناس واستخلاص الآليات التي تتلاءم مع البيئة السوسيو-اقتصادية المغربية.

خطة البحث:

بناءً على ما سبق، ووفقاً للتقسيم الثنائي المعتمد في الدراسات القانونية الرصينة، سأعالج هذا الموضوع من خلال مبحثين متكاملين:

  • المبحث الأول: التأصيل المفاهيمي والقانوني للأموال الرقمية وأثره على آليات الضمان.
  • المبحث الثاني: الآليات المؤسساتية والتقنية لضمان أمن تداول وتدبير الأموال الرقمية.

المبحث الأول: التأصيل المفاهيمي والقانوني للأموال الرقمية وأثره على آليات الضمان

إن الحديث عن إقرار “ضمانات قانونية” لتدبير أي أصل مالي يفترض سلفاً وجود “تكييف قانوني” دقيق لهذا الأصل. فالنظام القانوني المطبق، والآثار المترتبة على التصرفات الواردة عليه من حفظ، وبيع، ورهن، تتحدد بناءً على طبيعته. وفي مجال الأموال الرقمية، يشكل التكييف حجر الزاوية الذي يصطدم بجمود التقسيمات المدنية الكلاسيكية. لذا، سنخصص (المطلب الأول) لمناقشة قصور التكييف المدني الكلاسيكي ومقاربات التشريع المقارن لتجاوزه، على أن نبرز في (المطلب الثاني) الانعكاسات المباشرة لهذا التأصيل على عقود وآليات تدبير وحفظ هذه الأموال.

المطلب الأول: إشكالية التكييف القانوني بين قصور التشريع المدني والبراغماتية المقارنة

مقال قد يهمك :   أشرف الإدريسي: التوقيع الإلكتروني في ضوء القانون 43.20المتعلق بخدمات الثقة بشأن المعاملات الإلكترونية

يطرح تكييف الأموال الرقمية تحدياً غير مسبوق، فهي لا تحمل صفة الإبراء القانوني لتكون “نقوداً”، وليست مادية لتكون “أشياء ملموسة”، مما يدفعنا إلى البحث في ثنايا القواعد العامة في التشريع المغربي (الفقرة الأولى)، ومقارنتها مع المرونة التي أبدتها التشريعات المقارنة (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الأموال الرقمية بين مفهومي “الشيء” و”المال” في ظهير الالتزامات والعقود

بالرجوع إلى القواعد العامة في ظهير الالتزامات والعقود المغربي، نجد أن المشرع اشترط في محل الالتزام أن يكون “شيئاً” موجوداً أو محتمل الوجود، ومحدداً، وقابلاً للتعامل فيه.[6] السؤال الجوهري هنا: هل يمكن اعتبار الأصل الرقمي (كعملة البيتكوين مثلاً) “شيئاً” بالمعنى القانوني؟

في الفقه المدني الكلاسيكي، كان مفهوم “الشيء” (La chose) مرتبطاً بالكيان المادي (Corpus). غير أن التطور الفقهي وسع من هذا المفهوم ليشمل “الأشياء المعنوية” (Les choses immatérielles) متى كانت قابلة للتملك ولها قيمة مالية مستقلة. بناءً على هذا التحليل، نرى أن الأموال الرقمية هي “أشياء معنوية قابلة للتملك”، فهي تمتلك قيمة تبادلية يحددها العرض والطلب، وتخضع لحيازة إلكترونية عبر ما يسمى بـ “المفاتيح الخاصة” (Private Keys) التي تمنح صاحبها سلطة الاستئثار والتصرف، لكن، هل ترقى هذه الأشياء المعنوية لتكييفها كـ “نقود” (Monnaie)؟

من الناحية القانونية الصرفة في المغرب، لا يمكن إضفاء صفة النقود على الأصول المشفرة. فالقانون الأساسي لبنك المغرب (القانون رقم 39.12) يحصر امتياز إصدار النقود ذات القوة الإبرائية (Cours légal) في البنك المركزي[7]. وبالتالي، فإن التعامل بهذه الأصول، وفقاً للتحليل الشخصي، يندرج ضمن قواعد “المقايضة” (L’échange) المنصوص عليها في من ق.ل.ع، وليس ضمن قواعد عقد البيع، لأن الثمن في البيع يجب أن يكون نقداً حسب ذات القانون، هذا التكييف له انعكاسات خطيرة على الضمان؛ ففي عقد البيع يضمن البائع العيوب الخفية والاستحقاق، بينما في المقايضة، تنطبق هذه الضمانات بشكل متبادل، ولكن التبادل هنا يتم بأصل لا تعترف الدولة بقيمته القانونية، مما يجعل اللجوء إلى القضاء لطلب الفسخ أو التعويض في حالة التغرير أمراً محفوفاً بالرفض لعدم مشروعية المحل.

الفقرة الثانية: براغماتية التشريع المقارن في التكييف لتأسيس الضمان -نموذج MiCA واختبار هاوي-

أمام هذا الجمود المدني، أدركت الأنظمة القانونية المقارنة أن محاولة إقحام الأموال الرقمية في القوالب القديمة سيعيق خلق ضمانات قانونية لتدبيرها. لذلك، تبنت مقاربات براغماتية ووظيفية (Approches fonctionnelles).

في الولايات المتحدة الأمريكية، تجاوزت هيئة الأوراق المالية والبورصات (SEC) النقاش المدني لتركز على الوظيفة الاقتصادية للأصل، ولتحديد ما إذا كان الأصل الرقمي يخضع لقوانين الضمان وحماية المستثمر، تلجأ الهيئة إلى “اختبار هاوي” (Howey Test) المستمد من اجتهاد المحكمة العليا لسنة 1946.[8] وفقاً لهذا الاختبار، يُعتبر الأصل الرقمي “ورقة مالية” (Security) – وبالتالي يخضع لرقابة صارمة وضمانات قوية – إذا كان يمثل: استثماراً لأموال، في مشروع مشترك، مع توقع أرباح مستمدة من جهود الآخرين. هذا التكييف سمح للسلطات الأمريكية بفرض ضمانات الإفصاح المالي وتدقيق الحسابات على العديد من مشاريع العملات المشفرة.

أما المشرع الأوروبي، فقد قدم النموذج الأكثر تطوراً واستقراراً من خلال لائحة (MiCA). فقد ابتعد المشرع تماماً عن الجدل حول مصطلح “النقود”، واستحدث فئة قانونية جديدة ومستقلة (Sui Generis) أسماها “الأصول المشفرة” (Crypto-assets)، معرفاً إياها بأنها: “تمثيل رقمي لقيمة أو لحقوق يمكن نقله وتخزينه إلكترونياً باستخدام تقنية السجلات الموزعة أو تقنية مماثلة”.[9]

ولم يكتفِ المشرع الأوروبي بهذا التعريف الواسع، بل قسمها وظيفياً إلى ثلاثة أصناف دقيقة، لكل منها مستوى مختلف من الضمانات:

  1. رموز النقود الإلكترونية (E-money Tokens): وهي الأصول التي تهدف إلى استقرار قيمتها عبر ربطها بعملة نقدية رسمية (Fiat). وفرض عليها ضمانات صارمة تطابق ضمانات النقود الإلكترونية الكلاسيكية.
  2. الرموز المرتبطة بأصول (Asset-referenced Tokens): التي تستمد قيمتها من سلة أصول (مثل الذهب أو سلة عملات).
  3. رموز المنفعة (Utility Tokens): التي تمنح حق الوصول إلى خدمة أو منتج رقمي، وهي تخضع لضمانات أقل صرامة نظراً لطبيعتها الاستهلاكية وليست الاستثمارية.

إن هذا التقسيم الأوروبي يشكل بوصلة لا محيد عنها للمشرع المغربي؛ فالاعتراف بالطبيعة المستقلة والمزدوجة لهذه الأموال هو المدخل الوحيد لبناء نظام ضمانات دقيق ومفصل، يخرج المحاكم المغربية من حرج رفض الدعاوى بحجة “انعدام محل الالتزام”.

المطلب الثاني: الانعكاسات القانونية للطبيعة اللامادية على آليات الحفظ والتدبير

إن الإشكالية الكبرى في الأموال الرقمية لا تكمن فقط في تداولها، بل في “حفظها” (Custody/Conservation). فالمستثمرون غالباً ما يعهدون بأصولهم إلى منصات مركزية (Centralized Exchanges) تتولى حفظ المفاتيح الخاصة. وهنا تنشأ أعقد إشكالات الضمان: ما هي الطبيعة القانونية لعقد الحفظ الرقمي؟ وما هو مصير هذه الأصول إذا أعلنت المنصة إفلاسها؟

الفقرة الأولى: تكييف عقد “حفظ” الأصول الرقمية بين الوديعة الشاذة والحراسة

عندما يقوم شخص بفتح حساب لدى منصة تداول رقمية (مثل Binance) ويودع فيها أصوله، فإنه فعلياً ينقل السيطرة التقنية (عبر المفتاح الخاص) إلى هذه المنصة. في القانون المغربي (ق.ل.ع)، كيف نكيف هذه العلاقة التعاقدية؟

إذا اعتبرنا أن المنصة تلتزم بحفظ هذه الأصول وردها ذاتها، نكون أمام عقد “وديعة عادية” (Dépôt régulier). لكن الواقع التقني والاقتصادي يكذب ذلك، فالمنصات المركزية تخلط أصول المودعين في محافظ مجمعة (Omnibus Wallets)، وقد تستعملها في عمليات إقراض أو توفير سيولة (Staking). هذا التصرف يجعل العقد أقرب إلى ما يُعرف بـ “الوديعة الشاذة” (Dépôt irrégulier) المنظمة في الفصل 783 من ق.ل.ع، والتي تسمح للمودع لديه باستعمال الشيء على أن يرد مثله.[10]

من منظور التحليل القانوني، يعتبر تكييف “الوديعة الشاذة” كارثياً على مستوى الضمانات بالنسبة للمستثمر المغربي. فبموجب الوديعة الشاذة، تنتقل ملكية الشيء (في هذه الحالة الأصل الرقمي) إلى المنصة. المستثمر يصبح مجرد “دائن شخصي” (Créancier chirographaire) للمنصة، لا يملك أي حق عيني أو حق تتبع على أصوله. هذا الفراغ التشريعي يُفقد المتعامل أي حماية، ويجعل أمواله الرقمية جزءاً من الذمة المالية للمنصة تتعرض لمخاطر سوء التدبير، كما حدث تماماً في الانهيارات الأخيرة في السوق العالمي.

من هنا، يجب على المشرع المغربي التدخل الصريح في القانون المرتقب لتكييف هذا العقد كـ “عقد حراسة وحفظ مالي” (Contrat de conservation d’instruments financiers)، حيث تقتصر صفة المنصة على “الأمين” (Dépositaire)، وتبقى الملكية الحصرية والكاملة للعميل المودع، مع منع المنصة المطلق من التصرف فيها دون إذن كتابي صريح.

الفقرة الثانية: مخاطر الإفلاس وإشكالية حماية حائزي المحافظ الرقمية

تتجلى الخطورة القصوى لغياب التكييف الدقيق لعقد الحفظ في حالة مرور منصة التدبير بصعوبات مالية أو إعلان إفلاسها (Faillite). في ظل غياب نص قانوني مغربي خاص، وإذا طبقنا قواعد صعوبات المقاولة (الكتاب الخامس من مدونة التجارة)، فإن المستثمر الذي أودع أمواله الرقمية سيجد نفسه في أسفل سلم الدائنين، ولن يستطيع المطالبة باسترداد أصوله كمالك، بل سيخضع لقسمة الغرماء.[11]

لتجاوز هذه المعضلة التي تشكل أكبر تهديد للثقة في تدبير الأموال الرقمية، أبدع التشريع المقارن آلية قانونية صارمة تعتبر أهم ضمانة وقائية، وهي مبدأ “فصل الأصول” (Ségrégation des actifs).

في التوجيهات الأوروبية، وكذلك في قانون PACTE الفرنسي، يُفرض على مقدمي خدمات حفظ الأصول الرقمية إنشاء “جدار حماية مالي” (Ring-fencing) بين أموال الشركة الخاصة، وأموال العملاء. المادة 70 من لائحة (MiCA) الأوروبية كانت حاسمة في هذا الصدد؛ حيث نصت صراحة على أن الأصول المشفرة المحفوظة نيابة عن العملاء “لا تشكل جزءاً من الذمة المالية لمقدم الخدمة، ولا يجوز للدائنين التنفيذ عليها في حالة إعساره”.[12]

هذا الضمان التشريعي الراقي يمنح المودع حق “الاسترداد الفوري” (Droit de revendication) لأصوله في حال تصفية المنصة. تحليلياً، نرى أن نجاح التجربة المغربية المرتقبة في تقنين الأصول المشفرة رهين بمدى قدرة المشرع على استنساخ مبدأ “الفصل الذمي” وإدراجه كنص آمر (Ordre public) لا يجوز الاتفاق على مخالفته، مدعوماً بعقوبات جنائية قاسية على مسيري المنصات في حال خلط الأموال (اختلاس أموال المودعين).

بالإضافة إلى ذلك، تبرز الحاجة الملحة إلى التفكير في إنشاء آلية تضامنية تتمثل في “صندوق لضمان الأصول الرقمية”، يعمل على غرار “صندوق ضمان الودائع” (Fonds de Garantie des Dépôts) المعتمد في القطاع البنكي، لتغطية خسائر المستثمرين في حدود سقف معين في حال وقوع اختراقات سيبرانية (Hacks) أو عمليات نصب معقدة يصعب تداركها.

مقال قد يهمك :   عمر زواكي : تمثيل الأوقاف العامة أمام القضاء في ضوء العمل القضائي.

المبحث الثاني: الآليات المؤسساتية والتقنية لضمان أمن تداول وتدبير الأموال الرقمية

إذا كان المبحث الأول قد كشف عن ضرورة إقرار تكييف قانوني مستقل (Sui Generis) للأموال الرقمية كمدخل لتحديد طبيعة عقود الحفظ والتدبير، فإن هذا التكييف النظري يظل قاصراً ما لم يُدعَّم بترسانة من الآليات الرقابية الفعالة. إن حماية النظام العام الاقتصادي وضمان حقوق المستهلك المالي في بيئة تتسم باللامركزية والتشفير المعقد، يتطلبان تدخلاً تشريعياً مزدوجاً: تدخلاً ينظم “المتدخلين” أو الوسطاء (المطلب الأول)، وتدخلاً يستوعب “التكنولوجيا” ذاتها ويطوع القواعد الإجرائية للتعامل معها (المطلب الثاني).

المطلب الأول: الضمانات المؤسساتية والرقابية لمقدمي خدمات الأموال الرقمية

لا يمكن ترك سوق الأموال الرقمية خاضعاً لقانون “الغابة الرقمية” (Far West Digital)؛ فغياب الوسطاء الخاضعين للرقابة هو المسبب الرئيسي لفقدان الضمانات. لذلك، اتجهت الأنظمة القانونية الحديثة إلى “مأسسة” عملية التدبير عبر إرساء نظام صارم للترخيص (الفقرة الأولى)، وفرض التزامات يقظة قاسية لمنع الجرائم المالية (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: نظام الترخيص الإلزامي (L’Agrément) كآلية للرقابة القبلية

في المغرب، يعتبر تدبير أموال الغير، سواء كانت ودائع نقدية أو سندات مالية، نشاطاً مقنناً لا يجوز ممارسته إلا بعد الحصول على اعتماد مسبق (Agrément) من السلطات المختصة (بنك المغرب أو الهيئة المغربية لسوق الرساميل AMMC).[13] غير أن الفراغ التشريعي الحالي المتعلق بالأصول المشفرة يجعل أي شركة تمارس هذا النشاط داخل التراب الوطني في وضعية غير قانونية.

لمعالجة هذا الفراغ في مشروع القانون المرتقب، يتعين على المشرع المغربي الاستفادة من تجربة قانون (PACTE) الفرنسي لسنة 2019، والذي استحدث صفة قانونية جديدة هي “مقدم خدمات على الأصول الرقمية” (PSAN).[14]  والأهم من ذلك، الاسترشاد بلائحة (MiCA) الأوروبية التي ألغت الأنظمة الوطنية المتباينة لصالح ترخيص أوروبي موحد لمقدمي خدمات الأصول المشفرة (CASPs – Crypto-Asset Service Providers).[15]

تحليلياً، يعتبر “الترخيص الإلزامي المسبق” الضمانة المؤسساتية الأقوى؛ فهو ينقل عبء إثبات الموثوقية من المستثمر الفرد إلى الإدارة الرقابية. ولضمان فعالية هذا الترخيص في السياق المغربي، يجب ألا يُمنح إلا بعد استيفاء ثلاثة شروط جوهرية:

  1. الملاءة المالية الكافية: إلزام المنصة بتكوين رأس مال أدنى، واحتياطيات مالية تتناسب مع حجم الأصول المدبرة، لتغطية المخاطر التشغيلية.
  2. الشرف والنزاهة (Honorabilité): خضوع المسيرين لتدقيق أمني ومالي صارم للتأكد من خلو سجلاتهم من أي جرائم مالية.
  3. الأمن السيبراني: إلزام المنصات باجتياز اختبارات اختراق (Penetration Tests) دورية، لضمان متانة أنظمتها المعلوماتية ضد الهجمات الإلكترونية (Hacks).

إن إسناد صلاحية منح هذا الترخيص، في رأينا، يجب أن يكون مختلطاً؛ تشرف عليه هيئة سوق الرساميل فيما يخص “رموز الاستثمار”، وبنك المغرب فيما يخص “الرموز المستقرة” (Stablecoins) المرتبطة بالعملات النقدية.

الفقرة الثانية: التزامات الشفافية واليقظة في مواجهة الجرائم المالية

تعتبر الطبيعة شبه المجهولة (Pseudonymat) لشبكات البلوكشين بيئة جاذبة لعمليات غسل الأموال، وتمويل الإرهاب، والتهرب الضريبي. من هنا، لا تكتمل الضمانات القانونية إلا بإخضاع منصات تدبير الأموال الرقمية لالتزامات صارمة في مجال الامتثال (Compliance).

في المنظومة المغربية، تم تعديل القانون رقم 43.05 المتعلق بمكافحة غسل الأموال بموجب القانون رقم 12.18، في محاولة لتوسيع دائرة الأشخاص الخاضعين لإجبارية التصريح بالاشتباه وتطبيق قواعد اليقظة.[16] لكن التطبيق العملي على الأصول الرقمية يواجه عوائق تقنية نظراً لغياب تصنيف قانوني واضح للمنصات العاملة في هذا المجال ككيانات خاضعة (Assujettis).

لسد هذه الثغرة، يجب على التشريع المغربي المنتظر أن يُدمج التوصية رقم 15 المراجعة لمجموعة العمل المالي الدولي (GAFI)، والتي تُلزم الدول بتنظيم مقدّمي خدمات الأصول الافتراضية (VASPs) لأغراض مكافحة غسل الأموال.[17]

الضمانة الأبرز في هذا السياق تتمثل في التطبيق الحرفي لـ *”قاعدة السفر” (Travel Rule)*. تفرض هذه القاعدة على منصات تداول الأموال الرقمية، عند إجراء أي تحويل يتجاوز سقفاً مالياً معيناً، جمع معلومات دقيقة حول (المرسل والمستفيد) وتبادلها مع المنصة المستقبلة، تماماً كما تفعل البنوك في نظام التحويلات (SWIFT).[18] إن تبني المشرع المغربي لهذه القاعدة سيوفر ضمانة سيادية مزدوجة: فهو يحمي النظام المالي الوطني من تدفقات الأموال غير المشروعة، ويضمن للمستثمر حسن النية القدرة على إثبات المصدر الشرعي لأمواله الرقمية، مما يسهل عليه عملية “التسييل” (Fiat Off-ramp) وتحويل أرباحه إلى حسابه البنكي التقليدي دون التعرض لتجميد حساباته بداعي الاشتباه.

المطلب الثاني: الضمانات التكنولوجية والقضائية في بيئة التشفير

إلى جانب الضمانات المؤسساتية، تفرض بيئة الأموال الرقمية نمطاً جديداً من الضمانات ينبع من التكنولوجيا ذاتها، عبر ما يسمى بالعقود الذكية، والتي تثير نقاشاً فقهياً حول حجيتها (الفقرة الأولى). غير أن هذا التطور التكنولوجي يصطدم بجمود القواعد الإجرائية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالحجز والتنفيذ الجبري لإرجاع الحقوق لأصحابها (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: العقود الذكية (Smart Contracts) كضمانة ذاتية التنفيذ وحجيتها القانونية

العقود الذكية هي خوارزميات برمجية مبرمجة على شبكة البلوكشين، تقوم بتنفيذ الالتزامات تلقائياً بمجرد تحقق شروط محددة سلفاً، دون الحاجة إلى تدخل طرف ثالث.[19] في مجال تدبير الأموال الرقمية، (مثل منصات التمويل اللامركزي DEFI)، يُعتبر العقد الذكي هو المدبر الفعلي للأصول، وليس شركة مركزية. هذا يخلق مفهوماً جديداً للضمان: الضمانة الكودية (Code is Law)، حيث يستحيل التراجع عن الالتزام أو المماطلة في تنفيذه.

لكن ما هو التكييف القانوني للعقد الذكي في القانون المغربي؟ وكيف نضمن حقوق الأطراف في حالة وجود “عيب برمجي” (Bug) أو “اختراق”؟

بناءً على أحكام القانون رقم 53.05 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية، المعزز بالقانون 43.20 المتعلق بخدمات الثقة، نلاحظ أن المشرع اعترف بالحجية القانونية للوثيقة الإلكترونية واعتبرها مكافئة للوثيقة الورقية متى استوفت شروط السلامة والتوقيع الإلكتروني المؤمّن.[20] بناءً على هذا الأساس، يمكن تكييف التعبير عن الإرادة في العقد الذكي، والذي يتم عبر “المفاتيح الخاصة” (Private Keys)، كتوقيع إلكتروني مكتمل الأركان.

ومع ذلك، فإن التحليل النقدي يبرز قصوراً خطيراً. فالعقد الذكي يتميز بـ “الجمود الميكانيكي”؛ فهو لا يعترف بالقوة القاهرة (Force majeure)، ولا بنظرية الظروف الطارئة (Imprévision)، مما يجعله آلة عمياء قد تعسف بحقوق أحد الأطراف. من هنا، نقترح أن يتبنى المشرع المغربي قاعدة قانونية آمرة تنص على أن *”التنفيذ التلقائي للعقد الذكي لا يحول دون حق الطرف المتضرر في اللجوء إلى القاضي”*. ويجب أن تُقر مسؤولية مدنية موضوعية (Responsabilité de plein droit) على مبرمجي أو مشغلي العقود الذكية المعيبة في منصات التدبير، لضمان تعويض المستثمرين في حال تبخر أصولهم بسبب ثغرات برمجية.

الفقرة الثانية: تحديات الإثبات الرقمي والحجز القضائي على المحافظ الإلكترونية

إن اكتمال حلقة الضمانات القانونية يقتضي وجود قضاء قادر على استرجاع الحقوق (Restitution) وإجبار المدينين على التنفيذ. وهنا تبرز عقبة “الإجراءات القضائية” المتعلقة بالأموال الرقمية في قانون المسطرة المدنية المغربي.[21]

عندما يصدر حكم قضائي ضد شخص أو منصة تدبير باسترجاع أموال رقمية مختلسة أو غير مسددة، كيف سيتم تنفيذ هذا الحكم؟

قواعد الحجز التحفظي والتنفيذي (Saisie-arrêt و Saisie-exécution) الكلاسيكية مصممة للأموال المادية أو الحسابات البنكية التي يديرها وسيط مركزي (البنك). في حالة الأصول المشفرة المحفوظة في “محافظ غير مستضافة” (Unhosted Wallets)، لا توجد جهة مركزية يمكن توجيه أمر الحجز إليها، والمالك وحده يمتلك “الكلمات المفتاحية” (Seed Phrase). وإذا رفض المالك الإفصاح عنها، يستحيل تقنياً على أي قوة عامة في العالم مصادرة تلك الأموال.[22]

لذلك، يجب أن يستوعب المشرع الإجرائي المغربي هذه التحديات عبر استحداث مقتضيات قانونية خاصة تشمل:

  1. آلية التجميد الموجه لمنصات التدبير: التنصيص صراحة على حق قاضي المستعجلات أو وكيل الملك في إصدار أوامر مباشرة إلى منصات التدبير (VASP) المرخصة، لتجميد المحافظ الرقمية للمشتبه بهم أو المدينين فوراً، وتحويل الأصول إلى “محفظة رقمية تابعة لوزارة العدل أو صندوق الإيداع والتدبير (CDG)”.
  2. الإكراه البدني الإلكتروني: في حال إخفاء المدين لأمواله في محافظ لامركزية، يجب تفعيل آليات الغرامة التهديدية (Astreinte) العالية، وتوسيع نطاق الإكراه البدني لإجباره على تسليم المفاتيح الخاصة.
  3. تسييل الأصول المحجوزة: نظراً للتقلبات الشديدة في أسعار العملات المشفرة، يجب أن يسمح القانون الإجرائي لمأموري التنفيذ بالبيع الفوري (Liquidation immédiate) للأصول الرقمية المحجوزة وتحويلها إلى العملة الوطنية (الدرهم) لتفادي انهيار قيمتها قبل انتهاء الدعوى القضائية.
مقال قد يهمك :   حسن فتوخ : صلاحية المحافظ في التقييد و التشطيب

هذه التعديلات الإجرائية هي الترجمة العملية للضمانات المؤسساتية، وبدونها تظل القوانين الموضوعية حبراً على ورق في مواجهة أصول عابرة للحدود وقابلة للإخفاء بثوانٍ معدودة.

الخاتمة

ختاماً لهذه الدراسة التحليلية والنقدية حول الضمانات القانونية لتدبير الأموال الرقمية في التشريعين المغربي والمقارن، يتضح جلياً أن النظام القانوني الكلاسيكي، المبني على مركزية السلطة النقدية ومادية الأموال، يقف اليوم عند مفترق طرق. فظاهرة الأصول المشفرة لم تعد مجرد فقاعة تكنولوجية قابلة للتجاهل أو المنع، بل أضحت منظومة مالية موازية فرضت شروطها على الاقتصادات العالمية.

لقد أثبت تحليلنا أن المقاربة الزجرية القائمة على المنع المطلق – والتي تبناها المغرب منذ عام 2017 – هي مقاربة أثبتت عدم فعاليتها. فالمنع لم يوقف التداول، بل دفعه نحو اقتصاد الظل، مما جرّد المستهلك المالي المغربي من أي حماية قانونية أو مؤسساتية، وجعله لقمة سائغة في مواجهة الانهيارات الكبرى لمنصات التداول العالمية. وفي المقابل، قدمت التشريعات المقارنة (وعلى رأسها لائحة MiCA الأوروبية وقانون PACTE الفرنسي) دليلاً عملياً على أن “التقنين البراغماتي” هو الوسيلة الوحيدة لاحتواء المخاطر النظامية، وتوفير هندسة قانونية توازن بذكاء بين دعم الابتكار المالي (FinTech) وحماية النظام العام الاقتصادي.

ولكي ينجح المشرع المغربي في صياغة الإطار التنظيمي المرتقب للأصول المشفرة، والانتقال من مرحلة “الفراغ المدمر” إلى “التقنين الآمن”، فإننا نخلص إلى تقديم *التوصيات المحورية التالية:

  1. تبني تشريع مستقل (Sui Generis): تجنب سياسة “الترقيع التشريعي” عبر إدراج تعديلات طفيفة على القانون البنكي أو قانون سوق الرساميل، والعمل بدلاً من ذلك على صياغة قانون شامل ומستقل يعترف بالأموال الرقمية كفئة قانونية قائمة بذاتها، مقسمة وظيفياً (رموز استثمارية، رموز مستقرة، ورموز منفعة) مع تحديد دقيق لطبيعة كل عقد يرد عليها.
  2. إقرار التزام “الفصل الذمي” (Ségrégation des actifs): يجب أن ينص القانون المرتقب، وبشكل من النظام العام، على منع منصات تدبير الأموال الرقمية من دمج أصول العملاء مع أصول الشركة. مع التأكيد على أن إفلاس المنصة لا يمنح دائنيها أي حق على الأصول الرقمية المودعة من طرف المستثمرين، بل تُرَدُّ هذه الأخيرة لأصحابها بقوة القانون.
  3. إرساء “صندوق تضامني لضمان الأصول الرقمية”: على غرار صندوق ضمان الودائع البنكية، يجب إلزام منصات التدبير (VASP) المعتمدة في المغرب بضخ اشتراكات في صندوق تضامني يتدخل لتعويض المستثمرين في حالة الاختراقات السيبرانية الكبرى (Hacks) أو عمليات الاحتيال التقنية التي تتجاوز قدرة الشركة على السداد.
  4. إطلاق بيئة تجريبية تنظيمية (Regulatory Sandbox): قبل الفرض الصارم للقواعد، نوصي بنك المغرب وهيئة (AMMC) بإنشاء فضاء تجريبي يسمح للشركات الناشئة (Startups) المتخصصة في البلوكشين والتمويل اللامركزي بتطوير خدماتها تحت إشراف رقابي مخفف، لاختبار نجاعة الضمانات التكنولوجية وتقييم المخاطر في بيئة حقيقية دون تعريض الاقتصاد الوطني للخطر.
  5. تحديث الترسانة الإجرائية: لا قيمة للحق الموضوعي دون دعوى تحميه. لذا بات مستعجلاً تعديل قانون المسطرة المدنية والجنائية ليمنح القضاء سلطات تقنية حديثة، تتيح الحجز الفوري على المحافظ الرقمية وتسييلها، وتنظيم إجراءات الإثبات المتعلقة بالعقود الذكية.

في المحصلة، إن إرساء ضمانات قانونية حقيقية لتدبير الأموال الرقمية لا يكمن في محاربة التكنولوجيا، بل في القدرة على استيعابها وترويضها قانونياً. فالدولة التي تتأخر في تقنين هذا المجال لا تحمي اقتصادها، بل تتنازل عن سيادتها الرقمية والمالية لصالح منصات أجنبية. والمغرب، بموقعه الاستراتيجي ورؤيته التحديثية، يمتلك اليوم فرصة تشريعية تاريخية ليصبح قطباً مالياً ورقمياً آمناً ورائداً على المستوى الإقليمي والقاري.


الهوامش:

[1] Nakamoto, S. (2008). Bitcoin: A Peer-to-Peer Electronic Cash System. Decentralized Business Review, p. 1-4. (يعتبر هذا المقال الوثيقة التأسيسية التي أطلقت شرارة اللامركزية المالية).

[2] تقرير مجلس الاستقرار المالي (FSB). (2022). Assessment of Risks to Financial Stability from Crypto-assets. ص 12-15.

[3] البلاغ المشترك الصادر عن وزارة الاقتصاد والمالية، بنك المغرب، والهيئة المغربية لسوق الرساميل، “حول التحذير من المخاطر المرتبطة بالعملات الافتراضية”، الرباط، 20 نونبر 2017.

[4] الجواهري، عبد اللطيف. (2024). تصريحات والي بنك المغرب خلال الندوة الصحفية التي أعقبت الاجتماع الفصلي لمجلس البنك، حيث أكد تشكيل لجنة مختلطة لصياغة مسودة قانون تنظم هذا المجال.

[5] Regulation (EU) 2023/1114 of the European Parliament and of the Council of 31 May 2023 on markets in crypto-assets (MiCA). Official Journal of the European Union.

[6] ظهير شريف صادر في 9 رمضان 1331 (12 أغسطس 1913) بمثابة قانون الالتزامات والعقود، الجريدة الرسمية عدد 46، (مع التعديلات اللاحقة).

[7] القانون رقم 39.12 المتعلق بالقانون الأساسي لبنك المغرب، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.19.82، الجريدة الرسمية عدد 6796، ص 5013. تنص المادة 5 منه على حصرية إصدار الأوراق النقدية والقطع النقدية في المملكة لبنك المغرب.

[8] SEC v. W.J. Howey Co., 328 U.S. 293 (1946). يعتبر هذا القرار التاريخي حجر الزاوية في تحديد مفهوم العقود الاستثمارية في القانون الفيدرالي الأمريكي.

[9] Article 3 (1) (5) of Regulation (EU) 2023/1114 (MiCA). هذا التعريف الوظيفي الواسع هو الذي سمح للائحة باستيعاب التطورات التكنولوجية دون الحاجة لتعديل النص كلما ظهر نوع جديد من الأصول.

[10] ينص الفصل 783 من ظهير الالتزامات والعقود المغربي على أنه: “إذا أودعت نقود أو أشياء أخرى تستهلك بالاستعمال … واؤذن للمودع عنده في استعمالها، التزم برد مثلها مقدارا ونوعا وصفة”. ووفقاً للتحليل الفقهي، فإن هذا النوع من الوديعة ينقل الملكية.

[11] قانون رقم 73.17 بنسخ وتعويض الكتاب الخامس من القانون رقم 15.95 المتعلق بمدونة التجارة، فيما يخص مساطر صعوبات المقاولة، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.18.26 بتاريخ 19 أبريل 2018.

[12] Article 70 (safekeeping and administration of crypto-assets on behalf of clients) of MiCA Regulation: “Crypto-assets held in custody are legally segregated from the CASP’s estate and are not available to its creditors in the event of insolvency

[13] راجع في هذا القانون رقم 103.12 المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها، والتي تجرم تلقي الأموال من الجمهور دون رخصة.

[14] Loi n° 2019-486 du 22 mai 2019 relative à la croissance et la transformation des entreprises (Loi PACTE), France. أحدثت هذه القواعد نظاماً للتسجيل الإلزامي والاعتماد الاختياري لشركات الكريبتو.

[15] Title V of Regulation (EU) 2023/1114 (MiCA), “Authorisation and operating conditions for crypto-asset service providers”.

[16] ظهير شريف رقم 1.07.79 صادر في 17 أبريل 2007 بتنفيذ القانون رقم 43.05 المتعلق بمكافحة غسل الأموال، المعدل والمتمم بموجب القانون رقم 12.18، الجريدة الرسمية للمملكة المغربية عدد 6995 بتاريخ 14 يونيو 2021.

[17] Financial Action Task Force (FATF). (2021). Updated Guidance for a Risk-Based Approach to Virtual Assets and Virtual Asset Service Providers. Paris. Recommendation 15 & 16

[18] في الاتحاد الأوروبي، تم تفعيل هذه القاعدة بموجب اللائحة المتعلقة بالمعلومات المرافقة لتحويلات الأموال وبعض الأصول المشفرة (TFR – Transfer of Funds Regulation) الصادرة سنة 2023، والتي ألغت الحد الأدنى للإبلاغ لتعزيز التتبع المطلق.

[19] Szabo, N. (1996). Smart Contracts: Building Blocks for Digital Markets

. (يُعد نيك سزابو أول من صاغ مفهوم العقود الذكية، حتى قبل ظهور البيتكوين، لوصف بروتوكولات حاسوبية تسهل أو تنفذ التفاوض على العقد).

[20] القانون رقم 43.20 المتعلق بخدمات الثقة بشأن المعاملات الإلكترونية، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.20.100 بتاريخ 31 ديسمبر 2020، الجريدة الرسمية عدد 6951، ص 161.

[21] ظهير شريف بمثابة قانون رقم 1.74.447 بتاريخ 28 شتنبر 1974 بالمصادقة على نص قانون المسطرة المدنية، (خاصة الفصول من 433 إلى 490 المتعلقة بالحجز لدى الغير).

[22] تقرير الإنتربول واليوروبول المشترك. (2022). Cryptocurrency Laundering and Freezing/Seizure Confiscation. يشير التقرير إلى أن حجز الأصول اللامركزية يعتبر التحدي الإجرائي الأكبر لجهات إنفاذ القانون عالمياً، مقترحاً الاعتماد على أوامر الإجبار الجنائي لتسليم المفاتيح.

error: عذرا, لا يمكن حاليا نسخ او طباعة محتوى الموقع للمزيد من المعلومات المرجوا التواصل مع فريق الموقع عبر البريد الالكتروني : [email protected]