مجلة مغرب القانونفي الواجهةحكيم زرزة: رسالة مفتوحة -حين يتقمّص وزير العدل روح القذافي-

حكيم زرزة: رسالة مفتوحة -حين يتقمّص وزير العدل روح القذافي-

حكيم زرزة محامي بهيئة القنيطرة


تذكّر أيها السيد الأعظم أن البادئ أظلم.

نكثتَ العهد ولم نُعِر ذلك اهتماما بالغا، وتهجّمتَ على نقبائنا فاستشطنا غضبا، أما وقد خاطبتنا بـ«من أنتم؟» فسأريك من نحن؟ ومن أنت؟

الشطر الأول: من نحن؟

نحن من ولج المهنة وقد قطعنا عهدا على أنفسنا ألّا نكون زناةً للتاريخ وفَسَدةً للعدالة، كما فعل الذين داسوا على مبادئهم ومرجعياتهم تحت نعالهم بعدما غرّتهم أمانيهم وأغْوَتهم السلطة، نراهم اليوم لا يثبتون على وعد ولا عهد، وهم من صدق فيهم قول الحق سبحانه: «مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا» (النساء 143).

سيدي الوزير، تذكّر بإمعان أننا نحن من لم يتغيّر أصلُنا، ولم نكن كالذي اغترّ بمنصبه فصار يمشي في غير الأرض مرحا، وأضحى كالهشيم تذروه الرياح يمنةً ويسرةً غير مستقرٍّ على حال، منكبّا على كرسيّه مغترّا، عادتُه نكثُ العهود ورميُ الناس بالباطل، يلعب دور الرجل منقذ العالم، وهو من كان بالأمس القريب يُعطي وعودا بأن الخلاف سينصهر بالوفاق، ثم صار يسابق الزمن منقلبا على ضماناته إرضاءً لأعداء الحرية والعدالة والوطن، المتشدّقين بالديمقراطية والإصلاح وهم يحنّون رجوعا بنا لزمن سنوات الجمر والرصاص.

سيدي الوزير، جُبِلنا وتربّينا على أن الشرف هو الكلمة، لا العودةَ إلى ما افترقنا عليه بعدما أنهيناه.

سيدي الوزير، نحن من نُعطي الوعود ونفي بالعقود ونتفادى علامات النفاق الثلاث، وآياتُها:

  • إذا حدّث كذب،
  • وإذا وعد أخلف،
  • وإذا اؤتُمن خان.

لم نُولد لنتاجر بالعدالة، مرضاةً لخالقنا، لا خوفا ممّن يرموننا ظلما وبهتانا، ولا من الذين يتشدّقون بالفلاح والكمال وهم لا يعرفون إليه رافدةً ولا سبيلا، إذ ينحصر دورهم في التمكّن من السلطة والمكاسب ولعب دور الولاة والنصح الناطقين باسم البلاد والعباد، والحال أن ما يقومون به لا يصبّ إلا في تخريب الأمة والمعتقد من حيث لا يدرون ولا يعلمون، كدأب آل فرعون: «وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ».

مقال قد يهمك :   "دليل القوانين المغربية" تطبيق إلكتروني يسهل الولوج للمعلومة القانونية

لتعلم أننا منذ برحنا قاصدين رسالة الدفاع وضعنا نصب أعيننا ونحن في مقتبل العمر أننا عبادٌ زائلون كما زال الأولون، وسنفنى كما فني السابقون، وقد شيّعنا المنية ونحن الشباب اليافع دون أن نطمع في فتات الدنيا، لا كالذي أصابته نائبة الدهر من علّة وكهولة وما يزال مصرّا طامعا في الملذات، والمنيةُ قريبةٌ إليه، دانيةٌ منه.

لتَعِ تمام الوعي، وأنت من أخرجتَ أسوأ ما فينا بقفزاتك البرلمانية وحركاتك الاستفزازية، إن كنت تملك ذاكرة متّقدة ورأيا صالحا، أننا نحن من قطع عهدا على نفوسنا ألّا نجعل لها خصاصةً يتسرّب منها إلينا الظلم، وأننا سوف نُرابط على القلوب ونشدّ الفؤاد على مضض، ونحاسبه على كل خطإٍ تبيّن لنا أننا اقترفناه في حق أيّ كان، بمناسبة الخدمة والقيام بمهامّ الدفاع أو بغير مناسبة.

لتعلم أننا وعدنا أنفسنا وعد الأحرار، ونحن كلُّنا يقين ألّا نجعل من مهنتنا منطلقا للاستقواء والتجبّر على الناس، كما يفعل البعض تحت قبة البرلمان بنظراته الاستهزائية ومشيته الاستكبارية.

لتعلم أيها السيد الوزير المصلح أننا نحن شبابَ الرسالة لا نحتاج إلى عصاك السحرية لإصلاحنا، وإنما نحن من نُصلح ذواتنا جاهدين يوما بعد يوم، ونصارع أنفسنا بين شدٍّ وجذب لئلّا نقع في المحظور تفاديا لعاقبة السوء.

لتعلم أيها السيد الوزير، وأنت تستقوي علينا من قبة البرلمان، أنه لو كان يُولَج إليها بالمعدّل والتنقيط ما وَلَجتَها، كما لم تُوفَّق في الانتخابات المهنية طيلة مسيرتك، وهو ما شكّل لك عقدة الانتقام وأنبت في صدرك عقدة الثأر، فتجرّأت وآذيتَ نقباءك وقيادمتك دون وازعٍ يكبح جرأتك المؤذية.

لتعلم أنني وشبابَ المهنة لن تقوى علينا، وأنت تقذفنا بـ«من أنتم»، ولم يبق لك إلا أن تُتمّ «زنقة زنقة، بيت بيت»، وأنك بعيد المنال منّا والوصول إلينا، ترافعا وتكوينا وفصاحةً واحتراما، سواء فيما بيننا أو تجاه قيادمتنا ونقبائنا.

لتعلم أيها السيد الوزير أن القانون لا يردع، وإنما الضمير هو من يمنع الإنسان من الظلم، والالتزامُ وفاءً بالعهود: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ»، وأن من نكث بها وأخلفها إنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد الله عليه فسوف يؤتيه أجرا عظيما، وما أظنّك نائلَه بالأفعال وقد انقلبت، ولا بالتصرفات وقد استنكفت، ولا بالأقوال بنعوتك وشخوصاتك لزملائك ونقبائك.

مقال قد يهمك :   محاولة للفصل ما بين الشأن القضائي والشأن الإداري في العملية القضائية على ضوء قرار المحكمة الدستورية 255/25

لتدرِ أيها السيد الوزير، وأنت تعاتب فينا وتنعتنا بأقدح الأوصاف، أننا نعرف حجمنا وقدرنا، ونحن أدرى بأنفسنا، أوّلنا ضعف وآخرنا ضعف، وأننا ماضون في العمر نقصانا لا زيادة فيه، ماضون للفناء لا إلى الخلود، وأن المناصب لا تُغيّر فينا شيئا كما فعلت فيمن لا يلتزم، ونحن من يُغيّرها لا هي، وأن الصالحين لا يسعون بل يُطلبون، ولا يتظاهرون بل يُختارون، ولا يشهدون لأنفسهم بل يُشهَد لهم، يُشهَد لهم لخُلقهم وتواضعهم ورزانتهم ورفعتهم.

لتعلم أيها الوزير المحترم أن الإنسان الظالم المستكبر لا يعرف حجمه لطغيانه الذي يُعميه، كما قال الحق سبحانه: «فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ»، فهو ضعيف جدا، وَهنٌ وَهَنَ بيتِ العنكبوت أو أشدّ، وعادة ما يعيش لحظاته الأخيرة عمرا وسلطةً دون أن يعي.

لتعلم أيها السيد الوزير أن كثيرا من المسؤولين مرّوا قبلك، رقصوا رقصة الديك المذبوح بعدما انتشوا وتبلّغوا من ثدي السلطة ظانّين أنهم الدولة، دون أن يعوا أنهم مكلّفون بأداء خدمةٍ لبرهةٍ من الزمن.


الشطر الثاني: من أنت؟

أيها السيد الوزير، الزميلُ في المحنة بدل المهنة، ها قد أجبرتنا ودفعتنا للوصول إلى النفق المسدود، فَفتحنا جبهات النضال على مصراعيها، ونصيحتي لك ألّا تجزع من خطابي هذا، فأنت من بدأ وتجرّأ.

أيها السيد الوزير، خطابي ليس سُبّةً ولا تعييرا حتى لا تجد إلينا سبيلا، وإنما هو تشبيه عام لمن غزا الكتابُ الأخضر عقولهم، فالله سبحانه بحكمته البالغة ضرب لنا الأمثال، مستعيرا مجازا وبلاغةً ولغةً دون أن يستحيي من الحق، كما جاء في سورة البقرة: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً».

سيادة الوزير، لا تجعل من خرجاتك واستعراضاتك ما يشبه تصرفات المذيع الجزائري حفيظ الدراجي وهو يتخبّط يمنةً ويسرةً جاهدا في تشويه سمعة بلدٍ شريفٍ كالمغرب، ليس إلا حقدا وحسدا أصاب نفسه المعتلّة فجعلها تنفث سمّها كالحية؛ وذلك ما لا نريده لكم، وأنتم تقذفون مهنة الشرفاء وتتجرّؤون على ساداتكم النقباء.

مقال قد يهمك :   محكمة النقض : يجوز للزوج توكيل شخص آخر للقيام بإجراءات الطلاق نيابة عنه

وإذا كانت الجغرافيا جادت علينا بجيران سوءٍ يفسدون المحافل، فإننا لا نريد للمهنة اليوم أن تجود علينا بولدٍ لا يهنأ له بال ولا يشفى له خاطر، ولا تُبَلّ غُلّته ولا تزول حفيظته حتى يقذف زملاءه وأقاربه ويحتقرهم.

أيها السيد الوزير، إن التاريخ دهران؛ فهو لا يذكر الجهابذة والربانيين فحسب، بل يذكر في الجهة الأخرى من أساء الأدب.

سيادة الوزير، اتهمتنا بأقبح الأوصاف، ووصلت بك الجرأة إلى الاحتقار والانتقاص منّا، ولكنك نسيت يوم صرّحت أنه لا يمكن من الناحية الدستورية سحبُ مشروع قانون، وأنك لن تخرق الدستور، متناسيا المادة 184 من النظام الداخلي لمجلس النواب والمادة 196 من النظام الداخلي لمجلس المستشارين، اللتين تُعطيان الحق للحكومة أن تسحب أيّ مشروع قانون في أيّ مرحلة من مراحل التشريع.

أيها السيد الوزير، لا ننسى اليوم الذي دافعتَ فيه باستماتة، يوم 8 نونبر 2021، وقدّمتَ طلبا إلى السيد رئيس مجلس النواب يهدف إلى سحب مشروع قانون يتعلق بالإثراء غير المشروع.


صفوة القول

سيدي الوزير المعظّم، تذكّر أن الوزارة زائلةٌ فائتة لا تدوم حتى لأعتى الأشاوس، ولك في سيرة إدريس البصري عبرةٌ واتّعاظ؛ وهو الرجل الذي كان إذا تحدّث فزع القريبُ منه قبل البعيد، فتذكّر ما فعل به جنون السلطة، وهل نال في ذلك اليوم شيئا من الثناء والشكر؟ ونحن لا نتشفّى فيه ولا في أمثاله كصاحب الكتاب الأخضر الذي جعلتُه لك مرجعا في خطاب «من أنتم»، وإنما نستحضرهم لنضرب لك بهم العبر قبل أن تصبح في خبر كان، وتُنسى كأنك لم تكن، كما قال محمود درويش.

تذكّر أيها السيد الوزير أني ما كنت لأردّ عليك، ولكنك تجاوزت الحدّ فنِلتَ منّا جميعا.

وردّي عليك ظاهرُه دفاعٌ عمّن خاطبتَهم بـ«من أنتم»، وباطنُه نصيحةٌ لك قبل غرغرتك ووصولك إلى نهاية شريط السباق.

error: عذرا, لا يمكن حاليا نسخ او طباعة محتوى الموقع للمزيد من المعلومات المرجوا التواصل مع فريق الموقع عبر البريد الالكتروني : [email protected]