خالد شهيم يسلط الضوء على “حماية المقاولة ضد المخاطر الجمركية” في أطروحة جامعية (تقرير)

مغرب القانون/ الدار البيضاء
بسم الله الرحمان الرحيم
بداية أتوجه بالشكر إلى أستاذي الجليل الدكتور حسن توراك على ما أسداه لي من نصائح وتوجيهات طوال فترة الإعداد لهذه الأطروحة وعلى إشرافه على هذا البحث،
كما أقدم شكري وامتناني للأساتذة الأجلاء أعضاء هذه اللجنة العلمية الموقرة على قبولهم مناقشة هذا العمل، المتعلق ب “حماية المقاولة ضد المخاطر الجمركية” والذي يكتسي صبغة خاصة يلتقي فيها الجانب القانوني بالبعد الاقتصادي في سبيل تحقيق أسس التنمية الاقتصادية والاجتماعية المرجوة.
كما هو معلوم فإن دور إدارة الجمارك قد تطور بسبب الأهمية المتزايدة للأمن والسلامة وبسبب تعدد الاتفاقيات التجارية في العالم، وما ترتب عنها من انخفاض الرسوم الجمركية وتبسيط المساطر الجمركية مما أدى إلى تحويل الممارسات التجارية.
فبالإضافة إلى الدور الجبائي الذي طبع اختصاص الإدارة الجمركية منذ نشأتها، فقد أصبحت فاعلا أساسيا في الدفاع عن سلامة وأمن الوطن والمواطنين وفي تحفيز الاستثمارات ببلادنا.
ويتجلى هذا التحفيز للاستثمار على الخصوص في تأمين تنافسية المقاولة عن طريق مكافحة المخاطر الجمركية التي تعيق طريقها، حيث يقصد بمفهوم المخاطر احتمالات عدم الالتزام بالقوانين والتعليمات واللوائح الجمركية المنظمة للعمل الجمركي، والتي يتجسد من خلالها دور إدارة الجمارك في مكافحة التهريب بشتى عواقبه المضرة بالصحة والاقتصاد، وفي التصدي لآفات البضائع المقلدة وتشجيع صادرات المقاولات بتسخير الوسائل والآليات الكفيلة بتحقيق ذلك مثل آلية تصنيف المقاولات على سبيل المثال.
فعلى صعيد مواكبة المقاولة وتشجيعها على تصدير منتجاتها، نجد أن إدارة الجمارك تقوم بتسخير ما يعرف بالأنظمة الاقتصادية للجمرك من أجل تمكين هذه المقاولة من استيراد المواد والبضائع اللازمة لتصنيع منتجاتها دون أداء الرسوم والمكوس الجمركية ودون اشتراط وجود التراخيص الإدارية المتطلبة عادة في ظل النظام الجمركي العام المسمى بالعرض للاستهلاك، بالنظر إلى ما توفره هذه الأنظمة الاقتصادية من مميزات باعتبارها أنظمة موقفة للرسوم والتراخيص في مقابل التزام المقاولة بتسوية حساباتها داخل الأجل القانوني عن طريق تصدير المنتجات النهائية المترتبة عن تلك الأنظمة.
أمام هذه الإجراءات التحفيزية التي حررت المقاولة من سطوة الإجراءات الإدارية، كان لابد من تدبير أمثل للمراقبة الجمركية، حتى لا تطغى مساوئ الغش الجمركي للمقاولة عن فضائل الامتيازات الجمركية وهو ما قادنا إلى الاهتداء لإشكالية الموضوع الرئيسية المتمثلة في إشكالية التصدي للمخاطر الجمركية المعيقة للمقاولة في ظل تنامي المبادلات التجارية وما تولده من ممارسات غير مشروعة للتجارة الخارجية الناتجة عن خرق القوانين والأنظمة الجمركية.
ولمعالجة هذه الإشكالية والتساؤلات الفرعية المرتبطة بها ارتأينا تقسيم البحث إلى قسمين
قسم أول يتعلق بأنواع المخاطر الجمركية والذي حاولنا التطرق من خلاله إلى المخاطر الجمركية التقليدية في إطار الفصل الأول وإلى المخاطر الأخرى المستجدة في إطار الفصل الثاني.
وقسم ثاني هو آليات حماية المقاولة الذي خصصنا فيه الحديث ضمن الفصل الأول عن آليات التحفيز المرتبطة ببنية ومحيط المقاولة، مثل آلية تصنيف المقاولة وآلية التعاون بين الجمارك والشركات، بينما تطرقنا في الفصل الثاني منه إلى آلية القيود الحمائية وتحسين مناخ الأعمال.
أما عن دواعي البحث في هذا الموضوع، فيمكن إرجاعها إلى سببين أحدهما موضوعي والآخر ذاتي:
حيث يعود السبب الموضوعي إلى الطابع التقني والمهني الذي أتاح لنا فرصة الاطلاع والاحتكاك بواقع العمل الجمركي في جوانبه المتعددة بحكم الصلاحيات والسلطة التي تضطلع بها الإدارة الجمركية في مراقبة البضائع والأشخاص الذاتيين والمعنويين خاصة المقاولات التي تستهدف تحويل المواد المستوردة وتصنيعها بغرض التصدير مع ما ينتج عن ذلك من إنعاش لمداخيل الدولة من العملة الصعبة، بينما يرجع السبب الذاتي إلى الرغبة الشخصية وتحدي الذات للمساهمة في إثراء هذا الجانب من الدراسات والأبحاث التي قل نظيرها بحكم صعوبة الالمام بالمادة الجمركية التي يميزها عن غيرها غناها وتشعبها بما تتضمنه من قوانين مالية وإدارية وجنائية على الخصوص.
وهكذا تطرقنا في القسم الأول إلى آفة التهريب التي شكلت أولى المخاطر التقليدية التي عملنا على إبراز مفهومها وخصائصها الواردة ضمن الفصل 282 من مدونة الجمارك، والتي تمثلت في عمليات الاستيراد والتصدير خارج مكاتب الجمرك، وفي الحيازة غير المبررة للبضائع، وفي استعمال المخابئ المهيئة على غير العادة لحجب البضاعة المارة من مكتب جمركي عن أنظار المراقبة الجمركية، وفي المناورة التي تهدف إلى استيراد البضائع بدون تصريح عن طريق استعمال الأساليب التدليسية التي تغير الخصائص التقنية ومعالم وسيلة النقل المستعملة في عملية الاستيراد.
وقد حاولنا في هذا الإطار توضيح المفهوم الصحيح لمقتضيات الفصل 181 المتعلق بالحيازة غير المبررة الذي استقر تطبيقه بشكل غير سليم من طرف الإدارة الجمركية وسايرها في ذلك الاجتهاد القضائي، بالنظر إلى الصعوبة التقنية التي تتميز بها نصوص مدونة الجمارك والتي يصعب فهمها بشكل دقيق. وما يدل على ذلك هو كثرة التعديلات التي تلحق فصول مدونة الجمارك وما يتم الإفصاح عنه من تبريرات بشأنها، كالتبرير الذي أعطته الإدارة بمناسبة تعديل الفصل 275 المتعلق بالمصالحة الجمركية، والذي جاء فيه أن هذا التعديل “يرمي إلى تيسير مسطرة المصالحة الخاصة بالبضائع المعترف بارتكاب الغش بشأنها أو غير المحجوزة، والتي كانت تطرح عدة صعوبات بالنسبة لأداء الرسوم والضرائب التي تحتسب على أساس كميات كبيرة وبناء على فترات زمنية طويلة.”
وفي نفس الفصل من القسم الأول، حاولنا إبراز مخاطر البضائع المحظورة والمخاطر الناجمة عن التصريح الخاطئ لعناصر وأسس الجباية الجمركية، حيث عملنا على تحليل وتفسير الفصل 23 من مدونة الجمارك، الذي استنتجنا من مضمونه وجود بضائع محظورة لغياب السند الخاص بها، أو لعدم مطابقة هذا السند لتلك البضائع، كما تم الوقوف على البضائع المحظورة بشكل مطلق، التي تم جردها من بنود مدونة الجمارك ومن فصول القانون الجنائي، مع محاولة تأصيل بعض المخاطر الجمركية الخفية مثل الجراثيم والفيروسات التي لا تخرج عن مفهوم البضاعة الوارد في شموليته ضمن الفصل الأول من مدونة الجمارك.
أما عن المخاطر الجمركية المتعلقة بالتصريح الخاطئ، فقد تطرقنا فيها إلى مخاطر التصريح الخاطئ بالصنف وما يشكله من اعتداء على تنافسية المقاولة، بالنظر إلى كونه يهدف إلى الاستفادة بغير حق من نسب منخفضة للرسوم الجمركية التي يتيحها تصنيف البضاعة في البند الخاطئ المصرح به.
كما تطرقنا فيها كذلك إلى التصريح الخاطئ بالمنشأ الذي يهدف إلى الاستفادة بغير حق من الإعفاءات التي تتيحها اتفاقيات الشراكة التجارية بين المغرب وغيره من الدول كاتفاق الشراكة الموقع بين المغرب ودول الاتحاد الأوربي.
بينما تم التطرق في إطار التصريح الخاطئ بالقيمة للطرق المتبعة في تقييم البضاعة الواردة ضمن الفصل 20 من مدونة الجمارك وفصوله المكررة التي تليه، والتي من شأنها حماية المقاولة من مخاطر التخفيضات غير المبررة للبضاعة وانعكاساتها على الأداء المنخفض للرسوم الجمركية مقارنة بالبضائع المصرح بقيمتها الحقيقية لدى الجمارك.
أما في الفصل الثاني من هذا القسم، فقد حاولنا إبراز المخاطر الجمركية المستجدة، مثل جرائم تزييف البضائع وجرائم تبييض الأموال، حيث رأينا الدور الجمركي في إيقاف تداول السلع المقلدة، مع لفت الانتباه إلى أن المشرع الجمركي لم يراع جانب البضائع المقلدة أو المشكوك فيها الموجهة للتصدير ولا البضائع المقلدة أو المشكوك فيها الموضوعة تحت نظام العبور.
كما لوحظ في نفس السياق أن إدارة الجمارك لم تعمل على حماية تسمية بلد المنشأ الذي نشأت فيه البضاعة وفق ما قرره قانون 17-97 المتعلق بحماية الملكية الصناعية، لتكتفي إدارة الجمارك فقط بمراقبة البضائع المقلدة عند الاستيراد.
وبالنسبة للحماية الجمركية من مخاطر الاعتداء على الملكية الفكرية، فقد لوحظ عدم قيام المشرع الجمركي بتضمين هذه الحماية ضمن فصول مدونة الجمارك، رغم أن المادة 1.61 من القانون رقم 2.00 المتعلق بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة قد أعطت الصلاحية لإدارة الجمارك من أجل إيقاف التداول الحر لسلع مشكوك في كونها سلعا مقلدة أو مقرصنة تمس بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة.
وفي نفس القسم دائما تم التطرق إلى مخاطر الصرف وتبييض الأموال من خلال التعريف بجريمة غسيل الأموال وتحديد إطارها القانوني مع الإشارة إلى بعض الملاحظات التي لم يتم الانتباه إليها من الناحية الشكلية على مستوى الصياغة.
وقد تم التطرق إلى آليات الأنظمة الاقتصادية كوسيلة تهدف إلى تحفيز المقاولة وتشجيعها على تصدير منتجاتها، حيث قمنا بالتمييز بين الأنظمة الاقتصادية عند الاستيراد، وبين الأنظمة الاقتصادية عند التصدير، مع التطرق إلى نظام العبور.
هذا ما يتعلق بالقسم الأول، أما فيما يخص القسم الثاني فقد قمنا من خلاله بتسليط الضوء على الآليات والوسائل التي تعتمدها إدارة الجمارك من أجل حماية المقاولة ومواكبتها.
ففي إطار مواكبة المقاولة، نجد أن إدارة الجمارك اعتمدت على تصنيفين اثنين للمقاولات هما المقاولات المصنفة بالدرجة (أ) والمقاولات المصنفة بالدرجة (ب)، حيث أصبغت عليهم جملة من الامتيازات مثل:
- منح الأولوية في معالجة الملفات من طرف مصالح الجمارك؛
- تقديم تسهيلات في الضمانة المتعلقة بالأنظمة الاقتصادية للجمرك؛
- إجراء المساطر الجمركية عند الاستيراد أو التصدير بمقر المقاولة؛
- التصنيف التعريفي المبسط للمواد المستوردة أو المصدرة عادة في كل مرة؛
- إصدار رفع اليد عند الفاعل الاقتصادي؛
- قبول الشيكات غير المصَّدق عليها non certifié عند أداء المكوس والرسوم الجمركية؛
- ترخيص عمليات التجارة الثلاثية بصفة دائمة في إطار القبول المؤقت؛
- الدفع المؤجل للغرامات الجمركية مع إعفاء البعض منها.
أما في إطار التعاون الذي سطرته إدارة الجمارك مع المقاولات كشريك في سبيل تحقيق الإقلاع الاقتصادي، فقد تم التطرق إلى مظاهر هذا التعاون من خلال إبراز آليات التحفيز المرتبطة بمحيط المقاولة، والتي تتمثل في تهيئة البنية التحتية اللازمة لتنفيذ مساطر التعشير، مثل إحداث الموانئ الجافة ومستودعات الجمرك إضافة إلى مخازن وساحات الاستخلاص الجمركي ومناطق التسريع الصناعي وكذا منطقة الازدهار البريدي.
وقد تم تسليط الضوء من جانب آخر على البنية التحتية الالكترونية، حيث وضعت الإدارة الجمركية رهن مرتفقيها مجموعة من البرامج والتطبيقات الإلكترونية يأتي على رأسها برنامج قاعدة بيانات آلية الجمارك الشبكية المعروف اختصارا بنظام “بدر” الذي تتم به عمليات التعشير الجمركي إلكترونيا، إضافة إلى باقي التطبيقات الأخرى التي تم وضعها من أجل تبسيط المساطر الجمركية.
كذلك تم التطرق في هذا القسم إلى بنية تحليل المخاطر والآليات الحمائية لضمان تنافسية المقاولة مثل نظام الحصيص الجمركي، وآلية استرداد الرسوم الدراوباك، والتدابير ضد إغراق السوق، إضافة إلى آليات تبسيط المساطر من كفالات وضمانات وتعدد المسارات الجمركية للبضائع، وآليات التخفيضات الجمركية المتعلقة بأوامر التخفيض وأوامر الإلغاء، والعفو الجبائي، وكذا التخفيضات الجمركية المقررة بموجب جدول الصلح.
لقد سعينا في هذه الدراسة إلى الإلمام بكل الجوانب المرتبطة بالمقاولة في علاقتها بالإدارة الجمركية، والتي تمثل صلب الإشكالية المطروحة في البحث من أجل إبراز مكامن قوة إدارة الجمارك في حماية المقاولة، ومعالجة مكامن الضعف التي لازالت تعتري جهود الإدارة الجمركية في هذا الإطار، حيث لمسنا تطلع الإدارة الجمركية إلى حماية المقاولة من مختلف أشكال المخاطر
لكن ورغم المجهودات الجبارة التي قامت بها إدارة الجمارك في سبيل مواكبة المقاولة وحمايتها ضد المخاطر التي أشرنا إليها في هذه الدراسة، فقد ظلت بعض النواقص مطروحة حاولنا من جهتنا تقديم مقترحات بشأنها على شكل انتقادات بناءة أو توصيات تجلت بعضا من معالمها في:
- ضرورة ملاءمة نصوص مدونة الجمارك مع المنظومة التشريعية لمختلف القوانين كالقانون الجنائي، وقانون حماية الملكية الفكرية، وقانون منع الأكياس البلاستيكية على سبيل المثال، بشكل يتم معه نقل الاختصاصات التي عُهِد بها لأعوان الجمارك من هذه النصوص المتفرقة إلى مدونة الجمارك مع تخصيصها بالتكييف القانوني المناسب وبالجزاء واجب التطبيق كعقوبة عن هذه الأفعال المقترفة؛
- تأهيل الأطر الجمركية المكلفة بعمليات التفتيش والمراقبة والأطر المكلفة ببرمجة وأجرأة معطيات وبيانات المخاطر، في اتجاه مسايرتهم طرق وتطورات أعمال الغش حتى ينعكس ذلك على قرارات النظام المعلوماتي، وكمثال على ذلك يجب إلغاء القرار الآلي لعرض البضاعة على الماسح الضوئي (Passage au Scanner) بعدما سبق لهذه البضاعة أن خضعت للفحص المادي؛
- تحديث الآليات والوسائل التقنية والتكنولوجية المستعملة في الكشف عن الغش مثل أجهزة المسح الإشعاعي بما فيها تلك المستعملة للكشف عن قاع السفن؛
- اعتماد الأختام الجمركية الإلكترونية التي تفيد في تتبع مسار البضائع واتقاء المناولة غير المشروعة وردع الغش؛
- تنظيم دورات تحفيزية لتلقي المساهمات في مجال البحث والابتكار المتعلق بطرق وأساليب الكشف عن الغش؛
- انفتاح إدارة الجمارك على الجامعة وتعزيز التعاون المشترك بينهما في مجال التكوين والبحث؛
- إدراج مادة القانون الجمركي ضمن المواد المدرسة بكليات الحقوق؛
- توفير الآليات اللوجستية التي تمكن من التطبيق الفعلي لنصوص مدونة الجمارك المتعلقة بمحاربة الجريمة الجمركية مثل تزويد فرق مكافحة المخدرات بالكلاب المتدربة، وإحداث فرق الخيالة للمطاردة في المسالك الوعرة؛
- إحياء منظومة الفرق الجمركية البحرية وتوفير الوسائل اللازمة لذلك كالسفن والزوارق المطاطية لردع الجرائم الجمركية المنظمة بالمياه الإقليمية ومراقبة البضائع العابرة؛
- التعريف كفاية بالدور الجمركي في مختلف المحافل سواء كانت ثقافية أو رياضية أو تربوية مثل المعارض والمنتديات إلى غير ذلك من التوصيات التي شملتها هذه الأطروحة.
وفي الختام أشكر الأساتذة الأفاضل أعضاء اللجنة الموقرة على سعة صدرهم لقبولهم مناقشة وتقييم هذا العمل وعلى حسن استماعهم لهذا العرض المقتضب من تقديم الأطروحة.
