حسن مزوزي: الوكالات المحررة بالخارج في ضوء المادة 455 من قانون المسطرة المدنية الجديد – بين حجية العقد و شرط القوة التنفيذية-

حسن مزوزي .باحث .محامي بهيئة القنيطرة
جاء القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية بمقتضيات جديدة تهم تنفيذ الأحكام والسندات والعقود الأجنبية بالمغرب، ومن أبرزها المادة 455 التي ربطت تذييل السندات والعقود المبرمة بالخارج بالصيغة التنفيذية بإثبات توفرها على صفة السند التنفيذي وقابليتها للتنفيذ وفق قانون البلد الذي وُثقت فيه، وألا تتضمن ما يخالف النظام العام المغربي.
وقد تبدو هذه المقتضيات واضحة حين يتعلق الأمر بعقد يتضمن التزامًا ماليًا أو التزامًا بالتسليم، غير أن تطبيقها يثير تساؤلًا حين ننتقل إلى عقد من طبيعة خاصة، هو من أكثر العقود تداولًا بين مغاربة العالم: الوكالة المحررة بالخارج.
فآلاف التصرفات، ولا سيما العقارية منها، تنجز سنويًا بالمغرب بواسطة وكالات يحررها أصحابها أمام موثقين أو جهات مختصة ببلدان إقامتهم. فهل أصبحت هذه الوكالات خاضعة لمسطرة التذييل بالصيغة التنفيذية؟ أم أن المشرع، باشتراطه الصفة التنفيذية للسند الأجنبي، يكون قد رسم حدودًا واضحة بين العقود التي يراد تنفيذها جبرًا والمحررات التي يراد الاحتجاج بها لإثبات صفة أو ممارسة حق؟
إن الجواب يقتضي التمييز بين ثلاثة مفاهيم قانونية كثيرًا ما يقع الخلط بينها: حجية المحرر الأجنبي بوصفه وسيلة للإثبات، وصلاحيته لإنتاج آثاره القانونية بالمغرب، ثم قابليته للتنفيذ الجبري.
وهذا التمييز ليس مجرد تمرين نظري، بل تترتب عليه نتائج عملية تمس الأمن القانوني للمعاملات، وتحدد حدود الرقابة التي يجوز أن تمارسها الجهات القضائية والإدارية والمهنية على الوكالات المحررة بالخارج.
أولًا: الوكالة الأجنبية خارج منطق التنفيذ الجبري .
التذييل بالصيغة التنفيذية آلية قانونية غايتها تمكين السند الأجنبي من القوة اللازمة لتنفيذه جبرًا داخل التراب المغربي. فهو لا يرمي إلى إثبات وجود العقد أو الاعتراف المجرد بحجيته، وإنما إلى السماح لصاحبه، عند الاقتضاء، باللجوء إلى وسائل التنفيذ الجبري.
ومن هنا تكتسب الصياغة الجديدة للمادة 455 أهميتها، إذ لم يكتف المشرع باشتراط عدم مخالفة السند الأجنبي للنظام العام المغربي، بل أضاف شرطًا يتعلق بطبيعته القانونية ذاتها، وهو إثبات توفره على صفة السند التنفيذي وقابليته للتنفيذ وفق قانون البلد الذي وُثق فيه.
ويستفاد من هذا الشرط أن المشرع لم يقصد إخضاع جميع العقود المحررة بالخارج لمسطرة التذييل، لمجرد أنها عقود أجنبية، وإنما استهدف تلك التي يراد إكسابها القوة التنفيذية بالمغرب.
ويتعزز هذا الفهم بالمادة 450 من القانون نفسه، التي تربط التنفيذ الجبري بوجود سند تنفيذي يتضمن حقًا محقق الوجود، حال الأداء ومعين المقدار.
أما الوكالة، فهي في أصلها عقد إنابة يمنح بموجبه الموكل للوكيل سلطة القيام بتصرفات قانونية باسمه ولحسابه. إنها أداة لإثبات صفة التمثيل وتحديد نطاقه، وليست سندًا يرمي حامله إلى إجبار مدين على الوفاء بالتزام.
فحين يحرر مغربي مقيم بإسبانيا أو فرنسا وكالة لفائدة شخص بالمغرب من أجل بيع عقار أو إدارته أو تمثيله أمام جهة إدارية، فإن الوكيل لا يطلب تنفيذ الوكالة جبرًا، وإنما يستند إليها لإثبات صفته وسلطته في مباشرة التصرف.
وبذلك لا تخرج الوكالة من نطاق المادة 455 لأنها ليست عقدًا، فهي عقد بلا خلاف، وإنما لأنها ليست، بطبيعتها ووظيفتها المعتادتين، سندًا للتنفيذ الجبري.
غير أن هذا الاستنتاج لا يمنع من تصور وكالة تتضمن، إلى جانب الإنابة، التزامًا مستقلًا قابلًا للتنفيذ، كاعتراف بدين أو التزام بأداء مبلغ معين. ففي هذه الحالة ينبغي التمييز بين وظيفة الوكالة بوصفها أداة تمثيل، وبين الشق الالتزامي الذي قد تتوفر فيه شروط السند التنفيذي إذا أريد تنفيذه جبرًا.
- مفارقة التفسير الواسع .
لو فُسرت المادة 455 على أساس أن كل عقد موثق بالخارج يحتاج إلى التذييل بالصيغة التنفيذية قبل استعماله بالمغرب، لأدى ذلك إلى نتيجة يصعب التوفيق بينها وبين منطق النص نفسه.
فالوكالات التي يحررها أفراد الجالية أمام موثقي بلدان إقامتهم ستصبح رهينة مسطرة قضائية، حتى في غياب أي نزاع أو التزام مطلوب تنفيذه جبرًا. والأكثر إثارة أن المادة 455 تشترط إثبات الصفة التنفيذية للعقد في بلد توثيقه، وهي صفة لا تتوفر في الوكالة العادية من حيث وظيفتها الأصلية.
وهكذا نصل إلى مفارقة قانونية واضحة: لا يمكن استعمال الوكالة دون تذييلها، ولا يمكن تذييلها لأنها ليست سندًا تنفيذيًا.
وهو تفسير يحول إجراءً وضعه المشرع لضبط تنفيذ السندات الأجنبية إلى عائق أمام تداول المحررات وممارسة الحقوق.
ولذلك فإن اشتراط الصفة التنفيذية لا ينبغي اعتباره مجرد إجراء شكلي إضافي، بل عنصرًا محددًا لنطاق المادة 455 نفسها.
ثانيًا: حجية الوكالة الأجنبية لا تعني صلاحيتها المطلقة للتصرف بالمغرب.
إن القول بعدم خضوع الوكالة الأجنبية، من حيث الأصل، لمسطرة التذييل لا يعني أنها تنتج آثارها بالمغرب بصورة تلقائية ودون رقابة. فهناك فرق بين صحة المحرر في بلد إنشائه وبين مدى استجابته للشروط التي يفرضها القانون المغربي لاستعماله في تصرف معين، وخاصة حين يتعلق الأمر بالحقوق العينية العقارية. ومن هذه الزاوية ينبغي التمييز بين ثلاث وضعيات.
–الوكالة المحررة أمام المصالح القنصلية والدبلوماسية المغربية .
تتميز هذه الوكالة بكونها محررة خارج التراب الوطني بواسطة جهة مغربية مختصة، وفق القواعد القانونية المنظمة لاختصاصاتها. ولذلك فهي ليست، من حيث مصدرها، محررًا صادرًا عن سلطة أجنبية، ولا يثور بشأنها أصلًا الإشكال نفسه الذي تطرحه الوكالات المحررة أمام الموثقين الأجانب. غير أن ذلك لا يعفيها من استيفاء الشروط الخاصة التي يفرضها القانون المغربي بحسب طبيعة التصرف المراد إنجازه، ولا سيما ما يتعلق بالوكالات الخاصة بالحقوق العينية العقارية وتقييدها بالسجل المخصص لها.
– الوكالة المحررة أمام موثق أو جهة رسمية أجنبية .
هذه هي الوضعية التي تثير الإشكال القانوني الأهم. فقد تكون الوكالة صحيحة من حيث الشكل وفق قانون بلد تحريرها، وصادرة عن موثق مختص، ومستوفية لما يلزم من إجراءات إثبات مصدرها، دون أن يعني ذلك بالضرورة صلاحيتها لإبرام كل تصرف داخل المغرب.
وينبغي هنا التمييز بين مستويين: المستوى الأول يتعلق بحجية المحرر ومصدره. ويقتضي التحقق من صدوره عن الجهة المختصة، واستيفائه الإجراءات اللازمة للاحتجاج به بالمغرب، مع مراعاة الاتفاقيات الدولية التي قد تعفي بعض المحررات من التصديق أو تستبدله بنظام الأبوستيل، فضلًا عن متطلبات الترجمة عند الاقتضاء. أما المستوى الثاني فيتعلق بصلاحية الوكالة للتصرف المراد إنجازه. فإذا كان موضوعها بيع عقار أو هبته أو ترتيب حق عيني عليه، فإنها تصطدم بمقتضيات المادة 4 من مدونة الحقوق العينية التي أخضعت الوكالات المتعلقة بهذه التصرفات لشروط شكلية خاصة. وهنا يثور سؤال دقيق: هل يعد المحرر الصادر عن موثق أجنبي محررًا رسميًا مستجيبًا لمتطلبات المادة 4، متى كان رسميًا وفق قانون بلد تحريره؟ إن الجواب لا يستخلص من مجرد صحة المحرر في الخارج، وإنما يقتضي تحديد مدى الاعتراف بصفته الرسمية في النظام القانوني المغربي، مع مراعاة الاتفاقيات الدولية والقواعد الخاصة المنظمة للتصرفات العقارية. وبذلك ينبغي ألا يقع الخلط بين المصادقة على مصدر الوثيقة، والاعتراف بحجيتها، ومدى مطابقتها للشكل القانوني الواجب للتصرف المراد إبرامه.
– الوكالة العرفية المصادق على توقيعها بالخارج .
تختلف هذه الوكالة عن المحرر الرسمي الأجنبي، لأن مجرد المصادقة على التوقيع لا يحول الوثيقة العرفية إلى محرر رسمي. وتزداد أهمية هذا التمييز حين يتعلق الأمر بالتصرفات العقارية، بالنظر إلى أن المادة 4 من مدونة الحقوق العينية، كما تم تتميمها بالقانون رقم 69.16، أخضعت الوكالات المتعلقة بهذه التصرفات لشكلية خاصة تحت طائلة البطلان، تتمثل في المحرر الرسمي أو المحرر ثابت التاريخ المحرر من طرف محام مقبول للترافع أمام محكمة النقض، وفق الشروط القانونية المقررة. وعليه، فإن صحة التوقيع على وكالة عرفية محررة بالخارج لا تكفي وحدها للقول باستجابتها للشكل الذي يفرضه القانون المغربي للتصرفات المشمولة بالمادة المذكورة.
ثالثًا: الاجتهاد القضائي والاتفاقيات الدولية بين الحجية والتنفيذ .
لم ينشأ الإشكال المتعلق بالعقود الأجنبية مع صدور قانون المسطرة المدنية الجديد، وإنما سبق أن عرض على القضاء في ظل الفصل 432 من القانون السابق.
وفي هذا السياق، سبق لمحكمة النقض، بمقتضى قرارها عدد 1351 الصادر بتاريخ 13 مارس 2012 في الملف عدد 477/1/1/2010، المنشور بمجلة ملفات عقارية، السنة 2012، العدد الثاني، الصفحة 54، أن تناولت وضع وثيقة توثيقية صادرة بفرنسا، في إطار الاتفاقية القضائية المغربية الفرنسية والبروتوكول الإضافي لسنة 1981، وناقشت مدى الحاجة إلى إخضاعها لمسطرة التذييل بالصيغة التنفيذية في ضوء الإطار الاتفاقي المنطبق عليها.
وتكمن أهمية استحضار هذا الاجتهاد في أنه يلفت الانتباه إلى ضرورة عدم التعامل مع المحررات الأجنبية بمعزل عن الاتفاقيات الدولية التي تنظم الاعتراف بها والاحتجاج بها.
غير أن الاستناد إلى هذه الاتفاقيات يقتضي التمييز بين ثلاثة أمور لا تتطابق بالضرورة: الإعفاء من التصديق على المحرر، والاعتراف بحجيته، والإعفاء من التذييل بالصيغة التنفيذية. فقد تعفي اتفاقية دولية محررًا أجنبيًا من إجراءات التصديق دون أن يعني ذلك، في حد ذاته، منحه القوة التنفيذية بالمغرب. كما أن الاعتراف بحجية الوثيقة لا يقتضي بالضرورة قابليتها للتنفيذ الجبري. وتبرز هنا أهمية المادة 456 من قانون المسطرة المدنية الجديد، التي توجب مراعاة الاتفاقيات والمعاهدات الدولية المصادق عليها والمنشورة، وكذا قواعد المعاملة بالمثل. ولذلك فإن تحديد الوضع القانوني للوكالة المحررة بالخارج لا يستقيم بالرجوع إلى المادة 455 وحدها، بل يقتضي قراءتها في ضوء طبيعة الوكالة، والقواعد المغربية المنظمة للتصرف موضوعها، والاتفاقيات الدولية ذات الصلة. ومع ذلك، فإن الجديد الذي تحمله المادة 455 يتمثل في أنها أضافت إلى النقاش السابق معيارًا تشريعيًا صريحًا هو توفر السند الأجنبي على الصفة التنفيذية في بلد توثيقه. وهذا المعيار يعزز التمييز بين المحررات التي يراد الاحتجاج بها، وتلك التي يراد تنفيذ الالتزامات الواردة فيها جبرًا. ومن ثم يمكن القول إن المشرع قد وفر، من خلال الصياغة الجديدة، أساسًا قانونيًا أكثر وضوحًا لتجاوز الخلط بين حجية العقد الأجنبي وقوته التنفيذية، وإن كان استقرار هذا الفهم رهينًا بما سيكرسه القضاء عند تطبيق النص.
رابعًا: الوكالات الأجنبية بين متطلبات الأمن العقاري وصعوبات التطبيق .
لا تقف إشكالات الوكالة الأجنبية عند حدود التذييل بالصيغة التنفيذية، بل تمتد إلى سلامة استعمالها والتحقق من استمرار سلطة الوكيل. فقد تكون الوكالة صحيحة من حيث الشكل، لكنها لا تتضمن تفويضًا صريحًا بالتصرف المطلوب، أو تكون قد انتهت بسبب العزل أو الوفاة أو غير ذلك من أسباب الانقضاء المقررة قانونًا. وقد يزداد الإشكال تعقيدًا عندما تتضمن الوكالة المحررة بالخارج شروطًا مستمدة من قانون أجنبي، من قبيل وصفها بأنها غير قابلة للعزل أو ترتيب استمرار بعض آثارها بعد وفاة الموكل. وفي هذه الحالات لا يكفي الرجوع إلى قانون بلد التحرير وحده، وإنما ينبغي تحديد القانون الواجب التطبيق على آثار الوكالة وانقضائها، ومدى توافق التصرف المطلوب مع القواعد المغربية الآمرة، وخاصة في المجال العقاري.
– المحافظ والموثق أمام وكالة أجنبية غير مذيلة.
لنفترض أن مغربيًا مقيمًا بإسبانيا حرر وكالة رسمية أمام موثق إسباني، يفوض بمقتضاها أخاه في بيع عقار محفظ بالمغرب. هل يجوز للمحافظ على الأملاك العقارية أو للموثق المغربي رفض هذه الوكالة لمجرد عدم تذييلها بالصيغة التنفيذية؟ في ضوء التفسير المتقدم للمادة 455، ينبغي أن يكون الجواب بالنفي متى استوفت الوكالة الشروط القانونية اللازمة للاحتجاج بها واستعمالها في التصرف المطلوب. فالوكيل لا يطلب تنفيذًا جبريًا في مواجهة الموكل، وإنما يستند إلى الوكالة لإثبات صفته وسلطته في التعاقد. ومن حق الجهات المختصة التحقق من صحة المحرر، وصفة الجهة التي أصدرته، وسريان الوكالة، ومدى شمولها للتصرف المراد إنجازه، واستجابتها للشكل الذي يفرضه القانون المغربي. أما اشتراط التذييل لمجرد أن الوكالة محررة بالخارج، دون أن يكون المطلوب تنفيذ التزام جبرًا، فيؤدي إلى إضافة شرط لا يبدو أن المادة 455 قد قررته لهذا النوع من المحررات.
وهنا يتجلى الفرق بين رقابة مشروعة تهدف إلى حماية المعاملات، وإجراء قضائي قد يتحول، إذا توسع في تطبيقه، إلى عائق غير مبرر أمام ممارسة الحقوق.
– سجل الوكالات الرسمية: تقدم تشريعي وأسئلة مفتوحة .
جاء إحداث سجل الوكالات الرسمية المتعلقة بالحقوق العينية، الذي شرع في العمل به ابتداء من فاتح يونيو 2026، في سياق تعزيز الأمن العقاري والتصدي لمخاطر استعمال الوكالات المزورة أو المنتهية. ويمثل هذا السجل خطوة مهمة في تنظيم تداول الوكالات المتعلقة بالتصرفات العقارية، وإخضاع استعمالها لمقتضيات التقييد والتحقق المقررة قانونًا.
غير أن فعاليته تظل مرتبطة بمدى قدرته على معالجة الإشكالات العملية التي تثيرها الوكالات المحررة بالخارج. فكيف يتم التحقق من صحة وكالة صادرة عن موثق أجنبي؟ وكيف يمكن ضمان تحيين بيانات السجل إذا وقع عزل الوكيل أو وفاة الموكل خارج المغرب؟ وما حدود الرقابة التي تمارس عند تقييد الوكالة، وهل يشكل التقييد ضمانة كافية لاستمرار صلاحيتها؟ .
إن التقييد في السجل، مهما بلغت أهميته، لا يمكن أن يتحول وحده إلى قرينة مطلقة على صحة الوكالة أو استمرارها، ما لم يقترن بآليات فعالة للتحقق من البيانات وتحيينها. فالرقمنة لا تنشئ الثقة القانونية بذاتها، وإنما توفر وسيلة لتعزيزها متى اقترنت بضمانات قانونية ومؤسساتية فعالة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى توحيد الممارسة بين الجهات المعنية، وتطوير آليات التعاون وتبادل المعلومات مع الجهات المختصة بالخارج، حتى لا يتحول نظام وضع لتأمين المعاملات إلى مصدر جديد لتعطيلها.
خاتمة: نحو الفصل بين حجية المحرر الأجنبي وقوته التنفيذية .
إن قراءة المادة 455 من قانون المسطرة المدنية الجديد في ضوء المادة 450 وطبيعة عقد الوكالة تسمح بترجيح أن الوكالات الأجنبية لا تخضع، في أصلها، لمسطرة التذييل بالصيغة التنفيذية، ما دامت لا تتضمن التزامًا يراد تنفيذه جبرًا.فالمشرع، باشتراطه ثبوت الصفة التنفيذية للسند الأجنبي في بلد توثيقه، لم يضف مجرد إجراء شكلي، وإنما وضع معيارًا موضوعيًا يحدد طبيعة المحررات التي يمكن أن تستفيد من القوة التنفيذية بالمغرب. غير أن استبعاد الوكالة من نطاق التذييل لا يعني إعفاءها من الرقابة القانونية، بل يقتضي إخضاعها للقواعد المتعلقة بحجية المحررات الأجنبية، وصلاحيتها لإنتاج آثارها، والشروط الخاصة التي يفرضها القانون المغربي على التصرفات العقارية، مع مراعاة الاتفاقيات الدولية والتقييد في سجل الوكالات عند وجوبه. وهكذا يتبين أن الإشكال الحقيقي لا يتعلق بالاختيار بين حماية المعاملات وتيسيرها، وإنما بتحديد الوسائل القانونية الملائمة لتحقيق الهدفين معًا، دون الخلط بين الرقابة على صحة المحرر والرقابة على قابليته للتنفيذ الجبري. ولعل القيمة الأهم للصياغة الجديدة للمادة 455 تكمن في أنها تتيح تجاوز جانب من الجدل الذي أثارته العقود الأجنبية في ظل التشريع السابق، من خلال الفصل بين حجية المحرر وقوته التنفيذية.
ويبقى على القضاء أن يكرس هذا التمييز، وعلى الجهات الإدارية والمهنية المعنية أن توحد ممارستها بشأن الوكالات المحررة بالخارج، بما يضمن حماية الملكية العقارية دون تحميل مغاربة العالم إجراءات قضائية لا تقتضيها طبيعة التصرفات التي يرغبون في إنجازها.
فالأمن القانوني لا يتحقق بكثرة الإجراءات، وإنما بوضوح شروطها، ودقة مجال تطبيقها، وقدرتها على حماية الحقوق دون تعطيل ممارستها.
