مجلة مغرب القانونالقانون العاممحمد المعطاوي: المسؤولية الإدارية عن مخاطر الذكاء الاصطناعي

محمد المعطاوي: المسؤولية الإدارية عن مخاطر الذكاء الاصطناعي

محمد المعطاوي / MOHAMED EL MAATAOUIدكتور في القانون العام (العلوم الإدارية)

جامعة عبد المالك السعدي – تطوان


خلاصة:

يتناول هذا المقال إشكالية المسؤولية الإدارية عن مخاطر الذكاء الاصطناعي في سياق التحول الرقمي المتدرج الذي تعرفه المرافق العمومية، مع التركيز على خصوصية التجربة المغربية وحدود تأطيرها القانوني الحالي. وينطلق التحليل من إبراز التحول الذي أحدثته الخوارزميات في منطق اتخاذ القرار الإداري، وما ترتب عنه من إعادة تشكيل لمفاهيم الخطأ والضرر والسببية داخل نظرية المسؤولية الإدارية. ويبين المقال أن مخاطر الذكاء الاصطناعي ليست تقنية محضة، بل ذات طبيعة قانونية ومؤسساتية تمس مبادئ الشرعية والشفافية والمساواة وجودة المرفق العام. كما يناقش خصوصية الأضرار الخوارزمية من حيث طابعها البنيوي والصامت والجماعي، وما تطرحه من تحديات على مستوى الإثبات والرقابة القضائية. ويبرز البحث محدودية القواعد التقليدية للمسؤولية القائمة على الخطأ في استيعاب هذه المخاطر، مقابل قابلية نظام المسؤولية دون خطأ، ولا سيما نظرية المخاطر، لتوفير حماية أكثر نجاعة للمرتفقين. وفي ضوء المقارنات الدولية والمعايير الأممية، يؤكد المقال على دور القاضي الإداري في تطوير آليات رقابية مبتكرة توازن بين متطلبات الابتكار الإداري وضمان الحقوق والحريات. ويخلص في النهاية إلى ضرورة اعتماد مقاربة تدريجية واستشرافية تمكن من مأسسة استعمال الذكاء الاصطناعي داخل الإدارة العمومية في إطار يحترم دولة القانون ويعزز الثقة في المرفق العام.

الكلمات المفتاحية: المسؤولية الإدارية -الذكاء الاصطناعي- الضرر الخوارزمي – المرفق العام – الحكامة الرقمية.

Abstract:

This article examines the issue of administrative liability for the risks of artificial intelligence within the context of the gradual digital transformation of public services, with particular emphasis on the specificities of the Moroccan experience and the current limits of its legal framework. The analysis begins by highlighting the shift brought about by algorithmic systems in administrative decision-making processes and the resulting reconfiguration of the concepts of fault, damage, and causation within the theory of administrative liability. The article demonstrates that the risks associated with artificial intelligence are not purely technical in nature, but rather legal and institutional, as they affect fundamental principles such as legality, transparency, equality, and the quality of public services. It further discusses the distinctive characteristics of algorithmic harm, notably its structural, silent, and collective nature, and the challenges it poses in terms of evidence and judicial oversight. The study underscores the limitations of traditional fault-based liability rules in addressing these risks, while emphasizing the suitability of no-fault administrative liability—particularly the risk-based theory—as a more effective mechanism for protecting service users. Drawing on comparative experiences and international standards, the article stresses the crucial role of administrative judges in developing innovative oversight mechanisms capable of balancing administrative innovation with the protection of rights and freedoms. It concludes by advocating a gradual and forward-looking approach to institutionalizing the use of artificial intelligence in public administration, in a manner that upholds the rule of law and strengthens public trust in administrative institutions.

Keywords : Administrative liability – Artificial intelligence – Algorithmic harm – Public service – Digital governance


مقدمة:

أفرزت الطفرة التكنولوجية التي شهدها العالم خلال العقدين الأخيرين تحولات عميقة مست بنية العمل الإداري وأنماط اشتغال المرافق العمومية، بحيث لم يعد التحول الرقمي مجرد أداة لتحديث الوسائل أو تبسيط المساطر، بل أضحى مدخل لإعادة تشكيل منطق اتخاذ القرار العمومي ذاته، وفي هذا السياق انتقل الذكاء الاصطناعي من موقعه كوسيلة تقنية مساعدة إلى عنصر بنيوي داخل منظومة التدبير الإداري، مؤسسا لما بات يصطلح عليه بـ الفاعلية الخوارزمية[1]، حيث أصبحت الخوارزميات قادرة على معالجة كم هائل من المعطيات، وتحليل السلوكيات الإدارية، وتوقع النتائج، واقتراح بدائل القرار، بل والمساهمة في صياغة قرارات إدارية شبه مكتملة، لا يتدخل فيها العنصر البشري إلا في حدود ضيقة.

وقد أدى هذا التحول إلى تغيير مركز الثقل داخل المرافق العمومية، حيث انتقلت بعض وظائف التقدير الإداري من الموظف العمومي إلى النظام الذكي، في تطور يطرح إشكالات قانونية عميقة تمس جوهر النظرية التقليدية للقانون الإداري، وعلى رأسها نظرية المسؤولية الإدارية. فإذا كانت هذه الأخيرة قد تشكلت تاريخيا في ظل نموذج قرار إداري بشري، يقوم على خطأ منسوب إلى المرفق العام أو إلى أحد أعوانه، فإن إدماج الذكاء الاصطناعي في صلب العملية الإدارية يثير تساؤل مفاهيمي دقيق حول مدى أهلية هذه القواعد لاستيعاب ما يمكن تسميته بـ الخطأ الخوارزمي، وحول الجهة التي ينبغي إسناد الضرر إليها، هل هي الإدارة باعتبارها شخص معنوي؟ أم الفاعل البشري المشرف على النظام؟ أم أن طبيعة هذه التحولات تقتضي إعادة بناء نظرية المسؤولية الإدارية على أسس جديدة تراعي خصوصيات القرار الإداري المؤسس على الذكاء الاصطناعي؟

ولا ينفصل هذا النقاش عن المسار التطوري الذي عرفته الإدارة العمومية، حيث انتقلت من نموذجها الكلاسيكي الورقي إلى الإدارة الإلكترونية، وصولا إلى ما يصطلح عليه بالإدارة الذكية، القائمة على تقنيات التعلم الآلي وتحليل البيانات واتخاذ قرارات ذاتية التطور، وبقدر ما أسهم هذا التحول في تحسين جودة الخدمات العمومية، وتخفيض كلفة التدبير، ورفع مردودية الأداء الإداري، بقدر ما أفرز مخاطر جديدة تمس الأمن القانوني للأفراد، وتجعل الحقوق الأساسية عرضة للانتهاك بفعل عوامل تقنية قد لا تكون الإدارة واعية بها أو قادرة على التحكم الكامل في آثارها. وتزداد خطورة هذه المخاطر عندما يتعلق الأمر بقرارات تمس الولوج إلى الخدمات العمومية، أو الاستفادة من البرامج الاجتماعية، أو الحق في المعلومة، أو مبدأ عدم التمييز، وهي مجالات أصبح للأنظمة الخوارزمية فيها دور متنام على الصعيد المقارن.

وفي السياق المغربي، تكتسي هذه الإشكالية أهمية خاصة بالنظر إلى الدينامية المتزايدة التي تعرفها البلاد في مجال التحول الرقمي، سواء من خلال الاستراتيجية الوطنية للرقمنة[2]، أو عبر مشاريع رقمنة المساطر والإجراءات الإدارية، أو في إطار التوجه المعلن نحو إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي في تدبير بعض المرافق العمومية، غير أن هذا المسار رغم أهميته، لا يزال يتسم بكونه انتقالي ومحدود التجربة الميدانية، كما يفتقر إلى إطار قانوني خاص ينظم المسؤولية الإدارية عن مخاطر الذكاء الاصطناعي، ويحدد بوضوح حدود مساءلة الإدارة عن الأضرار الناتجة عن القرارات المدعومة أو المؤثرة خوارزميا، ويبرز هذا الفراغ التشريعي في ظل غياب نصوص صريحة، مما يضع القضاء الإداري المغربي أمام تحد دقيق يتمثل في ضرورة التوفيق بين حماية الحقوق والحريات من جهة، وضمان استمرارية وفعالية المرافق العامة من جهة أخرى، عبر تأويل القواعد التقليدية للمسؤولية الإدارية في ضوء التحول الرقمي.

وعلى هذا الأساس، يطرح موضوع “المسؤولية الإدارية عن مخاطر الذكاء الاصطناعي” نفسه كأحد أكثر الإشكالات القانونية راهنية وتعقيدا، لأنه لا يقتصر على مساءلة الإدارة عن خطأ تقني معزول، بل يمس جوهر العلاقة بين الإدارة والمرتفق في عصر تتزايد فيه وساطة الخوارزميات، ومن ثم يثير هذا الموضوع في اعتقادي سؤالين محوريين: أولهما، كيف يمكن ضبط المسؤولية الإدارية في ظل تدخل أنظمة ذكية في مسار اتخاذ القرار دون رقابة بشرية كاملة؟ وثانيهما، كيف يمكن تحقيق التوازن بين متطلبات الابتكار الإداري وضرورات حماية الحقوق الفردية وضمان الأمن القانوني للمواطنين؟

وانطلاقا من ذلك، يمكن بلورة الإشكالية المركزية لهذا المقال على النحو الآتي:

إلى أي حد تسمح قواعد المسؤولية الإدارية في القانون المغربي باستيعاب المخاطر الناشئة عن استعمال الذكاء الاصطناعي داخل المرافق العمومية، وما هي الأسس القانونية الممكنة لضبط مساءلة الإدارة عن الأضرار الخوارزمية بما يحقق التوازن بين حماية الحقوق وفعالية المرفق العام؟

وتتفرع عن هذه الإشكالية أسئلة فرعية دقيقة، من قبيل:

  • هل يمكن تصور خطأ إداري قائم على خوارزمية؟
  • وما طبيعة العلاقة السببية بين النظام الذكي والضرر؟
  • وهل يوفر الإطار القانوني المغربي الحالي حماية كافية للمرتفق؟
  • وما الدور الذي يمكن أن يضطلع به القاضي الإداري المغربي في تطوير نظرية للمسؤولية الخوارزمية؟

وللإحاطة بهذه الإشكالية المركبة، يعتمد هذا المقال منهج تحليلي وتركيبي كذلك يقوم على تفكيك المفاهيم القانونية، واستقراء ملامح التحول الرقمي في الإدارة المغربية، وتحليل القواعد العامة والاجتهادات القضائية ذات الصلة، مع الاستئناس بالتجارب المقارنة الرائدة بوصفها أدوات استرشاد لا نماذج إسقاط. وعليه، سيتم تناول الموضوع من خلال مطلبين متكاملين، يخصص الأول للإطار القانوني والمفاهيمي لمخاطر الذكاء الاصطناعي داخل المرافق العمومية، بينما يعالج الثاني أسس المسؤولية الإدارية عن هذه المخاطر بين ضمان الحقوق وفعالية المرفق العام، بما يسمح بتقديم تصور علمي متوازن لأفق المسؤولية الإدارية في عصر الذكاء الاصطناعي.

المطلب الأول: الإطار القانوني والمفاهيمي لمخاطر الذكاء الاصطناعي داخل المرافق العمومية

أفرز التحول الرقمي الذي تشهده الإدارات العمومية على الصعيد العالمي بروز أنماط جديدة من التدبير الإداري، تقوم على توظيف تقنيات المعالجة الآلية للبيانات ونظم الدعم الذكي للقرار، بما في ذلك بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ورغم أن التجربة المغربية لا تزال، في هذا المجال في مرحلة انتقالية تتسم بمحدودية الاستعمالات العملية للأنظمة الذكية داخل المرافق العمومية، فإن التوجه نحو إدماج هذه التقنيات يطرح منذ الآن إشكالات قانونية ذات طبيعة استباقية، خاصة فيما يتعلق بمخاطرها المحتملة على الحقوق والمراكز القانونية للأفراد.

ذلك أن إدخال الذكاء الاصطناعي، ولو بشكل جزئي أو تجريبي، في النشاط الإداري لا يتم خارج الإطار القانوني، بل داخل منظومة محكومة بمبادئ دستورية وقواعد أساسية، في مقدمتها الشرعية، والمساواة، وشفافية القرار الإداري، وحماية الحقوق والحريات. غير أن خصوصية الأنظمة الخوارزمية[3]، بما تنطوي عليه من تعقيد تقني، وعدم قابلية كاملة للتفسير، وقدرة على إنتاج نتائج مؤثرة دون تدخل بشري مباشر، تجعل منها مصدر لمخاطر قانونية جديدة، تختلف في طبيعتها عن المخاطر التقليدية المرتبطة بالنشاط الإداري، ومن ثم فإن مقاربة المسؤولية الإدارية عن مخاطر الذكاء الاصطناعي تقتضي، كمرحلة أولى، تفكيك الإطار المفاهيمي والقانوني المؤطر لاستعمال هذه التقنيات داخل المرافق العمومية، من خلال تحديد طبيعة المخاطر المرتبطة بها، وخصائص الأضرار التي قد تنشأ عنها، ومدى قابلية إخضاعها لمبادئ القانون الإداري الكلاسيكية. ويهدف هذا المحور إلى إرساء هذه الأسس التحليلية، باعتبارها مدخل منهجي ضروري لفهم حدود المساءلة القانونية للإدارة في سياق التحول نحو الإدارة الذكية، دون افتراض واقع مؤسساتي لم يكتمل بعد في التجربة المغربية.

الفقرة الأولى: مفهوم الذكاء الاصطناعي وحدود تدخله في النشاط العمومي

إذا كان الحديث عن الذكاء الاصطناعي[4] داخل المرافق العمومية يوحي للوهلة الأولى بانتقال الإدارة إلى نموذج قرار خوارزمي[5] بالكامل، فإن التحليل القانوني الرصين يفرض بداية تدقيق المفاهيم وتمييز مستويات الاستعمال ذلك أن ما يوجد غالبا داخل الإدارات (وخاصة في السياق المغربي) لا يرقى بالضرورة إلى “إدارة خوارزمية” بالمعنى القوي، بل يتراوح بين رقمنة المساطر، ونظم معلومات القرار، وأدوات تصنيف وترتيب ومعالجة تلقائية للملفات، وصولا بشكل تدريجي إلى نماذج التنبؤ والتقييم الآلي، ومن ثم، فإن ضبط مفهوم الذكاء الاصطناعي الإداري ليس تمرين تقني، بل هو مدخل لازم لتحديد مركز القرار ومن يتحمل تبعاته، هل القرار قرار إداري بشري استعين فيه بأداة، أم قرار إداري خوارزمي تمت هندسة نتيجته مسبقا عبر نموذج لا يملك الموظف سوى تفعيله؟ هنا يبدأ السؤال القانوني الحقيقي.

ويتجلى هذا الإشكال بوضوح من خلال بعض الأمثلة النظرية ذات الدلالة العملية، من قبيل استخدام برامج المعالجة الخوارزمية في عمليات الترقية الوظيفية. فالتقليد الإداري المستقر عليه يقتضي أن تقوم الجهة المختصة بالترقية بإجراء مفاضلة بين الموظفين استنادا إلى معايير متعددة، تشمل دراسة الملفات الإدارية، وتحيين الشهادات المحصل عليها، واحتساب سنوات الخدمة، والاطلاع على الجزاءات التأديبية والتحقق من استمرار سريانها، قبل اتخاذ القرار النهائي، غير أن إدماج أنظمة الذكاء الاصطناعي في هذا المجال يتيح اختصار الجهد والزمن، عبر إسناد عملية التقييم والمفاضلة إلى نظام آلي يقوم بتحليل المعطيات السابقة وترتيب البدائل المتاحة، وصولا إلى اقتراح أو حتى إنتاج القرار الأمثل بطريقة دقيقة وسريعة، يفترض فيها الحد من المؤثرات البشرية السلبية، كالمحاباة أو التعسف[6]، غير أن هذه النجاعة التقنية، على أهميتها، لا تعفي من التساؤل القانوني الجوهري حول طبيعة القرار المتخذ، وحدود الإشراف البشري عليه، ومن يتحمل مسؤوليته عند المساس بالمراكز القانونية للموظفين.

أولا: من الرقمنة إلى الذكاء الاصطناعي.

التمييز المنهجي يقتضي فصل ثلاثة مستويات متدرجة:

  • الإدارة الإلكترونية: نقل الإجراء إلى وسيط رقمي (إيداع، تتبع، إشعار…)، دون أن تتغير بنية التقدير الإداري.
  • الدعم الخوارزمي للقرار: استعمال نماذج ترتيب/ترشيح/تنبيه تساعد الموظف على القراءة والتقييم، لكن دون أن تنتج القرار بذاتها.
  • القرار الإداري المستند إلى معالجة خوارزمية للمعطيات كليا أو جزئيا: حيث تصبح مخرجات النظام محددة يشكل فعلي للنتيجة (قبول/رفض/تصنيف/أولوية)، مع تدخل بشري محدود أو شكلي.

قانونيا، خطورة الانتقال إلى المستوى الثالث تكمن في أن القرار الإداري، بوصفه العمل الانفرادي الصادر عن الإدارة والمعبر عن إرادتها والمحدث لأثر قانوني في المركز أو الوضعية القانونية للأفراد، بالتعديل أو الزيادة أو الإلغاء استنادا على سلطتها التقديرية والتقريرية، وحقها في توجيه الأوامر والنواهي تحقيقيا للمصلحة العامة[7]، قد يتحول إلى ناتج تقني، فتستبدل منطقية التعليل[8] القانوني بمنطقية النتيجة الحسابية. وهذا لا يعني أن الخوارزمية تصبح ذات شخصية قانونية (فهي ليست فاعل قانوني)، لكنه يعني أن وظيفة التقدير التي كانت تمارسها الإدارة بواسطة إنسان أصبحت تمارس بواسطة نظام. وهنا تتغير طبيعة المخاطر، لأن الرقابة التقليدية (مشروعية/ملاءمة/تعليل) تواجه بنية غير شفافة.

ثانيا: حدود مشروعية تدخل الذكاء الاصطناعي.

في القانون الإداري، مبدأ الشرعية لا ينصرف فقط إلى احترام النصوص، بل يشمل كذلك احترام قواعد الاختصاص والغاية والإجراءات، وعليه فإن إدماج الذكاء الاصطناعي في القرار العمومي يثير سؤال دقيق، هل يعد ترك المخرجات الخوارزمية تحسم النتيجة تفويض مقنع لوظيفة القرار خارج إطار الاختصاص؟

المبدأ أن الإدارة لا تملك أن تتنصل من مسؤوليتها بحجة أنها اتبعت توصية آلية، لأن القرار ينسب في النهاية إلى الجهة الإدارية المختصة التي يجب أن تظل قادرة على تفسيره وتبريره ومراجعته. وفي السياق المغربي، تستمد هذه القاعدة أيضا من فلسفة الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة ومن مبادئ جودة المرفق العام والشفافية والإنصات للمرتفقين كما يقررها دستور 2011 في باب الحكامة (وخاصة المقتضيات التي تؤكد مبادئ الشفافية والمسؤولية وجودة الخدمات).

وعلى هذا الأساس، لا يصبح الذكاء الاصطناعي مشروعا لمجرد كونه فعال، بل لا بد أن يظل إدماجه منسجم مع منطق الشرعية، قرار مفهوم وقابل للتفسير ومنسوب لسلطة مختصة، وقابل للطعن.

ثالثا: الذكاء الاصطناعي الإداري ومطلب الشفافية.

الشفافية في الإدارة الرقمية هي شرط أساسي لتحقيق التوازن في العلاقة بين الإدارة والمرتفق، وضمان قابلية القرار الإداري للفهم والمساءلة، غير أن إدماج الذكاء الاصطناعي في مسار اتخاذ القرار لا يكتفي بتعقيد الأدوات التقنية، بل يعيد تشكيل مفهوم الشفافية ذاته، ففي سياق رقمنة المساطر الإدارية، تظل الشفافية مرتبطة أساسا بوضوح الإجراءات، من حيث الآجال المعتمدة، والوثائق المطلوبة، ومسار معالجة الطلب، وهي عناصر تمكن المرتفق من تتبع ملفه والتحقق من احترام الإدارة للقواعد الإجرائية. أما في سياق القرارات المستندة إلى معالجة خوارزمية للمعطيات، فإن الشفافية تنتقل من مستوى المسطرة إلى مستوى أعمق يتمثل في شفافية المنطق القرار ذاته.

ذلك أن المرتفق في هذا السياق، لا يكتفي بمعرفة أن طلبه رفض أو أن ترتيبه كان متأخرا، بل يصبح من حقه التساؤل حول الأسس التي بني عليها هذا القرار، لماذا رفض الطلب؟ ولماذا صنف هذا المرتفق أقل استحقاق من غيره؟ ولماذا منح ترتيب معين دون سواه؟ وهي أسئلة لا يمكن الإجابة عنها بمجرد الإحالة إلى احترام المسطرة، بل تقتضي كشف كافي عن منطق المعالجة الخوارزمية والمعايير التي وجهت مخرجاتها.

وتزداد أهمية هذا المستوى المعزز من الشفافية بالنظر إلى ما قد يعتري الأنظمة الخوارزمية من عيوب تقنية وتنظيمية متعددة، لا يقتصر أثرها على الأداء الإداري، بل يمتد إلى مشروعية القرار نفسه. فمن بين هذه العيوب نذكر الخطأ في تعليمات الخوارزمية أو في برمجتها، أو عدم احترام ضوابط الاختصاص في التحكم في إعدادات النظام، أو الاستخدام غير المشروع للبيانات الشخصية، أو عدم صحة المعطيات المدخلة، فضلا عن الإخلال بمقتضيات الشفافية الواجبة في إجراءات المعالجة الخوارزمية. كما قد ينشأ الخلل عن سوء تفعيل أو ضبط إعدادات البرنامج، أو عن عدم مطابقة خطوات الخوارزمية للنصوص القانونية والتنظيمية النافذة، أو للتوجيهات الإدارية المعمول بها وتفسيراتها الصحيحة[9]. وفي جميع هذه الحالات، تتحول غياب الشفافية من مجرد قصور إجرائي إلى عامل مضاعف لمخاطر المساس بالحقوق، ومصدر محتمل للمساءلة القانونية للإدارة.

هنا تتقاطع الشفافية مع شرط جوهري هو قابلية القرار للتعليل والفهم، فإذا كانت الأنظمة الذكية غير قابلة للتفسير بما يكفي، فإن الخطر لا يكون تقنيا فقط، بل يتحول إلى مساس بضمانة قانونية، لأن المرتفق لا يستطيع مجابهة قرار لا يفهم أسبابه، ولهذا تميل التجارب المقارنة إلى فرض التزامات متصاعدة بحسب خطورة الاستعمالات، كما يتضح في الإطار الأوروبي (AI Act)[10] الذي يعتمد مقاربة مبنية على المخاطر ويشدد على متطلبات الثقة والحكامة والشفافية في الاستعمالات عالية الخطورة، بما فيها تلك التي تمس حقوق الأفراد أو ولوجهم لخدمات أساسية.

ومع مراعاة أن المغرب لم يبلغ بعد هذا المستوى من التأطير الخاص بالذكاء الاصطناعي، فإن الاستفادة المنهجية من التجارب المقارنة تظل ممكنة كـمرجع استشرافي يضيء مكامن الخلل التي قد تظهر لاحقا. الذكاء الاصطناعي الإداري لا يعمل دون بيانات، والقاعدة التقنية المعروفة، “مخرجات جيدة تتطلب مدخلات جيدة”، لكن قانونيا، هذا يفتح باب له حساسية عالية، إذا كانت البيانات ناقصة أو متحيزة أو غير محينة، فإن قرار الإدارة يصبح معرض للانحراف.

وتبرز التجارب الدولية في هذا المجال أن الكفاءة في استخدام الذكاء الاصطناعي لا تقاس فقط بسرعة الإنجاز أو تقليص آجال المعالجة، وإنما تقاس أساسا بمدى احترام تعقيد الخصوصية البشرية، وضمان العدالة في الولوج إلى الخدمات العمومية، وتعزيز قابلية القرار للمساءلة والمراجعة[11].

 فالنجاعة التقنية، متى انفصلت عن الضمانات القانونية والأخلاقية، قد تتحول إلى مصدر لعدم المساواة بدل أن تكون أداة لتحسين الحكامة. كما تظهر هذه التجارب أن تطبيق الأتمتة الإدارية في غياب إطار تنظيمي ناضج قد يؤدي إلى نشوء ما يمكن تسميته بـ إدارة ثنائية السرعة، تفرز تفاوت بين وحدات إدارية متقدمة رقميا وأخرى لا تزال تشتغل بوسائل تقليدية، وهو ما من شأنه إضعاف العدالة المؤسسية، والتأثير سلبا على وحدة الخدمة العمومية وجودة الحكامة الإدارية. ومن ثم، فإن التحول الرقمي لا ينبغي أن يتم على نحو فجائي أو غير متكافئ، بل يستلزم اعتماد مقاربة تدريجية تراعي تفاوت الجاهزية الرقمية بين المرافق، وتعزز في الآن ذاته ثقافة التكامل بين العنصر البشري والتقني[12]، بما يضمن توظيف الذكاء الاصطناعي كأداة دعم للقرار، لا كبديل آلي قد يُفرغ المسؤولية الإدارية من مضمونها.

مقال قد يهمك :   محمد عبد النباوي : تقادم الدعوى العمومية و تقادم العقوبة في التشريع المغربي

الفقرة الثانية: طبيعة المخاطر المرتبطة باستعمال الذكاء الاصطناعي داخل المرافق العمومية.

تتحدد قيمة الحديث القانوني عن مخاطر الذكاء الاصطناعي داخل المرافق العمومية ليس في استحضار الصورة المتقدمة للإدارة الخوارزمية كما تتجلى في بعض التجارب الدولية، بل في بناء تصور دقيق للمخاطر المحتملة التي قد ترافق حتى في مرحلة الاستعمال الجزئي أو التجريبي مسار الانتقال من رقمنة الإجراء إلى عقلنة القرار. وفي السياق المغربي، حيث لا تزال تطبيقات الذكاء الاصطناعي داخل المرافق العمومية محدودة من حيث النضج والانتشار، تصبح المقاربة الأكثر اتزانا هي مقاربة استشرافية واقعية تستحضر المخاطر قبل تحققها على نطاق واسع، لكنها تربطها منذ الآن بمبادئ دستورية وقواعد قانونية قائمة، حتى لا تتحول فعالية الأداة الرقمية إلى مدخل لإضعاف الضمانات.

أول ما ينبغي تقريره أن مخاطر الذكاء الاصطناعي في الإدارة ليست مخاطر تقنية محضة، بل هي مخاطر قانونية مؤسساتية في الأصل تتخذ شكل عطب في الشرعية أو خلل في الضمانات قبل أن تكون مجرد خطأ برمجي. ذلك أن المرفق العام بمقتضى المبادئ الدستورية المؤطرة له مطالب بمعايير الجودة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، كما أن أعوانه ملزمون باحترام القانون والحياد والشفافية والنزاهة، وأن الخدمات العمومية مطالبة بالإنصات للمرتفق وتتبع ملاحظاته وتظلماته وفق ما تقرره الفصول 154 و155 و156 من دستور 2011، ويعززه ميثاق المرافق العمومية[13]، وعليه فأي إدماج للخوارزميات في مسار اتخاذ القرار ولو في مرحلة الترتيب أو الانتقاء أو توجيه الملفات قد يخلق توتر بين منطق الحساب ومنطق المشروعية، لأن المشروعية لا تقاس بالسرعة أو النجاعة وحدها، بل تقاس أيضا بقدرة القرار على أن يكون مفهوم، قابل للتعليل، وقابل للطعن، ومحايد.

أولا: مخاطر المساس بالمساواة وعدم التمييز.

أخطر ما ينسب إلى الأنظمة الخوارزمية في المجال العمومي هو قدرتها على إنتاج نتائج تبدو موضوعية بينما هي في العمق تعكس انحيازات كامنة في البيانات أو في طريقة النمذجة. فحين تعتمد الإدارة ولو بشكل ضمني على نظام يصنف المرتفقين أو يرتبهم (استحقاق، أولوية، درجة خطر، احتمال غش…) فإن معيار المساواة أمام المرفق العام قد يتأثر إذا كانت البيانات غير ممثلة أو متحيزة أو ناقصة. وهذا الخطر لا يقاس فقط بنتيجته (إقصاء شخص)، بل ببنيته لأن التمييز هنا قد يكون منهجي (يتكرر على فئات) وصامت (غير معلن) وصعب الإثبات، ومن ثم تتقاطع هذه الإشكالية مع توجهات دولية معتبرة تجعل العدالة وعدم التمييز في صلب حكامة الذكاء الاصطناعي، وهو ما تؤكده توصية اليونسكو حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي باعتبارها معيار عالمي موجه للدول الأعضاء نحو حماية الكرامة والحقوق[14].

ثانيا: مخاطر تقويض الشفافية وتعليل القرار.

حتى عندما تكون النتيجة الخوارزمية صحيحة تقنيا، يظل الإشكال القانوني قائم إذا عجزت الإدارة عن تقديم منطق مفهوم يفسر كيف وصلت إلى قرار يمس مركز قانوني لفرد، فالمرفق العام المغربي محكوم دستوريا بمعايير الشفافية وجودة الخدمة وواجب الإنصات[15]، غير أن بعض أنظمة التعلم الآلي تشتغل بمنطق احتمالي معقد يجعل التفسير صعب أو ناقص، هنا يصبح الخطر مزدوج:

  • خطر على حق المرتفق في الفهم، الذي يشكل قاعدة لازمة لممارسة حق الطعن.
  • وخطر على قابلية الرقابة القضائية ذاتها، لأن القاضي الإداري يراقب المشروعية عبر وقائع وأسباب ومعايير، فإذا تحولت الأسباب إلى معادلات غير قابلة للتتبع، ضعفت أدوات الرقابة وارتفعت كلفة الإثبات، ولهذا نجد في التجارب المقارنة توجه متزايد إلى بناء “شفافية خوارزمية” في القطاع العام[16]، سواء عبر أدوات الإفصاح أو التدقيق أو ضمان الإشراف البشري، وهو ما تناقشه دراسات مؤسساتية مثل أعمال منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية حول الشفافية الخوارزمية في القطاع العام[17].

ثالثا: مخاطر حماية المعطيات الشخصية والحق في الخصوصية.

الذكاء الاصطناعي لا يشتغل دون بيانات، والبيانات في المجال الإداري في الغالب ما تكون حساسة لأنها ترتبط بالهوية والوضع الاجتماعي والصحي والمهني… إلخ. وفي المغرب، يشكل القانون رقم 09-08 [18]الإطار المرجعي المركزي الذي يهدف إلى حماية الأشخاص تجاه معالجة معطياتهم، ويؤسس لاختصاصات اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي [19](CNDP).

 وعليه، فخطر الذكاء الاصطناعي هنا لا ينحصر في تسرب البيانات، بل يمتد إلى:

  • معالجة أوسع من اللازم (تجميع بيانات تفوق الحاجة الإدارية).
  • إعادة استعمال البيانات لأغراض غير معلنة.
  • اتخاذ قرارات تمس الأفراد بناء على استدلالات احتمالية مستخرجة من بياناتهم دون ضمانات كافية.

وبذلك يصبح التحدي القانوني، كيف نجمع بين تحسين الخدمة العامة وبين احترام مبادئ التناسب، والغاية المحددة للمعالجة، وضمان أمن البيانات؟

رابعا: مخاطر مؤسساتية تتعلق بتوزيع المسؤولية والرقابة.

في القرار الإداري التقليدي، يسهل إلى حد ما تحديد السلسلة: موظف/مصلحة/سلطة مختصة… أما في القرار المدعوم بالخوارزميات، فإن سلسلة الفعل تتشعب، بين مزود تقني، متعهد خدمة، إدارة مستعملة، موظف يعتمد المخرجات، بيانات تأتي من جهات متعددة… وهذا التشعب لا يلغي مسؤولية الإدارة، لكنه يعقد مسارات التتبع والإسناد ومن ثم، فإن المخاطر لا تتمثل فقط في وقوع الضرر، بل في احتمال تعذر تحديد مصدره أو انزلاق كل طرف إلى تحميل الآخر المسؤولية، بما يمس الأمن القانوني للمرتفق، وتذهب معايير دولية مثل مبادئ [20]OECD حول الذكاء الاصطناعي إلى التشديد على المساءلة  وضرورة بقاء جهة بشرية مؤسساتية مسؤولة عن آثار النظام، بدل تمييع المسؤولية داخل الشبكة التقنية. كما أن مجلس أوروبا[21] يؤكد أن معايير دولة القانون (الشرعية، الشفافية، التوقع، المساءلة والرقابة) يجب أن تستمر حتى عند استخدام الأنظمة الخوارزمية[22].

وبالعودة إلى السياق المغربي تحديدا، ينبغي التأكيد من باب الواقعية المنهجية أن هذه المخاطر قد تظهر بشكل تدريجي حتى قبل القرار الإداري الخوارزمي الكامل، أي بمجرد توسع الإدارة في رقمنة المساطر وتوحيد الوثائق والآجال واعتماد قنوات تواصل رقمية. والقانون 55-19[23] المتعلق بتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية يعكس هذا المنحى، من خلال تكريس منطق تبسيط العلاقة مع المرتفق وتأطير بعض المقتضيات الإجرائية ذات الصلة بالوثائق والتواصل والآجال، وهنا تكمن نقطة دقيقة كلما توسعت البنية الرقمية للمساطر، زادت قابلية إدماج أدوات خوارزمية لاحقا، ومن ثم تتقوى وجاهة التحليل الاستشرافي بوصفه جزء من بناء الوقاية القانونية قبل اكتمال التحول.

الفقرة الثالثة: خصوصية الأضرار الخوارزمية وحدود انضباطها للمفاهيم التقليدية للضرر الإداري.

إذا كان تحليل الفقرة الثانية قد بين طبيعة المخاطر التي يطرحها استعمال الذكاء الاصطناعي داخل المرافق العمومية، فإن الانتقال المنطقي يقتضي التوقف عند مآلات هذه المخاطر في صورة أضرار قانونية، أي عندما يمكن تسميته اصطلاحا بـ الأضرار الخوارزمية. فالإشكال المركزي هنا لا يتعلق فقط بوقوع الضرر[24]، وإنما بمدى قابلية هذا الضرر للإدماج داخل البناء النظري الكلاسيكي للمسؤولية الإدارية، الذي تشكل على مر التاريخ نتيجة فعل بشري، وقرار ظاهر، وعلاقة سببية قابلة للإثبات.

أولا: مفهوم الضرر الخوارزمي وتميزه عن الضرر الإداري التقليدي.

يتميز الضرر الخوارزمي[25] عن الضرر الإداري التقليدي بعدة خصائص بنيوية تجعل إخضاعه للقواعد الكلاسيكية أمر إشكالي. فالضرر الإداري، في صورته المعهودة، يكون في الغالب مباشر وفردي، ومحدد المصدر، ناتج عن قرار أو تصرف إداري يمكن إسناده إلى جهة أو موظف بعينه. أما الضرر الخوارزمي، فينشأ في الغالب عن عملية معالجة مركبة تشترك فيها البيانات، والنموذج الحسابي، وطريقة الاستعمال الإداري، وقد لا يظهر أثره فورا أو بشكل معزول، بل يتخذ طابع تراكمي.

فقد لا يتمثل الضرر الخوارزمي في حرمان صريح من حق، وإنما في تقليص فرص، أو تأخير غير مبرر، أو ترتيب سلبي ضمن آلية انتقاء، وهي آثار قد لا تدرك بسهولة كضرر قانوني، لكنها تمس بشكل فعلي المراكز القانونية للأفراد. ومن هنا تتبدى أولى الإشكالات، هل يشترط في الضرر الخوارزمي أن يكون محقق وفوري كما في التصور التقليدي، أم يمكن الاكتفاء بضرر محتمل إذا ثبتت علاقته بمنطق خوارزمي معين؟

ثانيا: إشكالية إثبات الضرر في ظل الغموض الخوارزمي.

يشكل الإثبات أحد أعقد جوانب المسؤولية الإدارية عن الأضرار الخوارزمية. فالقواعد التقليدية تفترض أن المتضرر قادر، بشكل مبدئي، على الاطلاع على القرار الإداري وأسبابه، ومن ثم منازعته أمام القضاء. غير أن القرارات المدعومة خوارزميا قد تنتج نتائج دون أن تكون أسبابها قابلة للتحديد بدقة، إما بسبب تعقيد النموذج الحسابي، أو بسبب عدم إفصاح الإدارة عن استعمالها لأداة خوارزمية أصلا، وهنا يبرز خطر مزدوج، خطر إفراغ الحق في الطعن من محتواه، لأن الطعن يفترض العلم بأسباب القرار، وخطر تحميل المتضرر عبئ إثباتي مفرط، إذ يطلب منه إثبات وجود خلل في نظام لا يملك معطياته التقنية ولا مفاتيح اشتغاله، ومن زاوية القانون الإداري، نظرا لصعوبة إثبات الخطأ في بعض الحالات المتعلقة بالمسؤولية الإدارية عن الأعمال المادية القائمة على اساس الخطأ، ونظرا لضعف موقف المدعي المتضرر في الدعوى الإدارية، اتجه الاجتهاد القضائي الإداري، المقارن والمغربي، إلى الاستعانة بالقرائن، لاسيما قرينة الخطأ لإثبات ركن خطأ الإدارة، مما يؤدي بالتالي إلى تحرر المتضرر مؤقتا من عبء الإثبات المنوط به أصلا في هذا الشأن، ونقله على عاتق الإدارة المدعى عليها، بحيث لا يلتزم المتضرر بإثبات الخطأ، إذ يكفي لقيام مسؤولية الإدارة إثبات الضرر الذي أصابه والعلاقة السببية بينه وبين تصرفات الإدارة أو أنشطتها التي يفترض فيها الخطأ[26].

وبخلاف طرق الإثبات المعروفة والمنصوص عليها، تأتي قرينة الخطأ كوسيلة لإثبات ركن الخطأ عن عمل أو نشاط جهة الإدارة المادي غير المشروع، حيث يلتجئ القاضي الإداري إلى الاستعانة بالقرائن عند غياب الخطأ الموجب للمسؤولية[27].

 ويطرح هذا الوضع ضرورة إعادة التفكير في قواعد الإثبات، سواء من خلال تخفيف عبء الإثبات عن المتضرر، أو من خلال إقرار التزامات خاصة على عاتق الإدارة، كواجب الشفافية أو واجب تقديم تفسير معقول للنتيجة الخوارزمية، وهذه المقاربة تجد سندها في تطور الفكر الإداري المقارن الذي لم يعد ينظر إلى الإثبات بوصفه مسألة إجرائية محضة، بل كآلية لتحقيق التوازن بين الإدارة والفرد في سياق تقني غير متكافئ.

ثالثا: علاقة السببية بين الخوارزمية والضرر.

تعد علاقة السببية حجر الزاوية في قيام المسؤولية الإدارية، غير أن الذكاء الاصطناعي يضع هذا الركن أمام اختبار حقيقي، فالضرر الخوارزمي لا يكون دائما نتيجة مباشرة لقرار إداري واحد، بل قد يكون حصيلة سلسلة من العمليات، جمع بيانات، اختيار نموذج، ضبط معايير، تدخل بشري محدود، ثم تطبيق النتيجة على حالة فردية، وفي هذا السياق يصعب الجزم بأن الضرر ناتج حصريا عن الخوارزمية، أو عن الإدارة، أو عن تصميم النظام. فالفعل الواحد قد ينتهي إلى سلسلة من النتائج التي يعقب بعضها البعض، وإذا ما أدى تسلسل النتائج إلى أضرار متعددة ومتعاقبة، فما هي الأضرار التي تحتفظ بعلاقة السببية بينها وبين الفعل الضار؟ القاعدة أن التعويض لا يكون إلا عن الضرر المباشر، بمعنى أن يكون الضرر نتيجة مباشرة للخطأ أو النشاط الذي سبب الضرر[28].

هذا التعقيد يفتح نقاش فقهي مهم حول مدى الحاجة إلى تطوير مفهوم السببية في مجال الأضرار الخوارزمية، بالانتقال من السببية الصارمة إلى سببية مرنة أو مفترضة، خاصة عندما يتعلق الأمر بأنظمة اعتمدتها الإدارة طواعية وأدمجتها في مسار اتخاذ القرار. فمتى ثبت أن الإدارة استعملت نظام خوارزمي أثر فعليا في القرار، فإن منطق الحماية القانونية يبرر افتراض علاقة سببية مبدئية، ما لم تثبت الإدارة العكس.

رابعا: الطابع الجماعي وغير المرئي لبعض الأضرار الخوارزمية.

من الخصائص اللافتة للأضرار الخوارزمية أنها لا تتخذ دائما شكل ضرر فردي معزول، بل قد تكون جماعية أو فئوية، تصيب مجموعة من المرتفقين بطريقة متماثلة نتيجة اعتماد منطق آلي واحد في التقييم أو التصنيف أو الانتقاء، ففي هذا السياق لا يكون كل فرد من المتضررين قادر بمفرده على إدراك الضرر اللاحق به، أو على إثباته في غياب معطيات مقارنة أو أدوات تحليل إحصائي تكشف نمط الانحراف. ويطرح هذا المعطى إشكالية بنيوية بالنسبة للقانون الإداري، الذي بني تاريخيا على نموذج المنازعة الفردية المرتبطة بقرار إداري شخصي، يحدد فيه المتضرر، ويثبت فيه الضرر، وتنشأ فيه علاقة سببية مباشرة بين القرار والنتيجة.

وقد نبهت توصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي إلى هذا البعد الجماعي للضرر، معتبرة أن أخطر أشكال الأذى الخوارزمي هي تلك التي تصيب فئات اجتماعية بأكملها بصورة غير مرئية، من خلال تحيزات مدمجة في البيانات أو في نماذج القرار، بما يهدد مبدأ المساواة وعدم التمييز على نحو بنيوي وليس عرضي[29]. وقد أكدت كذلك منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) في مبادئها حول الذكاء الاصطناعي أن العدالة الخوارزمية لا يمكن ضمانها فقط عبر فحص القرارات الفردية، بل تقتضي مراقبة الأنماط والآثار الجماعية للأنظمة الآلية، والتنبه لما أسمته بـ systemic bias، أي التحيز المنهجي الناتج عن تصميم النظام أو عن طبيعة البيانات المعالجة[30].

المطلب الثاني: المسؤولية الإدارية عن مخاطر الذكاء الاصطناعي بين ضمان الحقوق وفعالية المرفق العام.

إذا كان المطلب الأول قد انصرف إلى ضبط الإطار المفاهيمي والقانوني لمخاطر الذكاء الاصطناعي داخل المرافق العمومية، فإن هذا المطلب ينتقل إلى جوهر الإشكالية، والمتمثل في مدى قابلية قواعد المسؤولية الإدارية في القانون المغربي لاستيعاب الأضرار الخوارزمية، وحدود مساءلة الإدارة عنها في ظل تحولات تمس بنية القرار الإداري ذاتها. فالمسؤولية الإدارية، باعتبارها آلية قانونية لتحقيق التوازن بين سلطة الإدارة وحماية حقوق الأفراد، تجد نفسها اليوم أمام تحد غير مسبوق يتمثل في أضرار لا تنجم بالضرورة عن خطأ بشري مباشر، بل عن أنظمة تقنية معقدة أدمجتها الإدارة في مسار عملها تحقيقا للنجاعة والفعالية.

وانطلاقا من ذلك، يقتضي هذا المطلب تحليل أسس المسؤولية الإدارية التقليدية وإمكانات تكييفها مع خصوصيات الذكاء الاصطناعي، ثم الوقوف على دور القاضي الإداري المغربي في تطوير اجتهاد قضائي قادر على مواكبة هذا التحول.

الفقرة الأولى: إشكالية الخطأ الإداري في سياق القرار الخوارزمي وحدود المفهوم التقليدي.

يعد الخطأ الإداري، في البناء الكلاسيكي لنظرية المسؤولية الإدارية، حجر الزاوية الذي تقوم عليه مساءلة الإدارة عن الأضرار الناتجة عن نشاطها، سواء تم توصيفه كخطأ شخصي أو خطأ مرفقي، وسواء تعلق الأمر بانحراف في استعمال السلطة، أو بإخلال بواجب قانوني، أو بسوء في سير المرفق العام. وقد تأسس هذا المفهوم تاريخيا في ظل نموذج قرار إداري ينسب في جوهره، إلى فعل إنساني صادر عن أحد أعوان الإدارة أو عن تنظيم المرفق ذاته. غير أن إدماج الذكاء الاصطناعي ولو في صورته الجزئية أو غير المعلنة في مسار اتخاذ القرار الإداري، يفرض إعادة تفكيك عميقة لمفهوم الخطأ ذاته، إذ لم نعد بالضرورة أمام فعل بشري مباشر، بل أمام بنية تقنية تنظيمية مركبة تشارك فيها الخوارزمية بوصفها أداة تقييم أو ترتيب أو اقتراح، وقد يكون لها تأثير حاسم في النتيجة النهائية للقرار.

ومن الناحية العامة، تقوم المسؤولية القائمة على الخطأ على مبدأ أساسي مفاده أن كل شخص ألحق بخطئه ضررا للغير، لزمه جبره، باعتبار أن القاعدة العامة في القانون تقضي بعدم الإضرار بالغير، وكل إخلال بهذا الواجب القانوني العام يعد خطأ يستوجب التعويض. وقد كرس المشرع المغربي هذا المبدأ في الفصل 77 من قانون الالتزامات والعقود، الذي نص على أنه: “كل فعل ارتكبه الإنسان عن بينة واختيار، ومن غير أن يسمح به القانون، فأحدث ضررا ماديا أو معنويا للغير، ألزم مرتكبه بتعويض هذا الضرر، إذا ثبت أن ذلك الفعل هو السبب المباشر في حصول الضرر”.[31]

ويستفاد من هذا النص أن الخطأ يشكل الركن الأول في قيام المسؤولية التقصيرية، إلى جانب الضرر وعلاقة السببية. ويفهم الخطأ التقصيري، في مدلوله العام، على أنه الانحراف عن السلوك المألوف للشخص العادي الذي يتصرف عن تمييز وإدراك، وهو ما عبر عنه المشرع المغربي بقوله: “ترك ما كان يجب فعله أو فعل ما كان يجب الإمساك عنه، وذلك من غير قصد لإحداث الضرر.”[32]، ويلاحظ في هذا السياق أن المشرع الفرنسي لم يضع تعريف تشريعي صريح للخطأ، تاركا أمر تحديده لاجتهاد القضاء والفقه، وهو ما أتاح مرونة أكبر في تطوير مفهوم الخطأ تبعا لتحولات الواقع.

وإلى جانب الخطأ، يعتبر الضرر شرط جوهري لا تقوم المسؤولية المدنية، وبالأخص المسؤولية التقصيرية بدونه. وقد عرفه المشرع المغربي في الفصل 98 من قانون الالتزامات والعقود بأنه “الخسارة التي لحقت المدعي فعلا، والمصروفات الضرورية التي اضطر أو سيضطر إلى إنفاقها لإصلاح نتائج الفعل الذي ارتكب إضرارا به، وكذلك ما حرم منه من نفع في دائرة الحدود العادية لنتائج هذا الفعل…”.[33] ويشترط في الضرر، سواء كان مادي أو معنوي، أن يكون محققا، وأن يمس حق أو مصلحة مالية مشروعة للمدعي.

وانطلاقا من هذه القواعد، يتضح أن إدخال الذكاء الاصطناعي في النشاط الإداري لا يطرح إشكال تقني فحسب، بل يثير تساؤل قانوني عميق حول كيفية إسقاط مفاهيم الخطأ والضرر، كما استقرت في النظرية التقليدية، على قرارات تنتج كليا أو جزئيا بواسطة أنظمة خوارزمية، حيث هناك من اعتبر أن طبيعة الذكاء الاصطناعي من الصعب أن تتوافق معها المسؤولية عن الخطأ، أي أنه ليس للمسؤولية القائمة على التمييز و الوعي أي فائدة في التطبيق على فعل الذكاء الاصطناعي، بالرغم من استقلاله وقدراته المعرفية[34]، وهو ما يستدعي قراءة متجددة لمفهوم الخطأ الإداري، لا تلغيه، ولكن تعيد تحديد مركزه وحدود مساءلة الإدارة عنه في ظل التحول الرقمي.

وفي هذا السياق لم يعد السؤال الجوهري يتمحور حول من ارتكب الخطأ؟ بقدر ما أصبح ينصب على كيف تم تصميم مسار القرار الإداري؟، ذلك أن الفعل الإداري لم يعد يختزل في لحظة التوقيع أو الإخطار، بل بات يتوزع على مراحل سابقة وحاسمة، تشمل اختيار النظام المعلوماتي أو الخوارزمي، وتحديد معاييره وآليات اشتغاله، وضبط نوعية المعطيات التي يتغذى بها، وتحديد هامش التدخل أو المراقبة البشرية، ثم القبول بمخرجاته كقاعدة شبه ملزمة في اتخاذ القرار النهائي. ومن ثم، فإن الخطأ الإداري في سياق القرار الخوارزمي لا يتجسد بالضرورة في نتيجة غير مشروعة أو خاطئة في ظاهرها، بل قد يتمثل في سوء هندسة القرار العمومي ذاته، أي في الطريقة التي اختارت بها الإدارة تفويض جزء من سلطتها التقديرية لمنطق حسابي دون توفير الضمانات القانونية الكفيلة بحماية حقوق المرتفقين وضمان مشروعية القرار، هذا التحول في مركز الخطأ يجد صداه في الاجتهادات الإدارية المقارنة الحديثة، حيث لم يعد القضاء الإداري يحصر الخطأ في السلوك الفردي للموظف، بل بدأ تدريجيا في مساءلة الاختيارات التنظيمية والتقنية للإدارة.

مقال قد يهمك :   Fondation pour la protection des libertés dans la législation marocaine à l'horizon de la réforme du système de la politique pénale

 ففي القضاء الإداري الفرنسي، وعلى الرغم من غياب نص خاص بالذكاء الاصطناعي لفترة طويلة، برز توجه قضائي يؤكد أن اعتماد الإدارة على أدوات تقنية لا يعفيها من واجب الرقابة والفهم والتعليل، وأن الخطأ قد يتحقق متى ثبت أن الإدارة اعتمدت آلية دون تحكم فعلي أو دون قدرة على تفسير نتائجها، باعتبار ذلك إخلال بواجب الحيطة وحسن التدبير [35](obligation de maîtrise du risque).

وبالمثل، فإن بعض الاجتهادات الحديثة في القضاء الإداري الأوروبي خاصة في سياق الطعن في قرارات إدارية مدعومة بأنظمة آلية ذهبت إلى أن الخطأ لا يقاس بسلامة النتيجة فحسب، بل بسلامة المسار، وأن الإدارة تسأل متى قبلت نتائج خوارزمية لم تكن قادرة على شرح منطقها أو التحقق من عدم انحرافها. وهو منطق ينسجم مع تطور فكرة faute de conception (خطأ التصميم)، التي لم تعد مقتصرة على الأشغال العمومية أو المنتجات الخطرة، بل امتدت إلى تصميم النظم الإدارية ذاتها[36].

أما في السياق العربي، ورغم حداثة النقاش، فإن بعض اتجاهات القضاء الإداري لا سيما في مصر وتونس أظهرت حساسية متزايدة تجاه القرارات الإدارية غير المفهومة أو لآلية في آثارها، حيث اعتبر غياب التعليل الحقيقي أو الاعتماد على نماذج تقييم غير شفافة مظهر من مظاهر الخطأ المرفقي، حتى وإن لم يثبت سوء نية أو تقصير شخصي. ويفهم من هذا التوجه أن القضاء الإداري بدأ يربط الخطأ بمدى احترام القرار الإداري لكرامة المتلقي وحقه في الفهم والمعاملة العادلة، وهو بعد إنساني عميق لا يمكن فصله عن الشرعية. وفي ضوء ذلك، فإن الخطأ الإداري في سياق الذكاء الاصطناعي لا ينبغي فهمه باعتباره خطأ الخوارزمية، لأن الخوارزمية ليست فاعل قانوني، بل باعتباره خطأ الإدارة في تدبير علاقتها بالتقنية وهو منطق بدأ يتبلور في عدد من التجارب الدولية[37] ، أو خطأ في الاختيار، أو في الإشراف، أو في التقييم، أو في القبول غير النقدي لمخرجات نظام يفترض فيه أن يكون مجرد أداة لا بديل عن الإرادة الإدارية. وهذا الفهم لا يتعارض مع القواعد التقليدية للمسؤولية الإدارية في القانون المغربي، بل يستدعي تأويل تطوري لمفهوم الخطأ المرفقي، يربطه بمبدأ الحكامة الجيدة، وبواجب اليقظة الإدارية، وبحماية المرتفق من آثار قرارات لا يستطيع فهم منطقها أو مجابهتها، ومن ثم فإن استيعاب الخطأ الإداري في سياق القرار الخوارزمي لا يقتضي إحداث قطيعة مع البناء الكلاسيكي للمسؤولية، بقدر ما يفرض نقل مركز التحليل من الفاعل الفردي إلى النظام الإداري ككل، ومن النتيجة المعزولة إلى المسار المؤدي إليها. وهو ما يمهد، من الناحية المنهجية، للانتقال إلى الإشكال الأكثر تعقيدا في الفقرة الموالية، والمتعلق بعلاقة السببية وإثبات الضرر في ظل أنظمة تتسم بالغموض والتعقيد البنيوي.

الفقرة الثانية: علاقة السببية وإشكالات الإثبات في الأضرار الخوارزمية.

تعد العلاقة السببية شرط لازم لقيام المسؤولية، سواء تأسست على الخطأ أو على نظرية المسؤولية دون خطأ، ذلك أن الإدارة شأنها شأن أي شخص طبيعي أو معنوي لا تسأل إلا عن الأضرار التي تعد نتيجة مباشرة أو كافية لنشاطها أو للفعل الإداري المنسوب إليها. ويعبر هذا المبدأ عن إحدى الدعائم الكلاسيكية للمسؤولية الإدارية، التي تقتضي قيام رابطة قانونية واضحة بين تصرف الإدارة والضرر اللاحق بالغير، بما يسمح بإسناد المسؤولية وتبرير التعويض.

 وقد كرس المشرع المغربي هذا التصور في الإطار العام للمسؤولية التقصيرية، ولا سيما من خلال الفصل 77 من قانون الالتزامات والعقود، الذي اشترط أن يكون الفعل هو السبب المباشر في حصول الضرر، كما عززه الفصل 98 من نفس القانون حين ربط التعويض بالخسارة التي تشكل نتيجة عادية ومباشرة للفعل الضار. وعلى هذا الأساس، تشكل السببية في الفقه والقضاء المغربيين أداة ضبط دقيقة تحول دون تحميل الإدارة تبعات أضرار بعيدة أو غير منسوبة قانونا إلى نشاطها.

غير أن تطبيق هذا الشرط في سياق القرار الإداري الخوارزمي يثير إشكال مضاعف، يجعل علاقة السببية تمثل التحدي الأكثر تعقيدا ودقة في بناء المسؤولية الإدارية عن الأضرار الخوارزمية. ذلك أن نظرية السببية في القانون الإداري المغربي كما استقر عليها القضاء والفقه، متأثرة في ذلك بالبناء الكلاسيكي للقانون الإداري الفرنسي قد تشكلت تاريخيا في ظل نموذج قرار إداري تقليدي، يتميز بوضوح مصدره، وتحديد آثاره، وإمكانية تتبع مساره الزمني والوظيفي من لحظة الإعداد إلى لحظة التنفيذ، بما يسمح بتحديد السبب القانوني للضرر وربطه مباشرة بالفعل الإداري محل الطعن. أما في سياق الذكاء الاصطناعي، فإن الضرر لا ينشأ بالضرورة عن قرار واحد أو فعل إداري منفرد، بل قد يكون نتيجة بنية مركبة من التفاعلات التقنية والتنظيمية، تشمل تصميم النظام، وضبط معاييره، وطبيعة المعطيات المعالجة، وحدود الإشراف البشري، ثم اعتماد مخرجاته في القرار النهائي. وهو ما يجعل علاقة السببية لا تتخذ طابع خطي بسيط، كما تفترضه النظرية التقليدية للسبب المباشر، بل تتحول إلى سببية بنيوية وتراكمية، يصعب اختزالها في رابطة واحدة بين فعل محدد وضرر معين، ويستدعي بالتالي إعادة تكييف أدوات الإسناد السببي بما ينسجم مع طبيعة القرار الإداري الخوارزمي.

القضاء الإداري المقارن، ولا سيما في فرنسا، بدأ منذ سنوات في تجاوز الفهم الصارم لعلاقة السببية، لصالح مقاربة أكثر مرونة تراعي تعقيد النشاط الإداري الحديث. فقد اعتبر في عدد من القضايا أن السببية يمكن استخلاصها من الارتباط الوظيفي بين نشاط الإدارة والضرر، حتى وإن تعددت الأسباب أو تشعبت، متى ثبت أن الإدارة هي من أنشأت الإطار الذي سمح بوقوع الضرر. ويستفاد من هذا الاتجاه أن السببية لم تعد تفهم فقط كعلاقة ميكانيكية بين سبب ونتيجة، بل كعلاقة مسؤولية عن اختيار نظام عمل.

وفي السياق المغربي، ورغم عدم وجود اجتهاد قضائي صريح يتعلق بالأضرار الخوارزمية، فإن المنطق الذي يحكم نظرية السببية في القضاء الإداري يسمح بشكل نظري بتطوير هذا الفهم. فالقاضي الإداري المغربي لم يكن يوما حبيس تصور جامد للسببية، بل اعتمد في عدة مجالات، خاصة في مسؤولية الإدارة عن الأشغال العمومية أو عن المخاطر الاستثنائية، مقاربة مرنة تأخذ بعين الاعتبار طبيعة النشاط الإداري وظروفه. ومن ثم، فإن إسقاط هذا المنطق على الذكاء الاصطناعي يبدو ممكن، بل ومبرر، متى ثبت أن الضرر لم يكن ليقع لولا اعتماد الإدارة على نظام خوارزمي معين أو طريقة معينة في استعماله.

أما إشكالية الإثبات، فهي الوجه الآخر لتعقيد السببية. ففي النموذج التقليدي، يطلب من المتضرر إثبات الخطأ والضرر والعلاقة السببية، غير أن هذا العبء يصبح شبه تعجيزي عندما يتعلق الأمر بأنظمة تقنية لا يملك المرتفق أي نفاذ إلى منطق اشتغالها أو معطياتها، وهنا تتجلى مفارقة عميقة كلما ازدادت الإدارة في تطور تقني، كلما أصبح الفرد أضعف من حيث القدرة على الإثبات، وهو ما يتعارض مع فلسفة الحماية التي يقوم عليها القانون الإداري.

ولهذا، اتجهت بعض الأنظمة القضائية المقارنة إلى إعادة توزيع عبء الإثبات في القضايا ذات الطابع التقني المعقد، إما عبر قرائن قضائية، أو عبر افتراض السببية متى ثبت اعتماد الإدارة على نظام آلي مؤثر في القرار، كما أصبح واجب التعليل والشفافية عنصر حاسم في هذا السياق، لأن الإدارة التي لا تستطيع شرح منطق قرارها الخوارزمي تضع نفسها، من حيث المبدأ، في موضع ضعف إثباتي. وهذا التوجه يجد ما يبرره على مستوى البعد الأخلاقي وقانوني في مبدأ تكافؤ المراكز القانونية، وفي واجب الدولة في حماية المرتفق من اختلال ميزان القوة المعرفية.

وفي المغرب، يمكن تأصيل هذا التوجه انطلاقا من المبادئ الدستورية المرتبطة بالحق في المعلومة، والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، فضلا عن التوجه التشريعي نحو تبسيط المساطر وتوضيح العلاقة بين الإدارة والمرتفق. فمتى اختارت الإدارة اعتماد أدوات تقنية معقدة، فإنها تتحمل تبعة هذا الاختيار، ولا يجوز أن يتحول التعقيد التقني إلى ذريعة لإعفاء الإدارة من المسؤولية أو لإفراغ حق الطعن من مضمونه.

وعليه، فإن السببية في مجال الأضرار الخوارزمية لا يمكن أن تفهم بمنطق السبب المباشر الوحيد، بل بمنطق السبب الإداري الكافي، أي السبب الذي لولاه لما وجد الضرر، حتى وإن تدخلت عوامل أخرى، كما أن الإثبات لا ينبغي أن يظل عبئا ثقيل على عاتق المتضرر، بل يجب أن يعاد تنظيمه بما يحقق العدالة الإجرائية، خاصة في سياق تحول القرار الإداري إلى قرار تقني تنظيمي معقد.

الفقرة الثالثة: المسؤولية الإدارية دون خطأ كإطار ملائم لاستيعاب الأضرار الخوارزمية.

أمام الصعوبات البنيوية التي يطرحها إثبات الخطأ والسببية في مجال الأضرار الخوارزمية، يبرز نظام المسؤولية الإدارية دون خطأ باعتباره أحد أكثر الآليات القانونية قابلية لاستيعاب مخاطر الذكاء الاصطناعي داخل المرافق العمومية، دون المساس بمبادئ الشرعية أو تعطيل الأداء الإداري. فهذا النظام، الذي تطور تاريخيا في القانون الإداري استجابة لمخاطر النشاط الإداري المشروع، يقوم على فكرة جوهرية مفادها أن الإدارة، عندما تختار استعمال وسائل تنطوي على مخاطر خاصة خدمة للمصلحة العامة، تتحمل تبعاتها حتى في غياب خطأ ثابت.

ولا يعد هذا المنطق غريب عن البناء النظري للقانون الإداري المغربي، الذي استوعب، تحت تأثير الفقه والاجتهاد المقارن، صورا متعددة للمسؤولية دون خطأ، خاصة في مجالات الأشغال العمومية، والأضرار الاستثنائية، وتحمل التبعة الناتجة عن أنشطة خطرة أو غير عادية، ومن ثم فإن إدماج الذكاء الاصطناعي في عمل المرافق العمومية يمكن، من زاوية قانونية، إدراجه ضمن فئة الأنشطة الإدارية الحديثة ذات الخطورة التقنية الكامنة، والتي لا يكون الضرر فيها نتيجة إخلال أو تقصير، بل نتيجة طبيعية لاختيار تنظيمي اتخذته الإدارة لتحقيق النجاعة والفعالية. وشكلت فكرة تعويض الدولة للمتضررين عن بعض الأضرار المجتمعية، محلا للاختلاف بين فريقين من الفقهاء، حيث يرى الاتجاه الأول أن الدولة مسؤولة عن تعويض هؤلاء المتضررين، وتكون ملزمة بإصدار تشريعات تلتزم بمقتضاها بالتعويض المطلوب للضحايا، بينما يذهب الاتجاه الآخر إلى اعتبار الدولة غير مسؤولة عن التعويض، ذلك أنها قامت بواجبها حين أسست عدة تنظيمات كالتأمين … وغير ذلك، وبذلك وفرت قدرا ممكنا من الضمانات الاجتماعية للمتضررين.

إذا كان هذا الجدل الفقهي حول مدى مسؤولية الدولة عن تعويض بعض الأضرار المجتمعية لم يبق بنفس الحدة، خاصة في ظل تبني هذه الفكرة وتأسيسها على أساس مبدأ التضامن الوطني من طرف الكثير من الدول والتنصيص عليها في تشريعاتها الوطنية. إلا أن الخلاف يثور حول أساس ومصدر التزام الدولة بتعويض المتضررين على هذا الأساس الأخير، فاتجاه يبنيه على أساس اجتماعي على خلاف الرأي الثاني الذي يبينه على أساس قانوني تعاقدي[38]، لكن الأضرار الخوارزمية لها خصوصية ومنها أن الأضرار قد تقع رغم احترام الإدارة الظاهري للقانون، ورغم حسن نيتها، بل وأحيانا رغم سلامة الإجراءات من حيث الشكل، غير أن منطق العدالة الإدارية لا يسمح بتحميل الفرد وحده تبعة ضرر نجم عن أداة تقنية اختارتها الإدارة وفرضت آثارها عليه في إطار علاقة غير متكافئة. وهنا تتجلى القيمة الإنصافـية للمسؤولية دون خطأ، باعتبارها آلية توازن بين مصلحتين متعارضتين على المستوى الظاهري، مصلحة الإدارة في الابتكار وتحديث وسائلها، ومصلحة المرتفق في الحماية من الأضرار غير المتوقعة أو غير المفهومة.

ويعزز هذا التوجه ما عرفه الفقه والقضاء الإداري المقارن من توسع في مفهوم الخطر الإداري، حيث لم يعد مقتصر على المخاطر المادية أو الفيزيائية، بل امتد ليشمل المخاطر التقنية والتنظيمية التي قد تنتج عن أنظمة معقدة تؤثر في الحقوق والحريات، وقد ذهب جزء معتبر من الفقه الفرنسي المعاصر إلى اعتبار أن اعتماد الإدارة على نظم آلية ذات أثر حاسم في القرار ينشئ وضعية خطر خاص[39] (risque spécial)، يبرر تطبيق المسؤولية دون خطأ متى تحقق ضرر غير عادي يصيب فئة محددة من الأفراد.

وفي السياق المغربي، يكتسي هذا التصور أهمية مضاعفة، بالنظر إلى غياب إطار تشريعي خاص ينظم المسؤولية عن الذكاء الاصطناعي. فالمسؤولية دون خطأ تتيح للقاضي الإداري إمكانية تجاوز مأزق الإثبات التقني، دون أن يضطر إلى تحميل الإدارة عبئ غير معقول أو إلى تعطيل مشاريع التحديث، كما أنها تنسجم مع فلسفة دستور 2011 التي تؤكد على مبادئ الإنصاف، والتضامن الاجتماعي، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحقيق التوازن بين حقوق الأفراد ومتطلبات المرفق العام.

غير أن اعتماد هذا النظام لا ينبغي أن يفهم باعتباره حل آلي أو عام لكل الأضرار الخوارزمية، بل كآلية استثنائية تفعل عندما تتعذر شروط المسؤولية القائمة على الخطأ، وحين يكون الضرر غير عادي، ومباشر الأثر، ومتصل بنشاط إداري مشروع ينطوي على مخاطرة خاصة، وبهذا المعنى تظل المسؤولية دون خطأ أداة مرنة في يد القاضي الإداري، تمكنه من تحقيق العدالة دون المساس بالاستقرار القانوني أو بفعالية المرفق العام.

وعليه، فإن استيعاب الأضرار الخوارزمية ضمن نظام المسؤولية الإدارية دون خطأ لا يشكل قطيعة مع القواعد التقليدية، بل يمثل امتداد تطوري لها، يعبر عن قدرة القانون الإداري على التكيف مع التحولات التقنية دون التخلي عن وظيفته الأساسية في حماية الحقوق وضمان الثقة في العمل الإداري، وهو ما يؤكد أن الذكاء الاصطناعي، رغم ما يثيره من تحديات، لا يفرض بالضرورة إنشاء نظام قانوني مواز، بقدر ما يستدعي قراءة متقدمة ومبدعة للقواعد القائمة.

خاتمة

سعى هذا المقال إلى مقاربة إشكالية المسؤولية الإدارية عن مخاطر الذكاء الاصطناعي داخل المرافق العمومية، انطلاقا من تساؤل مركزي مفاده، إلى أي حد تسمح قواعد المسؤولية الإدارية في القانون المغربي باستيعاب المخاطر الناشئة عن استعمال الذكاء الاصطناعي، وما هي الأسس القانونية الكفيلة بضبط مساءلة الإدارة عن الأضرار الخوارزمية بما يحقق التوازن بين حماية الحقوق وفعالية المرفق العام؟ وقد أملى هذا السؤال اعتماد مقاربة تحليلية استشرافية منضبطة، تراعي خصوصية السياق المغربي من جهة، وتنفتح على التجارب المقارنة بوصفها أدوات إرشاد لا نماذج إسقاط من جهة أخرى. وقد أفضى التحليل، في ضوء المطلبين المتكاملين، إلى جملة من الاستنتاجات العلمية الأساسية.

أولها، أن الذكاء الاصطناعي لا يشكل، في ذاته، قطيعة مع المنطق التقليدي للقانون الإداري، بقدر ما يكشف عن تحول بنيوي في طبيعة القرار الإداري، انتقل فيه مركز الثقل من الفعل البشري الفردي إلى مسار تقني تنظيمي مركب. وهو تحول يفرض إعادة قراءة مفاهيم الخطأ والضرر والسببية، دون التفريط في المبادئ المؤسسة لدولة القانون.

وثانيها، أن المخاطر المرتبطة باستعمال الذكاء الاصطناعي داخل المرافق العمومية ليست مخاطر تقنية محضة، بل هي مخاطر قانونية وحقوقية في جوهرها، تمس الشفافية، والمساواة، وقابلية القرار للتعليل والطعن، والأمن القانوني للمرتفقين، وتزداد خطورة هذه المخاطر عندما تتحول الخوارزمية من أداة مساعدة إلى عنصر مؤثر فعليا في مضمون القرار الإداري، ولو في غياب نية أو خطأ شخصي من جانب أعوان الإدارة.

أما ثالث الاستنتاجات، فيتمثل في أن قواعد المسؤولية الإدارية في القانون المغربي تتوفر، من حيث المبدأ، على المرونة الكافية لاستيعاب الأضرار الخوارزمية، شريطة اعتماد تأويل تطوري لها، فالخطأ الإداري يمكن إعادة بنائه انطلاقا من مفهوم سوء هندسة القرار أو ضعف تدبير المخاطر التقنية، كما أن علاقة السببية يمكن فهمها بمنطق سببية بنيوية أو كافية بدل السببية الخطية الصارمة، مع إعادة تنظيم عبء الإثبات بما يحقق العدالة الإجرائية.

ويبرز، في هذا السياق، نظام المسؤولية الإدارية دون خطأ كآلية قانونية ذات أهمية خاصة، تسمح بجبر الأضرار الخوارزمية التي يتعذر فيها إثبات الخطأ أو تحديد مصدره بدقة، دون أن يشكل ذلك مساس بمبدأ استمرارية وفعالية المرفق العام، فالإدارة حين تختار إدماج تقنيات تنطوي على مخاطر خاصة، تظل ملزمة بتحمل تبعاتها تحقيقا لمبدأ الإنصاف وحماية الثقة المشروعة للمرتفقين.

كما خلص البحث إلى أن القاضي الإداري المغربي مدعو إلى لعب دور محوري في مواكبة هذا التحول، عبر تطوير اجتهاد قضائي متدرج، يستند إلى المبادئ الدستورية للحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، دون افتراض واقع تقني أو تشريعي لم يكتمل بعد، فغياب نصوص خاصة لا يعفي القضاء من واجب التأويل الخلاق، ولا يمنع من بناء حماية قضائية فعالة للحقوق في مواجهة المخاطر الرقمية المستجدة.

وخلاصة القول، إن الذكاء الاصطناعي، رغم ما يثيره من تحديات قانونية، لا يفرض بالضرورة إحداث قطيعة مع منظومة المسؤولية الإدارية، بل يدعو إلى إعادة ترتيب أولوياتها وتحديث أدواتها بما يضمن التوازن الدقيق بين متطلبات الابتكار الإداري وصون الحقوق والحريات. وهو توازن لا يتحقق بالتقنية وحدها، ولا بالقانون المجرد، بل بحكمة قانونية تستبصر المستقبل دون أن تنفصل عن الواقع، وتؤمن بأن تحديث الإدارة لا يكون مشروعا إلا بقدر ما يعزز إنسانية القرار العمومي ويحفظ كرامة المرتفق وثقته في المرفق العام.


لائحة المراجع

أولا: المراجع باللغة العربية:

أولا: الكتب:

  • خالد ناصر السيد، أصول الذكاء الاصطناعي، مكتبة الرشد، الطبعة الأولى، الرياض، 2004.
  • عصام عبد الفتاح مطر، الحكومة الإلكترونية بين النظرية والتطبيق، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، 2013.
  • محمد يحيا، المغرب الإداري، مطبعة إسبارطيل، طنجة، 2021.
  • أحمد كمال الدين موسى، نظرية الإثبات في القانون الإداري، دار الشعب، الطبعة الأولى، 1988.
  • جميل الشرقاوي، النظرية العامة للالتزام: مصادر الالتزام، دار النهضة العربية، القاهرة، الطبعة الرابعة،
  • أحمد أجعون، يونس الشماخي، مسؤولية الإدارة بالمغرب وفق آخر التوجهات القضائية: مساهمة في رصد تطور الأسس التشريعية والفقهية والقضائية، منشورات المجلة المغربية للأنظمة القانونية والسياسية، العدد الخاص رقم 29، الطبعة الأولى،

ثانيا: المقالات العلمية:

  • محمد لعرج، تعليل القرارات الإدارية على ضوء قانون 03-01 بشأن إلزام الإدارات العمومية والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية بتعليل قراراتها الإدارية، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مواضيع الساعة، عدد 43، سنة 2003.
  • بلخير محمد آيت عويدة، المسؤولية عن أضرار القرارات الإدارية الخوارزمية، المجلة الأكاديمية للبحث القانوني، المجلد 13، العدد 01، سنة
  • عبد العزيز عبد المعطي علوان، المسؤولية الإدارية عن مشاركة الخوارزميات في إعداد القرارات الإدارية – دراسة مقارنة، مجلة البحوث الفقهية والقانونية، العدد 49، أبريل
  • أمينة بوعلام، الذكاء الاصطناعي ورقمنة الإدارة العمومية: آفاق تحسين الخدمات وتحديات التفعيل، مجلة القانون الدستوري والمؤسسات السياسية، العدد 2، سنة
  • محمد محمد عبد اللطيف، المسؤولية عن الذكاء الاصطناعي بين القانون الخاص والقانون العام، مجلة البحوث القانونية والاقتصادية، عدد خاص بالمؤتمر الدولي السنوي العشرون، سنة
  • عزري الزين، العلاقة السببية كشرط لمسؤولية الإدارة في مجال العمران، مجلة العلوم الإنسانية، العدد 22، دجنبر
  • محمد بوساق، التعويض عن الضرر، مجلة العلوم القانونية، العدد 22، كلية الحقوق، جامعة الجزائر، سنة
  • محمد أبو مندور موسى عيسى، مدى كفاية القواعد العامة للمسؤولية المدنية في التعويض عن أضرار الذكاء الاصطناعي- دراسة تحليلية تأصيلية مقارنة-، مجلة حقوق دمياط للدراسات القانونية والاقتصادية، عدد 5، يناير
مقال قد يهمك :   مستحقات الزوجة في دعوى التطليق للشقاق بين الإسقاط و الوجوب.

ثالثا: النصوص القانونية:

  1. دستور المملكة المغربية لسنة 2011،

الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 27 شعبان 1432 (29 يوليوز 2011)، الجريدة       الرسمية عدد 5964 مكرر بتاريخ 30 يوليوز 2011، ولا سيما الفصول 154 و155 و156.

  1. القانون رقم 54.19 المتعلق بميثاق المرافق العمومية،

الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.21.50 بتاريخ 28 ذي القعدة 1442 (9 يوليوز 2021)، الجريدة الرسمية عدد 7006 بتاريخ 12 يوليوز 2021.

  1. القانون رقم 55.19 المتعلق بتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية،

الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.20.06 بتاريخ 23 جمادى الآخرة 1441 (18 فبراير 2020)، الجريدة الرسمية عدد 6866 بتاريخ 19 مارس 2020.

  1. القانون رقم 09-08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي،

الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.09.15 بتاريخ 22 صفر 1430 (18 فبراير 2009)، الجريدة الرسمية عدد 5711 بتاريخ 23 فبراير 2009.

  1. قانون الالتزامات والعقود المغربي،

الصادر بتنفيذه الظهير الشريف المؤرخ في 9 رمضان 1331 (12 غشت 1913)، الجريدة الرسمية عدد 46 بتاريخ 13 شتنبر 1913، ولا سيما الفصول 77 و78 و98.

رابعا: الاجتهادات القضائية:

    • Conseil d’État (France),

12 juin 2019, Association des parents d’élèves de l’enseignement public (PEEP), n° 427916.

Disponible sur :

https://www.legifrance.gouv.fr/ceta/id/CETATEXT000038637449/

  • Cour de justice de l’Union européenne (CJEU),

Arrêt du 20 décembre 2017, Aff. C-434/16, CELEX: 62016CJ0434.

Disponible sur :

https://eur-lex.europa.eu/legal-content/EN/TXT/?uri=CELEX%3A62016CJ0434

خامسا: المواقع الإلكترونية:

الموقع الرسمي للاستراتيجية الرقمية للاتحاد الأوروبي:

https://digital-strategy.ec.europa.eu/en/policies/regulatory

الموقع الرسمي للجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (CNDP):

https://www.cndp.ma

الموقع الرسمي لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD):

https://www.oecd.org/about/

الموقع الرسمي لمجلس أوروبا:

https://www.coe.int/ar/web/about-us

الموقع الرسمي لوزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة (المغرب):

https://www.mmsp.gov.ma

  • UNESCO,

Recommendation on the Ethics of Artificial Intelligence, Adopted by the General Conference at its 41st session, Paris, 2021.

Disponible à l’adresse suivante :

https://unesdoc.unesco.org/ark:/48223/pf0000381137

  • OECD,

OECD Principles on Artificial Intelligence, 2019. https://oecd.ai/en/ai-principles

  • OECD,

Algorithmic Transparency in the Public Sector: A State of the Art Report, OECD AI Observatory, Paris, 2024.

https://oecd.ai/en/wonk/documents/algorithmic-transparency-in-the-public-sector-a-state-of-the-art-report-of-algorithmic-transparency-instruments

  • European Union,

Proposal for a Regulation laying down harmonised rules on Artificial Intelligence (AI Act), COM(2021) 206 final.

https://eur-lex.europa.eu/legal-content/EN/TXT/?uri=COM%3A2021%3A206%3AFIN

  • Council of Europe – CEPEJ,

European Ethical Charter on the Use of Artificial Intelligence in Judicial Systems, Strasbourg, 2018.

 

ثانيا: المراجع باللغات الأجنبية:

  • CHEVALLIER, Jacques,

La responsabilité administrative et le risque, Revue française de droit administratif (RFDA),

Année 2001.

  • LIPS, Marc,

Digital Government: Managing Public Sector Reform in the Digital Era, Routledge, London & New York, 2019.

  • Cefrra Recardo,

Logique pour l’informatique et pour l’intelligence artificielle, Hommes Sciences Publications, Paris, 2011.


الهوامش:

[1]الفاعلية الخوارزمية: يقصد بها القدرة الذاتية للأنظمة الخوارزمية على اتخاذ قرارات مؤثرة دون تدخل بشري مباشر، استنادا إلى نماذج حسابية تتسم بالاستقلالية التشغيلية وإنتاج مخرجات ذات أثر قانوني محتمل، أصبح هذا المفهوم حاضرا في النقاشات القانونية الدولية، خصوصا مع اللائحة الأوروبية للذكاء الاصطناعي EU AI Act  لسنة 2024، التي تشير في مادتها (3) إلى الأنظمة الخوارزمية القادرة على اتخاذ قرارات مستقلة تؤثر في الحقوق الأساسية، معتبرة أن الاستقلالية التشغيلية (Autonomy) والتأثير على القرار (Decision-making impact) معياران جوهريان في تقييم مخاطر الأنظمة الذكية. كما أن اللائحة العامة لحماية المعطيات (GDPR)، وخاصة المادة 22، تعترف بوجود ما يسمى القرارات الآلية المؤثرة Automated Decision-Making، والتي تشكل الإطار القانوني الأكثر قرب من مفهوم الفاعلية الخوارزمية، لكونها تنظم آثار قرارات تتخذها خوارزميات دون تدخل بشري ذي أثر جوهري. أنظر بوابة التشريعات الأوروبية على الرابط: https://eur-lex.europa.eu/legal-content/EN/TXT/?uri=COM%3A2021%3A206%3AFIN

[2] – الاستراتيجية الوطنية للرقمنة في المغرب، المعروفة باسم “المغرب الرقمي 2030” أو Digital Morocco 2030، تم إطلاقها رسميا في 25 شتنبر 2024 تحت إشراف وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة وتمت بمشاركة واسعة للقطاعين العام والخاص، تهدف هذه الاستراتيجية إلى تحويل المملكة المغربية إلى قطب رقمي إقليمي وتسريع التحول الرقمي للخدمات العامة والاقتصاد الوطني، وذلك عبر محورين رئيسيين: (أ) رقمنة الخدمات العمومية وتبسيط المساطر الإدارية، (ب) تطوير الاقتصاد الرقمي ودعم الانتاج والابتكار الرقمي. وتشمل أهدافها خلق 240 ألف منصب شغل مباشر في قطاع الرقمنة بحلول سنة 2030، والمساهمة بـ 100 مليار درهم في الناتج الداخلي الخام، إضافة إلى تحسين ترتيب المملكة في مؤشر تطوير الحكومة الإلكترونية (EGDI) إلى المرتبة 50 عالميا وتيسير الولوج إلى الخدمات الرقمية للمواطنين والشركات. لهذه الاستراتيجية أيضا أبعاد دعم المواهب الرقمية، ريادة الأعمال الرقمية، والاستثمار في البنية التحتية الرقمية من قبيل شبكات الاتصالات ومنصات الخدمات الرقمية. أنظر الموقع الرسمي لوزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة على الرابط: https://www.mmsp.gov.ma

[3]الأنظمة الخوارزمية (Algorithmic Systems): يقصد بها الأنظمة القائمة على الحوسبة الآلية التي تستخدم خوارزميات لمعالجة البيانات وتحليلها من أجل إنتاج مخرجات مثل التنبؤات أو المحتوى أو التوصيات أو القرارات القابلة للتأثير في بيئات فيزيائية أو افتراضية، وتختلف هذه الأنظمة في درجات الاستقلالية والتكيف بعد النشر. أنظر الوثائق الرسمية ل منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD)، على الرابط التالي: https://legalinstruments.oecd.org/en/instruments/OECD-LEGALt

[4] – الذكاء والاصطناعي لغتا: مصطلح يتألف من كلمتن، “الذكاء” يشير إلى القدرة على استيعاب الظروف أو الحالات الجديدة والمتغيرة. وتتعلق كلمة ” الاصطناعي” بالفعلين (يصنع) أو (يصطنع)، ويستخدم هذا المصطلح للإشارة إلى الأشياء التي تنشأ نتيجة النشاط أو الفعل الذي يساهم في تشكيلها مميزا إياها عن الأشكال التي وجدت بصورة طبيعية دون تدخل الإنسان. وبالتالي، فإن الذكاء الاصطناعي هو الذكاء الذي ينتجه الإنسان في الآلات أو الحواسيب وعلم الآلات الحديثة. أنظر:

 Cefrra Recardo, Logique pour L’informatique et pour Intelligence artificielle, Hommes Sciences Publication, Paris, France, 2011, P20.

والذكاء والاصطناعي اصطلاحا: هو علم تطوير الحاسوب وقدرته على التفكير ومحاكاة الإنسان استنادا إلى بيانات تمكنه من التعلم وحل المشكلات والتفكير والتحليل. أنظر خالد ناصر السيد، أصول الذكاء الاصطناعي، مكتبة الرشد، الطبعة الأولى، الرياض، المملكة العربية السعودية، 2004، ص 14.

[5] – يقصد بالقرار الخوارزمي، هو ذلك القرار المتخذ في مواجهة شخص من خلال خوارزميات algorithms أي معالجة آلية تطبق على بياناته الشخصية من دون أي تدخل بشري في العملية. وهذا النوع من القرارات يمكن أن يتدخل في مجالات عديدة من الأنشطة مثل الأنشطة المالية والضرائب والتسويق ويحدث آثارا قانونية، أو تؤثر بطريقة مهمة على الأشخاص أصحاب الشأن. مثال ذلك قرار رفض ائتمان يمكن أن يكون سنده الوحيد استخدام خوارزميات تطبق آليا بعض المعايير على المركز المالي لطالب الائتمان دون أي تدخل بشري، أنظر عبد العزيز عبد المعطي علوان، المسؤولية الإدارية عن مشاركة الخوارزميات في إعداد القرارات الإدارية دراسة مقارنة، مجلة البحوث الفقهية والقانونية، العدد 49، أيريل 2025 مصر، ص 2079.

[6] – عصام عبد الفتاح مطر، الحكومة الإلكترونية بين النظرية والتطبيق، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، 2013، ص 87،89.

[7] – محمد يحيا، المغرب الإداري، مطبعة اسبارطيل- طنجة، 2021، ص 321.

[8] – يعرف التعليل اصطلاحا بأنه بيان علة الحكم، أي بيان الوصف الذي يناط به الحكم. ولم يقم المشرع المغربي بتعريف هذه الآلية بشكل صريح، لكن فقه القانون الإداري عرفه بأنه التزام قانوني تعلن الإدارة بمقتضاه عن الأسباب القانونية والواقعية التي حملتها على إصدار القرار الإداري، وشكلت الأساس القانوني الذي بني عليه، أنظر محمد لعرج، تعليل القرارات الإدارية على ضوء قانون 03-01 بشأن إلزام الإدارات العمومية والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية بتعليل قراراتها الإدارية، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مواضيع الساعة، عدد 43، سنة 2003، ص 59.

[9] – بلخير محمد آيت عويدة، المسؤولية عن أضرار القرارات الإدارية الخوارزمية، المجلة الأكاديمية للبحث القانوني، المجلد 13، العدد 01، السنة 2022، ص 279.

[10] – الموقع الرسمي للاستراتيجية الرقمية للاتحاد الأوروبي على الرابط التالي،

 https://digital-strategy.ec.europa.eu/en/policies/regulatory-framework-ai

[11] – LIPS, Marc, Digital Government: Managing Public Sector Reform in the Digital Era, Routledge, London & New York,2019,p. 123.

[12] – Lips, 2019, pp. 122–124

[13] – دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الفصول 154–156؛ والقانون رقم 54.19 المتعلق بميثاق المرافق العمومية.

[14]UNESCO, Recommendation on the Ethics of Artificial Intelligence, adopted by the General Conference of UNESCO at its 41st session, Paris, 2021. Disponible à l’adresse suivante: https://unesdoc.unesco.org/ark:/48223/pf0000381137

[15] – دستور المملكة المغربية لسنة 2011، ولا سيما الفصول 154 و155 و156، الصادر بالجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر بتاريخ 30 يوليوز 2011.

[16] – ففي إستونيا مثلا، تستخدم الحكومة منصات رقمية مدعومة بالذكاء الاصطناعي تمكن المواطنين من معرفة الموظفين المعنيين بكل طلب والمدة الزمنية المتوقعة لإنجازه، مما أدى إلى خفض مستويات التحيز الإداري وزيادة مستويات الشفافية.

أما في كندا، فقد تم اعتماد إطار منهجي يعرف باسم “تقييم الأثر الخوارزمي” والذي يلزم كل جهة حكومية ترغب في استخدام، Algorithmic Impact Assessment – AIA نظام خوارزمي بإجراء تقييم علني مسبق يوضح تأثيراته المحتملة على الخصوصية، والعدالة والمساءلة. هذا الإجراء لا يعزز فقط من الشفافية المؤسسية، بل يكرس نمطا جديدا من الرقابة العامة بمشاركة المواطن.

وفي كوريا الجنوبية، طبقت خوارزميات تقييم أداء الموظفين العموميين تلقائيا ضمن بوابات الخدمة الحكومية، بالاعتماد على سرعة الاستجابة ودرجة رضا المستخدمين. ورغم مساهمة هذا النموذج في تحسين جودة الأداء، إلا أنه أثار مخاوف تتعلق بـ “الأتمتة غير العادلة” عندما تغفل النماذج السياقات الاجتماعية أو الظروف المهنية التي قد تؤثر في تقييم الموظف.

تظهر هذه التجارب أن تبني الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يتم بمعزل عن الإطار القانوني والثقافي للدولة، أنظر أمينة بوعلام، الذكاء الاصطناعي ورقمنة الإدارة العمومية: آفاق تحسين الخدمات وتحديات التفعيل، مجلة القانون الدستوري والمؤسسات السياسية، العدد 2 لسنة 2025، ص 192.

[17] – منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، بالشراكة مع الشراكة العالمية للذكاء الاصطناعي، الشفافية الخوارزمية في القطاع العام: تقرير حول أدوات الشفافية الخوارزمية، مرصد الذكاء الاصطناعي لمنظمة OECD، باريس، 2024، أنظر الرابط التالي:

https://oecd.ai/en/wonk/documents/algorithmic-transparency-in-the-public-sector-a-state-of-the-art-report-of-algorithmic-transparency-instruments

[18] – القانون رقم 09-08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.09.15 بتاريخ 22 من صفر 1430 (18 فبراير 2009)، الجريدة الرسمية عدد 5711 بتاريخ 23 فبراير 2009.

[19] – اختصاصات اللجنة ومهامها في مراقبة معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي وفقا للقانون رقم 09-08، أنظر الموقع الرسمي للجنة على الرابط: https://www.cndp.ma

[20]منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (Organisation for Economic Co-operation and Development – OECD) هي منظمة دولية حكومية أُنشئت سنة 1961، وتضم في عضويتها حاليًا 38 دولة، وتهدف إلى تعزيز السياسات العمومية التي تحقق النمو الاقتصادي المستدام، وتحسين مستويات العيش، وتعزيز الحكامة الرشيدة، وسيادة القانون. وتضطلع المنظمة بدور مرجعي في وضع المعايير الدولية والتوصيات والسياسات المقارنة في مجالات متعددة، من بينها تحديث الإدارة العمومية، والتحول الرقمي، وحوكمة الذكاء الاصطناعي، حيث تُعد تقاريرها ومبادئها مرجعًا أساسيًا للدول في تأطير استعمال التقنيات الخوارزمية داخل القطاع العام وفق مقاربات قائمة على الشفافية والمساءلة وحماية الحقوق. أنظر الموقع الرسمي للمنظمة على الرابط التالي: الموقع الرسمي للمنظمة: https://www.oecd.org/about/

[21] – مجلس أوروبا منظمة دولية حكومية أحدثت سنة 1949، وتضم في عضويتها حاليا 46دولة أوروبية، وتهدف بالأساس إلى حماية حقوق الإنسان، وتعزيز الديمقراطية، وترسيخ سيادة القانون في الدول الأعضاء. ويعد مجلس أوروبا الإطار المرجعي الأوروبي الرئيسي لوضع المعايير القانونية والأخلاقية المتعلقة بحقوق الإنسان، بما في ذلك القواعد الناظمة لاستعمال التقنيات الحديثة والأنظمة الخوارزمية، من خلال الاتفاقيات والتوصيات والدراسات الصادرة عن هيئاته المختلفة، وعلى رأسها المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، للاطلاع عن ومهامه في حماية حقوق الإنسان وسيادة القانون، أنظر إلى موقعه الرسمي على الرابط: https://www.coe.int/ar/web/about-us

[22] – مجلس أوروبا، اللجنة الأوروبية لفعالية العدالة (CEPEJ)، المبادئ الأوروبية المتعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي في الأنظمة القضائية وبيئاتها، ستراسبورغ، 2018، أنظر الرابط التالي:

 https://rm.coe.int/ethical-charter-en-for-publication-4-december-2018/16808f699c

[23] – القانون رقم 55-19 المتعلق بتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.20.06 بتاريخ 23 جمادى الآخرة 1441 (18 فبراير 2020)، الجريدة الرسمية عدد 6866 بتاريخ 19 مارس 2020.

[24] – تعریف الضرر من الناحیة اللغویة، يتجلى في مادة كلمة (الضرر) مكونة من الضاد والراء، ولها ثلاثة أصول، الأول: خلاف النفع، وبابه رد، والثاني اجتماع الشيء، ومنه یقال للزوجة الثانية ضرة، لأنها تجتمع مع الأولى في عصمة رجل واحد. والثالث: القوة. أنظر ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية، سنة 1991، الجزء رقم 3، ص 282.

والذي یدخل معنا هنا الأصل الأول، أي: خلاف النفع، ومنه قوله تعالى: “قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا” سورة المائدة الأية 76. یأتي (الضرر) في اللغة بمعنى: خلاف النفع، ویكون شاملا لكل نقص یدخل الأعیان من الهزال والضیق والحرج والمرض، ویشمل كل نقص یدخل في الأموال أو الأنفس، وهذا المعنى هو الإطلاق الشائع لكلمة الضرر، وأكثرها استعمالا. أنظر محمد بوساق، التعويض عن الضرر، مجلة العلوم القانونية، العدد 22، كلية الحقوق، جامعة الجزائر، 2000، ص22.

ویعرف الضرر (Damages) في الأنظمة بصفة عامة بأنه: الأذى الذي یلحق بالشخص، فیمس حقا من حقوقه أو مصلحة مشروعة له فیما یتعلق بجسده أو ماله، وبمعنى أوسع سلامة الجسم أو العاطفة أو الحریة أو الشرف أو الاعتبار، فالضرر هو المساس بمصلحة للمضرور، سواء كانت هذه المصلحة مالیة، ویوصف الضرر عندئذ بأنه ضرر مادي، أم كانت مصلحة معنوية أو أدبية، ویوصف الضرر عندئذ بأنه معنوي أو أدبي. أنظر جميل الشرقاوي، النظرية العامة للالتزام: مصادر الالتزام، الكتاب الأول، الطبعة الرابعة، منشورات دار النهضة العربية، القاهرة، 2000، ص 482.

[25] – يقصد بـ الضرر الخوارزمي ذلك الضرر الذي يلحق بالأفراد أو الجماعات نتيجة استعمال أنظمة خوارزمية أو نظم ذكاء اصطناعي في إعداد أو دعم أو إنتاج القرار الإداري، عندما تؤدي هذه الأنظمة بسبب تصميمها، أو معاييرها، أو طبيعة البيانات المعالجة، أو طريقة تفعيلها إلى مساس غير مشروع بحقوق أو مصالح مشروعة، سواء تمثل هذا المساس في التمييز، أو الإقصاء، أو الحرمان غير المبرر من خدمة عمومية، أو المساس بالحق في المساواة والشفافية، أو تقويض ضمانات التعليل والمساءلة، للاطلاع على المزيد أنظر:

LIPS, Marc, Digital Government: Managing Public Sector Reform in the Digital Era, Routledge, 2019, pp. 122–124

[26] – أحمد كمال الدين موسى، نظرية الإثبات في القانون الإداري، دار الشعب، الطبعة الأولى، سنة 1988، ص22.

[27] -Les présomptions et les fictions en droit, études publiées. , S. L. D. De Ch. Pérelman. 1974. p101

[28] – عزري الزين، العلاقة السببية كشرط لمسؤولية الإدارة في مجال العمران، مجلة العلوم الإنسانية، العدد 22، دجنبر 2004، ص 93.

[29] – UNESCO, Recommendation on the Ethics of Artificial Intelligence, 2021, UNESDOC. . Disponible à l’adresse suivante: https://unesdoc.unesco.org/ark:/48223/pf0000381137

[30] -OECD, OECD Principles on Artificial Intelligence, 2019. https://oecd.ai/en/ai-principles

[31] – الفصل 77 من قانون الالتزامات والعقود، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف المؤرخ في 9 رمضان 1331 (12 غشت 1913)، الجريدة الرسمية عدد 46 بتاريخ 13 شتنبر 1913، كما وقع تعديله وتتميمه.

[32] – الفصل 78 من قانون الالتزامات والعقود المغربي، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف المؤرخ في 9 رمضان 1331 (12 غشت 1913)، الجريدة الرسمية عدد 46 بتاريخ 13 شتنبر 1913.

[33] –  الفصل 98 من قانون الالتزامات والعقود المغربي، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف المؤرخ في 9 رمضان 1331 (12 غشت 1913)، الجريدة الرسمية عدد 46 بتاريخ 13 شتنبر 1913.

[34] – محمد أبو مندور موسى عيسى، مدى كفاية القواعد العامة للمسؤولية المدنية في التعويض عن أضرار الذكاء الاصطناعي- دراسة تحليلية تأصيلية مقارنة-، مجلة حقوق دمياط للدراسات القانونية والاقتصادية، عدد 5، يناير 2022، جامعة دمياط مصر، ص 277.

[35] – أقر مجلس الدولة الفرنسي أن اعتماد الإدارة على خوارزميات في توجيه الطلبة منصة Parcoursup)) لا يعفيها من واجب الشفافية والتعليل، وأكد أن الإدارة تظل ملزمة بتمكين المعنيين من فهم المنطق العام لمعالجة معطياتهم، وأن القرار الإداري يظل منسوبًا إليها رغم الوساطة الخوارزمية. أنظر القرار Conseil d’État, 12 juin 2019, Association des parents d’élèves de l’enseignement public (PEEP), n° 427916. على الرابط التالي: https://www.legifrance.gouv.fr/ceta/id/CETATEXT000038637449/

[36] – في هذا القرار، أكدت محكمة العدل الأوروبية (CJEU) على أن الشرعية لا تقيم فقط بمخرجات القرار، بل بمدى توافر الضمانات القانونية التي تؤطر المسار الإداري بما في ذلك قابلية تفسير الإجراءات والأدوات المستعملة. وقد تم الاعتماد على هذا المبدأ في سياق الرقابة على الإجراءات الرقمية الخاضعة للإطار القانوني الأوروبي. أنظر القرار على الرابط التالي:

https://eur-lex.europa.eu/legal-content/EN/TXT/?uri=CELEX%3A62016CJ0434

[37] – ويقدم القضاء في إيطاليا تطبيقا مهم للمسئولية عن القرارات المعالجة آليا. فوفقا للقانون الإيطالي يخضع فتح الصيدلية للترخيص الذي يجب من أجل الحصول عليه تقديم طلب في منصة إليكترونية تابعة لوزارة الصحة. ويجب أن يقدم الطلب لإقليم معين، وإذا رفض الطلب مرتين في إقليمين متعاقبين فلم يعد جائزا تقديم طلب آخر، قدم أحد الأشخاص طلبين لإقليمين متعاقبين لكنهما رفضا استنادا إلى أنهما لم يتضمنا، كما يتطلب القانون، بيان بالإميل. ثم تقدم صاحب الشأن في العام التالي بطب ثالث متضمن البيان المطلوب لكنه أيضا رفض استنادا هذه المرة إلى أنه سبق له تقديم طلبين وهو غير جائز. وقضت المحكمة الإدارية في ترونتو بالتعويض على الدولة بعد أن أثبت المدعي الخطأ الذي وقع فيه النظام الإليكتروني والذي خلط بين رفض طلب الترخيص لسبب شكلي مع رفض الطلب لسبب موضوعي. أنظر محمد محمد عبد اللطيف، المسؤولية عن الذكاء الاصطناعي بين القانون الخاص والقانون العام، مجلة البحوث القانونية والاقتصادية، عدد خاص بالمؤتمر الدولي السنوي العشرون، لسنة 2021، جامعة المنصورة – كلية الحقوق، ص 39.

[38] – أحمد أجعون ويونس الشماخي، مسؤولية الإدارة بالمغرب وفق آخر التوجهات القضائية مساهمة في رصد تطور الأسس التشريعية والفقهية والقضائية، منشورات المجلة المغربية للأنظمة القانونية والسياسية، العدد الخاص رقم 29، الطبعة الأولى 2022، ص 209.

[39] – CHEVALLIER, Jacques, La responsabilité administrative et le risque, Revue française de droit administratif (RFDA), année 2001,n° 1, Éditions Dalloz, Paris,p17.