مجلة مغرب القانونفي الواجهةابن مسعود ياسين: رسالة مفتوحة إلى وزير العدل: اليومَ فقط عرفتَ من نحن؟

ابن مسعود ياسين: رسالة مفتوحة إلى وزير العدل: اليومَ فقط عرفتَ من نحن؟

مغرب القانون/ الرباط

ابن مسعود ياسين محام بهيئة المحامين بوجدة


ما كان ليخطرَ ببال أحدٍ، ، ومنهم  الوزيرُ نفسه، أنّ كلمتين اثنتين لا غير «مَن أنتم؟» كفيلتان بأن تُخرجا المحاماة المغربية كلَّها إلى الشارع على بكرة أبيها. ما كان ليُخيَّل إليه أنّ المحامين، بنسائهم ورجالهم، شبابهم وكهولهم وشيوخهم، سيحجّون اليوم إلى ساحة البرلمان أفرادًا وزرافات، من شتّى ربوع المملكة، تاركين قاعات المحاكم ومكاتبهم وشؤون حيواتهم، ليقولوا له بصوتٍ واحدٍ كلمةً واحدة: أنتَ كاذب.

ولعلّها من غرائب الصدف، ومن سخرية القدر، أن يكون الذي سأل «مَن أنتم؟» وزيرًا للعدل كان بالأمس محاميًا يرتدي الرداء نفسه. فها هو يكتشف اليوم — وقد نسيَ أو تناسى — من هم المحامون حقًّا حين يجتمعون على قضيةٍ عادلة. عرفهم لا في ردهات المحاكم حيث يعرفهم الخصومُ مُتفرّقين، بل في الميدان حيث صاروا جسدًا واحدًا، صفًّا لا يتزحزح، صوتًا لا يُشترى.

جاء السؤال ساخرًا متعاليًا، يوم المصادقة على مشروع قانون مهنة المحاماة بمجلس المستشارين، حين ردّ الوزير على هيئات المحامين بعبارته الحادّة: «من أنتم حتى يلتزم معكم رئيس الحكومة؟». وكأنّ المحاماة لا شيء، وكأنّ من يحمل أمانة الدفاع عن الناس مجرّدُ فئةٍ بلا وزنٍ ولا نَسَب. وهنا، في هذا السؤال بالذات، تكمن المفارقة التي يدور حولها كلُّ ما سيأتي.


إلى أين سيذهب الشعب؟

يُروى أنّ فرانشيسكو فرانكو، ديكتاتور إسبانيا، سمع وهو على فراش الموت عام 1975 أصواتًا صاخبة تتعالى من الشوارع المحيطة بقصره في مدريد. فسأل ممرّضيه: ما هذه الأصوات؟ فأجابوه أنّ الشعب جاء يودّعك. فسألهم في دهشةِ المستبدّ الذي لا يرى الناس إلا تَبَعًا له: وإلى أين سيذهب الشعب؟ مات فرانكو بعدها بأسابيع، ولم يذهب الشعب إلى أيّ مكان؛ بل بقيَ، وذهب هو.

هذا هو المنطق نفسه الذي ينطق به سؤال «من أنتم؟». إنه منطق من يظنّ أنّ المؤسسات مِلكُه، وأنّ من حوله مجرّد ظلالٍ تزول بزواله وتتحرك وجودا وعدما مع أهوائه ومصالحه وحساباته السياسية. لكنّ الحقيقة عكس ذلك تمامًا: المحاماة هي الباقية، والوزراء عابرون. الرداء يبقى، والمناصب تَفنى. فحين خرج الآلاف اليوم، لم يكونوا يودّعون المهنة، بل كانوا يحتفلون ببقائها بعد أن يزول كلُّ عابرٍ ظنّ أنه الدولة، وما هو إلا موظفٌ فيها.


وقفة المسؤولية لا وقفة الاحتجاج

في قلب هذا المشهد التاريخي، وقف النقيب الجليل الحسين الزياني، رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب، منتصبا ليفتتح كلمته بآيةٍ بيّنة: «وأوفوا بالعهد إنّ العهد كان مسؤولًا» (الآية (34) في سورة الإسراء). ثم قال إنّ وقفة اليوم ليست معركةً فئوية، ولا مطلبًا عابرًا، وإنما أداءُ واجبٍ يمليه القسمُ والأمانة والتاريخُ الذي لا يرحم من يفرّط في المبادئ حين يكون الدفاع عنها واجبًا. وأبرز النقيب أنّها وقفةُ مسؤوليةٍ ووفاء: مسؤولية أمام الوطن والدستور والعدالة والأجيال القادمة، ووفاءٌ للعهد بأن تبقى المحاماة حصنًا للحقوق والحريات.

وذكّر الأستاذ النقيب الزياني أنّ المحاماة المغربية كانت عبر تاريخها مدرسةً في الوطنية قبل أن تكون مدرسةً في القانون؛ حضرت في معارك التحرير، وأسهمت في بناء دولة الاستقلال، وواكبت مسار الإصلاحات الدستورية والحقوقية، ولم تغادر يومًا موقعها الطبيعي: موقع الشريك في بناء الدولة، لا الخصمِ في مواجهتها، ولا الباحثِ عن امتيازٍ على حسابها. وحدّد جوهر الأزمة بدقّة:

إنها ليست أزمة نصٍّ بل أزمة منهج، وليست أزمة تفاصيل بل أزمة ثقة؛ فحين يهتزّ منهجُ إنتاج التشريع تهتزّ معه الثقةُ في الفعل العمومي، وتصبح الشراكةُ مجرّدَ عنوانٍ لا مضمون.

وفي ردٍّ مباشرٍ على خطاب التجاهل والاستعلاء، قال النقيب فيما معناه إنّ الدولة المغربية ليست في حاجةٍ إلى من يعرّفها بالمحاماة؛ فهي تعرف تاريخها وتعرف رجالها، وتعرف ما قدّمته هذه الأمة في الدفاع عن الحقوق والحريات. ويكفي المحاماة فخرًا أنّ أعلى رمزيةٍ في الدولة قد أحاطتها بأسمى معاني التقدير، حين شُرِّفت بأن ارتدى جلالةُ الملك بذلةَ المحاماة، في دلالةٍ وطنيةٍ ودستوريةٍ عميقة. فمكانة المحاماة لا يصنعها مسؤولٌ حكومي، ولا تمنحها حكومة، ولا تنال منها عبارةٌ عابرة؛ لأنها مكانةٌ كتبها التاريخ، وحصّنها الدستور، وأكّدتها الإرادةُ الملكية، ورسّختها الممارسة.

مقال قد يهمك :   محكمة النقض: مدى قابلية مسطرة الصلح للطعن بعد صدور الحكم بالتطليق للشقاق

لماذا المحاماة بالذات؟ آخر قلاع الشرعية

يُخطئ من يظنّ أنّ المسألة مجرد نصوصٍ استهدفت المهنة. المسألة الأعمق هي تكرارُ الظاهرة نفسها: كلّما ظهر مشروعٌ يخلّ بتوازن مؤسسةٍ، أو ينتقص من ضمانةٍ دستورية، أو يفتح بابًا لتأويلٍ يمسّ الشرعية القانونية، وجدنا المحاماة في الصفّ الأول من المعترضين، ثم عادت الأصوات ذاتها لتصنّفها عقبةً أمام الإصلاح، أو فئةً لا تدافع إلا عن امتيازاتها. فلماذا هذا الإصرار المتكرّر على استهداف هذه المهنة دون غيرها؟

الجواب أنّ من يريد إضعاف المحاماة لا يستهدف المهنة في ذاتها، وإنما يستهدف الوظيفةَ التي تؤدّيها. فالمحاماة هي المؤسسة الوحيدة داخل منظومة العدالة التي لا تملك سلطة التشريع، ولا سلطة التنفيذ، ولا سلطة الحكم، لكنها تملك حقَّ مساءلة الجميع. وهنا تكمن المشكلة. فكلُّ سلطةٍ تميل بطبيعتها إلى توسيع نفوذها، ولا يحدّ من هذا الميل إلا وجودُ سلطاتٍ مضادّة وآليات رقابة مستقلة.

والمحاماة، وإن لم تكن سلطةً دستورية، تؤدّي وظيفةً مضادّةً للسلطة، إلا أنها تمارس الرقابة القانونية على التشريع والإدارة والقضاء والنيابة العامة، دون أن تنازع أيًّا منها اختصاصه. ولهذا تصبح مزعجةً كلّما تعلّق الأمر بتمرير نصوصٍ هجينة كما يقول زميلي العزيز الأستاذ حسن مازوري (قاضي سابق ومحامي بهيئة القنيطرة) في إحدى مقالاته.

ولو غابت المحاماة لتم تمرير كثير من هذه النصوص في صمت، ولما بقي من ينبّه إلى آثارها على دولة القانون خاصة أن العمل البرلماني يرى في دراسات الأثر ترفا إداريا لا طائلة منه. ومن هنا فإنّ من يستهدف المحاماة لا يستهدف مهنة، وإنما يستهدف آخر مؤسسةٍ مستقلةٍ ما زالت تملك الشجاعة القانونية للاعتراض. فحين تسقط آخر مؤسسةٍ تملك حقَّ الاعتراض، لا يبقى ما يمنع التفاهة التشريعية من أن تتحوّل إلى قانون ممسوخ كمسخ فرنكنشتاين كما شبهه الزميل شماعو محمد (محامي بهيئة الرباط) . ولا شك أن التفاهة التشريعية لا تنتصر حين تُكتب، وإنما تنتصر حين لا تجد من يعترض عليها.


إلى المواطن الذي ظنّ أنّ القانون يحميه منّا

وهنا أتوجّه مباشرةً إلى المواطن الذي صفّق للوزير، وظنّ أنّ هذا المشروع وُضع لينتصر له على المحامي. أقول له بكلّ صدق: لقد خُدِعت. فالقانون الذي يُصفَّق له لا يريد محاصرة حصانة واختصاصات المحامي لمصلحتك، بل يحاربك أنت من خلال إضعاف من يُفترض أن يدافع عنك. دعني أشرح لك بلغةٍ بسيطة.

لقد حمى المشروعُ أتعابَ المحامي وضمنها بمجموعةٍ من الإجراءات المريحة. لكنه في المقابل قيّد المحامي في الدفاع عنك، وجرّده من سلطته وقوّته الإجرائية. بمعنى أنّ المحامي صار بإمكانه أن يتمتّع بأتعابٍ مضمونةٍ ومريحة، دون أن تكون له صلاحياتٌ حقيقيةٌ لحماية موكّله. فيصير حضورُه إلزاميًّا، لكنه أسد بلا أنياب. والنتيجة أنّك أنت، أيها المتقاضي، ستبقى وحيدًا في مواجهة الإدارات العمومية والشرطة القضائية وقضاة النيابة العامة وقضاة التحقيق وقضاة الحكم، يجلس بجانبك محامٍ بلا قوّةٍ ولا أدوات.

مقال قد يهمك :   رشيد مشقاقة يحدد مبررات الدعوة إلى توثيق الخطبة في المغرب

والأخطر من ذلك كلّه: أنّ المشروع 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة سحب عنها في مادتها الأولى صفةَ كونها تساعد القضاء في تحقيق العدالة، واكتفى بأنها تساهم فقط تحقيق العدالة و المحاكمة العادلة دون أن تتجلّى هذه المساهمة. وهذا في جوهره ليس إلا أثاثًا شكليًّا، محامٍ حاضرٌ بالشكل لتبدو المحاكمة عادلةً في ظاهرها، دون أن يكون له مضمونٌ حقيقيٌّ يحمي ظهر المتقاضي بالإجراءات والدفوع. فمبروكٌ عليك أيها المواطن محاماةٌ لا تساعد القضاء في تحقيق العدالة، بل مجرّد ديكورٍ يُجمّل واجهة المحكمة. إنّ سحب صفة المساعدة في تحقيق العدالة عن المحاماة دليلٌ على عزلك أنت عن أسباب الدفاع عن نفسك. كما يقول أحد قدماء مهنتنا الأستاذ لحبيب حاجي (محامي بهيئة المحامين بتطوان). ثم إنّ من يحقد على المحامين بسبب خلافٍ فرديٍّ مع أحدهم يكون قد سقط في مغالطة التعميم Hasty Generalization إذ إن المنطق السليم يمنع أن يعمم  هذا الاستنتاج على المهنة كلّها.


النقيب والوزير

ولأنّني محامٍ شابٌّ في بداية مشواري، أفتخر بنقباء المهنة الذين وقفوا في وجه الوزير ولم تلِن لهم عزيمة،، فإنّني أستحضر هنا ما خطّه نقيب هيئة المحامين بالرباط، عاصمة المملكة، في رسالةٍ مفتوحةٍ شديدة اللهجة، حين تجرّأ الوزير على النقباء. فجاء في رسالته:

ما دمتَ تستعلي علينا بالمؤسسات، وتستكثر علينا رئاسةَ حكومةٍ عابرة، وتتدرّع بوزارةٍ للعدل لا يبدو أنها تدرك المعنى العميق للعدالة، وتتجرّأ على النقباء، بل وعلى نقيبك أنت، نقيبِ عاصمة المملكة الشريفة، فتعالَ لأقول لك بكلّ هدوءٍ وثقة: من هو هذا النقيب الذي نلتَ منه بجهالةٍ وغرور.

ثم عدّد النقيب رموز هيئةٍ عتيدةٍ أنجبت رجالًا من طينة عبد الرحيم بوعبيد، ومحمد بوستة، وعبد اللطيف الكديري، وأحمد رضا الكديري، ومحمد الصديقي، وعبد الهادي بوطالب القباب، وعبد الرحمن بن عمرو، وأحمد بنجلون. وقال إنّه ناضل زهاء عشرين سنةً ليحمل هذه المسؤولية، حاربه خلالها كلُّ فاسد، ثم جاء المشروع لينصفهم ويكافئهم. وأضاف:

لم أنحنِ يومًا لمؤسسةٍ طلبًا لمنفعة، ولم أساوم على مبدأٍ من أجل صفقة، لا من تحت الطاولة ولا من فوقها. أنا ابنُ هذه الدولة ونتاجها الخالص، أعرف تقاليدها وأخلاقها ومؤسساتها، وأعرف أيضًا حدود السلطة وحدود المسؤولية. أنت وزير، وأنا نقيب. أنا نقيبُك وإن كرهت. فالبادي أظلم. وللنقباء صبرٌ، لكن لهم أيضًا حدودٌ إذا مُسّت كرامةُ المهنة ورجالها.

وختمها بسخريةٍ لاذعةٍ راقية: «زميلي المحترم… عفوًا، سيدي الوزير العظيم». وهي عبارةٌ تختصر المسافة كلّها بين رجلٍ يستمدّ مكانته من تاريخه ونزاهته، وآخرَ يستمدّ سلطانه من منصبٍ عابر.


أولــــئك آبـــائــي

وأنا، المحامي الشاب، حين يُسألُ جيلي «من أنتم؟»، لا أجد جوابًا أبلغَ من بيت الفرزدق الذي فاخر به جريرًا بأمجاد آبائه:

أولئكَ آبائي فجِئني بمِثلِهمْ 

        إذا جمَعَتْنا يا جريرُ المجامِعُ

فهؤلاء النقباء، وأولئك الرجال الذين بنوا المحاماة المغربية وناضلوا من أجل استقلالها، هم آبائي. فجِئنا بمثلهم، يا سيادة الوزير، إن استطعت. ونحن إذ نفخر بهم، نعلن أنّ للمحاماة نَسَبًا وتاريخًا وآباءً، وأنّ السائل عن هويّتها هو الغريب العابر، لا هي.


ألا لا يجهلنْ أحدٌ علينا

لقد حلِمت المحاماة طويلًا، وحاورت في عشرات اللقاءات، وقدّمت ما يمكن تقديمه بحُسن نيّة كما جاء على لسان رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب. فلمّا قوبل حلمُها بالاستخفاف وسؤالِ «من أنتم؟»، خرجت الآلاف لتقول ما قاله عمرو بن كلثوم في معلّقته:

ألا لا يجهلَنْ أحدٌ علينا   

  فنجهلَ فوقَ جهلِ الجاهلينا

فالحِلمُ موصولٌ بالحِلم، لكنّ السفهَ يُقابَل بما يردعه. ومن بدأ بالاستخفاف فهو الأظلم، ومن تطاول فلا يلومنّ إلا نفسه.

مقال قد يهمك :   اتفاق بين الموثقين والخزينة العامة ينزع الصفة المادية عن طلب وتسليم شهادة أداء الضرائب والرسوم المثقل بها العقار موضوع التفويتات العقارية

نظمٌ على لسان المهنة

وقد جال في خاطري، وأنا أتأمّل ما جرى، أبياتٌ على لسان المهنة المظلومة:

سَلوا المحرابَ عن صبرِ الأُباةِ

    وعن رُكنٍ تَهاوى في الطُّغاةِ

أنا الرداءُ يَأبى الذُّلَّ يومًا

   وأَحرفُ شِرعتي حِصنُ الحياةِ

 وغدًا إن طالَ ليلُ الظُّلمِ فجرٌ

      يُعيدُ الحقَّ مرفوعَ الراياتِ


شكون حنا.. حنا الدفاع

وفي الميدان، لم يكن الجواب على سؤال الوزير بحاجةٍ إلى بلاغة. فقد صدحت الحناجر بهتافٍ واحد: «شكون حنا.. حنا الدفاع». مَن نحن؟ نحن الدفاع. هذه هي الهويّة في ثلاث كلمات. لسنا فئةً تطلب امتيازًا، بل نحن ضمانةُ المحاكمة العادلة، وحصانةُ الدفاع، وصوتُ المتقاضي حين يقف وحيدًا أمام آلة العدالة. وحين تكون المحاماة مستقلّةً قويّة، يكون المواطن أكثر أمنًا على حقوقه، وتكون العدالة أكثر توازنًا، وتكون الدولة أكثر احترامًا لسيادة القانون.

لقد كان بإمكاننا أن نصمت، وأن نتكيّف مع الأمر الواقع، وأن نبحث عن حلولٍ مريحة. لكن ذلك يعني خيانة الأمانة التي حملناها، ونفرّط في رسالةٍ ستسألنا عنها الأجيال. ولذلك اخترنا الطريق الأصعب، لأنه الطريق الصحيح: طريقُ الدفاع عن المبادئ لا عن المصالح، وعن المستقبل لا عن اللحظة، وعن الدولة الديمقراطية لا عن موازين القوة العابرة.


كلمةٌ أخيرة

فيا أيّها السائل بالأمس «من أنتم؟»: لقد عرفتَ اليومَ من نحن. عرفتنا حين امتلأت ساحةُ البرلمان بالسواد العظيم،، وحين تحوّل سؤالُك الساخر إلى لحظةٍ تأسيسيةٍ في تاريخ المهنة. أمّا أنت، فستذكرك الأيام كما ذُكِر كلُّ من ظنّ أنّ الناس تَبَعٌ له، وسأل في غفلته: وإلى أين سيذهب الشعب؟ والشعب كالمحاماة — باقٍ، وأنت العابر.

إنّ معركة الكرامة والاستقلال لم تنتهِ بعد، بل الآن بدأت، وما زال في النفس الكثير، وإن غدًا لناظره قريب.

وأختم هنا بقصيدة شعرية جوابا عن سؤال من أنتم ؟ فقد يفهم المخاطب شعرا ولا يفهم نثرا:

مَنْ نَحْنُ؟ ردٌّ على من سألَ المحامين ساخراً

سَأَلْتَ بِكِبْرٍ: مَنْ هُمُ؟ مَنْ أُولَئِكا؟

      فَأَصْغِ، سَأَتْلُو فِي عُلاكَ مَسالِكا

نَحْنُ الَّذِينَ إِذا تَجَهَّمَتِ الدُّنا

        رَفَعْنا عَنِ المَظْلُومِ ثِقْلَ المَهالِكا

نَحْنُ السِّياجُ إِذا تَعَدَّى ظالِمٌ

         وَنَحْنُ لِبابِ الحَقِّ كُنّا المَسالِكا

إِذا صَمَتَ الخَلْقُ المَهيبُ تَهَيُّباً

           نَطَقْنا، وَلَمْ نَخْشَ السُّيوفَ البَواتِكا

لَنا فِي رُبوعِ العَدْلِ تاريخُ سُؤْدُدٍ

         بَنَيْناهُ صَرْحاً لا تُطاوِلُ سامِكا

وَكَمْ حُرَّةٍ رُدَّتْ إِلَيْها حُقوقُها

         بِأَقْلامِنا، وَالظُّلْمُ يَطْوِي المَمالِكا

فَإِنْ كُنْتَ تَدْرِي مَنْ نَكُونُ فَلا تَسَلْ

         وَإِنْ كُنْتَ تَجْهَلْ، فَالجَهالَةُ هالِكا

سَلِ الشَّعْبَ عَنّا، وَالقَضايا شَواهِدٌ

         سَلِ السِّجْنَ وَالمَنْفِيَّ، وَاسْأَلْ المعاركا

نُحامِي عَنِ المَقْهورِ لا عَنْ مَنَاصِبٍ

       وَلَسْنا نُداري فِي الحُقوقِ المُشاكِكا

مَناصِبُكُمْ تَفْنَى وَيَبْقَى رِداؤُنا

          شِعاراً عَلى مَرِّ الدُّهورِ مُبارِكا

فَيا أَيُّها السّاخِرْ، تَمَهَّلْ وَلا تَطِشْ

          فَإِنَّ مَقامَ العَدْلِ لَيْسَ معاركا

وَنَحْنُ، وَإِنْ طالَ الصِّراعُ، أُسودُهُ

         نُصارِعُ، لا نَخْشَى الخُطوبَ الحَوالِكا

سَتَذْكُرُنا الأَيّامُ حِينَ تَجَلَّتِ

     وَتَنْسَى الَّذِي بِالأَمْسِ كانَ مُماحكا


عاشت المحاماة المغربية حرّةً، مستقلّةً، أبيّة، وفيّةً لرسالتها،

حصنًا للحقوق والحريات، ورافعةً للعدالة وسيادة القانون.