العلمي الحراق: استمرار التلقي بمذكرة الحفظ بين التعطيل والتفعيل

د. العلمي الحراق
ففي إطار تنزيل القانون رقم 051.26 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.26.58 بتاريخ 13 من صفر 1448 (28 يوليو 2026) المتعلق بتنظيم مهنة العدول، كنت قد أشرت في مقال صناعة الوثيقة العدلية – نشرته بعض المنابر الإعلامية مشكورة-، إلى أهم المراحل التي تمر منها الوثيقة العدلية إلى أن تصبح ورقة رسمية، من تلقيها وتحريرها، والخطاب عليها من طرف القاضي، ثم حفظها واستخراج النسخ منها وتسليمها لمن له الحق فيها، وكان ذلك باختصار مفيد حاولت من خلاله توضيح بعض الغموض ورفع بعض اللبس والإجابة عن أهم الإشكالات،
ونظرا إلى أنني كنت قد التزمت في المقال بعدم الدخول في تفاصيل كثيرة، لضيق المجال والمساحة، لكن بعد نشر المقال والاطلاع عليه من طرف بعض العاملين والمهتمين، بدأت تظهر بعض الردود من هنا وهناك، فيما فضل بعض الزملاء المحترمين الاتصال بي مباشرة على الهاتف، متسائلين وملاحظين على بعض ما أوردته من تحليل واستنباط وشرح لبعض الأحكام والمقتضيات القانونية.
ومن أهم الملاحظات التي أثيرت في الموضوع ما تضمنه المقال بخصوص فقرة استمرار العمل بمذكرة الحفظ في الفترة الانتقالية، حيث كنت قد طرحت فيها عدة تساؤلات بشأن توقيع الأطراف والعدول بمذكرة الحفظ فقط؟، أو بالتوقيع فيها وفي أصول العقود والشهادات؟ وأنه بعد تحرير نظائر لها كان التساؤل عن كيفية التعاطي وهل يبدأ العمل مباشرة بنظام النظائر المتجانسة طبقا للقانون الجديد؟.
وكنت قد قلت بصدد ذلك بأن الموقف السليم أن يوقع الأطراف والعدول في مذكرة الحفظ كما هو العمل حاليا، ثم تحرر نظائر لهذه العقود والشهادات وتقدم للقاضي للخطاب عليها ثم تجميعها كنظائر متجانسة طبقا للمادة 79 من القانون الجديد.
كما أوردت في المقال بأن القول إن الأطراف يوقعون في مذكرة الحفظ أولا، ثم يوقعون ثانيا في أصول العقود أو الشهادات، يؤدي إلى إفراغ المادة 199 من محتواها ومقتضاها، وأنه لا حاجة لنا حينئذ إلى الاستمرار في العمل بمذكرة الحفظ ولا إلى الإبقاء على سريان مفعول مقتضيات المادة 28 من القانون رقم 16.03، وأنه لو كان هذا هو المقصود لنص القانون الجديد على العمل بالتوقيع على الأصول والنظائر بعد مرور 90 يوما على نشره، كما فعل مع كل مقتضيات القانون السابق، ولأراحنا من الاستمرار في العمل بهذه المذكرة بداية من 9 نوفمبر المقبل.
هذا ما كنت قلته في المقال السابق باختصار شديد، والآن أعود لهذه الجزئية لنخصصها بشيء من التفصيل، لعلني أنجح هذه المرة في إقناع من لا يزال يعتقد بأن العمل بخلاف ما أشرت إليه أعلاه هو الصواب، وأنه ينبغي التوقيع على أصول العقود والشهادات ابتداء من 9 نوفمبر المقبل، وأن مذكرة الحفظ ستصبح بقدرة قدير هي سجل البيانات.
وعليه، وبالرجوع إلى المادة 199 المشار إليها نجدها تنص صراحة على أنه: “مع مراعاة … تنسخ ابتداء … جميع الأحكام المخالفة لهذا القانون …
غير أنه تظل سارية المفعول:
-مقتضيات المادة 28 من القانون رقم 16.03…إلى حين صدور النص التنظيمي المشار إليه في المادة 30 من هذا القانون،
-النصوص التنظيمية المتخذة لتطبيق القانون رقم 16.03 المذكور، ما لم تتعارض مع مقتضيات هذا القانون، وذلك إلى حين تعويضها”.
تحليل عبارة “غير أنه تظل سارية المفعول”
بتأملنا في عبارة” غير أنه تظل سارية المفعول” يتبين أن العبارة تتضمن استثناء من القاعدة العامة التي نصت عليها المادة 199، وهي نسخ الأحكام والمقتضيات المخالفة للقانون الجديد، بمعنى أن النسخ القانوني المذكور فيها لم يشمل مقتضيات المادة 28 من القانون 16.03، أي أن المادة 28 بقيت كما كانت ولا نسخ فيها ولا تغيير ولا تبديل.
ومن ثم يمكننا التقرير بداية أن مقتضيات المادة 28 وبكل ما تضمنته واحتوته، مستثناة من القاعدة العامة المتعلقة بنسخ القانون رقم 16.03 وكل المقتضيات القانونية الأخرى المخالفة للقانون الجديد، بمعنى أن هناك استثناء معبر عنه صراحة بعبارة “غير أنه”.
كما يمكننا التقرير بأن هذا الاستثناء شامل للمادة 28 بما أشارت إليه من مقتضيات أخرى بما في ذلك نصوصها التنظيمية كما سياتي تفصيله بعده.
ثم إن عبارة “تظل سارية المفعول” هي قاعدة مذهبية، ويتعين الوقوف عندها بشيء من التفصيل، والتي تقتضي وجوبا أن كل الأوضاع القانونية التي خلقتها المادة 28 منذ زمان يتعين أن تبقى قائمة وسارية المفعول بدون تغيير ولا تحويل، من مسك لمذكرة الحفظ المحدد شكلها وكيفية التلقي وإدراج الشهادات بها والتوقيع عليها وبيان أعمدتها وأضلاعها وغير ذلك بنص تنظيمي. بحيث يجب أن:
- تظل سارية المفعول مذكرات الحفظ التي يمسكها العدول حاليا بذاتها وأرقامها وصفحاتها بدون أدنى تغيير أو تعديل في ذلك، وبدون ختم لهذه المذكرات واستبدالها بأخرى، فلا يسوغ –قانونا- للسادة القضاة المحترمين أن ينهوا العمل بهذه المذكرات وأن يختموها، بل يتعين أن تظل سارية المفعول وصالحة للعمل بموجبها.
- تظل سارية المفعول أيضا واعتبار مذكرة الحفظ أصلا للعقود والشهادات المدرجة بها وتوقيع الأطراف والعدول عليها في ضلع ملخص الشهادة كما يجري به العمل منذ زمان وإلى اليوم بدون أدنى تغيير أو تعديل أو تصرف من أحد، سواء العدول الماسكون لها أو غيرهم.
- تظل سارية المفعول أيضا مذكرات الحفظ التي يتلقى فيها العدول ولا يسوغ تغيير اسمها وتحويلها إلى سجل للبيانات، ولا إلى الزيادة في عدد صفحاتها وأضلعها، ولا إلى التوقف عند الإشهاد فيها وإحداث فرق في صفحاتها بين ما تلقي بها ما قبل 9 نوفمبر المقبل، وبين ما تلقي بعد هذا التاريخ، بل يتعين أن يستمر بها كما كان وكأن قانونا جديدا لم يصدر .
والذي سيحدث الفرق بين ما قبل 9 نوفمبر وما بعده هو تاريخ خطاب القاضي المكلف بالتوثيق، فما خاطب عليه القاضي من عقود وشهادات قبل 9 نوفمبر فإنه يجب تضمينه بواسطة السادة النساخ في سجلات التضمين طبقا للقانون رقم 16.03، والقانون رقم 49.00 المتعلق بمهنة النساخة، وما خاطب عليه من نظائر بعده فسيجمع في نظائر متجانسة طبقا للقانون الجديد، ولو تعلق الأمر بتحرير عقود تعود إلى سنوات ما قبل هذا التاريخ، فإنها سيخاطب عليها كنظائر طبقا للقانون الجديد.
- 4- التعبير ب “تظل” ومعناها يبقى و”يستمر”، أي أن كل فعل كان يمارس في إطار المادة 28 يجب أن يظل ويبقى ويستمر ويسري مفعوله كما كان دون نسخ أو تغيير أو تعديل، لا في كيفية تحديد شكل مذكرة الحفظ وعدد أوراقها وصفحاتها، ولا في كيفية فتحها وختمها من طرف القاضي، ولا في كيفية مسكها من طرف العدول، ولا في كيفية تلقي وإدراج الشهادة فيها، ولا في التوقيع على العقود والشهادات بها باعتبار ها هي الأصل الأول للعقود والشهادات، وذلك كله إلى أن يصدر النص التنظيمي المتعلق بتحديد شكل سجل البيانات الموجزة.
فكل هذه القضايا والشروح مأخذها واستنباطها الاستثناء الوارد في المادة 199 وتقتضيها وتوجبها عبارة “تظل سارية المفعول” التي تعني الاستمرار في العمل بمذكرة الحفظ كما هو معمول به طبقا للقانون 16.03، وهذا هو التفعيل الأمثل للمادة 199 من القانون الجديد.
المادة 65 من القانون الجديد حسمت كل شيء
بل إن هناك نصا آخر في القانون الجديد يعتبر نصا حاسما في شرح مقتضيات المادة 199، ويعطي الدليل بما لا يدع مجالا للشك في الموضوع، أنه يجب الاستمرار بالتلقي في مذكرة الحفظ وفقا للكيفيات والأوضاع السابقة، ويتعلق الأمر بالمادة 65 إذ جاء فيها ما يلي: “إذا توفي عدل أو فقد أهليته أو صفته أو عاقه عائق عن أداء الشهادة بعد أن تلقاها بصفة قانونية وأثبتها في ……. مذكرة الحفظ المستمر العمل بها إلى حين صدور النص التنظيمي المنصوص عليه في المادة 30 أعلاه ، كلف القاضي المكلف بالتوثيق بناء على طلب يقدم إليه من ذي المصلحة عدلين للتعريف بالعدل المعني ….”.
وإنما قلت إن هذه المادة حاسمة في شرح مقتضيات المادة 199 والمادة 28 من القانون 16.03، لأنه كما يعلم السادة القضاة المكلفون بالتوثيق والسادة العدول وأساتذة التوثيق العدلي في الجامعات أنه لا يمكن التعريف بعدل توفي أو فقد أهليته أو صفته أو عاقه عائق عن أداء الشهادة إلا إذا تلقى الشهادة بصفة قانونية وأثبتها في مذكرة الحفظ، أي كتب الوثيقة في مذكرة الحفظ ووقعها الأطراف والعدل أو العدلان، وهذا يعني أن المادة 65 هذه تتحدث بما لا يدع للشك عن التلقي بمذكرة الحفظ وتوقيع الأطراف والعدول، وإلا فإنه لا يسوغ قانونا التعريف بالعدل المتوفى أو …إذا كانت مذكرة الحفظ عبارة عن بيانات موجزة وبدون توقيع العدول والأطراف فيها، وبالتالي فإن التلقي المقصود بالتعريف في المادة 65 هو التلقي المصحوب بإدراج العقود والشهادات بمذكرة الحفظ مع توقيعات العدول والأطراف ، وهذا المعنى واضح ولا يجوز أن يختلف حوله، لأنه من باب السماء فوقنا.
وإذا غيرت مذكرة الحفظ في اسمها أو في شكلها أو في كيفية التلقي وإدراج الشهادات بها، وأصبحت شيئا آخر فإنه لا حديث حينئذ عن مسطرة التعريف بالعدول المعروفة فقها وقانونا وتوثيقا.
والاستمرار في العمل بمذكرة الحفظ يعني بصراحة كاملة، أن التلقي بمذكرة الحفظ وتوقيع الأطراف بها على العقود والشهادات يجب أن يكون طبقا لما كان معمولا به في نظام قانون 16.03 ، وأنه يجب أن يستمر كذلك دون تغيير أو تعديل إلى أن يصدر النص التنظيمي المتعلق بسجل البيانات الموجزة.
وفكرة استمرار العمل بمذكرة الحفظ التي عنونت بها هذا المقال أخذتها من المادة 65 المذكورة.
وهي نفس العبارة التي أوردتها دورية المجلس الأعلى للسلطة القضائية حيث عبرت عن حق وصواب، “بالاستمرار في التلقي بمذكرة الحفظ“.
واستمرار التلقي بمذكرة الحفظ وبالكيفية نفسها وبالطريقة ذاتها من الأحكام والمقتضيات التي تضمن الانتقال السلس والمرن من تطبيق مقتضيات القانون السابق إلى تطبيق مقتضيات القانون الجديد، وفق منهجية التدرج المحمودة في سائر الشرائع السماوية والوضعية.
ثم إنه ما هو الضرر المحتمل الذي سيقع بسبب التمسك بهذه الاستمرارية التي لا تأتي إلا بخير؟، وقد أشار بعض الزملاء إلى أن الضرر المحتمل هو تعرض العقود والشهادات إلى البطلان فيما إذا لم تطبق على تحريرها المقتضيات الجديدة.
وللجواب على هذا التخوف أشير إلى أن القضاء يعرف متى يحكم ببطلان العقود والشهادات ومتى لا يحكم، وأنه هو الضامن الأول والأخير لتطبيق هذه المقتضيات التطبيق الأمثل.
وأيضا فإن الحفاظ على الاستقرار التوثيقي والأمن التعاقدي مطلب محمود وغاية من غايات المشرع دائما، وهذا يقتضي تفعيل مقتضيات الماد 199 والمادة 65 على النحو المذكور.
لأنه حينما نجتهد في تنزيل هذه المقتضيات بالتغيير والتبديل، ونخلق نشاطا زائدا في أقسام قضاء الأسرة -التي هي أصلا غارقة في أشغالها الأخرى- ونطلب من السادة القضاة المكلفين بالتوثيق ختم مذكرات الحفظ الممسوكة حاليا والبالغ عددها ما يقارب أو يفوق 3500 مذكرة، وفتح عدد آخر مثله في يوم أو يومين، إن لم نقل أسبوعا أو أكثر، مع تعطيل مصالح المرتفقين والمتعاقدين طيلة هذه المدة، ثم بعد ذلك وعند صدور النصوص التنظيمية بعد شهر أو شهرين أو أكثر ، نعود مرة أخرى للسادة القضاة المحترمين وبنفس الوتيرة والعدد، لمراجعة هذه المذكرات وختمها، ثم للتأشير وفتح سجل البيانات الموجزة؟.
وفي الآن نفسه نلزم السادة العدول باقتناء مذكرات حفظ جديدة، وبعدها اقتناء سجل البيانات الموجزة، بما يستتبع ذلك من مشاق وأعباء زائدة لكل الأطراف، وهذا دون أن نطرح هنا سؤال اللوجيستيك وهي مسألة ذات أهمية كبرى، ومدى استطاعة الهيئة الوطنية للعدول تزويد السادة العدول بهذه المذكرات الجديدة في الوقت المناسب، وكم يلزمها من الأيام والأسابيع لإيصال مذكرات الحفظ إلى كل ربوع المملكة؟ حتى لا تتعطل مصالح المرتفقين لمدة طويلة بسبب عدم وجود هذه المذكرات أو ندرتها.
قلت إذا اجتهدنا هذا الاجتهاد غير الموفق فإننا لم نسهم في تحقيق الاستقرار المنشود ولا في الحفاظ على الأمن التعاقدي، بقدر ما نحتاط أكثر من اللازم وإلى درجة التشدد، من حصول ضرر أو تخوف محتمل قد يقع وقد لا يقع، مع أن مقتضيات المادة 199 والمادة 65 تسعف على تحقيق الهدوء والطمأنينة والاستقرار التوثيقي والانتقال السلس من النظام السابق إلى النظام الجديد بدون خلق متاعب لأحد من العاملين والمتعاقدين على حد سواء، وأنه لا خوف على العقود والشهادات الموقعة في مذكرة الحفظ من أي ضرر أو بطلان أو إبطال.
وتجدر الإشارة هنا إلى أنه حينما صدر القانون رقم 16.03 ودخل حيز التنفيذ ابتداء من تاريخ 02/07/2006 وكان قد نص هو الآخر في المادة 28 نفسها على أن شكل مذكرة الحفظ وكيفية إدراج الشهادة فيها يحددان بنص تنظيمي، فإن السادة العدول لم يلزموا بشراء مذكرات حفظ جديدة ولا أن السادة القضاة المكلفين بالتوثيق طلب منهم إنهاء العمل بمذكرات الحفظ التي كانت ممسوكة عند العدول في هذا التاريخ وفتح مذكرات أخرى جديدة، بل تم الإبقاء عليها كما كانت واستمر العمل بها وأذن للهيئة الوطنية للعدول في طبع هذه المذكرات طبقا للنص التنظيمي السابق إلى أن صدر النص التنظيمي بعد ثلاث سنوات تقريبا(2009). وقد تم ذلك بسلاسة كبيرة وفي هدوء تام وطمأنينة كاملة لم يشعر معها لا السادة العدول ولا الأطراف ولا غيرهم بأي صعوبة أو حرج.
ومعلوم أن مذكرة الحفظ التي جاء بها قانون 16.03 كانت تختلف مع تلك التي كانت ممسوكة في إطار قانون 11.81 لا من حيث الشكل ولا من حيث المضمون وإن حافظت على نفس التسمية، ومع ذلك لم يتم إنهاء العمل بها واستبدالها بأخرى، بل استمر العمل بها إلى أن صدر نصها التنظيمي الجديد سنة 2009، أي أن العمل استمر بمذكرة الحفظ القديمة طيلة ثلاث سنوات تقريبا في الفترة الانتقالية، وهذه سابقة أو عمل كان ينبغي تقليده والحفاظ عليه، ما دام أن مقتضيات المادتين 199 و65 تسعف على ذلك على الأقل، بل توجب ذلك وتقتضيه كما ذكرناه أعلاه.
النصوص التنظيمية المتعلقة بمذكرة الحفظ ما زالت سارية المفعول
تنص المادة 28 المذكورة على أنه” يتلقى العدلان الشهادة أولا في مذكرة الحفظ المشار إليها أعلاه؛ على أن تدرج في مذكرة أحدهما فقط إذا وقع التلقي في آن واحد؛ وفي مذكرة كل واحد منهما إذا وقع التلقي الفردي في آماد متفاوتة؛ مع التنصيص في الحالتين على تاريخ تلقي الشهادة.
يحدد شكل مذكرة الحفظ وكيفية إدراج الشهادة فيها بنص تنظيمي”.
ومعنى هذا أن المادة نفسها تنص على أن شكل مذكرة الحفظ وكيفية إدراج الشهادة فيها يحددان بنص تنظيمي، أي أن المادة تحمل معها نصوصها التنظيمية،وتعتبر من مقتضياتها، ولا يسوغ أن نأخذ بعضا من مقتضياتها دون بعض، وإما أن نأخذها جملة وتفصيلا ونكون قد نفذنا التنفيذ الأسلم للمادة 199، وإما أن نتركها جملة أو نأخذ بعضها دون بعض، ونكون قد عطلنا العمل بمقتضاها ، لأنه بدون هذه النصوص التنظيمية سوف لا يعرف أحد شكل مذكرة الحفظ ولا من يفتحها ويؤشر عليها بالمراجعة والختم، ولا كيفية مسكها وكيفية إدراج الشهادات فيها، فكل هذه المعلومات المتعلقة بكينونة ووجود مذكرة الحفظ عرفناها بفضل نصوصها التنظيمية، وبالتالي فإن كيفية التعامل مع مذكرة الحفظ يكون بوجود هذه النصوص التنظيمية، وإذا استبعدت هذه النصوص استبعد العمل بمذكرة الحفظ برمته، وهذا لم يقل به أحد لحد الآن.
لأنه مثلا المادة 17 من المرسوم التطبيقي لقانون 16.03 هي التي تنص على أن “القاضي المكلف بالتوثيق يؤشر على مذكرة الحفظ وذلك بعد ترقيم صفحاتها ووضع الطابع على كل صفحة منها قبل الشروع في استعمالها، وأنه لا يستعمل مذكرته الجديدة إلا بعد تقديمه المذكرة القديمة إلى القاضي المكلف بالتوثيق قصد مراجعتها وختمها”.
وإذا ما اعتبرنا مقتضيات هذه المادة تتعارض مع القانون الجديد وذهبنا إلى القول بنسخها، فسينعدم السند القانوني الذي يعطي للقاضي المذكور الصلاحيات المذكورة طول الفترة الانتقالية، وسنحدث فراغا قانونيا في الموضوع وهذا لا يجوز.
ولذلك فإن النصوص التنظيمية المتخذة لتطبيق استمرار العمل بمذكرة الحفظ طبقا للمادة 28 لا تتعارض مع مقتضيات القانون الجديد وفقا للمادة 199 منه.
وبناء عليه، فإنه لا يمكن فك المقتضى القانوني عن نصه التنظيمي في المادة 28 المذكورة. كما أنه لا يسوغ اعتبار الفقرة الأخيرة منها تتعارض مع أحكام القانون الجديد، لأن هذا القانون هو الذي أعطاها قوة سريان المفعول وهو الذي نص على الإبقاء عليها بنصوصها التنظيمية إلى حين صدور النص التنظيمي لسجل البيانات الموجزة.
نعم النصوص التنظيمية الأخرى تنسخ مع ما تم نسخه إذا كانت تتعارض مع مقتضيات هذا القانون وذلك إلى حين تعويضه.
هذا مع العلم أن دورية المجلس الأعلى للسلطة القضائية الصادرة منذ أيام في موضوع القانون الجديد، نصت صراحة على أن التلقي يبقى في مذكرة الحفظ، إذ ورد في الدورية ما نصه:” كما أنه أحدث سجل البيانات عوضا عن مذكرة الحفظ، غير أنه علق العمل بالسجل مع “الاستمرار في التلقي بمذكرة الحفظ” إلى حين صدور نص تنظيمي …” ، وعبارة الاستمرار في التلقي بمذكرة الحفظ واضحة وصريحة في تفعيل مقتضيات المادتين 199 و 65 كما أوردناه أعلاه، لا كما يعتقد الذين يعطلون ذلك من حيث يعلمون أو لا يعلمون.
تخوف بعض الزملاء من بطلان الوثيقة:
أثار بعض الزملاء المحترمين تخوفهم من الاكتفاء بالتوقيع على مذكرة الحفظ واقترحوا التوقيع عليها وعلى أصول العقود والشهادات في آن واحد، واستدلوا بمقتضيات المادة 62 من القانون الجديد التي تنص على بطلان العقود والشهادات إذا لم تذيل أصولها بتوقيعات الأطراف والعدول.
والجواب عن هذا التخوف أن القانون الذي أتى بالمادة 62 هو نفسه الذي أتى بالمادة 199 والمادة 30 والمادة 31 والمادة 59، حيث إن المادة 199 نصت على استثناء العمل بمذكرات الحفظ كما أشير إليه أعلاه، وكما نصت عليه المادة 65 صراحة، وهذا يعني أن التوقيع على مذكرة الحفظ هو المعتمد إلى صدور النص التنظيمي لسجل البيانات، كما أن المادة 62 يجب احترامها وتطبيقها بعد صدور هذا النص التنظيمي، أما العمل بالتوقيع على مذكرة الحفظ والتوقيع على أصول العقود والشهادات، فهو عمل مخالف لمقتضيات القانون الجديد ولا سيما نص المادة 199 والمادة 65، وتوقيع الأطراف مرتين كمن رخص له في استعمال التيمم بدل الوضوء، ثم بعد التيمم طلب منه أن يتوضأ تحت طائلة بطلان صلاته.
ولا معنى للمادة 62 فقط، بل إن هناك العديد من المواد يمكن أن نتصور فيها ما رآه الزملاء في ذلك، فمثلا المادة 59 تنص على وجوب تضمين الوثيقة العدلية بيان مراجع تسجيل موجز الشهادة أو العقد بسجل البيانات، والحال أن هذا السجل لا وجود له لحد الآن، فهل نقول بأن الوثيقة إذا لم تتضمن هذا البيان تقع باطلة أيضا، أو أن العدول إذا لم يفعلوا ذلك يقعون في مخالفات مهنية أو زجرية لا قدر الله؟، ومعلوم أنه لا تكليف إلا بمقدور، و”لا يكلف الله نفسا إلا وسعها” كما قال تعالى.
نعم حينما يصدر نص تنظيمي يحدد شكل سجل البيانات الموجزة، نصبح مطالبين بالتوقيع نحن والأطراف على أصول العقود والشهادات تحت طائلة البطلان، أما قبل صدور هذا النص التنظيمي وغيره من النصوص التنظيمية فلسنا مطالبين بذلك ونحن في حل من أمرنا.
وهب أننا سلمنا بوجهة نظر الزملاء الذين يختلفون معنا وهم أقلية-ونحن لم نسلم بها- وقمنا بتغيير اسم مذكرة الحفظ وسميناها مثلا “مذكرة حفظ سجل البيانات” أو “مذكرة بيانات”، فهل نكون فعلنا مقتضيات المادة 199 التفعيل الأمثل وأنهينا المشكلة؟، وهل الإشارة في أصول العقود والشهادات ونظائرها إلى مراجع تسجيل موجز الشهادة أو العقد بهذا السجل العجيب طبقا للمادة 59، تكون إشارة صحيحة أم أنها ستكون إشارة الزيادة في الطين بلة؟، ثم إنه هل يتضمن القانون الجديد بيان كيفية مسك هذا ” السجل- المذكرة ” وكيفية إدراج موجز الشهادة به؟.
الحقيقة أن هذه الإشارة ستكون غير صحيحة وسوف لن تحل المشكلة بقدر ما تزيدها تعقيدا وإشكالا، كما أن القانون الجديد لا يتضمن ولو إشارة بسيطة إلى بيان شكل هذه المذكرة أو كيفية أو التلقي بهذه المذكرة العجيبة، ومعناه أننا نحن من سنحدد هذا الشكل وهذه الكفيات بعيدا عن أنظار من يجب، وحبذا لو اجتهدنا في الاتجاه الذي نسير فيه وأولنا هذه المقتضيات تأويلا إيجابيا ينحو منح التيسير والتخفيف بدل التعسير والتعقيد.
وبعض الزملاء يرون بأن الاستثناء الوارد في المادة 199 المذكورة لا يمكن فهمه إلا استثناء يخص مذكرة الحفظ باعتبارها تقوم مقام سجل البيانات، وهو رأي يجانب الصواب، لأن مذكرة الحفظ لها أهميتها وقيمتها وحجيتها القانونية، إذ هي أصل للعقود والشهادات وفيها تكون توقيعات العدول والشهود والأطراف، بينما سجل للبيانات سيكون عبارة عن فهرس يومي تسجل فيه البيانات التي ستحدد بنصه التنظيمي دون توقيع من أحد ولو من العدل الماسك له، فهو سجل لزمام وتسجيل بيانات موجزة لا أكثر.
وبعضهم تساءل عن موقع المادة 31 من القانون الجديد من هذا النقاش الدائر عن استمرار العمل بمذكرة الحفظ، والجواب عن هذا التساؤل لا يخرج عن ما ذكرناه أعلاه، فحينما يصدر النص التنظيمي الخاص بسجل البيانات، سيبدأ العمل بمقتضيات المادة 31 شأنها في ذلك شأن باقي المقتضيات الأخرى التي يتوقف العمل بها على صدور نصوصها التنظيمية.
وبعضهم تساءل حول فكرة الأرقام التسلسلية الواردة في المادة 30 من القانون الجديد، وأن ذلك يوجب البدء في العقود والشهادات من رقم 1 عدد 1 بالنسبة لجميع السادة العدول، ويقتضي تغيير المذكرات التي نمسكها الآن واستبدالها بأخرى جديدة، وهذا فهم يجانب الصواب، لأن الأرقام التسلسلية لا تعني أكثر من أنه حينما يصدر النص التنظيمي لسجل البيانات يجب الاعتماد في تسجيل هذه البيانات على الأرقام بتتابع العقود والشهادات حسب ساعات وتواريخ التلقي والتسجيل، وليس معناها شيء آخر. والتلقي بمذكرات الحفظ الممسوكة الآن يجب أن يستمر وفق نفس الأرقام الموجودة ولا مشكلة في ذلك، ولا أثر على صحة العقود والشهادات، لأن المعتبر في إحداث الفرق والقطيعة بين نظام التضمين في السجلات ونظام النظائر المتجانسة هو تاريخ خطاب القاضي كما أشرنا أعلاه.
بقي أن نشير هنا إلى أنه حينما يتم التلقي بمذكرة الحفظ على الكيفية المعهودة منذ زمان والتوقيع بها على العقود والشهادات باعتبارها أصلا ومرجعا أساسيا لها، فإنه عند التحرير يجب أن تحرر عدد النظائر المطلوبة وتقدم للقاضي للخطاب عليها، وبعد الخطاب يودع نظير منها لديه من أجل حفظه ضمن النظائر المتجانسة وللرجوع إليه عند الاقتضاء، كما أنه يودع نظير منها أيضا لدى العدل الماسك للمذكرة من أجل حفظه بمكتبه للرجوع إليه عند الحاجة، ولا سيما عند استخراج النسخ طبقا لمقتضيات المادة 85 من القانون الجديد، حيث نصت على أن النسخة تؤخذ من هذا النظير.
والخلاصة من ذلك كله هي أن المادة 199 من القانون الجديد نصت على استثناء مقتضيات المادة 28 من القانون رقم 16.03 من النسخ، وأن هذا الاستثناء شامل للمادة، ولكل ما تضمنته من أحكام ومقتضيات بما فيها نصوصها التنظيمية، وأن هذه المقتضيات يجب أن تبقى سارية المفعول، كما أن المادة 65 من هذا القانون تضمنت بشكل صريح ما يوضح مقتضيات المادة 199، وأن ذلك ما يقتضي استمرار العمل بنظام مذكرة الحفظ كما كان العمل بها دون نسخ أو تغيير، لا في كيفية تحديد شكلها وعدد أوراقها وصفحاتها، ولا في كيفية فتحها وختمها من طرف القاضي المختص، ولا في كيفية مسكها من طرف العدول، ولا في كيفية تلقي وإدراج الشهادة فيها، ولا في التوقيع على العقود والشهادات بها باعتبار ها هي الأصل الأول للعقود والشهادات، وذلك كله إلى أن يصدر النص التنظيمي المتعلق بتحديد شكل سجل البيانات، وأنه لا داعي للسرعة والاستعجال في تطبيق كل مقتضيات القانون الجديد ابتداء من 9 نوفمبر، وأن ذلك هو التفعيل الأمثل لمقتضيات المادة 199 والمادة 65.
مع وجوب الاستفادة من جريان العمل بمذكرة الحفظ القديمة في إطار قانون 11.81 السابق، لأنه حينما دخل قانون 16.03 حيز التنفيذ في 2/7/2007، لم يتم إنهاء العمل بهذه المذكرة واستبدالها بأخرى، بل استمر العمل بها طيلة ثلاث سنوات تقريبا إلى أن صدر نصها التنظيمي الجديد في سنة 2009.
أما ختم مذكرات الحفظ الممسوكة حاليا وفتح أخرى، أو تغيير شكلها وتحويلها إلى سجل للبيانات، مع اعتماد التوقيع على أصول العقود والشهادات بداية من 9 نوفمبر المقبل، فهو تعطيل لمقتضيات المادة 199 والمادة 65 ونسخ لأحكامهما بدون وجه حق ولا سند قانوني.
وأرجو الله تعالى أن أكون قد نجحت في إقناع الزملاء والمهتمين، وأن أكون قد أسهمت في وضع لبنة من لبنات خارطة الطريق الصحيحة لتفعيل القانون الجديد على الوجه الأمثل، وقد أعود للموضوع مرة أخرى لطرق جزئية أخرى من جزئيات تنفيذه إذا ما دعت الحاجة إلى ذلك.
