مجلة مغرب القانونالقانون الخاصعزيز تابت: اخراج الشريك من الشركة لأسباب معتبرة في القانون المغربي – دراسة على ضوء النصوص القانونية والاجتهاد القضائي-

عزيز تابت: اخراج الشريك من الشركة لأسباب معتبرة في القانون المغربي – دراسة على ضوء النصوص القانونية والاجتهاد القضائي-

عزيز تابت باحت بصف الدكتوراه جامعة محمد الخامس كلية الحقوق السويسي

          لقد شهدت البيئة الاقتصادية والتجارية خلال العقود الأخيرة تحولات عميقة ومتسارعة، فرضتها العولمة الاقتصادية، وتنامي المبادلات التجارية الدولية، وتطور وسائل الاستثمار والتمويل، فضلاً عن بروز أنماط جديدة لممارسة الأنشطة الاقتصادية وما رافقها من تحولات في بنية المقاولة وطرق تدبيرها وحوكمتها؛ وقد أفرزت هذه التحولات حاجة متزايدة إلى تطوير القواعد القانونية المؤطرة للمجال التجاري والأعمال، بما يضمن ملاءمتها مع المستجدات الاقتصادية، ويوفر مناخاً قانونياً ملائماً للاستثمار، ويحقق قدراً من الأمن والاستقرار في المعاملات التجارية .

      وفي هذا السياق، عمل المشرع المغربي، خلال العشرية الأخيرة من القرن الماضي 1، على تحديث وتطوير ترسانته القانونية ذات الصلة بالتجارة والأعمال، من خلال سن مجموعة من النصوص التشريعية التي همت جل المجالات الاقتصادية والمالية والاجتماعية ودلك بهدف مسايرة الركب العالمي والأوروبي خاصة ؛ مما يكرس توجه الإرادة التشريعية الى مواكبة التحولات التي عرفها الاقتصاد الوطني والدولي، والانتقال من قواعد تقليدية إلى منظومة قانونية أكثر قدرة على الاستجابة لمتطلبات التنافسية.

       غير أن هذا المسار التشريعي لم يؤد إلى إقصاء القواعد العامة الواردة في قانون الالتزامات والعقود 2، الذي ظل يحتفظ بمكانة أساسية ضمن البناء القانوني المغربي، باعتباره الإطار العام الذي تستمد منه العديد من العلاقات والالتزامات ذات الطابع المدني والتجاري أسسها القانونية. وعلى الرغم من التطور الذي عرفه القانون التجاري وتعدد النصوص الخاصة المنظمة للشركات التجارية 3، فإن قانون الالتزامات والعقود لا يزال يتضمن مقتضيات ذات صلة مباشرة بالحياة التجارية، ولا سيما تلك المتعلقة بالشركة باعتبارها عقداً 4 وتنظيماً قانونياً 5 يجمع بين مجموعة من الشركاء لتحقيق غرض مشترك.

      ويبرز هذا الحضور بصورة واضحة في مجال انقضاء الشركة وحلها، حيث احتفظ المشرع ضمن قانون الالتزامات والعقود بمقتضيات تنظم بعض أسباب حل الشركة باعتباره اجراء يؤدي الى انهاء تنفيد عقد الشركة و من دون التأثير على الحقوق و المراكز القانونية التي اكتسبها الشركاء طيلة مدة حياة الشركة 6، ولا سيما عندما تصبح العلاقة بين الشركاء مصدراً لاضطراب خطير يمس استمرار المشروع الاجتماعي أو يجعل تحقيق الغرض الذي أنشئت الشركة من أجله متعذراً؛ مما جعل الحل القضائي يكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى كونه يمثل تدخلاً للقضاء في العلاقة التي تربط الشركاء، بما يترتب عنه من آثار تمس ليس فقط المصالح الفردية للشركاء، وإنما كذلك الشخصية المعنوية للشركة واستمرارية نشاطها ومصالح الدائنين والغير و من خلالهم الادخار الوطني .

      وفي هذا الإطار، يطرح إخراج الشريك من الشركة إشكالية قانونية دقيقة، باعتباره آلية يمكن أن تتقاطع مع الحل القضائي للشركة، لاسيما عندما يكون سبب الاضطراب أو النزاع مرتبطاً بأحد الشركاء دون أن تكون مصلحة الشركة أو نشاطها الاقتصادي متطلباً بالضرورة لإنهاء وجودها؛ فبينما يؤدي الحل القضائي، كأصل عام، إلى انحلال الرابطة القانونية التي تجمع الشركاء فيما بينهم و من دون اقتصار دلك على إرادة الشركاء 7 ، الا انه قد يثير وضع الشريك المسبب للنزاع تساؤلاً حول مدى إمكانية استبعاده من الشركة، بما يسمح بالمحافظة على الشخص المعنوي واستمرار نشاطه، مع مراعاة حقوقه المالية والقانونية.

         وتزداد أهمية هذا الإشكال بالنظر إلى خصوصية مركز الشريك داخل الشركة؛ فهو من جهة طرف في العقد المؤسس للشركة، ومن جهة أخرى يتمتع بمركز قانوني يرتبط بمجموعة من الحقوق والالتزامات، الأمر الذي يجعل المساس بصفته كشريك خاضعاً لمجموعة من الضوابط القانونية والقضائية ؛ ومن ثم فإن إخراج الشريك لا يمكن أن ينظر إليه باعتباره مجرد وسيلة لإنهاء نزاع بين الشركاء، وإنما باعتباره إجراءً استثنائياً يقتضي الموازنة بين حماية استقرار الشركة واستمرارية نشاطها من جهة، وبين حماية حقوق الشريك التي يكفلها القانون و عقد الشركة من جهة أخرى.


1 _ علال فالي مفهوم راسمال في شركة المساهمة الطبعة التانية مطبعة دار السلام للطباعة و النشر و التوزيع ص 9 .

2 _ صدر قانون الالتزامات والعقود المغربي بموجب ظهير شريف في 9 رمضان 1331 الموافق لـ 12 أغسطس 1913، وذلك في عهد السلطان مولاي يوسف إبان فترة الحماية .

3 _ انظر في دلك القانون رقم 17_95 المتعلق بشركات المساهمة الصادر بتنفيده الظهير الشريف رقم 1.96,124 الصادر في 14 من ربيع الأخير 1417 الموافق 30 غشت 1996 و المنشور بالجريدة الرسمية عدد 4422 بتاريخ 17 أكتوبر  1996  و الدي عرف مجموعة من التعديلات .

    القانون رقم 5,96 المتعلق بشركة التضامن و شركة التوصية البسيطة و شركة التوصية بالاسهم و الشركة دات المسؤولية المحدودة و شركة المحاصة الصادر بتنفيده الظهير الشريف رقم 1.97.49 الادر في 5 شوال 1417 الموافق 13 فبراير 1997 و المنشو في الجريدة الرمية عدد 4478 الصادرة بتاريخ 1 ماي 1997   و الي عرف بدوره مجموعة من التعديلات .

4  نص الفصل 982  بان الشركة عقد بمقتضاه يضع شخصان او اكثر أموالهم او عملهم او هما معا لتكون مشتركة بينهم بقصد تقسيم الربح الدي ينشا عنها “.

5 _ لقد جادل جانب من الفقه المغربي في اعتبار الشركة مجرد عقد لكون إرادة الأطراف لا تتجسد الا في وضع نظام أساسي للشركاء بينما تدخل المشرع في تنظيم الشركات باحكام امرة فاصبحت الشركة اقرب الى النظام القانوني منها الى العقد انظر في دلك فؤاد معلال شرح القانون التجاري المغربي الجديد الجزء التاني دار الافاق المغربية للنشر و التوزيع ص 18 .

6_ يمكن تصنيف أسباب انقضاء الشركة و حلها الى أسباب عامة تنطبق على كافة الشركات و الى أسباب خاصة ترتبط بكل نوع بعينه دون الاخر و للمزيد من الاطلاع على دلك انظر

7_رشيد فطوش حل شركة المساهمة في القانون المغربي و المقارن دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص السنة الجامعية 2003 _ 2004 ص 5.


ومن هنا تبرز الإشكالية المركزية للموضوع في التساؤل الآتي:

إلى أي حد استطاع المشرع المغربي، من خلال المقتضيات القانونية المنظمة لاخراج الشريك من الشركة لوجود أسباب معتبرة ؛ ان يحقق التوازن بين ضرورة الحفاظ على استمرارية الشركة من جهة، وحماية حقوق الشركاء من جهة أخرى؟

     ويتفرع عن هذه الإشكالية عدد تساؤلات، من أهمها: ما هو الأساس القانوني لإخراج الشريك في التشريع المغربي؟ وما هي علاقته بالحل القضائي للشركة؟ وما هي الشروط التي يتعين توافرها للحكم بإخراج الشريك من شركة تجارية 8 ؟ ثم ما هو موقف القضاء المغربي من هذه المسألة، وما مدى مساهمته في ضبط حدود هذه الآلية وآثارها؟

ولمعالجة هذه الإشكالية، سيتم تناول الموضوع بالوقوف أولاً، عند تحديد الأساس القانوني المؤطر للموضوع وتحديد علاقته بأسباب الحل القضائي للشركة، ثم بحث الشروط والضوابط التي تحكم اللجوء إليه، قبل الانتقال إلى رصد موقف القضاء المغربي من الإشكالات التي تثيرها هذه المسألة، ولا سيما حدود السلطة التقديرية للقاضي في تقدير الأسباب المعتبرة المبررة للإخراج، ومدى إمكانية اعتماد الإخراج كبديل عن الحل القضائي، فضلاً عن الآثار القانونية والمالية المترتبة عنه.

      ونظرا لطبيعة الموضوع فأننا سنتطرق من خلاله لتحديد الأساس القانوني لإخراج الشريك من الشركة وتحديد شروطه (المبحث الأول ) على ان ننتقل بعد دلك لتحديد الأثار القانونية المترتبة عن اخراج الشريك مع رصد لموقف القضاء المغربي من دعوى إخراج الشريك  (البحت الثاني) والكل وفق التقسيم التالي:

المبحث الأول: الأساس القانوني لإخراج الشريك من الشركة التجارية وشروطه:

          يقتضي تناول مسألة إخراج الشريك من الشركة التجارية الوقوف عند الإطار القانوني الذي ينظم هذه الآلية في التشريع المغربي؛ باعتبار أن تحديد أساسها القانوني يشكل مدخلاً ضرورياً لفهم طبيعتها وشروط إعمالها.؛ ذلك أن إخراج الشريك لا ينفصل عن القواعد المنظمة لحل الشركة، بل يرتبط بها ارتباطاً وثيقاً من حيث الأسباب المبررة له والغاية المتوخاة منه، والمتمثلة أساساً في تمكين الشركة من الاستمرار رغم قيام ظروف قد تؤدي إلى انحلالها؛ ومن ثم، فإن الإحاطة بهذا الموضوع تستلزم، ابتداءً، تحديد الأساس القانوني الذي تستند إليه دعوى إخراج الشريك، قبل الانتقال إلى بيان الشروط والضوابط التي تحكم ممارستها.

المطلب الأول: الأساس القانوني لإخراج الشريك في التشريع المغربي:

        يستمد إخراج الشريك من الشركة التجارية مشروعيته من المقتضيات القانونية التي تؤطر العلاقة بين الشركاء، ولا سيما تلك التي تجيز استمرار الشركة بين باقي الشركاء رغم تحقق أسباب قد تؤدي إلى حلها؛ ويقتضي تحديد هذا الأساس القانوني الوقوف على النصوص التشريعية ذات الصلة، وتحليل نطاق تطبيقها، مع إبراز طبيعة العلاقة القائمة بين إخراج الشريك والحل القضائي للشركة. وفي هذا الإطار، تبرز أهمية الفصلين 1056 و1060 من قانون الالتزامات والعقود، لما يتضمنانه من أحكام تؤطر حالات طلب حل الشركة وإمكانية استمرارها بين باقي الشركاء عن طريق إخراج الشريك المتسبب في الحل، وهو ما يستدعي تناول الإطار التشريعي المنظم لهذه الدعوى بالتحليل والدراسة.

الفقرة الأولى : الاطار التشريعي لدعوى اخراج الشريك من الشركة :

          إذا كانت الشركة التجارية تقوم على اعتبارات تعاقدية وتنظيمية تقتضي توافر نية الاشتراك والتعاون بين الشركاء لتحقيق الغرض الذي أُنشئت من أجله، والمتمثل في ممارسة نشاط مشترك وتوزيع الأرباح المحققة بينهم وفقاً للقواعد المنظمة للشركة 9 فإن استمرار العلاقة التعاقدية بينهم قد يصبح متعذراً متى انتفت مقومات التعاون الضرورية لتحقيق الغرض الاجتماعي، نتيجة إخلال أحد الشركاء بالتزاماته أو نشوء خلافات خطيرة من شأنها التأثير في سير الشركة ومصالحها. ومن ثم، تبرز مسألة إخراج الشريك باعتبارها آلية قانونية يمكن أن تتيح، في الحالات التي تتوافر فيها شروطها، المحافظة على استمرارية الشركة دون التضحية بمصالح باقي الشركاء.

وقد تناول المشرع المغربي أحكام إخراج الشريك من الشركة في الفصل 1060 من قانون الالتزامات والعقود، الذي ينص على ما يلي:

«في الحالة المذكورة في الفصل 1056، وفي جميع الحالات التي تنحل فيها الشركة بسبب موت أحد الشركاء أو فقده أو فرض الحجر عليه أو إشهار إفلاسه أو لأن الورثة قاصرون، يسوغ لباقي الشركاء أن يجعلوا الشركة تستمر فيما بينهم، وذلك بأن يستصدروا من القضاء حكماً بإخراج الشريك الذي يتسبب في الحل.

وحينئذ يثبت للشريك المفصول ولورثة الشريك المتوفى أو المحجور عليه أو المفقود أو المفلس، أو لممثليه القانونيين الحق في استرداد نصيب هذا الشريك في رأس مال الشركة وفي الأرباح، على حسب ما يتقرر من قيمته يوم طلب الإخراج. ولا يكون لهؤلاء الشركاء نصيب في الأرباح ولا في الخسائر التالية لتاريخ طلب الإخراج، إلا في حدود ما يكون نتيجة مباشرة وضرورية للأعمال التي بدأت قبل ذلك. ولا يسوغ لهم المطالبة بأداء نصيبهم إلا في الوقت الذي يقع فيه التوزيع بمقتضى عقد الشركة».


8_ تجدر الإشارة الى ان الاحكام المؤطرة لاخراج شريك من الشركة و المنصوص ليها في المادة 1056 و 1060 من ق.ل.ع  تطبق احكامها على الشركات المدنية  و التجارية باعتباره القانون العام المؤطر لتنظيم الشركات ما لم تتعارض مقتضياته مع لنوص الخاصة المنظمة للشركات التجارية .

9_ هاني دويدار القانون التجاري منشورات الحلبي الحقوقية طبعة 2008  ص 564


وفي المقابل، ينص الفصل 1056 من القانون نفسه على ما يلي:

«يسوغ لكل شريك أن يطلب حل الشركة، ولو قبل انقضاء المدة المقررة لها، إذا وجدت لذلك أسباب معتبرة كالخلافات الخطيرة الحاصلة بين الشركاء والإخلال الواقع من واحد أو أكثر منهم بالالتزامات الناشئة من العقد، واستحالة قيامهم بأداء هذه الالتزامات.

ولا يصح للشركاء أن يتنازلوا مقدماً عن حقهم في طلب حل الشركة في الحالات المذكورة في هذا الفصل».

       ويُستفاد من قراءة هذين الفصلين أن المشرع المغربي لم يجعل إخراج الشريك مجرد إجراء تلقائي يترتب عن وجود نزاع بين الشركاء، وإنما أحاطه بضوابط قانونية ترمي إلى تحقيق التوازن بين مصلحة الشركة في الاستمرار، وحقوق الشريك المعني بالإخراج، ومصالح باقي الشركاء. كما يتضح أن الفصل 1060 يتيح، في الحالة المشار إليها في الفصل 1056، إمكانية استمرار الشركة بين باقي الشركاء، عن طريق استصدار حكم قضائي بإخراج الشريك الذي يتسبب في حلها، متى توافرت الشروط القانونية اللازمة.

          ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار إخراج الشريك، في نطاق الفصل 1060، آلية ترمي إلى تفادي حل الشركة والمحافظة على استمرارها بين باقي الشركاء، وليس جزاءً مستقلاً يمكن إعماله بمعزل عن شروطه القانونية. فالعلاقة بين الفصلين 1056 و1060 تقوم على تكامل وظيفي؛ إذ يحدد هدا الفصل الأسباب المعتبرة التي يمكن أن تبرر طلب حل الشركة، بينما يتيح الفصل الموالي، في الحالات التي يشملها، إمكانية تجاوز آثار الحل عن طريق استمرار الشركة بين باقي الشركاء وإخراج الشريك المتسبب فيه.

        ويكشف هذا التنظيم عن توجه تشريعي يرمي إلى ترجيح استمرارية الشركة متى أمكن تحقيقها دون الإضرار بحقوق الشركاء. فإخراج الشريك لا يمثل غاية في ذاته، وإنما يشكل وسيلة قانونية لتفادي انقضاء الشركة عندما تكون أسباب الحل مرتبطة بسلوك أحد الشركاء أو بخلافات خطيرة تهدد استمرار العلاقة الاجتماعية. ويُفهم من ذلك أن تمكين باقي الشركاء من مواصلة نشاط الشركة قد يحقق مصلحة اقتصادية وتنظيميـة تتجـــاوز مجـرد إنهـاء النزاع القائـم بينهــم بإخراج الشريــك المشاكــس 10.

      وقد اتجهت مجموعة من التشريعات المقارنة 11 إلى تبني توجه مماثل، من خلال إقرار إمكانية المطالبة بإخراج الشريك الذي تكون تصرفاته أو إخلالاته من الجسامة بما يمكن أن يشكل سبباً لحل الشركة أو من خلال اعتماد معايير أخرى تعبّر عنها بعض التشريعات بمفاهيم من قبيل «الأسباب المهمة» أو «الأسباب المعتبرة» 12 ويعكس هذا التوجه رغبة تشريعية في التوفيق بين ضرورة احترام الرابطة التعاقدية من جهة، ومتطلبات استمرارية الشركة وحماية مصالحها من جهة أخرى.

ومن ناحية أخرى، يثير الفصل 1056 مسألة الطبيعة القانونية للحق في طلب حل الشركة لأسباب معتبرة، بالنظر إلى تنصيصه الصريح على عدم صحة التنازل المسبق عنه؛ ويُستفاد من ذلك أن المشرع قد أحاط هذا الحق بحماية خاصة، بما يمنع الشركاء من الاتفاق مسبقاً على حرمان أحدهم من اللجوء إلى القضاء متى توافرت الأسباب القانونية التي تبرر طلب الحل. غير أن تحديد نطاق هذه الحماية وآثارها يقتضي التمييز بين عدم جواز التنازل المسبق عن الحق في طلب الحل، وبين مدى إمكان تنظيم كيفية ممارسة هذا الحق، في الحدود التي لا تتعارض مع المقتضيات الآمرة للقانون.

  وقد كرس القضاء المقارن هذا التوجه، ومن ذلك القرار الصادر عن محكمة النقض المصرية 13، الذي جاء فيه:

«إن اللجوء إلى القضاء بطلب حل الشركة حق للشريك المتضرر من جراء فعل الشركاء الآخرين، لتعلق هذا الحق بالنظام العام، فلا يجوز اتفاق الشركاء على مخالفة ذلك، وتضمن عقد الشركة ما يقيد حق الشركاء في اللجوء إلى القضاء بطلب حل الشركة عند وجود المبرر لذلك باطل بطلاناً مطلقا“.

       ويستفاد من كل دلك أن الاقرار بحق الشريك في اللجوء إلى القضاء عند توافر الأسباب المعتبرة؛ يعد ضمانة أساسية تحول دون اجبار الشركاء على الاستمرار في العلاقة الاجتماعية التي استحال قيامها على النحو الدي يتطلبه تحقيق الغرض من انشاء الشركة  ومع ذلك، فإن الاستناد إلى هذا المبدأ في مجال إخراج الشريك يقتضي مراعاة الحدود التي رسمها الفصل 1060 من ق.ل.ع ، وعدم الخلط بين الحق في طلب حل الشركة والحق في طلب إخراج أحد الشركاء مع استمرارها؛ فلكل منهما شروطه وآثاره القانونية.

الفقرة التانية : تمييز بعض الحالات المبررة لاخراج الشريك من الشركة و الغير مرتبطة بالأسباب المعتبرة :

يعد اخراج الشريك من الشركة التجارية الية من الاليات التي نظمها المشرع المغربي بهدف ضمان استمرار الشركة بين أي الشركاء ما في دلك من تاتير على النسيج الاقتصادي و الاجتماعي داخل المجتمع .


10_ فؤاد معلال مرجع سابق ص 57 .

11_ تنص المادة 531/1 من القانون المدني المصري رقم 131 لسنة 1948 على:

«يجوز لكل شريك أن يطلب من القضاء الحكم بفصل أي من الشركاء يكون وجوده في الشركة قد أثار اعتراضاً على مد أجلها أو تكون تصرفاته مما يمكن اعتباره سبباً مسوغاً لحل الشركة، على أن تظل الشركة قائمة فيما بين الباقين.»

12 _ راجع في دلك المادة 823 من القانون المدني السويسري .

13_ إبراهيم سيدي احمد العقود و الشركات التجارية فقها و قضاء الطبعة الأولى 1999دار الجامعة الجديدة للنشر .


     و بالرجوع الى قانون الالتزامات و العقود المغربي يتبين بانه تضمن الإشارة الى بعض الحالات التي أجاز يها المشرع إمكانية المطالبة بإخراج الشريك دون ان يكون السبب  في دلك مرتبط بوجود نزاعات او خلافات خطيرة بين الشركاء  ؛ و من دلك ما نصت عليه مقتضيات الفصل 996 من ق.ل.ع  14 و الدي اعتبر ان مماطلة الشريك في تقديم حصته في رأسمال الشركة جاز معه لباقي الشركاء طلب الحكم بإخراجه او الزامه بتنفيذ تعهده مع الاحتفاظ بحق المطالبة بالتعويض عند الاقتضاء ؛ كما ان الفصل 1004 من نفس القانون 15  اقر بأحقية اخراج الشريك من الشركة متى تبت انه اجرى لحسابه او لحساب الغير عمليات مماثلة للعمليات التي تقوم بها الشركة و دون موافقة باقي الشركاء ؛متى كانت هده العمليات تشكل منافسة من شانها الاضرار بمصالح الشركة ؛ وقد  تبنت محكمة الاستئناف التجارية بفاس هدا المقتضى في احدى قراراتها  التي جاء فيها :

مقال قد يهمك :   فاطمة اعليلوش: آليات ترسيخ إدارة جبائية حديثة

” لما تبت للمحكمة ان المسير و الشريك في شركة معينة انشا شركة جديدة و ابناءه تقوم بنفس النشاط يكون قد قام بعمل غير مشروع من شانه الاضرار بالشركة الام الدي يحتم الاستجابة للطلب المتعلق بإيقاف نشاط الشركة الجديدة باعتباره يشكل منافسة غير مشروعة و اعتبار الحكم القاضي بخلاف دلك واجب الإلغاء .”16

كما جاء في قرار اخر لمحكمة النقض المغربية :

” يكون معللا تعليلا كافيا حكم المحكمة الدي استند الى كون القانون الأساسي للشركة يثبت ان الطاعن كان من بين الشركاء في هده الأخيرة تم الى كون هدا الطاعن قام بانشاء شركة أخرى لحسابه الخاص تمارس نفس نشاط الشركة الأولى واعتبر دلك عملا غير مشروع يندرج ضمن احكام الفصل 1004 من ق.ل.ع ”   17  

    كما نص الفصل 1055 من ق.ل.ع 18على حالة أخرى تتيح إمكانية طلب اخراج الشريك الدي يتسبب في التعرض على تمديد الشركة عندما يكون التعرض صادرا عن دائنه الشخصي و تكون ديونه تابته بحكم حائز لقوة الشيء المقضي به.

          و يعد تحديد الشكل القانوني للشركة و مقتضيات القانون المنظم لها من بين المرتكزات الاساسية لتفعيل الية اخراج الشريك من الشركة ؛ و من تم فان اجتماع كافة حصص الشركة في يد شريك وحيد  في شركة التضامن يجعل من شركة التضامن  مختلة قانونا 19  الشيئ الدي يستوجب اما حلها او تحويلها الى شكل قانوني اخر ؛ و بالتالي فلا مجال لتطبيق احكام الفصل 1004 من ق.ل.ع على هدا النوع من الشركات لأنه يرتب حل الشركة  .

     و قد سار الاجتهاد القضائي المغربي لمحكمة النقض على إمكانية  تفعيل الية اخراج الشريك من شركة التضامن باعتبارها تقوم على الاعتبار الشخصي و بالتالي فان اجتماع الحصص في يد شريك وحيد  و الدي جاء فيه : 

” وحيث إنه بالنسبة للشق الثاني من الطلب والمتعلق بإخراج المدعى عليه من الشركة استنادا لأحكام الفصل 1004 من ق ل ع، فإنه لا مجال لتطبيق النص المذكور على شركة التضامن استنادا لمقتضيات المادة 2 من قانون الشركات التي علقت تطبيق أحكام قانون الالتزامات والعقود على شركات التضامن إذا لم تكن مخالفة، بينما يتضح بالرجوع إلى المادة 14 من قانون شركات التضامن أن الشريك المتضامن والمسير لا يمكن إخراجه من الشركة وإنما يمكن عزله من مهام التسيير وهو ما يترتب عنه حتما حل الشركة.

وحيث إنه من جهة أخرى فإنه بالرجوع إلى القانون الأساسي للشركة يتبين أن الشركة قائمة فقط بين المدعي والمدعى عليه، ولا يمكن تصور بقاء الشركة كشركة بإخراج المدعى عليه منها لأنه لا وجود لمقتضى مشابه لمقتضيات المادة 44 من قانون الشركات ضمن المقتضيات المنظمة لشركات التضامن، وبالتالي لا يمكن تصور بقاء شركة تضامن ذات شريك وحيد.

وحيث تعين تبعا لذلك رفض هذا الشق من الطلب” 20 .

  

       وبذلك، يمكن القول إن حالات إخراج الشريك من الشركة تتعدد بتعدد الأسباب والمقتضيات القانونية المنظمة لها؛ إذ لا يمكن اعتبار الفصل 1060 من قانون الالتزامات والعقود، الذي يؤسس لإمكانية طلب إخراج الشريك لوجود أسباب معتبرة، الأساس القانوني الوحيد للمطالبة بإخراج الشريك في القانون المغربي ؛ ذلك أن الفصل نفسه أشار إلى حالات أخرى قد يترتب عنها حل الشركة أو إنهاء العلاقة التي تربط الشريك بها، من قبيل وفاة الشريك أو فقد أهليته أو الحجر عليه أو شهر إفلاسه، أو كون ورثته قاصرين، فضلاً عن الحالات المنصوص عليها في الفصول 996 و1004 و1055 من القانون ذاته، والتي سبق تناولها.

        وتختلف هذه الحالات من حيث طبيعتها وشروط إعمالها وأساسها القانوني عن دعوى إخراج الشريك المؤسسة على وجود خلافات خطيرة بين الشركاء، باعتبار أن لكل حالة مقتضياتها و اتارها الخاصة والآثار القانونية المترتبة عنها وعليه، فإن وحدة النتيجة التي قد تفضي إليها هذه الحالات، والمتمثلة في إمكانية إنهاء علاقة أحد الشركاء بالشركة بموجب حكم قضائي أو وفقاً للمقتضيات القانونية ذات الصلة، لا تعني بالضرورة وحدة الأساس القانوني المؤطر لها، ولا تجيز الخلط بين شروط تطبيق كل حالة وآثارها.


14_ ينص الفصل 996 من ق.ل.ع : اداكان احد الشركاء مماطلا في تقديم حصته ساغ لباقي الشركاء ان يطلبوا الحكم باخراجه او ان يلزموه بتنفيد تعهده و دلك مع حفظ الحق بالتعويضات في كلتا الحالتين “

15_ ينص الفصل 1004 من ق.ل.ع : لايسوغ للشريك بدون موافقة باقي الشركائه ن يجري لحسابه او لحساب احد من الغير عمليات مماتلة للعمليات التي تقوم بها الشركة ادا كانت هده المنافسة من شانها ان تضر بمصالحها فان خالف الشريك هدا الالتزام كان لباقي الشركاء الخيار بين مطالبته بالتعويض و بين اخد العمليات التي قام بها لحسابهم و استيفاء الأرباح التي حققها و دلك كله مع بقاء حق الشركاء في طلب اخراج الشريك المخالف من الشركة و يفقد الشركاء رخصة الاختيار بمضي تلاتة اشهر و عندئد لا يبقى لهم الا طلب لتعويض ان كان له موجب .

16_ قرار صادر عن محكمة الاستئناف التجارية بفاس بتاريخ 9/5/2006 تحت عدد 718 ملف 1130/05 منشور بمجلة المعيار عدد 39 ص 235  ما يليها .

17_ قرار صادر عن محكمة النقض بتاريخ 18/4/2007 تحت عدد 442 ملف عدد 933/06 منشور بمجلة المحاكم التجارية عدد 8 و9 ص 402 و ما يليها .

18_ ينص الفصل 1055 من ق.ل.ع : للدائنين الشخيين لاحد الشركاء ان يعترضوا على امتداد الشركة  غير ان هدا الحق لايتبت لهم الا اداكانت ديونهم تابتة بحكم حائز قوة الامر المقضي و يقف التعرض اتر امتداد الشركة تجاه المتعرضين .الا انه يسوغ لباقي الشركاء يستحصلوا من القضاء على الحكم بإخراج الشريك الدي وقع التعرض بسببه .

و تحدد اتار الإخراج بمقتضى الفصل 1060.

19_ فؤاد معلال مرجع سابق ص 55 .

20_  حكم صادر عن المحكمة التجارية بالدارالبيضاء رقم : 11273 بتاريخ : 30/11/2010 ملف رقم : 8109/6/2009 منشور بموقع محكمتي  .


المطلب الثاني: الشروط الموضوعية لإقرار إخراج الشريك من الشركة :

           من خلال استقراء مقتضيات الفصلين 1056 و1060 من قانون الالتزامات والعقود، يتبين أن إعمال آلية إخراج الشريك يقتضي توافر مجموعة من الشروط الموضوعية، في مقدمتها وجود سبب جدي ومعتبر يبرر اللجوء إلى القضاء، وارتباط هذا السبب بمصلحة الشركة واستمرارية نشاطها(الفقرة الأولى )، فضلاً عن ضرورة احترام الحقوق المالية للشريك المعني بالإخراج و الا يكون هو المبادر لطلب الحل (الفقرة التانية )

الفقرة الأولى: ضرورة توافر سبب جدي ومشروع لإخراج الشريك :

        لقد أورد المشرع المغربي في الفصل 1056 من قانون الالتزامات والعقود مجموعة من الأمثلة المحددة لمفهوم الأسباب المعتبرة التي يمكن أن تبرر طلب حل الشركة، من قبيل الخلافات الخطيرة الحاصلة بين الشركاء، والإخلال بالالتزامات الناشئة عن عقد الشركة، واستحالة قيام الشركاء بأداء تلك الالتزامات. وبالنظر إلى إحالة الفصل 1060 على الحالة المنصوص عليها في الفصل 1056، فإن تحديد طبيعة هذه الأسباب ومدى جسامتها يكتسي أهمية أساسية في تقدير إمكانية إخراج الشريك مع استمرار الشركة بين الباقي .

           ولا يكفي، تبعاً لذلك، مجرد قيام خلاف شخصي أو توتر في العلاقات بين الشركاء للحكم بإخراج أحدهم؛ بل يتعين أن تستند المطالبة إلى أسباب جدية ومعتبرة تتجاوز الخلافات العادية التي قد تنشأ في إطار العلاقات التعاقدية، وأن تكون من الجسامة بما يبرر التدخل القضائي وفقاً للشروط القانونية. فالعبرة ليست بمجرد وجود النزاع، وإنما بطبيعته ودرجة خطورته ومدى اتصاله باستمرار الشركة وتحقيق غرضها.

        و يتطلب القول بكون الخلافات بين الشركاء متسمة بالخطورة ؛ أن تبلغ من الجسامة حداً يجعلها مؤثرة على استمرار الشركة ؛ و بالتالي فمجرد النزاع البسيط الدي لا يمس سوى مصلحة شخصية و لا يؤثر على السير العادي للعمل داخل الشركة 21 لا يشكل، في حد ذاته، سبباً كافياً لإخراج أحدهم أو لحل الشركة، و هو الامر داته الدي ينطبق على النزاعات المؤسسة على مجرد رفع الدعاوى القضائية بين الشركاء  و التي لم يثبت أن المنازعات المرتبطة بها تعد من قبيل الخلافات الجدية  التي تستوجب حل الشركة .

        وفي هذا السياق، اتجه القضاء المغربي إلى التمييز بين الشريك الذي يتسبب في حل الشركة، والشريك الذي يمارس حقه المشروع في طلب حلها استناداً إلى أسباب معتبرة. وفي هذا الصدد، جاء في أحد قرارات محكمة النقض 22 ما يلي:

«وتعليل المحكمة هذا فيه تطبيق سليم للقانون، ما دام أن المقصود بالشريك المتسبب في الحل هو الشريك الذي تستنتج من تصرفاته استحالة قيام الشركة بأداء مهامها والتزاماتها، وليس المقصود بذلك الشريك الذي يطلب الحل لوجود أسباب معتبرة، ما دام أن طلب حل الشركة المنصوص عليه في الفصل 1056 من ق.ل.ع هو تصرف شرعي مخول لكل شريك متى كان طلبه مؤسساً على اعتبارات معقولة..……”

ويُستفاد من هذا التعليل أن مجرد ممارسة الشريك لحقه في طلب حل الشركة لا تجعله، في حد ذاتها، متسبباً في الحل؛ إذ ينبغي التمييز بين اللجوء المشروع إلى القضاء للمطالبة بإنهاء العلاقة الاجتماعية لأسباب معتبرة، وبين التصرفات التي تؤدي إلى استحالة استمرار الشركة في أداء مهامها والتزاماتها. وتبرز أهمية هذا التمييز في منع استعمال آلية الإخراج على نحو تعسفي ضد الشريك لمجرد مطالبته بحماية حقوقه القانونية.

وفي الاتجاه نفسه، صدر قرار عن محكمة النقض 23 بتاريخ 04/09/2024، جاء في حيثياته:

«لكن، حيث إن المحكمة مصدرة القرار المطعون فيه وللقول بتأييد الحكم المستأنف أتت بتعليل جاء فيه: “أن المحكمة مصدرة القرار المطعون فيه عللت ما قضت به من عدم قبول الطلب بعلة مضمنها: (أن مقتضيات الفصل 1056 من ق.ل.ع غير ثابتة في الملف على اعتبار أن الاختلالات التي تحدث عنها الفصل 1056 من ق.ل.ع واعتبرها سبباً مبرراً لحل الشركة وهي وجود الشركاء في مواقف مختلفة ومتناقضة ومن شأنها التأثير في استمرار الشركة والإضرار بها وبالشركاء غير متوافرة في نازلة الحال؛ وهو تعليل يساير واقع الملف الذي بالرجوع إلى وثائقه يلفى أن المدعي – المستأنف – وهو الملزم بإثبات ادعاءاته لم يقم الدليل على أن الشركة المراد حلها مغلقة ولم تمارس أي نشاط منذ تأسيسها ولم تشغل أي عامل ولم تحقق أي مداخيل كما لم يدل بأية حجة تفيد أنه وجه للمستأنف عليه الدعوة لعقد جمع عام وفق ما تقتضيه المادة 71 من القانون 05.96 ولم يفعل ذلك لتبرير طلب الحل، مما يبقى معه ادعاؤه مفتقراً للإثبات، الأمر الذي يكون معه مستند الطعن على غير أساس، وبالتالي يكون الحكم المستأنف صائباً فيما قضى به ويناسب التصريح بتأييده”، وهو تعليل اعتبرت فيه المحكمة أن الطالب لم يثبت الخلافات الخطيرة بين الشركاء المتمسك بها من طرفه والمبررة لطلب حل الشركة وفق موجبات الفصل 1056 من قانون الالتزامات والعقود ما دام أن ما تمسك به الطالب من كون المطلوب لم يعقد أي جمع عام للشركة منذ تأسيسها إلى جانب كونه اختفى عن الأنظار وتعذر العثور عليه كما تعذر تبليغه بأي إجراء ومنه

 طلب عقد جمع عام لا يعتبر من ضمن الخلافات الخطيرة التي تنشأ بين الشركاء والمنصوص عليها في المقتضى المذكور، وبذلك لم تخرقه ولم تكن المحكمة مدعوة بإجراء بحث أو أي تحقيق طالما أن ما تمسك به الطالب ليس من قبيل الخلافات الخطيرة، فجاء القرار معللاً بما يكفي وغير خارق للفصل 1056 من قانون الالتزامات والعقود، والوسيلة على غير أساس».

 


21_ رشيد فطوش مرجع سابق ص 38 .

22_ قرار محكمة النقض رقم  1/327 الصادر بتاريخ 052024/06  الملف التجاري رقم 2562022/1/3/  منشور بالنشرة المتخصصة لمحكمة النقض قرارات الغرفة التجارية عدد

23__ قرار محكمة النقض رقم  1/ 460 الصادر بتاريخ 04/09/2024 في الملف التجاري 14/3/1/2023 .


        ويؤكد هذا القرار أهمية إثبات الأسباب المعتبرة التي يستند إليها طلب حل الشركة، وعدم الاكتفاء بادعاءات عامة أو بوقائع لا تكشف، في حد ذاتها، عن وجود خلافات خطيرة بالمعنى المقصود في الفصل 1056. كما يبرز ضرورة التمييز بين الإخلالات التي قد تثير مسؤولية أحد الشركاء، وبين الأسباب التي تبلغ من الجسامة ما يبرر إنهاء العلاقة الاجتماعية أو تفعيل آلية الإخراج في الحالات التي يسمح بها القانون.

       وبناءً على ذلك، يتضح أن تقدير مدى توافر الخلافات الخطيرة يخضع، في حدود القانون، للسلطة التقديرية لمحاكم الموضوع، التي يتعين عليها فحص وقائع النزاع ووسائل الإثبات المدلى بها لتحديد ما إذا كانت الأسباب المتمسك بها تستجمع شروط الجدية والخطورة. ويحقق هذا التوجه حماية مزدوجة؛ فمن جهة، يحول دون إخراج الشريك بصورة تعسفية استناداً إلى خلافات لا ترقى إلى مستوى الأسباب المعتبرة، ومن جهة أخرى، يتيح التدخل القضائي متى ثبت أن استمرار العلاقة بين الشركاء أصبح متعذراً أو أن الوضع القائم يهدد السير الطبيعي للشركة.

الفقرة الثانية: تأثير السبب الموجب للإخراج على سير الشركة وانتفاء مسؤولية طالب الإخراج عن أسباب النزاع أو الحل:

     لا يكفي، لإعمال آلية إخراج الشريك استناداً إلى الأسباب المعتبرة، مجرد إثبات وجود خلاف أو إخلال تعاقدي بين الشركاء، بل يتعين، إلى جانب ذلك، النظر في مدى ارتباط السبب المتمسك به بمصلحة الشركة وبإمكانية استمرار نشاطها. فالفصل 1056 من قانون الالتزامات والعقود يربط طلب حل الشركة بوجود أسباب معتبرة، ويورد ضمن أمثلتها الخلافات الخطيرة والإخلال بالالتزامات الناشئة عن العقد واستحالة تنفيذها. وهو ما يقتضي، عند تقدير هذه الأسباب، مراعاة أثرها في العلاقة الاجتماعية وفي قدرة الشركة على مواصلة نشاطها.

وبناءً عليه، فإن النزاع الذي يظل محصوراً في الاعتبارات الشخصية بين الشركاء، دون أن ينعكس على السير العادي للشركة أو على قدرتها على تحقيق غرضها، لا يكفي وحده ، لتبرير إخراج أحدهم أو حل الشركة.؛ أما إذا كان الإخلال بالالتزامات أو استمرار الخلافات يؤدي إلى تعطيل عمل الشركة، أو يهدد مصالحها، أو يجعل مواصلة النشاط الاجتماعي متعذرة، فإن ذلك قد يشكل عنصراً أساسياً في تقدير مدى توافر الأسباب المعتبرة، مع مراعاة باقي الشروط القانونية.

وقد كرس الاجتهاد القضائي المغربي هذا التوجه، من خلال التأكيد على ضرورة إثبات التأثير السلبي للخلافات في السير العادي للشركة. ومن ذلك القرار الصادر عن محكمة النقض 24 بتاريخ 13/04/2017، الذي جاء فيه:

«لكن، حيث إن المحكمة التي ثبت لها أن الوقائع التي ادعى الطالبان أنها تشكل خلافات خطيرة بين الشركاء مبررة لحل الشركة غير ثابتة، وهي فقط موضوع بحث من قبل الضابطة القضائية، ألغت الحكم الابتدائي القاضي بحل الشركة وحكمت من جديد بعدم قبول الطلب بتعليل جاء فيه: “إنه ولئن أُلفي بالملف محضر بحث تمهيدي أمام الشرطة القضائية، فإنه لا دليل على وجود دعوى جنحية ومتابعة في حق أحد الشركاء، هذا فضلاً عن أن الاجتهاد القضائي أكد على ضرورة تأثير الخلافات بين الشركاء على السير العادي للشركة، أما وأن الطرف المستأنف عليه لم يعمل على إثبات التأثير السلبي للخلافات على نشاط الشركة العادي، كما لم يثبت توقف الشركة عن أي نشاط نظراً للخلافات المذكورة”، وهو تعليل يساير أصل الملف الذي بالرجوع إليه يلفى أن الطالبين لم يثبتا واقعتي النصب وخيانة الأمانة المنسوبتين للمطلوب والمؤسسة عليهما دعوى حل الشركة، وأما إدلاؤهما بمحضر الضابطة القضائية فقط لا ينهض حجة على ثبوت تلك الأفعال طالما لم يصدر حكم قضائي بالإدانة من أجلها في حق المطلوب، وبخصوص ما تمسك به الطالب من كون المحكمة لم تعر اهتماماً للقوانين المنظمة للشركات ذات المسؤولية المحدودة، فإن الوسيلة لم تبين تلك القوانين، وبخصوص ما أثير من كون الطالبين يملكان 50% من حصص الشركة وما يستتبع ذلك من استحالة اتخاذ قرارات تسييرها فإن المحكمة ردته بما مضمنه “أن تساوي الحصص بنسبة 50% لكل فريق من الشركاء ليس من بين الأسباب المعتبرة بمقتضى المادة 1056 من ق.ل.ع”، وهو تعليل غير منتقد، فجاء القرار معللاً تعليلاً سليماً والوسيلة على غير أساس فيما عدا ما هو غير مبين فهو غير مقبول».

ويُستفاد من هذا القرار أن الادعاءات المتعلقة بارتكاب أفعال غير مشروعة من أحد الشركاء، أو الإدلاء بمحاضر بحث تمهيدي بشأنها، لا تكفي بالضرورة لإثبات الأسباب المعتبرة الموجبة لحل الشركة؛ إذ يتعين تقدير حجية تلك العناصر ومدى دلالتها على قيام الخلافات الخطيرة وتأثيرها في النشاط الاجتماعي. كما أن مجرد تساوي الشركاء في الحصص بنسبة 50% لكل فريق لا يُعد، في حد ذاته، سبباً معتبراً وفق ما ورد في التعليل القضائي المشار إليه، ما لم تقترن هذه الوضعية بعناصر أخرى تستجمع الشروط القانونية المطلوبة.

مقال قد يهمك :   نزع الملكية لأجل المنفعة العامة بين مبدأ المشروعية وعيب المشروعية (الاعتداء المادي)

وفي السياق نفسه، ورد في قرار قضائي 25 آخر صادر عن محكمة النقض بتاريخ 04/09/2024  ما يلي:

«لكن، حيث إن المحكمة مصدرة القرار المطعون فيه وللقول بتأييد الحكم المستأنف أتت بتعليل جاء فيه: “أن المحكمة مصدرة القرار المطعون فيه عللت ما قضت به من عدم قبول الطلب بعلة مضمنها: (أن مقتضيات الفصل 1056 من ق.ل.ع غير ثابتة في الملف على اعتبار أن الاختلالات التي تحدث عنها الفصل 1056 من ق.ل.ع واعتبرها سبباً مبرراً لحل الشركة وهي وجود الشركاء في مواقف مختلفة ومتناقضة ومن شأنها التأثير في استمرار الشركة والإضرار بها وبالشركاء غير متوافرة في نازلة الحال، وهو تعليل يساير واقع الملف“».


24_ قرار محكمة النقض  عدد 1/212 الصادر بتاريخ 13/04/2017 في لملف التجاري رقم 102/3/1/2016 .

25_ قرار محكمة النقض رقم 1/460 الصادر بتاريخ 04/09/2024 في الملف التجاري عدد 14/3/1/2023 .


ويعزز هذا التوجه ضرورة إقامة الصلة بين الخلافات المدعى بها وبين وضع الشركة، بحيث لا يكفي إثبات وجود مواقف متعارضة بين الشركاء، بل ينبغي أن تكون لهذه الخلافات دلالة فعلية على تعذر استمرار الشركة أو الإضرار بمصالحها. وتبعاً لذلك، فإن تقدير الأسباب المعتبرة لا يقوم على طبيعة العلاقة الشخصية بين الشركاء وحدها، وإنما يتطلب النظر في آثار النزاع على الحياة الاجتماعية للشركة، مع مراعاة طبيعة نشاطها وتنظيمها والالتزامات الملقاة على عاتق الشركاء.ونعتقد، في هذا الإطار، أن اشتراط إثبات التأثير السلبي للخلافات في السير العادي للشركة يعكس سعياً قضائياً إلى تحقيق التوازن بين حماية حقوق الشركاء من جهة، وضمان استمرارية نشاط المقاولة من جهة أخرى. غير أن هذا التوجه يقتضي عدم حصر الخلافات الخطيرة في الحالات التي تؤدي فعلياً إلى شل حركة الشركة، متى كانت طبيعة الوقائع الثابتة في الملف تكشف عن استحالة جدية في استمرار العلاقة الاجتماعية أو عن إخلال جوهري بالالتزامات التعاقدية؛ فالمعيار ينبغي أن يظل مرتبطاً بمدى توافر الأسباب المعتبرة وفق ظروف كل نازلة، لا بمجرد تحقق نتيجة مادية واحدة تتمثل في توقف النشاط.

           ولكي تكون دعوى حل الشركة المؤسسة على وجود أسباب معتبرة مقبولة، يتعين ألا يكون المدعي نفسه هو المتسبب في نشوء الاضطراب الاجتماعي في الشركة وعلى الرغم من أن الفصل 1056 من قانون الالتزامات والعقود المغربي، وكذا الفصل 1844 من القانون المدني الفرنسي، لا يتضمنان نصاً صريحاً يشترط عدم مساهمة المدعي في نشوء النزاع، فإن القضاء الفرنسي عمل على تكريس هذا التوجه، من خلال التوفيق بين ضمان الحق في التقاضي وضرورة احترام مبدأ حسن النية في استعماله. [26].

وفي هذا السياق، فقد ارسى الاجتهاد القضائي الفرنسي هدا التوجه، منذ مطلع القرن العشرين، حيث قضت محكمة النقض الفرنسية برفض الاستجابة لطلب حل الشركة متى ثبت أن الشريك المدعي هو المسؤول عن نشوب الخلافات الخطيرة التي يستند إليها في دعواه، وذلك اعتباراً لعدم جواز تأسيس المطالبة القضائية على وضعية كان المدعي نفسه سبباً في إحداثها [27].

      وقد استمر هذا التوجه في الاجتهاد القضائي الفرنسي، إذ أكدت محكمة النقض الفرنسية، في قرار صادر بتاريخ 25 أبريل 1990، على ضرورة تحقق قاضي الموضوع، قبل البت في الدعوى المؤسسة على الأسباب المعتبرة، مما إذا كان المدعي هو المسؤول عن النزاع الخطير الذي نشب داخل الشركة المطلوب حلها [28]. كما سارت المحكمة نفسها في اتجاه رفض دعوى أحد الشركاء بعدما تبين لها أنه هو المتسبب في النزاع الخطير القائم داخل الشركة، معتبرة أن من تسبب في هذا النزاع لا يسوغ له اتخاذه أساساً للمطالبة بحلها.

وتتجلى أهمية هذا التوجه القضائي، في كونه يشكل ضمانة لمواجهة سوء النية في ممارسة الحق في التقاضي، والحيلولة دون استغلال دعوى الحل لتحقيق أغراض تتعارض مع مصلحة الشركة واستمراريتها. ذلك أن مجرد شعور أحد الشركاء بالتهميش، أو عدم رضاه عن طريقة اتخاذ القرارات داخل الشركة، قد يدفعه إلى التلويح بطلب حلها بدعوى وجود أسباب معتبرة، بغية الضغط على أجهزة الإدارة والتسيير والاستجابة لمطالبه.29  ومن شأن التساهل في قبول مثل هذه الدعاوى أن يؤدي إلى إفراغ آلية الحل القضائي من غايتها القانونية، وتحويلها من وسيلة لحماية المصالح المشروعة للشركاء ومواجهة الاختلالات الجسيمة التي تعترض سير الشركة إلى أداة للضغط والمناورة. ومن ثم، فإن اشتراط التحقق من مدى مساهمة المدعي في نشوء النزاع يهدف إلى ضمان استعمال هذه الآلية في إطار من حسن النية، بما يحقق التوازن بين حق الشريك في اللجوء إلى القضاء وضرورة حماية استمرارية الشركة.

غير أن قضاة الموضوع، وهم بصدد البت في دعاوى حل الشركة المؤسسة على وجود خلافات خطيرة بين الشركاء، كثيراً ما يواجهون صعوبات عملية تتعلق بتحديد الطرف المسؤول عن نشوء النزاع، وما إذا كان سلوك المدعي نفسه قد ساهم في قيامه، بما قد يؤثر في مدى أحقية هذا الأخير في طلب الحل [30]. وأمام هذه الصعوبات، عمل الاجتهاد القضائي على إرساء مجموعة من المؤشرات والمعايير التي يسترشد بها في تقدير مدى جدية النزاع وخطورته، ومدى تأثيره في استمرار الشركة وتحقيق غرضها الاجتماعي.


26 – رشيد فطوش حل الشركة لاسباب معتبرة قراءة في الفصل 1056 من ظهير الالتزامات و العقود على ضوء العمل القضائي مقال منشور بمجلة الحقوق مؤلف جماعي عدد خاص حول القانون و الاعمال : الخصوصيات و الإشكالات الجزء التاني العدد 49 السنة 2017 الصفحة 117

[27 ] Dominique grillet ponton nouvau regard sur la vivacite de l  innomme en matiere contractuelle dalloz 2000 p 334

 28 Mohamed bouassida  la mésintelligence entre associes  mémoire pour l obtention du diplôme des études approfondies en droit des affaires faculté de droit de Sfax Tunis année 2000-2001 p 26   .

29  ABDELLAH Mifdal  la dissolution pou justes motifs de la société anonyme en droit marocain  mémoire pour l’obtention du diplôme de master en droit des affaires faculté de droit Hassan 2 Mohammedia année universitaire 2011 2012 p 80

[30]  رشيد فطوش مرجع سابق ص 361 .


       وفي هذا الإطار، اتجه القضاء الفرنسي إلى الحكم بحل الشركة متى أدى الخلاف بين الشركاء إلى شلل أجهزتها الإدارية وتعذر مواصلة نشاطها بصورة طبيعية ويتجلى ذلك، على وجه الخصوص، في الحالات التي يتوزع فيها رأسمال الشركة بالتساوي بين فريقين من الشركاء، بحيث يمتلك كل فريق نصف رأس المال، وينشأ بينهما خلاف حاد يحول دون إعادة تشكيل مجلس الإدارة أو الاتفاق على تعيين رئيس له، الأمر الذي يؤدي إلى تعذر تدبير شؤون الشركة. وقد اعتبرت محكمة RENNES  أن استمرار الشركة دون مسير يشكل سبباً معتبراً يمكن الاستناد إليه للمطالبة بحلها [31

       ولا تقتصر مظاهر الخلاف الخطير المبرر للحل على الاختلالات التي تصيب أجهزة الإدارة والتسيير، بل قد تمتد لتشمل كل وضعية يكشف عنها سلوك الشركاء وتدل على انتفاء نية التعاون المستمر والمشترك بينهم، متى كان من شأنها تقويض الأساس الذي قامت عليه العلاقة التشاركية فالعبرة في هذا السياق، ليست بمجرد وجود خلافات أو تباينات في وجهات النظر، وإنما بمدى تأثيرها في الرابطة التي تجمع الشركاء وقدرتها على عرقلة تحقيق الغرض الذي أُنشئت الشركة من أجله،  و مدى تأثيرها على نيـة التعـــاون و التآزر  بين الشركاء حتى وإن لم تكن تلك الخلافات مرتبطة مباشرة بتسيير شؤونها32

      وعليه، فإن الخلافات الخطيرة لا تنهض سبباً كافياً للمطالبة بحل الشركة أو بتفعيل آلية إخراج الشريك لمجرد وجودها، بل يتعين تقدير جسامتها ومدى اتصالها بمصلحة الشركة واستمرارية نشاطها، مع مراعاة الحدود التي يرسمها النص القانوني المنطبق. وبذلك تتحقق الحماية المطلوبة من خلال عدم تحويل آلية الإخراج إلى مجرد وسيلة لتصفية الخلافات الشخصية أو للإضرار بالشريك الذي يتمسك بحقوقه المشروعة.

المبحث الثاني: الاتار القانونية لاخراج الشريك من الشركة التجارية و موقف القضاء المغربي من دلك :

بعد تحديد الأساس القانوني لإخراج الشريك وشروط إعماله، تقتضي دراسة الموضوع الوقوف على الآثار القانونية والمالية المترتبة عنه، مع إبراز دور القضاء المغربي في تأطير هذه الآلية وضمان التوازن بين استمرارية الشركة وحماية حقوق الشريك المُخرَج.

المطلب الأول : الآثار المترتبة على إخراج الشريك وضمان حقوقه المالية:

        يترتب على إخراج الشريك من الشركة آثار قانونية ومالية تستوجب تحديد نطاقها بما يضمن حماية حقوقه دون المساس باستمرارية الشركة، وهو ما يقتضي الوقوف على كيفية تحديد مستحقاته المالية والضوابط المرتبطة بها.

الفقرة الاولى: استحقاق الشريك المُخرَج لقيمة حقوقه المالية وتحديدها:  

        لم يقتصر المشرع المغربي، في الفصل 1060 من قانون الالتزامات والعقود، على تنظيم إمكانية استمرار الشركة بين باقي الشركاء بعد إخراج أحدهم، وإنما اهتم أيضاً بتحديد الآثار المالية المترتبة على هذا الإجراء، من خلال إقرار حق الشريك المفصول في استرداد نصيبه في رأس مال الشركة وفي الأرباح، وفقاً للقواعد المنصوص عليها في الفصل المذكور.

    ويُستفاد من ذلك أن إخراج الشريك لا يؤدي إلى تجريده من حقوقه المالية الناشئة عن صفته كشريك، وإنما يقتضي تحديد هذه الحقوق وتمكينه من استيفائها وفقاً للقواعد القانونية والمحاسبية الواجبة التطبيق. فالمحافظة على استمرارية الشركة لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة للمساس بالمركز المالي للشريك المعني بالإخراج أو حرمانه من القيمة المستحقة له.

         غير أن تحديد تاريخ تقدير الحقوق المالية للشريك يثير إشكالاً عملياً، لا سيما عندما يصدر حكم ابتدائي يقضي بإخراجه من الشركة، ثم يُطعن فيه وفقاً للمساطر القانونية، بما يؤدي إلى اختلاف تاريخ صدور الحكم الابتدائي عن تاريخ صدور القرار النهائي أو صيرورة الحكم نهائياً، بحسب الحالة. ويترتب على هذا الاختلاف احتمال تباين قيمة الحقوق المالية للشريك بحسب التاريخ المعتمد في التقييم، وهو ما يستدعي تحديد المقصود بتاريخ الإخراج الوارد في الفصل 1060، مع مراعاة أثر الطعن في الحكم ومركز الشريك خلال الفترة الممتدة بين صدور الحكم الابتدائي واكتسابه الصفة النهائية.


31 Arret le 3 mai 1997 par la cour de rennes R T D COM 1978 TOME XXXI P 391

32] A VIANDIER  Droit des societes  J C P 1999 N 1-chronique p 29

Philippe regine  notes  cour d’appel  de Versailles (13ch) 17 octobre 1991 Rev Fr compt septembre 1992 n 237 p 58 


          وقد عالج حكم صادر عن المحكمة الابتدائية بالرباط هذه المسألة، حيث اعتبر أن تحديد مستحقات الشريك المقرر إخراجه من الشركة، على أساس مسؤوليته عن الخلافات التي عرفتها الشركة، ينبغي أن يتم بعد صيرورة الحكم القاضي بالإخراج نهائياً، واعتبر أن المطالبة بإجراء خبرة حسابية لتحديد تلك المستحقات سابقة لأوانها. وقد جاء في الحكم:

«وحيث إن إجراء الخبرة المحاسبية لتحديد حصة المدعى عليها في الرأسمال ونصيبها في الأرباح غير مبرر قانوناً، لأن إجراء الخبرة يتوقف على معطى أساس وهو تاريخ الطرد الذي لن يتقرر إلا بمقتضى حكم نهائي في الموضوع، الشيء الذي يكون معه الطلب سابقاً لأوانه وحرياً برفضه».33

         ويُفهم من هذا التعليل الدي تبنته محكمة الاستئناف بالرباط 34  أن المحكمة ربطت إمكانية تحديد المستحقات المالية للشريك بتحديد التاريخ القانوني الذي يترتب عنه إخراجه من الشركة، واعتبرت أن الحسم النهائي في هذا الإخراج يشكل، في النازلة المعروضة عليها، عنصراً لازماً قبل إجراء الخبرة الحسابية. غير أن هذا الاتجاه القضائي يظل مرتبطاً بوقائع القضية وتعليل الحكم الصادر بشأنها، ولا يكفي، بمفرده، لاستخلاص قاعدة عامة مؤداها أن تاريخ الإخراج لا يمكن أن يتحدد إلا بتاريخ صيرورة الحكم نهائياً، دون الرجوع إلى النص القانوني وطبيعة الحكم وآثاره وطرق الطعن المتاحة فيه.

      وتبرز أهمية هذا الإشكال عند استحضار العبارة الواردة في الفصل 1060، التي تربط تحديد قيمة نصيب الشريك المفصول بتاريخ طلب الإخراج. فهذه الصياغة تثير ضرورة التمييز بين تاريخ تقديم طلب الإخراج، وتاريخ صدور الحكم القاضي به، وتاريخ اكتساب ذلك الحكم الصفة النهائية، وهي تواريخ قد تختلف آثارها باختلاف تفسير النص والوقائع المعروضة على القضاء.

      ونعتقد، في هذا الإطار، أن تحديد التاريخ المعتمد لتقييم الحقوق المالية للشريك ينبغي أن يتم وفق قراءة متكاملة للفصل 1060، تراعي من جهة مقتضياته الصريحة المتعلقة بتاريخ تقدير النصيب، ومن جهة أخرى ضرورة تحقيق التوازن بين مصلحة الشركة في الاستمرار وحق الشريك في الحصول على القيمة المالية المستحقة له. ذلك أن تأخير تحديد هذه الحقوق إلى تاريخ لاحق قد تكون له آثار سلبية ، خصوصاً عندما ينفرد الشركاء المطالبون بالإخراج بتسيير الشركة أو بالتأثير في أجهزتها التقريرية، بما قد يتيح اتخاذ قرارات تؤثر في الوضعية المالية للشركة وفي قيمة نصيب الشريك المعني بالإخراج.

      ومن ثم، فإن احترام الحقوق المالية للشريك يقتضي العناية بتحديد عناصر التقييم وتاريخه، وضمان استناد التقدير إلى معطيات محاسبية موضوعية، بما يحول دون الإضرار بمصالح أي طرف. كما يقتضي الأمر عند التصريح بإخراج الشريك من الشركة، العمل على تحديد قيمة حقوقه المالية ، للارتباط العضوي بين انتزاع صفة الشريك و ضمان حقوقه المالية .

        وبناءً على ذلك، يمكن القول ان إعادة عرض النزاع على محكمة الموضوع بعد صدور حكم نهائي حائز لقوة الشيء المقضي به و القاضي بإخراج الشريك من الشركة ؛ و دلك من اجل تحديد الحقوق المالية للشريك ؛ من خلال مطالبته بإجراء خبرة حسابية ؛ قد يترتب عنه المساس بمصالح الشريك مالم يتم اقران هدا التوجه بضمانات كافية تجعل من إمكانية تعسف الشركاء المطالبون بالإخراج غير واردة من خلال الإقرار ببطلان كل التصرفات التي قد تمس بحقوق الشركاء خلال الفترة الممتدة من تاريخ تقديم طلب الإخراج و الى غاية تاريخ صدور المقرر القاضي بإخراج الشريك ؛ لما في دلك من تكريس لمبدا ضرورة، تحقيق التوازن بين ضمان استمرارية الشركة من جهة، واحترام الحقوق المشروعة للشريك المعني بالإخراج من جهة أخرى.

الفقرة التانية : الإخراج كبديل عن الحل :

          تعد مسطرة اخراج الشريك من الشركة إحدى أهم الاليات القانونية التي تمكن من تجنب حل الشركة عندما يكون الخلاف محصوراً في أحد الشركاء ويمكن استمرار النشاط بدونه؛ فبدلاً من إنهاء الشخصية المعنوية للشركة والدخول في مرحلة التصفية، يسمح نظام الإخراج، متى توافرت شروطه، باستمرار الشركة بين باقي الشركاء.

      وهذه الآلية تنسجم مع مبدأ المحافظة على المشروع الاقتصادي، خصوصاً عندما تكون الشركة قائمة فعلياً وتمارس نشاطاً اقتصادياً يمكن استمراره رغم خروج أحد الشركاء؛ الدي يفقد على اتر دلك صفته كشريك ويحرم من ممارسة حقوقه المالية و الإدارية كالحق في الحصول على نصيب من الأرباح و الحق في التصرف في الحصص بالإضافة الى الحق في  المشاركة في الإدارة و الرقابة و الاطلاع 35 .


33_ حكم صادر عن المحكمة الابتدائية الرباط تحت عدد 394 بتاريخ 28/03/2018 في الملف 670/1201/2017 غير منشور .

34_ قرار صادر عن محكمة الاستئناف بالرباط تحت عدد 499  بتاريخ 04/07/2018 في الملف  843/1201/2018 .

35_ للمزيد من الاطلاع على حقوق الشريك راجع في دلك مؤلف عز الدين بنستي الشركات في التشريع المغربي طبة سنة 2000 ص 160 و ما يليها .


       و قد اتجه القضاء المغربي الى التشدد في تفعيل الية اخراج الشريك من الشركة مالم تتوفر شروطها الشكلية و الموضوعية ؛ و من دلك اعتباره ان  عدم ادخال الشركة و عدم تقديم دعوى المطالبة بحضورها موجب للتصريح بعدم قبول الطلب  ؛ كما الزم كل طالب ادعاء ان يثبت وجود الأسباب الجدية و الوجيهة و التي تؤثر بشكل سلبي على استمرارية نشاط الشركة للقول بإمكانية اخراج الشريك الدي يتسبب في الحل و من دلك نورد احدى الاحكام  الصادرة  عن المحكمة التجارية بالرباط 36 الدي جاء في حيثياته :

مقال قد يهمك :   السؤال كآلية من آليات الرقابة البرلمانية على الحكومة بالمغرب

” لكن حيث انه يتولد عن جمعيات الأشخاص التي تهدف الى الكسب و الربح طبقا للمفهوم الدي حدده الفصل 982 من ق.ل.ع شخصية معنوية ….فانه يلزم ان توجه بحضورها …لدلك تصرح بعدم قبول الطلب ……”

كما جاء في قرار اخر لمحكمة الاستئناف التجارية بمراكش 37:

” انه  لا يكفي الإخلال بالتزامات الشريك المالية للحكم بإخراجه مباشرة من الشركة بل  يجب إثبات وجود سبب لحل الشركة وفق الفصل 1056، حتى يمكن لباقي الشركاء طلب استمرارها فيما بينهم وإخراج الشريك المتسبب في الحل طبقاً للفصل 1060.”

      وقد أيدت محكمة الاستئناف في هدا الملف الحكم الابتدائي موضوع الملف عدد 4243/8204/2024  و القاضي برفض طلب الإخراج لعدم تحقق الشروط القانونية اللازمة، رغم التمسك بعدم مساهمة الشريك في تكاليف إنجاز المشروع.

كما جاء في قرار اخر لمحكمة النقض 38  :

  “ إن تقدير مدى خطورة الخلافات بين الشركاء، ومدى تبريرها للإخراج القضائي وفق الفصل 1060 المحال على الفصل 1056، يدخل ضمن السلطة التقديرية لقضاة الموضوع. “

       و بدلك قضت محكمة النقض برفض طلب النقض المقدم في مواجهة القرار الاستئنافي الصادر عن محكمة الاستئناف التجارية بمراكش و القاضي بتأييد الحكم الابتدائي الدي صرح برفض طلب الإخراج بعلة ان الدعاوى المتعددة بين الطالب و المطلوب لم تؤدِّ إلى شلل نشاط الشركة أو المساس بسيرها العادي.

المطلب التاني: موقف الاجتهاد القضائي من تفعيل الية اخراج الشريك لاسباب معتبرة :

        يقتضي الوقوف على موقف الاجتهاد القضائي من تفعيل آلية إخراج الشريك لأسباب معتبرة، التمييز بين دور القاضي في تقدير مدى جدية الأسباب المبررة للإخراج، وبين الضوابط والشروط التي كرسها القضاء لضمان مشروعية اللجوء إلى هذه الآلية. ومن ثم، يقتضي الأمر التطرق أولاً إلى السلطة التقديرية للقاضي في تقدير جدية الأسباب، قبل الانتقال إلى تقييم احد القرارات المعتمدة في الموضوع .

  الفقرة الأولى : تكريس مبدا السلطة التقديرية للقاضي في تقدير جدية الأسباب :

         ان تحديد مدى جدية الأسباب المعتمدة للإقرار بإخراج الشريك من الشركة؛ يعد من مسائل الواقع التي تخضع للسلطة التقديرية لقضاة الموضوع و لا رقابة عليهم في دلك الا فيما يرتبط بالتعليل   .

        ففي الحالات التي تنشا فيها أسباب وجيهة تبرر انهاء الشركة و يتعدرمعها تحقيق الغرض الدي انشات من اجله فانه يجب التصريح بحلها 39 ليس تنقيدا لرغبة الشريك و انما لتأثير هده الأسباب على السير العادي للشركة و بشكل يمنع من تحقيق الغرض الدي انشات لأجله .

       و تعد الحالات الخاصة بالحل القضائي للشركة لوجود الخلافات الخطيرة بين الشركاء وفق احكام الفصل 1056 من ق.ل.ع من الحالات الواردة على سبيل المثال لا الحصر ويمكن ان تقاس عليها الاسباب المشابهة لها ولو لم تذكر في النص، وللمحكمة كامل السلطة لتقدير مدى جدية ومشروعية الاسباب المعتمدة في المطالبة بالحل  40 .

وقد أكدت المحكمة التجارية بالرباط  41 هدا المعطى في حكم جاء فيه :

و حيث أسست المدعية دعواها على مقتضيات الفصل 1056 من ق.ل.ع الدي ينص على انه يسوغ لكل شريك ان يطلب حل الشركة و لو قبل انقضاء المدة……

و حيث انه من المقرر فقها وقضاء ان المحكمة تملك سلطة تقديرية كاملة لتقدير جدية و مشروعة الاسباب المعتمدة من طرف طالب الحل تأسيسا على الفصل المدكور “


36_ حكم رقم 887 صادر بتاريخ 29ماي 2002 في الملف عدد 1099-01-4 غير منشور .

37_ قرار صادر عن محكمة الاستئناف التجارية بمراكش عدد   1241في الملف عدد : 2025/8204/752 غير منشور .

38_ قرار صادر عن محكمة النقض عدد 2 في الملف 562/3/1/2021 بتاريخ 6 يناير 2022  غير منشور .

39_ فؤاد معلال شرح القانون التجاري المغربي الجزء التاني ص 56 .

40_ شكري احمد السباعي الوسيط في القانون التجاري الجزء الخامس ص 123 .

41_ حكم صادر عن المكمة التجارية بالرباط عدد 645 بتاريخ 5/4/2000 في الملف 4/2000/2011 .


كما جاء في قرار لمحكمة النقض 42  انه :

  ” ادخال شركاء جدد لا يمكن ان يشكل سببا لحل الشركة وذلك حفاظا على استثمارات الشركة ومراعاة لوضعية الشركاء الجدد، مما يتعين معه تأييد الحكم المستأنف ” وهو تعليل أبرزت فيه المحكمة وفي إطار سلطتها التقديرية، ان الاخلالات الصادرة عن المطلوبين والخلافات الحاصلة بين الشركاء لا تبرر المطالبة بحل الشركة طالما أنها لم تؤثر سلبا في السير العادي لنشاط الشركة وتهدد وجودها واستمراريتها، معتبرة وعن صواب ان الاخلالات البسيطة التي لا تهدد الشركة في كيانها لا تبرر حلها وإنما تكون محل مطالبات قضائية للمتضررين منها كما فعلته الطالبتان فعلا بخصوص بطلان محاضر الجموع العامة وقرار المجلس الإداري المنعقد بتاريخ 2007/09/04، إذ استصدرتا قرارا استئنافيا ببطلانها وما يترتب عن ذلك من آثارها القانونية واللتان يمكن لهما سلوك جميع طرق التنفيذ بشأنه، وتعليل المحكمة المنوه عنه فيه جواب صريح عما وقع التمسك به من عدم رد المحكمة على السبب الثاني للاستئناف بخصوص قيام شركاء الطالبتين بتغيير تركيبة رأسمال الشركة عبر إدخال شركتين هما شركة (الي…) وشركة (س. ب) ، والنعي بهذا الشأن خلاف الواقع، وطبقت فيه المحكمة صحيح أحكام الفصل 1056 “

 وهكذا يمكن القول إن القضاء المغربي سار نحو تأكيد ان تقدير وجود الخلافات الخطيرة التي يمكن أن تبرر الإخراج يدخل، من حيث الأصل، ضمن المسائل الواقعية التي يستقل قضاة الموضوع بتقديرها، مع خضوع تعليلهم لرقابة محكمة النقض ويعني ذلك أن المحكمة لا تكتفي بمجرد ادعاء وجود خلافات، وإنما تبحث في طبيعة هذه الخلافات ومدى تأثيرها على الشركة كما ان تقدير مدى جدية السبب ومشروعيته هو موكول للسلطة التقديرية لقضاة الموضوع 43.

الفقرة الثانية : الاجتهاد القضائي و ترسيخ بعض الشروط إلاضافية لإقرار اخراج الشريك لأسباب معتبرة :

         من خلال استقرار مجموعة من القرارات الصادرة عن محكمة النقض في موضوع الحل لأسباب معتبرة وحالات المطالبة بإخراج الشريك من الشركة لثبوت مسؤوليته عن أسباب الحل؛ يمكن القول بان الشروط الموضوعية للإقرار بإخراج

 الشريك من الشركة ترتبط بوجود سبب جدي ومشروع من جهة بالإضافة الى كون هدا السبب له تأثير على استمرارية الشركة مع اتبات عدم مسؤولية طالب الإخراج عن الخلافات الناشئة بين الشركاء.  

       غير انه في معرض الاطلاع على احدى القرارات الصادرة عن محكمة النقض 44 بخصوص تفعيل مقتضيات الفصل 1060 من قلع  و الصادر بتاريخ 14/09/2021 يمكن القول بان هدا القرار يعتبر قرارا شادا ونشازا وتوجها لما تواترت عليه قرارات محكمة النقض في الموضوع حيث اعتبر هدا القرار ان من شروط تفعيل الية الإخراج ان يتقدم الشريك المطلوب إخراجه بطلب لحل الشركة ودلك حتى يتسنى لباقي الشركاء إمكانية المطالبة بإخراجه من الشركة حيث جاء في تعليلاته:

 

      ” حيث صح ما عابته الوسيلة عل القرار دلك انه طبقا للفصلين 1056 و 1060 من ق.ل.ع فانه يسوغ لكل شريك ان يطلب حل الشركة ادا وجدت لدلك أسباب معتبرة كالخلافات الخطيرة بين الشركاء و اخلال احدهم او اكتر بالالتزامات الناشئ من العقد و استحالة قيامهم بأداء هده الالتزامات و انه في هده الحالة بالاضافة الى جميع الحالات الاخرى تنحل بها الشركة بسبب موت احد الشركاء او فقده او فرض الحجر عليه او اشهار افلاسه او كون الورثة قاصرين يسوغ لباقي الشركاء الاتفاق على جعل الشركة مستمرة فيما بينهم دون الشريك الدي كان السبب في الحل و دلك بان يستصدروا حكما من القضاء بإخراج من الشركة و البين مما استدل به في الوسيلة و امام قضاة الموضوع ان هده الشركة قائمة و لم يتبت لقضاة الموضوع ان الطالبة قدمت فعلا طلبا للقضاء لحلها و يدل سياق الفصلين 1056 و 1060 من ق.ل.ع المستدل بهما ان الشريك الدي يحمل جزاء إخراجه من الشركة هو الدي يتقدم بطلب حلها بناء على الأسباب القانونية التي تجيز هدا الحل على ان يحق لباقي الشركاء الاستمرار في الشركة ببقائها فيما بينهم و اخراج طالب حلها منها و هو ما يعني وجوب قيام الأسباب القانونية للحل إضافة الى طلب الشريك لهدا الحل في حالة وجود أسباب معتبرة و فقا لما ينص عليه الفصل 1056 من ق.ل.ع المدكور و ليس فيه  ما يلزم احد الشركاء بالخروج من الشركة ولو بغير ارادته نزولا على طلب باقي الشركاء لانتفاء شرط إخراجه الا وهو طلبه حلها؛ و المحكمة مصدرة القرار المطعون فيه اد عللت قرارها بما مفاده ان لكل شريك طلب حل الشركة ادا وجدت أسباب معتبرة كالخلافات الخطيرة للشركاء و ان لفظ كل مفيد للعموم و ان القانون خاصة الفصل 1060 من ق.ل.ع نظم دلك استمرار الشركة بان اعطى للقضاء سلطة الفصل في مدى تبوت الاسباب المبررة لاخراج الشريك من الشركة و الحفاظ عليها باستمرارها بين باقي الشركاء و انه متى تحققت اسباب الحل جاز اخراج الشريك و ان موجبات هدا الإخراج متحققة في حق الطالبة فقضت لدلك باخراجها من الشركة و الحال انها لم يتبت لها انها كانت السبب في حل الشركة و لو عن طريق طلب منها بان يتبت سبب لهدا الحل تتقدم بطلبه فيسوغ لباقي الشركاء المطلوبين الاتفاق على جعل الشركة مستمرة بدونها و طلب إخراجها منها فكان تطبيق المحكمة لدلك الفصلين أعلاه خاطئا مما عللت قرارها تعليلا فاسدا منزل منزلة انعدامه و عرضته لنقض “

 

        وهكذا، يمكن القول إن القرار المشار إليه أعلاه اتجه إلى تبني تفسير قضائي مؤداه أن تفعيل آلية إخراج الشريك من الشركة التجارية لأسباب معتبرة، وفقاً لمقتضيات الفصلين 1056 و1060 من قانون الالتزامات والعقود، يقتضي أن يكون الشريك المطلوب إخراجه قد تقدم بدوره بطلب يرمي إلى حل الشركة.


42_ قرارصادرعن محكمة النقض عدد 87/2021 بتاريخ 18/02/2021 في الملف عدد 652/3/1/2020 غير منشور.

43_ الياس ناصيف الشركات التجارية الجزء التاني ص 87 .

44_ قرار صادر عن محكمة النقض تحت عدد 633/3 بتاريخ 14/09/2021 ملف عدد 8073/1/3/2018 غير منشور.


وفي اعتقادنا، فإن هذا  القرار يعد قرارا شادا و ناشزا و يتعارض مع مضامين الفصلين المشار اليهما أعلاه ؛ خصوصا و ان صياغتهما لا تتضمن أي شرط صريح يقضي بضرورة تقدم الشريك المراد إخراجه بطلب حل الشركة حتى يتسنى لباقي الشركاء المطالبة بإخراجه ، و بالتالي فان اشتراط تقدم الشريك المراد إخراجه بطلب حل الشركة من شأنه أن يضيق من نطاق تطبيق الفصل 1060 من قانون الالتزامات والعقود، ويحد من فعالية الآلية التي أقرها المشرع لتفادي انحلال الشركة متى أمكن استمرارها بين باقي الشركاء؛ ذلك أن الشريك الذي تتسبب تصرفاته أو إخلالاته في نشوء خلافات خطيرة تعرقل السير العادي للشركة قد لا تكون له مصلحة في المطالبة بحلها، بل قد يتمسك باستمرارها رغم استحالة مواصلة العلاقة التشاركية معه. ومن ثم، فإن ربط إمكانية إخراجه بمبادرته إلى طلب الحل قد يؤدي إلى تعطيل هذه الآلية، ويجعل معالجة الاختلالات التي تهدد استمرارية الشركة رهينة بإرادة الشريك الذي يُنسب إليه التسبب فيها.

          وانطلاقاً من ذلك، نرى أن التوجه الذي تبناه القرار المذكور و الدي صدر عن الغرفة المدنية بمحكمة النقض، باعتبار أن النزاع تعلق بخلافات بين شركاء في شركة مدنية، يظل محل نظر من الناحية القانونية، لعدم انسجامه، في تقديرنا، مع ظاهر مقتضيات الفصلين 1056 و1060 من قانون الالتزامات والعقود، فضلاً عن تعارضه مع الغاية التي توخاها المشرع من إقرار إمكانية استمرار الشركة بين باقي الشركاء عن طريق إخراج الشريك المتسبب في الحل ؛ فهذه الآلية ترمي إلى تحقيق التوازن بين مصلحة الشركة في مواصلة نشاطها، من جهة، وحماية المصالح المشروعة للشركاء من جهة أخرى، دون تعليق إمكانية اللجوء إليها على مبادرة الشريك المتسبب في النزاع إلى المطالبة بحل الشركة.

    وفي هدا الإطار نورد احدى القرارات الصادرة في الموضوع عن الغرفة التجارية بمحكمة النقض [45] والتي جاء في تعليلاتها ما يلي :

” وتعليل المحكمة هذا فيه تطبيق سليم للقانون، ما دام أن المقصود بالشريك المتسبب في الحل هو الشريك الذي تستنتج من تصرفاته استحالة قيام الشركة بأداء مهامها والتزاماتها، وليس المقصود بذلك الشريك الذي يطلب الحل لوجود أسباب معتبرة، ما دام أن طلب حل الشركة المنصوص عليه في الفصل 1056  من ق.ل.ع هو تصرف شرعي مخول لكل شريك متى كان طلبه مؤسس على اعتبارات معقولة، دون أن يمكن اعتبا ره شريكا متسببا في الحل وبالتالي إخراجه من الشركة.“

        ويُستفاد من التعليل الصادر عن الغرفة التجارية بمحكمة النقض أعلاه ؛ أنها ميزت بين الشريك الذي يلجأ إلى القضاء للمطالبة بحل الشركة استناداً إلى أسباب معتبرة، والشريك الذي تؤدي تصرفاته إلى استحالة استمرار الشركة في أداء مهامها والوفاء بالتزاماتها؛ ويكتسي هذا التمييز أهمية خاصة في تحديد المقصود بعبارة «الشريك المتسبب في الحل» الواردة في الفصل 1060 من قانون الالتزامات والعقود، إذ لا يكفي مجرد لجوء الشريك إلى القضاء للمطالبة بحل الشركة لاعتباره متسبباً في حلها وتبرير إخراجه منها وبالمقابل، فإن إمكانية إخراج الشريك لا ينبغي أن تكون رهينة بمبادرته إلى طلب الحل، وإنما يتعين أن تستند إلى ثبوت أسباب معتبرة تبرر هذا الإجراء وفقاً للشروط القانونية المقررة ؛ ومن ثم فإن تحديد نطاق تطبيق هذه الآلية يقتضي التمييز بين الممارسة المشروعة للحق في التقاضي، من جهة، والتصرفات التي تؤدي فعلياً إلى نشوء اضطراب خطير يعرقل سير الشركة ويهدد استمراريتها.

      و يتضح من خلال دراسة الإطار التشريعي وتتبع الاجتهاد القضائي المغربي أن إخراج الشريك من الشركة التجارية ليس حقاً مطلقاً لباقي الشركاء، ولا إجراءً يمكن اتخاذه لمجرد وجود خلاف بينهم ؛ فالأصل هو احترام المركز القانوني للشريك والمحافظة على حقوقه، ولا يمكن المساس بهذا المركز إلا استناداً إلى أساس قانوني أو اتفاقي معتبر، وفي إطار الشروط التي يفرضها القانون.

       كما أن الفصل 1060 من قانون الالتزامات والعقود يحتل مكانة محورية في هذا المجال، باعتبار أن إخراج الشريك يرتبط، في نطاق تطبيقه، بوجود أسباب يمكن أن تؤدي إلى حل الشركة، مع إمكانية المحافظة على الشركة واستمرارها بين باقي الشركاء.

     وقد سار الاجتهاد القضائي المغربي نحو التشدد في إقرار اخراج الشريك المسؤول عن وجود أسباب معتبرة، واعتبر ان مجرد الخصومات أو الدعاوى المتبادلة بين الشركاء، لا يمكن ان تكون أساسا لإقرار اخراج الشريك المتسبب فيها ما لم يثبت تأثيرها على السير العادي لعمل ونشاط الشركة وللغرض الدي انشات لأجله.


45_ المرجو الاطلاع الى مراجع القرار بالهامش أعلاه رقم 22


    و ندعو في هدا الاطار الى ضرورة تدخل المشرع المغربي لإعادة صياغة مقتضيات الفصل 1060 من ق.ل.ع  بشكل يجعل من تفسير مقتضياته امرا يسيرا و بعيدا عن التفسير الدي ذهبت اليه محكمة النقض في قرارها الصادر بتاريخ 14/09/2021 و الدي من شان تبنيه تجميد تطبيق مقتضيات الفصل أعلاه و اعتبارا لكون اشتراط ضرورة تقديم المطلوب إخراجه لدعوى ترمي الى الحل كأساس للإقرار بإمكانية إخراجه من الشركة  يعد امرا  غير مؤسس و يتعارض مع فلسفة المشرع المبنية على محاولة إيجاد توازن بين حماية حقوق الشركاء و ضمان استمرار نشاط المقاولة لما لكل دلك من تاتير على النسيج الاقتصادي و الاجتماعي داخل المجتمع  .

        وهكذا فان قبول دعوى إخراج الشريك تقتضي إثبات الوقائع التي تجعل استمرار الشركة امرا متعذراً و تجعل من مصالحها عرضة للتهديد ، و توجب تفعيل الأثار المترتبة عنها و المرتبطة بضمان استيفاء الشريك لكافة حقوقه المالية ؛ وبالتالي، يمكن القول إن نظام إخراج الشريك يمثل آلية لتحقيق التوازن بين مبدأ استمرارية الشركة وحماية حقوق الشريك، ويظل استعماله خاضعاً لرقابة القضاء وللضوابط التي تفرضها طبيعة الشركة والنظام الأساسي والعلاقة التعاقدية بين الشركاء.

error: عذرا, لا يمكن حاليا نسخ او طباعة محتوى الموقع للمزيد من المعلومات المرجوا التواصل مع فريق الموقع عبر البريد الالكتروني : [email protected]