مجلة مغرب القانونفي الواجهةحسن مزوزي: توقـــع الحكم زمن الذكاء الاصطناعي 

حسن مزوزي: توقـــع الحكم زمن الذكاء الاصطناعي 

حسن مزوزي .محامي بهيئة القنيطرة .باحث


تقديم

    يدخل المتقاضي المحكمة ومعه سؤال واحد، وإن صاغه بألف طريقة: ما حظوظي؟ وفي أغلب القضايا المدنية لا يجد جوابا يُطمأن إليه، لا عند محاميه ولا في النصوص ولا في ما يُتاح من أحكام . فالنص نفسه قد يُقرأ في محكمة على وجه، وفي أخرى على وجه مخالف. والتعويض عن الضرر نفسه قد يُقدَّر هنا بضعف ما يُقدَّر به هناك. وقد تُحسم المسألة القانونية نفسها بحلين متعارضين في غرفتين من غرف محكمة النقض.

   لهذا الغموض ثمن لا يظهر في الإحصاءات. فالمتقاضي الذي لا يستطيع أن يتوقع مآل دعواه لا يتصرف تصرفا عقلانيا، لأنه لا يملك ما يبني عليه القرار. قد يرفع دعوى خاسرة وهو يظنها رابحة ، وقد يرفض صلحا عادلا طمعا في حكم لا أساس له، وقد يطعن ثم يطعن لأن كل درجة تقاضٍ تبدو له ورقة يانصيب جديدة، فغياب التوقع ليس عيبا تقنيا في العدالة، بل هو أحد أسباب اختناقها.

  وقد أضاف الذكاء الاصطناعي إلى المسألة بعدا جديدا: فالمتقاضي الذي كان لا يجد جوابا صار يجد جوابا جاهزا وواثقا، لا يعرف مدى صحته. والسؤال الذي يطرحه هذا المقال: هل يحق للمتقاضي أن يتوقع الحكم؟ وما الأدوات التي تجعل العدالة المدنية مقروءة دون أن تتحول إلى آلة؟

أولا: التوقع شرط من شروط العدالة لا ترف

   يرتبط مبدأ الأمن القضائي في الخطاب القانوني المغربي عادة باستقرار الأحكام وحجيتها. غير أن للأمن القضائي وجها آخر لا يقل أهمية، وهو أن يعرف الناس مسبقا كيف سيُطبَّق عليهم القانون. فالقاعدة التي لا يُعرف كيف ستُفسَّر هي في الواقع قاعدة مجهولة، مهما كان نصها واضحا.

   والتوقع هنا لا يعني أن يُعرف منطوق الحكم قبل صدوره، فذلك مستحيل ولا يُطلب. إنما يعني أن يستطيع محام متمرس أن يقول لموكله، بقدر معقول من الثقة: هذا ما جرى عليه القضاء في مثل قضيتك، وهذا هامش التقدير الذي تتحرك فيه المحكمة. وحين يصبح هذا الجواب ممكنا، يتغير سلوك المتقاضين جذريا: تقل الدعاوى الكيدية، ويصبح الصلح خيارا عقلانيا لا تنازلا، وتتراجع الطعون التي لا غاية منها سوى ربح الوقت.

   ويكفي أن ينظر الممارس إلى ملفات عمّرت في المحاكم عقدا أو عقدين، تنقلت فيها بين الدرجات، ونُقضت وأُحيلت ثم نُقضت من جديد، ليدرك أن جزءا غير يسير من هذا الطول مصدره أن أحدا من الأطراف لم يكن يعرف أين تتجه الأمور، فظل كل منهم يراهن على أن الجولة المقبلة ستكون له.

ثانيا: مصادر غياب التوقع في العدالة المدنية المغربية

    يمكن رد غياب التوقع في المادة المدنية بالمغرب إلى ثلاثة مصادر رئيسية:

  1. تضارب الاجتهاد القضائي. ليس نادرا أن تصدر عن محاكم الموضوع، بل عن محكمة النقض نفسها، مقررات متعارضة في المسألة القانونية الواحدة. ومحكمة النقض وُجدت أصلا لتوحيد الاجتهاد، فإذا تعدد اجتهادها فقد المتقاضي بوصلته الأخيرة.
  2. محدودية الوصول إلى الأحكام. ما يُنشر من القرارات القضائية لا يمثل إلا جزءا ضئيلا مما يصدر، وأغلبه قرارات محكمة النقض المنتقاة. أما أحكام محاكم الموضوع، حيث تُحسم أغلب النزاعات فعليا، فتبقى في الغالب حبيسة الملفات. والمحامي الذي يريد أن يعرف كيف تقضي محكمة بعينها في نوع معين من القضايا لا يملك إلا ذاكرته وذاكرة زملائه.
  3. اتساع السلطة التقديرية دون معايير معلنة. في مجالات كثيرة، كتقدير التعويض عن الضرر، وتحديد النفقة ومستحقات الطلاق، وتقدير التعويض عن الفصل من العمل، يترك القانون للقاضي سلطة تقديرية واسعة. وهذا في ذاته مشروع وضروري، لأن كل قضية تختلف عن غيرها. لكن حين تُمارَس هذه السلطة دون أي معايير استرشادية معلنة، يصبح الفرق بين حكم وآخر في قضيتين متشابهتين غير مفهوم للمتقاضي. ومدونة الأسرة مثال واضح: فالمادة 189 تضع معايير عامة لتقدير النفقة، كالتوسط ودخل الملزم بها وحال مستحقها، لكنها معايير يختلف تنزيلها من محكمة إلى أخرى اختلافا يصعب على المتقاضي فهمه.
مقال قد يهمك :   تقرير يرسم صورة قاتمة حول المساواة بين نساء ورجال المغرب

ثالثا: التجربة الفرنسية، طموح التوقع وحدوده

   واجهت فرنسا الإشكال نفسه، وجاء جوابها على مراحل تستحق التأمل.

  1. مشروع “عدالة القرن الحادي والعشرين”. أطلقت وزيرة العدل كريستيان توبيرا سنة 2014 ورشا واسعا للتفكير في العدالة تحت هذا العنوان، انطلاقا من ملاحظة أن العدالة بعيدة عن المتقاضي، بطيئة، وغير مفهومة. وتُوّج هذا الورش بالقانون رقم 2016-1547 الصادر بتاريخ 18 نونبر 2016، الذي صدر بعد مغادرتها الوزارة، لكنه حمل روح مشروعها: تقريب العدالة، وتبسيط المساطر، وجعل الحلول البديلة للنزاعات مدخلا طبيعيا إلى القضاء، ومن ذلك فرض محاولة الصلح قبل رفع بعض الدعاوى الصغرى. والفكرة الكامنة وراء ذلك أن المتقاضي الذي يُدعى إلى الصلح قبل التقاضي يُدعى في الوقت نفسه إلى تقدير حظوظه تقديرا واقعيا.
  2. النشر المفتوح للأحكام. في السنة نفسها، جاء القانون رقم 2016-1321 المتعلق بالجمهورية الرقمية بمبدأ ثوري: إتاحة كل الأحكام القضائية للعموم مجانا، بعد إخفاء هوية الأشخاص. والغاية المعلنة أن يصبح الاجتهاد القضائي معروفا للجميع، لا حكرا على من يملك الوصول إلى قواعد البيانات الخاصة.
  3. العدالة التنبؤية وحدودها. فتح هذا النشر الباب أمام شركات ناشئة طورت أدوات تحلل آلاف الأحكام وتقدّر حظوظ الدعوى أو مبلغ التعويض المحتمل. وسرعان ما ظهر الوجه الآخر: فبعض هذه الأدوات بدأ يحلل سلوك كل قاض باسمه. فتدخل المشرع الفرنسي بالقانون رقم 2019-222 الصادر بتاريخ 23 مارس 2019، ومنع استعمال هوية القضاة لتقييم ممارساتهم أو توقعها، ورتب على المخالفة جزاء جنائيا.

   والدرس الذي يُستخلص من هذه التجربة مزدوج: التوقع مطلوب ومشروع، وأداته الأولى هي الشفافية ونشر الأحكام. لكن للتوقع حدا لا يجوز تجاوزه، وهو أن يتحول إلى أداة ضغط على القاضي أو إلى بديل عن اقتناعه الشخصي. فالمطلوب أن يكون الاجتهاد متوقعا، لا أن يصبح القاضي مبرمجا.

رابعا: ما يتيحه القانون رقم 58.25

    جاء القانون الجديد للمسطرة المدنية بأدوات يمكن، إن أُحسن تفعيلها، أن تخدم هدف التوقع:

  1. آلية توحيد الاجتهاد. تخوّل المادة 407 الرئيس الأول لمحكمة النقض التدخل إذا بلغ إلى علمه صدور عدة مقررات قضائية بتفسيرات مختلفة لمقتضى قانوني واحد. وهذه الآلية قد تكون أهم مستجدات القانون من زاوية التوقع، لأنها تعالج المصدر الأول لغيابه، أي تضارب الاجتهاد. غير أن فعاليتها تتوقف على أمرين: أن يُفعَّل التدخل بسرعة قبل أن يتراكم التضارب، وأن يُنشر ما يسفر عنه على نطاق واسع حتى يصل إلى محاكم الموضوع والمحامين.
  2. الرقمنة . يفتح اعتماد المساطر الإلكترونية الباب، لأول مرة، أمام تكوين قاعدة بيانات شاملة للأحكام. فالحكم الذي يصدر في صيغة رقمية يمكن نشره بكلفة زهيدة، والعائق لم يعد تقنيا بل أصبح قرارا مؤسساتيا.
  3. الحلول البديلة. يشكل القانون رقم 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية، إلى جانب مقتضيات الصلح في المسطرة المدنية، إطارا قائما. لكن الوساطة لا تنجح إلا حين يعرف الطرفان ما ينتظرهما لو فشلت، فالتوقع هو الذي يجعل الصلح ممكنا.
مقال قد يهمك :   الرقابة القضائية على العمل الضريبي - حالات عملية للدراسة -

خامسا: الذكاء الاصطناعي، أداة للتوقع أم مصدر جديد للوهم؟

     لم يعد السؤال اليوم هو هل سيدخل الذكاء الاصطناعي إلى العدالة، فقد دخلها فعلا من باب المتقاضي قبل باب المحكمة. فالمتقاضي الذي كان يسأل محاميه عن حظوظه صار يسأل النماذج اللغوية أولا، ويأتي إلى المكتب وفي يده جواب جاهز.

  1. ما يعد به الذكاء الاصطناعي. يستطيع الذكاء الاصطناعي نظريا أن يحقق ما عجزت عنه عقود من الجهد اليدوي: أن يقرأ آلاف الأحكام في دقائق، ويستخرج الاتجاهات الغالبة في كل نوع من القضايا، ويرصد تضارب الاجتهاد فور ظهوره، ويشرح للمتقاضي بلغة بسيطة ما يعنيه النص المطبق على نزاعه. وبهذا المعنى يمكن أن يكون أداة لديمقراطية المعرفة القانونية، ويمنح المتقاضي البسيط ما لم يكن متاحا إلا لكبريات المكاتب.
  2. شرطه الأول: الأحكام المنشورة. غير أن الذكاء الاصطناعي لا يتوقع إلا بما يُغذّى به. وفي بلد لا يُنشر فيه إلا جزء ضئيل من الأحكام، ستتوقع هذه الأدوات انطلاقا من عينة منتقاة لا تمثل الواقع، أو ستملأ الفراغ بما تعرفه من قوانين أجنبية أو من تخمينات تقدّمها بثقة مضللة. ولذلك فالنشر المفتوح للأحكام ليس مجرد مطلب للشفافية، بل هو الشرط المسبق لأي توقع ذكي جدير بالثقة.
  3. خطره الأول: الوهم الواثق. أخطر ما في النماذج اللغوية أنها تخطئ بالنبرة نفسها التي تصيب بها. وقد عرفت محاكم أجنبية حالات قدم فيها محامون مذكرات تستشهد بقرارات قضائية لا وجود لها، اختلقتها هذه الأدوات. والمتقاضي الذي يتلقى من آلة جوابا مطمئنا عن حظوظ دعواه قد يصبح أكثر إصرارا على المغامرة لا أقل. فينقلب الذكاء الاصطناعي، من حيث يُفترض أن يكون أداة للتوقع، إلى مغذٍّ جديد للطمع المبني على الجهل.
  4. خطره الثاني: المساس باستقلال القاضي. إذا استُعمل الذكاء الاصطناعي لتحليل سلوك كل قاض على حدة، أو صار القاضي يشعر بأن حكمه سيُقارن آليا بما “يتوقعه” النظام، تحول التوقع من خدمة للمتقاضي إلى ضغط على القضاء. ولهذا منع المشرع الفرنسي تنميط القضاة سنة 2019، وصنّف قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي الأنظمة المستعملة في إدارة العدالة ضمن الأنظمة عالية المخاطر، الخاضعة لقيود صارمة.
  5. الموقع الصحيح للذكاء الاصطناعي. الذكاء الاصطناعي في العدالة أداة مساعدة لا بديل. يساعد المحامي على البحث والتحليل، ويساعد المحكمة على رصد تضارب الاجتهاد، ويساعد المتقاضي على فهم وضعه. لكن تقدير الحظوظ يبقى مسؤولية المحامي الذي يعرف الملف، والحكم يبقى اقتناع القاضي الذي سمع الأطراف. وبهذا يصبح واجب التبصير الذي يقع على المحامي أكثر أهمية لا أقل، لأن عليه اليوم أن يصحح أيضا ما يحمله موكله من توقعات آلية خاطئة.
مقال قد يهمك :   مأساة الطفل "عدنان" وضرورة إحداث وتفعيل "المرصد الوطني للإجرام"

   وقد جرّبتُ هذه الأدوات بنفسي في إعداد بعض الأعمال، فوجدتها نافعة في التنظيم والبحث وصياغة المسودات، لكنها احتاجت في كل مرة إلى مراجعتي وتصحيحي. فهي تقدّم ما لا تعرفه بالثقة نفسها التي تقدّم بها ما تعرفه، ولا يكشف ذلك إلا من يعرف الملف والقانون. وهذا في تقديري هو الدرس الأهم: الذكاء الاصطناعي يضاعف قدرة من يعرف، لكنه يضاعف أيضا وهم من لا يعرف.

سادسا: مقترحات من أجل عدالة مقروءة

  1. نشر منهجي ومفتوح للأحكام: البدء بنشر كل قرارات محكمة النقض دون انتقاء، ثم قرارات محاكم الاستئناف، بعد إخفاء هوية الأطراف، في قاعدة بيانات عمومية مجانية قابلة للبحث.
  2. جداول استرشادية معلنة: في مجالات التقدير الأكثر تكرارا، كالنفقة والتعويض عن الأضرار الجسدية ومستحقات الطلاق، يمكن اعتماد جداول استرشادية غير ملزمة تُعدّ بمشاركة القضاة والمحامين والخبراء. فهي لا تقيد القاضي، لكنها تفرض عليه أن يعلل الابتعاد عنها، وتمنح المتقاضي نقطة ارتكاز.
  3. التفعيل الاستباقي لآلية المادة 407: إحداث رصد منتظم لتضارب الاجتهاد داخل محكمة النقض، بدل انتظار أن “يبلغ إلى علم” الرئيس الأول، ونشر حصيلة سنوية بالمسائل التي وُحّد فيها الاجتهاد.
  4. واجب التبصير: ترسيخ واجب المحامي في تبصير موكله كتابيا بحظوظ دعواه ومخاطرها قبل رفعها. وهذا ليس قيدا على المهنة، بل تكريس لدورها الحقيقي كأول مصفاة للنزاعات.
  5. حماية القاضي من التنميط: على غرار التجربة الفرنسية، يحسن أن يُمنع صراحة استعمال الأحكام المنشورة لتحليل سلوك القضاة بأسمائهم، حتى لا تنقلب الشفافية على استقلال القضاء.
  6. إطار وطني لاستعمال الذكاء الاصطناعي في المجال القضائي: يحدد ما يُسمح به وما يُمنع، ويستلهم التجربة الأوروبية دون أن ينسخها.
  7. التحقق من مخرجات الذكاء الاصطناعي واجبا مهنيا: بحيث يُعد الاستشهاد بقرار غير موجود أو بنص غير صحيح إخلالا مهنيا، أيا كانت الأداة التي أنتجته.

خاتمة:

     العدالة التي لا تُتَوَقَّعُ عدالة تُغري بالمغامرة: مغامرة الدعوى، ومغامرة الطعن، ومغامرة رفض الصلح. وكلفة هذه المغامرة لا يدفعها المتقاضي وحده، بل تدفعها المحاكم المثقلة بقضايا ما كان لها أن تُرفع، ويدفعها كل من ينتظر دوره في طابور القضايا.

   وقد وضع القانون رقم 58.25 بين أيدينا أدوات لم تكن متاحة من قبل، ووضع الذكاء الاصطناعي أمامنا فرصة وخطرا في آن واحد. غير أن الأدوات وحدها لا تصنع عدالة مقروءة، ما لم يتحول التوقع إلى هدف معلن للسياسة القضائية، وما لم تُنشر الأحكام التي بدونها يبقى كل توقع، بشريا كان أو آليا، ضربا من التخمين. فالحق في توقع الحكم ليس امتيازا للمتقاضي على القاضي، بل هو شرط الثقة بينهما.

error: عذرا, لا يمكن حاليا نسخ او طباعة محتوى الموقع للمزيد من المعلومات المرجوا التواصل مع فريق الموقع عبر البريد الالكتروني : [email protected]