منى بولمكول: مبدأ عدم المساس بالجوهر في القضاء الاستعجالي -القاعدة والاستثناء-

منى بولمكول: باحثة في سلك الدكتوراه، مخبر الأنظمة المدنية والمهنية، كلية العلوم القانونية، جامعة محمد الأول، وجدة.
مقدمة:
لطالما ارتبطت العدالة في الوعي القانوني بقدرتها على إحقاق الحق، غير أن قيمة الحق لا تقاس فقط بإمكانية الاعتراف به، وإنما كذلك بمدى القدرة على حمايته في الوقت المناسب، فالعدالة التي تصل متأخرة قد تفقد، في كثير من الأحيان، جانبا من فعاليتها، وقد تتحول الحماية القضائية معها من وسيلة لصون الحقوق إلى مجرد اعتراف نظري بها بعد فوات الأوان، ولعل هذا الإشكال ليس وليد الواقع القضائي المعاصر، بل هو من المعضلات التي رافقت العمل القضائي منذ زمن طويل، حتى أن الفقه الفرنسي لم يتردد في وصف بطء القضاء بعبارات تكشف عن المفارقة القائمة بين تسارع الحياة وبطء العدالة.
وفي هذا السياق، يورد الباحث الفرنسي[1] Jean PONELLE، متحدثا عن بطء القضاء في محاكم باريس، التي تعتبر من أهم المحاكم الفرنسية، حيث أن الأمر قد يستغرق سنة للحصول من المحكمة على تأييد حكم صادر عن قاضي الصلح، وثلاث أو أربع سنوات قبل أن تنتهي أمام محكمة الاستئناف مسطرة لا يكون فيها حق المدعي محل منازعة جدية، بل قد تمتد اجراءات الطلاق إلى ست أو سبع سنوات، وأحيانا أكثر، عندما تستنفذ مختلف درجات التقاضي، ثم يعقب على ذلك بقوله:
«Que la justice des hommes soit demeurée si lente alors que la rapidité de leur vie s’est si remarquablement accrue, voilà certes un spectacle attristant, voire irritant, mais qui ne doit pas surprendre».
وهي ملاحظة تختزل مفارقة عميقة، مفادها أن تطور الحياة وتسارع المعاملات لم يواكبه دائما تطور مماثل في سرعة الآلة القضائية.
ومن رحم هذه المفارقة برز القضاء المستعجل باعتباره استجابة قانونية لحاجة عملية ملحة، قوامها أن بعض الحقوق لا تحتمل الانتظار، وأن بعض المخاطر لا يمكن دفعها بحكم يصدر بعد سنوات، لذلك اكتسبت مؤسسة القضاء المستعجل مكانة متميزة في المنظومة القضائية، وهو ما يعكسه وصف Jean VASSOGNE، الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بباريس سابقا، نقلا عن أحد القضاة المبرزين، حين قال:
«La juridiction des référés sauve l’honneur judiciaire de la France»[2]
أي أن قضاء الأمور المستعجلة «ينقذ الشرف القضائي لفرنسا»
ولم تكن هذه العبارة مجرد مبالغة في تقدير دور القضاء المستعجل، فقد حاول [3]Pierre DRAI، خلال اليوم الدراسي المنعقد بالمحكمة الابتدائية بباريس سنة 1980 حول القضاء المستعجل، الكشف عن دلالاتها، فخلص إلى ثلاثة اعتبارات أساسية؛ أولها أن مسطرة الاستعجال تسهم في ضمان دوران محرك الآلة القضائية، وثانيها أنها تمكن المتقاضي من الحصول بسرعة على موقف قضائي يحدد له، ولو بصورة مؤقتة، ما إذا كان ادعاؤه يستند إلى أساس ظاهر أم لا، وثالثها أن قاضي الأمور المستعجلة يؤدي دورا حاسما في وضع حد للاعتداءات بمختلف صورها، وفي الحد من المنازعات التي تهدد استقرار العلاقات بين الأفراد، بما يسهم في تأمين الحياة الاجتماعية.
وفي هذا الإطار، حظيت منظومة العدالة بالمغرب باهتمام متزايد، تجسد في مسار متواصل من الاصلاح والتحديث، ومن أبرز محطاته خطاب العرش بتاريخ 30 يوليوز 2013[4]، الذي أكد فيه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله ضرورة تخليق القضاء وعصرنته وترسيخ استقلاله، بما يجعل اصلاح العدالة ليس مجرد خيار مؤسساتي، وإنما مدخلا لتعزيز الثقة في القضاء وتوفير بيئة قانونية وقضائية ملائمة لتحقيق التنمية والاستثمار.
وقد ازدادت الحاجة إلى قضاء فعال وسريع مع التطور المتسارع للمعاملات، ولا سيما في المجال التجاري، حيث أصبحت العلاقات التعاقدية أكثر تعقيدا، وأصبحت المصالح الاقتصادية مرتبطة بدرجة كبيرة بسرعة تنفيذ الالتزامات واستقرار المراكز القانونية[5]. وفي مثل هذا السياق، قد يؤدي بطء المساطر القضائية إلى إفراغ الحماية القضائية من مضمونها، وهو ما يهدف إلية القانون رقم 58.25المتعلق بالمسطرة المدنية[6]، إذ أن الحكم الذي يأتي بعد زوال المصلحة أو تحقق الضرر قد يكون، من الناحية العملية، عديم الجدوى، ومن هنا تتجلى أهمية القضاء المستعجل باعتباره الآلية التي تسمح للقضاء بالتدخل السريع لدرء خطر حال أو صون مركز قانوني مهدد، دون انتظار انتهاء النزاع الموضوعي[7].
غير أن السرعة التي تميز القضاء المستعجل لا تعني إطلاق يده في أصل النزاع، إذ يظل هذا القضاء محكوما بحدود دقيقة تضمن التوازن بين فعالية الحماية القضائية واحترام اختصاص قضاء الموضوع. ويأتي في مقدمة هذه الحدود مبدأ عدم المساس بالجوهر، الذي يشكل حجر الزاوية في تحديد نطاق تدخل قاضي الامور المستعجلة، والحد الفاصل بين التدبير الوقتي الذي تفرضه ضرورة الاستعجال وبين الفصل في أصل الحق الذي يظل من اختصاص قاضي الموضوع.
كما أن هذا الحد الفاصل لم يعد يبدو بنفس الوضوح في جميع الحالات، خاصة في ظل التطورات التشريعية التي اعادت رسم بعض معالم اختصاص القضاء المستعجل، ويبرز في هذا السياق القانون رقم 49.16[8] المتعلق بكراء المحلات المخصصة للاستعمال التجاري أو الصناعي أو الحرفي، الذي منح قاضي الأمور المستعجلة اختصاصات ذات طبيعة خاصة، تقترب في بعض صورها من مجال الفصل في أصل النزاع، بما يثير التساؤل حول مدى استمرار مبدأ عدم المساس بالجوهر كقاعدة ضابطة لاختصاص القضاء المستعجل، وحول الحدود التي يمكن عندها اعتبار التدخل الاستعجالي تجاوزا لهذا المبدأ، أو تدخلا مشروعا تبرره طبيعة المنازعة ومتطلبات الحماية القضائية الفعالة.
ومن ثم، فإن دراسة مبدأ عدم المساس بالجوهر لا تكتسي أهميتها من كونه مجرد قيد اجرائي على اختصاص قاضي الأمور المستعجلة، بل من كونه يعكس اشكالية أعمق تتعلق بالتوفيق بين سرعتين متعارضتين ظاهريا: سرعة تفرضها ضرورة حماية الحق، وبطء تفرضه ضمانات الفصل في أصل النزاع. وبين هذين الاعتبارين تتحدد حدود القضاء المستعجل، وتتجسد قدرته على تحقيق المعادلة الدقيقة بين فعالية الحماية القضائية من جهة، واحترام الاختصاصات وضمانات التقاضي من جهة اخرى، لاسيما في منازعات الكراء التجاري التي تتشابك فيها الاعتبارات التعاقدية والاقتصادية والاجتماعية، ويصبح فيها الزمن القضائي عنصرا حاسما في استقرار المعاملات والأمن التعاقدي.
وانطلاقا مما سبق، تطرح الدراسة الإشكالية التالية:
إلى أي حد ما زال مبدأ عدم المساس بالجوهر يشكل قيدا حقيقيا على اختصاص قاضي المستعجلات، في ظل التوسع التشريعي الذي أقره القانون رقم 49.16 ومنحه صلاحيات تمس بجوهر النزاع في منازعات الكراء التجاري؟
ولمقاربة جوانب هذه الإشكالية ارتأينا اعتماد التقسيم التالي:
- المطلب الأول: الأحكام العامة لمبدأ عدم المساس بالجوهر
- الفقرة الأولى: ماهية مبدأ عدم المساس بالجوهر
- أولا: تعريف مبدأ عدم المساس بالجوهر
- ثانيا: نطاق مبدأ عدم المساس بالجوهر
- الفقرة الثانية: شروط مبدأ عدم المساس بالجوهر
- أولا: وجوب كون الاجراء وقتيا
- ثانيا: وجوب البحث من ظاهر الأوراق والمستندات
- المطلب الثاني: تطبيقات لمبدأ عدم المساس بالجوهر
- الفقرة الأولى: اختصاص قاضي المستعجلات في حماية المحل التجاري
- أولا: اختصاص قاضي المستعجلات في المحلات الآيلة للسقوط
- ثانيا: اختصاص قاضي المستعجلات في توسيع المحل أو تعليته
- الفقرة الثانية: اختصاص قاضي المستعجلات في تطوير الأنشطة التجارية وتحقيق حماية للمكري
- أولا: اختصاص قاضي المستعجلات في منح الإذن للمكتري بممارسة أنشطة مكملة للنشاط الأصلي
- ثانيا: اختصاص قاضي المستعجلات في استرجاع حيازة المحلات المهجورة أو المغلقة
المطلب الأول: الأحكام العامة لمبدأ عدم المساس بالجوهر
يكتسي مبدأ عدم المساس بالجوهر أهمية خاصة في إطار اختصاصات القضاء الاستعجالي، باعتباره من المبادئ الأساسية التي تحدد حدود تدخل القاضي الاستعجالي في المنازعات المعروضة عليه، ويهدف هذا المبدأ إلى ضمان الطابع المؤقت للإجراءات الاستعجالية، بما يحول دون المساس بأصل الحق أو حسم النزاع موضوعيا. ومن ثم، فإن احترامه يعد شرطا أساسيا لممارسة القضاء الاستعجالي لاختصاصه في الحدود التي رسمها القانون، ولتحديد مضمون هذا المبدأ وضوابطه، يقتضي الأمر الوقوف أولا على ماهيته ونطاقه، ثم بيان شروطه.
وعليه، سيتم تناول ماهية مبدأ عدم المساس بالجوهر من خلال التطرق إلى تعريفه وتحديد نطاقه (الفقرة الأولى)، على أن يتم بعد ذلك بحث شروط مبدأ عدم المساس بالجوهر، (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: ماهية مبدأ عدم المساس بالجوهر
يقصد بماهية مبدأ عدم المساس بالجوهر تعريف هذا المبدأ(أولا)، وتحديد نطاقه حتى تتضح معالمه وترتسم حدوده(ثانيا).
أولا: تعريف مبدأ عدم المساس بالجوهر
يشكل القضاء الاستعجالي نظاما قضائيا استثنائيا يهدف إلى دعم القضاء العادي واستكمال دوره، دون أن يحل محله أو ينازعه اختصاصه في الفصل في أصل الحقوق، وتتمثل وظيفته في معالجة النزاعات الوقتية أو العرضية التي لا تمس جوهر الحق المتنازع بشأنه، بما يضمن توفير الحماية القضائية العاجلة للحقوق إلى حين حسم قضاء الموضوع في النزاع بصورة نهائية. ومن ثم، فإن الأوامر الصادرة عن قاضي المستعجلات تظل ذات طبيعة وقتية، غايتها المحافظة على المراكز القانونية وصيانتها دون المساس بأصل الحق.
ويقصد بشرط عدم المساس بالجوهر امتناع قاضي المستعجلات عن الفصل، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في أصل الحق موضوع النزاع، فلا يجوز له أن يصدر أمرا يقرر وجود الحق أو ينفيه، أو يؤثر في صحته أو نطاقه أو آثاره القانونية أو التعاقدية، ويقتصر دوره على اتخاذ التدابير الوقتية اللازمة لحماية الحقوق دون تجاوز حدود الاختصاص المخول له قانونا[9].
فإذا تبين لقاضي المستعجلات أن النزاع المطروح أمامه ينصب على أصل الحق، أو أن الفصل فيه يستلزم تفسير العقود أو تأويلها، أو مناقشة دفوع الأطراف ومستنداتهم بما يؤدي إلى الخوض في الموضوع، أو إذا لم يكن الحق ظاهرا بالقدر الذي يبرر الحماية الوقتية، فإنه يتعين عليه التصريح بعدم الاختصاص، لأن الفصل في مثل هذه الحالات يخرج عن نطاق القضاء الاستعجالي ويدخل ضمن اختصاص قضاء الموضوع. وتجدر الإشارة إلى أن مدى احترام قاضي المستعجلات لشرط عدم المساس بالجوهر يخضع لرقابة محكمة النقض، باعتبار أن حسن تطبيق أحكام القانون يعد مسألة قانونية قابلة للمراقبة[10].
وانطلاقا من ذلك، استقر الفقه[11] والقضاء على اعتبار مخالفة مقتضيات الفقرة الأولى من المادة [12]226 من قانون المسطرة المدنية سببا من أسباب الطعن بالنقض، باعتباره من طرق الطعن غير العادية.
وفي هذا السياق، سيتم الاستناد إلى مجموعة من الأوامر القضائية القاضية بعدم الاختصاص، لبيان الكيفية التي يقدر بها القضاء الاستعجالي مدى مساس الأمر المطلوب بأصل الحق من عدمه.
ويتضح من خلال إحدى القضايا الاستعجالية[13] أن قاضي المستعجلات انتهى إلى أن البت في الطلب يقتضي النفاذ إلى جوهر النزاع، وأن مجرد فحص ظاهر الوثائق، وإن كان كافيا في بعض الحالات، فإنه لا يحقق الغاية المرجوة في جميع المنازعات، إذ قد يجد القاضي نفسه مضطرا إلى مناقشة الموضوع بصورة معمقة لإصدار أمره، وهو ما يتعارض مع طبيعة القضاء الاستعجالي وحدود اختصاصه، ويلاحظ أن قاضي المستعجلات صرح بعدم اختصاصه لكون الفصل في النازلة يستلزم الخوض في الموضوع، خاصة وأن الملف يتضمن عدة وثائق لا يمكن تقييمها دون التعرض لأصل الحق. غير أن ما يثير الانتباه في تعليل الأمر هو إشارته إلى كون الطالبين أجنبيين، واعتبار ذلك من الأسباب التي تحول دون نظر رئيس المحكمة، بصفته قاضيا للمستعجلات، في الطلب.
ونرى من جانبنا أن هذا التعليل غير دقيق ولا مبرر له، لأن تعذر البت يرجع إلى ضرورة فحص المستندات والخوض في الجوهر، وهو أمر يستوي فيه أن يكون الأطراف مغاربة أو أجانب، ما دام المبدأ يطبق بصورة عامة دون تمييز، كما استند الأمر إلى تعليل مؤداه أن الاختصاص الاستعجالي لا ينعقد إلا بتوافر عنصري الاستعجال وعدم المساس بأصل الحق، باعتبار ذلك ثابتا فقها وقضاء.
وفي أمر آخر[14]، خلص قاضي المستعجلات كذلك إلى أن الفصل في النزاع يقتضي النفاذ إلى الجوهر، وهو توجه سليم ومنطقي، لأن مناقشة دفوع الأطراف وحججهم تؤدي حتما إلى التعرض لأصل الحق، وهو ما يمنع على القضاء الاستعجالي. ومن ثم، فإن تصريحه بعدم الاختصاص بدل الفصل لفائدة أحد الطرفين جاء منسجما مع وقائع الملف. إلا أن ما استوقفني هو ما ورد في المذكرة الجوابية للمدعى عليه من اعتبار لجوء المدعين إلى القضاء الاستعجالي مجرد حيلة للتهرب من قضاء الموضوع. وفي تقديري، فإن هذا الدفع لا يكفي بذاته، لأن خبرة رئيس المحكمة في القضايا الاستعجالية، واعتماده على ظاهر الوثائق، تمكنانه من تقدير مدى جدية الطلب وحسن نية الأطراف، دون الانسياق وراء مثل هذه الادعاءات.
ويجدر التأكيد على أن شرط عدم المساس بالجوهر يعد من المسائل التي تدخل ضمن السلطة التقديرية لرئيس المحكمة، أما في القضاء الاستعجالي الشكلي، فإن المشرع حسم هذا الشرط مسبقا، فلم يعد لرئيس المحكمة سلطة تقدير توافره، كما لا يجوز له التصريح بعدم الاختصاص لهذا السبب، لأن النص التشريعي هو الذي أسند له الاختصاص وحدد نطاقه، ولذلك فيمكن لرئيس المحكمة الحكم بقبول الطلب أو رفضه أو عدم قبوله أو التصريح بعدم الاختصاص، بينما يمتنع عليه إصدار هذا الأخير في نطاق القضاء الاستعجالي الشكلي، لكون المشرع قد تكفل سلفا بتقرير توافر عدم المساس بالجوهر.[15]
ورغم أن هذا هو الاتجاه الغالب في القضاء الاستعجالي الشكلي، وأن المشرع خفف عن القاضي عبء البحث في هذين الشرطين من خلال النصوص الخاصة، فإن الواقع العملي يكشف عن اجتهادات قضائية تتجاوز التطبيق الحرفي للنصوص، انطلاقا من السعي إلى تحقيق العدالة، وهو الهدف الأسمى الذي ينبغي أن يوجه عمل القضاء.
لذلك، يظل الاجتهاد القضائي في بحث مستمر عن حلول تحقق الإنصاف وتحمي الحقوق دون تعسف أو إجحاف. وفي هذا الإطار، يبرز أحد الأوامر الاستعجالية[16] الصادرة خلال فترة الطوارئ الصحية بالمغرب نموذجا واضحا لتطور القضاء الاستعجالي، وللجرأة التي يتحلى بها قضاته في تحقيق التوازن بين التطبيق الحرفي للنصوص وتحقيق العدالة، فقد كانت واقعة عدم أداء السومة الكرائية ثابتة من ظاهر الوثائق، بل إن المدعى عليها أقرت بعدم الأداء خلال فترة الطوارئ والإغلاق، وهو ما كان يقتضي، في الظروف العادية، التصريح بتحقق الشرط الفاسخ، غير أن قاضي المستعجلات لم يكتف بظاهر الوقائع، بل أخذ بعين الاعتبار الظروف الاستثنائية المحيطة بها، واعتبر أن حالة الطوارئ الصحية والإغلاق العام أثرت في إمكانية معاينة الشرط الفاسخ بصورة سليمة، الأمر الذي دفعه إلى التصريح بعدم الاختصاص وإحالة النزاع إلى قضاء الموضوع، باعتباره الجهة الأقدر على التعمق في الوقائع والمستندات والاستعانة بوسائل التحقيق المناسبة للوصول إلى حكم يحقق العدالة ويطبق القانون التطبيق السليم.
ويقودنا هذا التوجه إلى التأكيد على أن القضاء الاستعجالي مجال يتميز بتعدد خصوصياته وتشعب مسائله، بحيث تستقل كل قضية بظروفها وملابساتها التي قد تجعلها تختلف عن غيرها رغم التشابه الظاهري. ومن ثم، فإن البحث في هذا المجال ينبغي ألا يقتصر على القواعد الإجرائية المنظمة له، بل يجب أن يمتد إلى دراسة خصوصية المنازعات المعروضة، لأن إيجاد الحلول العادلة يبقى رهينا باجتهاد القاضي، وفطنته، وقدرته على التوفيق بين التطبيق السليم للنصوص القانونية وتحقيق العدالة. فهذه المعادلة لا يمكن ضبطها بقواعد جامدة أو آليات موحدة، وإنما تقوم على كفاءة قاضي المستعجلات في اختيار الحل الأنسب لكل نازلة، بما يحقق الأمن القضائي، ليس فقط من خلال توحيد العمل القضائي، وإنما أيضا عبر توحيد التوجه القضائي المغربي في إيجاد التوازن بين احترام النصوص القانونية وتحقيق العدالة، مع مراعاة خصوصية كل قضية واختلافها عن غيرها. [17]
ثانيا: نطاق مبدأ عدم المساس بالجوهر
يتضح من تحديد المقصود من مبدأ عدم المساس بالمجوهر مدى الصعوبة التي تعترض القضاء المستعجل في القول باختصاصه أو بعدم اختصاصه انطلاقا من وقائع الدعوى وظروفها ومستنداتها، لكن دون أن يمس بما يمكن أن يقضى به في الجوهر.
لقد اتضح فعلا أن هناك حدودا دقيقة وخيطا رفيعا يفصل قضاء الموضوع عن قضاء الأمور المستعجلة، وأن قاضي الأمور المستعجلة يحتاج إلى مزيد من الحذر والحيطة والتبصر والتروي حتى لا يخترق تلك الحدود ويقطع ذلك الخيط الرفيع، أي بمعنى آخر حتى لا يتجاوز منطقة اختصاصه ويجد نفسه في منطقة اختصاص قاضي الموضوع، ويكون الحال كذلك عندما يمس موضوع الدعوى.[18]
ومن هنا تبرز أهمية مبدأ عدم المساس بالجوهر من حيث ضرورة حصر نطاقه ورسم معالم حدوده، فإذا كان الاستعجال وهو أحد الشرطين الأساسيين اللازمين لاختصاص قاضي الأمور المستعجلة يرافق مبدأ عدم المساس بالمجوهر لكي يحددا معا ذلك الاختصاص، فإن تحديده وحصر نطاقه لا يحتاج إلى عناء كبير، وصعوبته أقل حدة، خلافا لرفيقه مبدأ عدم المساس بالجوهر [19] وهو أدق تحديدا وأعمق فهما، إذ لا يهتدى إليه بشروط معينة ولا يسترشد فيه بخبرة أو معاينة، ولكن يحتاج الأمر فيه إلى ملكة قانونية وخبرة واسعة وتفكير رصين، وهذا ما يجعل للمبدأ المذكور خطورة لها وزنها وأهمية لا يمكن انكارها، ولهذا نجد قاضي الأمور المستعجلة يحسب لهذا المبدأ حسابه ويقدر خطورته ويجد في اصابته، فيكون نصيبه والحالة هذه أكثر وأوفر من نصيب الاستعجال، فهذا الأخير لا يمكن التوصل إليه بطريق سليم إلا إذا أحسن استعمال مبدأ عدم المساس بموضوع النزاع، لأن هذا المبدأ هو الذي يحدد مدى وجود خطر عاجل في الدعوى الذي هو أهم مقومات الاستعجال بل هو الاستعجال نفسه، كما أن المساس بالموضوع في الحكم ينزع عنه صفة الاستعجال حتى ولو كان هناك فعلا استعجال[20]، ذلك أنه ليس لقاضي الأمور المستعجلة مهما كانت الأحوال أن يقضي في أصل الحقوق والالتزامات والاتفاقات مهما أحاط بها من استعجال أو ترتب على امتناعه عن القضاء فيها من ضرر بالخصوم، بل يجب عليه تركها لقاضي الموضوع المختص وحده بالحكم فيها.[21]
وبهذا نرى بأن المشرع عند حديثه عن مبدأ عدم المساس بالجوهر إنما عبر عنه تعبيرا عمليا، حيث أسند الاختصاص في الأوامر المستعجلة لرئيس المحكمة أو لأقدم القضاة حسب الأحوال، ولم يسند ذلك لأي قاض كيفما كانت رتبته أو أقدميته كما هو الشأن في الدعاوى العادية، لأن تدليل الصعوبات التي تعترض تطبيق هذا مبدأ لا يتأتى مبدئيا إلا ممن له خبرة وتجربة في ميدان القضاء، وقد افترض المشرع هذا في رئيس المحكمة وأقدم القضاة فأعطى بذلك نوعا من الضمانة في حسن تطبيق المبدأ المذكور.
إذا متى يمكن القول بأن قاضي الأمور المستعجلة بقي في حدود المسائل السطحية والعرضية ولم يتجاوزها إلى الموضوع؟ هل عندما يفصل في نقطة موضوعية وجوهرية؟ أم فقط عندما يستند في أسباب حكمه على مسائل جوهرية تتعلق بالموضوع، حتى ولو أراد أن ينتهي في ذلك إلى اصدار حكم استعجالي لا علاقة له بجوهر الدعوى؟
إذا كانت الحالة الأولى لا تثير مشاكل بحيث يتعين على قاضي الأمور المستعجلة ألا يفصل في نقطة موضوعية وجوهرية بالشكل الذي يفصل به قاضي الموضوع، فإن المشكل يثور بصدد الحالة الثانية وهي التي يستند فيها قاضي المستعجلات على مسائل جوهرية يعلل بها حكمه الاستعجالي. ومما يزيد المشكل دقة أن القاضي المذكور عادة ما يشير إلى أن هذا التعليل الذي له مساس بالموضوع إنما استخلصه من ظاهر المستندات والوثائق وظروف الدعوى، حتى يكتسي ذلك طابع المشروعية للاعتماد عليه في إصدار القرار المستعجل[22].
والواقع أنه لا يمكن لقاضي الأمور المستعجلة أن يكون قناعته في الدعوى إذا لم ينظر إلى موضوعها. بل يتعين عليه أن يفعل ذلك حتى تكون أحكامه سليمة غير ناقصة، ولكن نظره يكون من خلال ظاهر المستندات والوثائق وليس في عمقها لأن التعمق من اختصاص قاضي الموضوع وحتى لو توصل من ظاهر المستندات إلى حكم في الموضوع بذكائه وملكته أو لأن الأمر لا يحتاج إلى ذكاء، فإنه لا يشير إليه عند تسبيب حكمه الاستعجالي بل يدخله في الاعتبار ولكن دون الاشارة إليه حتى لا يتطفل على سلطة قاضي الموضوع، فيشير مثلا إلى وجود نزاع جدي دون أن يذكر رأيه في هذا النزاع ولو كان قد كونه فعلا[23].
فلو طعن مثلا أحد الخصوم أمامه بالتزوير في احدى الأوراق المقدمة من الخصم الآخر، فلا يجوز لقاضي الأمور المستعجلة أن يحكم برد وبطلان الورقة ولو ظهر له بجلاء أو من ظروف الدعوى أنها مزورة المساس ذلك بأصل الحق[24].
ومن خلال ما سبق يتضح أن تحديد نطاق مبدأ عدم المساس بالجوهر وبالتالي رسم الحدود الدقيقة الفاصلة بين قضاء المستعجلات وقضاء الموضوع إنما يكمن في انتهاج سبل ثلاثة في آن واحد، الأول هو وجوب كون النزاع غير جدي، والثاني هو عدم اصدار حكم يقيد قاضي الموضوع، والثالث هو استعمال أسلوب معين في التسبيب يوضح أن قناعة قاضي المستعجلات إنما هي مستخلصة من ظاهر المستندات وليس من عمقها، فعدم اصدار حكم يقيد قاضي الموضوع يعني ضرورة كون الاجراء الذي يتخذه قاضي الأمور المستعجلة اجراء وقتيا، واستعمال أسلوب معين في التسبيب يوضح أن قناعة القاضي المذكور انما هي مستخلصة من ظاهر المستندات وليس من عمقها وجوهرها، وهذا يعني ضرورة التقيد بالبحث من ظاهر الأوراق والمستندات وهذين السبيلين يمثلان الشروط اللازمة لقيام مبدأ عدم المساس بالموضوع على وجه صحيح[25].
الفقرة الثانية: شروط مبدأ عدم المساس بالجوهر
تتمثل شروط مبدأ عدم المساس بالموضوع في شرطين: أولهما وجوب كون الاجراء وقتيا (أولا)، وثانيهما وجوب البحث من ظاهر الأوراق والمستندات (ثانيا).
أولا: وجوب كون الاجراء وقتيا
بالرجوع إلى نص المادة 226 المذكورة سابقا يتضح جليا إشارة المشرع بصراحة لمبدأ عدم المساس بالجوهر، لكنه يشير أيضا قبل ذلك إلى ضرورة كون الاجراء وقتيا، والواقع أن هذه النقطة الأخيرة ما هي إلا شرط لمبدأ عدم المساس بالموضوع. ذلك أن الإجراء إن كان وقتيا فهو يعني أن الأمر الاستعجالي لا يمس بما يمكن أن يقضى به في الجوهر، أما إذا كان الاجراء قطعيا فإن ذلك يعني مساس الأمر الاستعجالي بالموضوع أي بما يمكن أن يقضى به في الجوهر[26]. ولهذا نجد الفقه[27] يدرس مبدأ كون الاجراء وقتيا ومبدأ عدم المساس بالموضوع معا في شرط واحد معللا ذلك بأن الطلب إذا كان وقتيا فإنه لا يمس أصل الحق، وإذا ما مس الطلب أصل الحق فإنه لا يعتبر وقتيا، ومن تم فعدم المساس بالحق هو أثر حتمي لكون الطلب وقتيا.
يختص قاضي الأمور المستعجلة باتخاذ الإجراءات الوقتية التي تقتضيها حالة الاستعجال، متى كان الهدف منها تفادي خطر وشيك أو المحافظة على وضع قائم، دون أن يمتد اختصاصه إلى الفصل في أصل الحق أو حسم النزاع الموضوعي. ومن أمثلة ذلك تعيين حارس قضائي على مال متنازع عليه، أو الحكم بنفقة مؤقتة إلى حين الفصل في الحق، أو الأمر بإثبات حالة عقار أو منقول، دون تحديد المسؤولية أو الملكية[28].
وعليه، فإن سلطة قاضي المستعجلات تقتصر على اتخاذ التدابير المؤقتة اللازمة لحماية الحقوق والمراكز القانونية، مع عدم المساس بجوهر النزاع، وهو ما أكده المجلس الأعلى بقوله إن قاضي المستعجلات يختص باتخاذ الإجراءات الوقتية التي يخشى فواتها، ولا يجوز له التعرض في قضائه لأي نزاع يتعلق بالجوهر.
ويشترط في الاجراء الوقتي ثلاثة شروط أساسية: الأول وجوب كون النزاع غير جدي، والثاني ألا يقيد الاجراء قاضي الموضوع، والثالث أن يكون الاجراء قابلا للعدول عنه دون أن يحدث ذلك ضررا يصعب تلافيه. ولكن رغم تحقق هذه الشروط إذا لم يقترن الاجراء الوقتي بركن الاستعجال فإنه يبقى اجراء وقتيا عاديا لا يدخل في اختصاص قاضي الأمور المستعجلة.
ثانيا: وجوب البحث من ظاهر الأوراق والمستندات
يقوم القضاء الاستعجالي، في جوهره، على اتخاذ تدابير وقتية تفرضها حالة الاستعجال، بهدف توفير حماية قضائية مؤقتة للحقوق والمراكز القانونية إلى حين فصل قاضي الموضوع في أصل النزاع. ولذلك، فإن قاضي الأمور المستعجلة لا يملك صلاحية الفصل بصورة نهائية في الحقوق والالتزامات المتنازع بشأنها، كما لا يجوز له أن يصدر حكما من شأنه حسم النزاع الموضوعي أو تقييد سلطة قاضي الموضوع عند نظره في أصل الحق. ومن ثم، فإن الحكم الاستعجالي يجب أن يظل محصورا في نطاقه الوقتي، وألا يرتب آثارا تتجاوز الغاية التي صدر من أجلها.
غير أن عدم جواز المساس بأصل الحق لا يعني منع قاضي الأمور المستعجلة من الاطلاع على عناصر النزاع الموضوعي بصورة مطلقة. فقد تقتضي طبيعة مهمته، خاصة عند تقدير حالة الاستعجال ومدى جدية المنازعة، أن يفحص ظاهر الوقائع والمستندات والحجج المقدمة من الأطراف. ويكون هذا الفحص بالقدر الضروري لتكوين قناعته بشأن التدبير الوقتي المطلوب، دون أن يتحول إلى بحث موضوعي معمق يؤدي إلى الفصل النهائي في أصل الحق.[29]
وعليه، يجوز للقاضي الاستعجالي أن يطلع على الوثائق والدفوع المقدمة إليه، وأن يقارن بينها وبين الوقائع والادعاءات التي يتمسك بها الأطراف، قصد تقدير مدى جدية المنازعة وتحديد مدى استحقاق أحد الأطراف للحماية الوقتية، غير أن هذا الاختصاص يظل مقيدا بعدم الحسم النهائي في المسائل الموضوعية، كمسائل الملكية وصحة العقود أو بطلانها ووجود الحقوق وانقضائها، فتعرض القاضي لبعض عناصر أصل الحق لا يشكل خروجا عن اختصاصه متى كان هذا التعرض عرضيا ومحدودا، وكان الغرض منه فقط تقدير الطلب الاستعجالي[30].
ويقصد بالفحص من ظاهر الأوراق والمستندات إجراء قراءة أولية ومحدودة للوثائق والحجج، واستخلاص الوقائع والمعطيات الأساسية منها، ثم مقارنتها بادعاءات الأطراف، دون إجراء تحقيق موضوعي شامل أو التعمق في تقدير الأدلة بما يؤدي إلى حسم النزاع. وبذلك، فإن قاضي المستعجلات ينظر إلى أصل الحق بقدر ما يحتاج إليه لتحديد مدى جدية المنازعة واتخاذ التدبير الوقتي المناسب، دون أن يكون لفحصه أثر ملزم لقاضي الموضوع.[31]
وفي هذا الإطار، قد يجد قاضي الأمور المستعجلة نفسه مضطرا، في بعض الحالات، إلى تفسير حكم قضائي واجب التنفيذ أو سند تنفيذي، أو إلى الاطلاع على بعض عناصر النزاع الموضوعي، متى كان ذلك ضروريا لتحديد طبيعة التدبير الوقتي ومدى مشروعيته. كما يمكنه تقدير القوة الظاهرة للحجج والدفوع، فإذا تبين له أن المنازعة جدية وتمس أصل الحق بصورة تستوجب بحثا موضوعيا، وجب عليه الامتناع عن الخوض فيها وترك الفصل بشأنها لقاضي الموضوع. أما إذا تبين له أن المنازعة تفتقر إلى الجدية، أو أنها لا تعدو أن تكون وسيلة لعرقلة الإجراء المطلوب، فإنه يستطيع تجاوز هذا العائق واتخاذ التدبير الاستعجالي المناسب.[32]
ولا يجوز، في المقابل، أن يتحول هذا الفحص الظاهري إلى فصل نهائي في صحة أو بطلان العقود والتصرفات القانونية، أو في مسألة الصورية والتحايل، متى كان حسمها يتطلب بحثًا موضوعيًا في حقيقة العلاقة القانونية بين الأطراف. ومع ذلك، يمكن للقاضي الاستعجالي أن يأخذ بعين الاعتبار ما يظهر له من الوثائق من مؤشرات على عدم جدية تصرف معين أو وجود صورية ظاهرة، وذلك بالقدر اللازم لتقدير الإجراء الوقتي، دون أن يفصل بصورة نهائية في هذه المسألة.
وتظهر أهمية هذا المبدأ، مثلا، في حالة طلب إخلاء مكتري بعد انتهاء مدة عقد الإيجار، مع تمسكه بوجود تجديد ضمني للعقد، ففي هذه الحالة، لا يجوز لقاضي الأمور المستعجلة أن يحسم نهائيا في مسألة التجديد، لأنها قد تتطلب بحثا موضوعيا، إلا أنه يستطيع فحص ظاهر الوثائق والوقائع لمعرفة ما إذا كانت تتضمن مؤشرات جدية على استمرار العلاقة الكرائية. فإذا تبين له وجود منازعة جدية حول التجديد، وجب عليه الامتناع عن اتخاذ إجراء من شأنه حسم النزاع، أما إذا لم يجد ما يثبت جدية هذه المنازعة، جاز له اتخاذ التدبير الاستعجالي المناسب.
كما يتضح الأمر في حالة طلب رفع الحراسة القضائية المفروضة على عقارات، مع دفع الأطراف بوجود نزاع حول الملكية أو صحة الرهن الحيازي أو وجود الدين. ففي هذه الحالة، لا يجوز للقاضي الاستعجالي أن يحسم نهائيًا في الملكية أو صحة الرهن أو وجود الدين، وإنما يقتصر دوره على فحص ظاهر الوثائق لتقدير مدى جدية المنازعة. فإذا كشفت المستندات عن نزاع حقيقي وجدي حول أصل الحق، وجب عليه الوقوف عند حدود اختصاصه الوقتي. أما إذا تبين له أن الحجج المثارة لا تستند إلى أساس جدي، جاز له اتخاذ التدبير المطلوب، كرفع الحراسة القضائية، دون أن يعني ذلك الفصل النهائي في أصل الحق[33].
ومع ذلك، فإن مبدأ عدم المساس بالموضوع وإن كان من المبادئ الأساسية التي تحكم القضاء الاستعجالي، لا يعني بالضرورة أن قاضي الأمور المستعجلة لا يمكنه مطلقًا أن يتعرض لموضوع النزاع، فقد أظهر التطبيق العملي والقضائي وجود بعض الحالات التي قد يتجاوز فيها القاضي الاستعجالي مجرد الفحص الظاهري، ويبت في بعض المسائل المرتبطة بجوهر النزاع، ليس استنادا إلى قاعدة عامة تجيز له ذلك، وإنما بناء على نصوص خاصة أو قواعد محددة تقرر هذا الاختصاص في حالات معينة.
ومن ثم، فإن القاعدة العامة تظل هي عدم المساس بأصل الحق، باعتبار أن الفصل فيه ينعقد لقاضي الموضوع، مع السماح للقاضي الاستعجالي بفحص عناصره بصورة ظاهرية وعرضية متى كان ذلك ضروريا لتقدير جدية المنازعة واتخاذ التدبير الوقتي الملائم. غير أن الواقع العملي أظهر وجود بعض الحالات التي يلتبس فيها الأمر حول مدى احترام هذه القاعدة، خاصة عندما يكون الفصل في الطلب الاستعجالي مرتبطا بمسائل ذات صلة مباشرة بالموضوع، ومن أمثلة ذلك الحكم بالغرامة التهديدية أو منح المدين أجلا للوفاء، وهو ما يعرف بنظرة الميسرة.[34]
وعليه، فإن تحديد حدود اختصاص قاضي الأمور المستعجلة يتطلب التمييز بين الفحص الظاهري لأصل الحق، وهو جائز عند الضرورة، وبين الفصل في أصل الحق، وهو من اختصاص قاضي الموضوع. كما ينبغي التمييز بين القاعدة العامة التي تمنع المساس بالموضوع، وبين الحالات الاستثنائية التي يمنح فيها المشرع، بمقتضى نصوص خاصة، للقضاء الاستعجالي صلاحية البت في مسائل معينة ذات صلة بالموضوع. وهذه الحالات متعددة وموزعة في مختلف النصوص القانونية، مما يجعل حصرها أمرًا متعذرًا، ويكفي لذلك الوقوف على أهم تطبيقاتها.
المطلب الثاني: تطبيقات لمبدأ عدم المساس بالجوهر
إذا كان الأصل، طبقا للمادة 226 قانون المسطرة المدنية، أن قاضي الأمور المستعجلة يقتصر اختصاصه على اتخاذ الإجراءات الوقتية دون المساس بأصل الحق، غير أن هذا يثير تساؤلا حول مدى جواز اتفاق الأطراف على منحه الاختصاص للبت في الجوهر، أم أن هذا الاختصاص من النظام العام ولا يجوز مخالفته، كما أن المشرع أورد حالات استثنائية بنصوص خاصة أسند فيها لرئيس المحكمة، باعتباره قاضيا للأمور المستعجلة، صلاحية البت في جوهر النزاع رغم ما يترتب عن ذلك من مساس بالموضوع. ويتجلى ذلك في مسألتين أولاهما مدى اختصاص قاضي الأمور المستعجلة بالبت في الجوهر بناء على طلب أو اتفاق، الخصوم والثانية حالات اختصاصه بالبت في الجوهر بناء على نصوص خاصة.
إلا أنه سيتم الاقتصار في هذا الصدد على دراسة حالات اختصاص قاضي الأمور المستعجلة بالبت في الجوهر بناء على نصوص خاصة، ولا سيما تلك التي أقرها القانون رقم 49.16. المتعلق بكراء المحلات المخصصة للاستعمال التجاري أو الصناعي أو الحرفي الذي يعتبر من أبرز هذه الاستثناءات والذي وسع اختصاصات رئيس المحكمة ومنحه صلاحية البت في بعض المنازعات المرتبطة بالكراء التجاري، بما قد يقتضي الفصل في أصل النزاع، وتتجلى أبرز هذه الاختصاصات في الحالات المتعلقة بحماية المحل التجاري من جهة (الفقرة الأولى)، وفي الحالات المرتبطة بتطوير النشاط التجاري وحماية المكري من جهة أخرى (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: اختصاص قاضي المستعجلات في حماية المحل التجاري
يتجسد تدخل رئيس المحكمة بصفته قاضيا للمستعجلات في مجال حماية المحل التجاري من خلال اختصاصه بالبت في طلبات إفراغ المحلات الآيلة للسقوط(أولا)، وكذا الطلبات المتعلقة بتوسيع المحلات التجارية أو تعليتها(ثانيا).
أولا: اختصاص قاضي المستعجلات في المحلات الآيلة للسقوط
خول المشرع للمكري، بمقتضى المادة 13[35] من القانون رقم 49.16، حق اللجوء إلى رئيس المحكمة بصفته قاضيا للمستعجلات من أجل الحكم بإفراغ المحلات الآيلة للسقوط.
ويقصد بالمحل الآيل للسقوط، وفق المادة الثانية[36] من القانون رقم [37]94.12 المتعلق بالمباني الآيلة للسقوط وتنظيم عمليات التجديد الحضري، كل بناية أو منشأة يمكن أن يؤدي انهيارها الكلي أو الجزئي إلى تهديد سلامة شاغليها أو مستعمليها أو المارة أو البنايات المجاورة، سواء كانت متصلة بها أم لا. كما يشمل هذا المفهوم البنايات التي فقدت عناصر المتانة اللازمة نتيجة ظهور اختلالات في مكوناتها الأساسية أو بسبب تشييدها فوق أرض معرضة للمخاطر.
ويعد الإفراغ بسبب كون المحل آيلا للسقوط من الحالات التي لا يستحق عنها المكتري أي تعويض، طبقا للفقرة الرابعة[38] من المادة الثامنة من القانون رقم 49.16، إلا إذا أثبت أن المكري امتنع عن القيام بأعمال الصيانة التي يفرضها القانون أو الاتفاق رغم توصله بإشعار بذلك، ويستفاد من ذلك أن المكتري ملزم بإعلام المكري بكل ما يستوجب تدخله للمحافظة على العين المكتراة، بما في ذلك أعمال الصيانة، فإذا ثبت تقاعس المكري عن تنفيذ التزامه، استحق المكتري التعويض.
وفي هذا الإطار، صدر أمر استعجالي[39]، اعتبر أن طلب تحديد تعويض احتياطي لفائدة المكتري سابق لأوانه، لأن المادة 13 من القانون رقم 49.16 تشترط، لاستحقاق التعويض، إثبات إعادة بناء المحل أو إصلاحه داخل أجل ثلاث سنوات، حتى يتمكن المكتري من المطالبة بحق الرجوع أو بالتعويض. ولما لم يدل المدعي بما يثبت إعادة البناء، قضى بعدم قبول طلبه.
كما يمكن للمكتري الرجوع إلى المحل إذا قام المكري بإعادة بنائه أو إصلاحه داخل أجل ثلاث سنوات من تاريخ الإفراغ. وإذا كانت دعوى الإفراغ لا تزال جارية، وجب على المكتري التعبير عن رغبته في الرجوع إلى المحل، وإلا التزم المكري بإنذاره يتضمن إشعاره بالشروع في البناء، مع مطالبته بالإفصاح عن رغبته في ممارسة حق الرجوع داخل أجل ثلاثة أشهر من تاريخ التوصل، تحت طائلة سقوط حقه في الرجوع وفي المطالبة بالتعويض معا.
وحرصا على تحقيق التوازن بين طرفي العلاقة الكرائية، منح المشرع للمكتري حق اللجوء إلى رئيس المحكمة بصفته قاضيا للمستعجلات من أجل تحديد تعويض احتياطي كامل، إذا استوفى الإجراءات القانونية المتعلقة بدعوى الإفراغ، ثم حرم من حقه في الرجوع إلى المحل رغم احترامه لجميع الشروط القانونية.
ويتضح من خلال هذا المقتضى أن المشرع منح لقاضي المستعجلات صلاحيات تقترب من اختصاصات قاضي الموضوع، إذ إن الفصل في طلب التعويض الاحتياطي يقتضي، في كثير من الأحيان، اللجوء إلى الخبرة لتحديد قيمة الأصل التجاري، بالاعتماد على التصريحات الضريبية للسنوات الأربع الأخيرة، وقيمة الإصلاحات والتحسينات التي أنجزها المكتري، والخسائر التي لحقت عناصر الأصل التجاري، فضلا عن مصاريف الانتقال إلى محل آخر[40].
ومن ثم، فإن قاضي المستعجلات في دعاوى الإفراغ يمارس اختصاصاً موضوعيا يفرض عليه فحص المستندات والوثائق المعروضة عليه لتحديد التعويض المستحق، دون أن يعد ذلك مساسا بجوهر النزاع، لأن مفهوم القضاء الاستعجالي في إطار هذا القانون أصبح أقرب إلى القضاء الاستعجالي الشكلي الذي حدد المشرع نطاق اختصاصه بنصوص خاصة.
ويثير موضوع المحلات الآيلة للسقوط إشكالا يتعلق بتحديد الجهة القضائية المختصة، ذلك أن المادة الرابعة من القانون رقم 94.12 أسندت الاختصاص للمحكمة الابتدائية، في حين يستفاد من المادة [41]17 من القانون رقم 49.16 أن الاختصاص ينعقد لرئيس المحكمة التجارية.
ويظهر التعارض كذلك فيما يخص التعويض، إذ يسمح القانون رقم 94.12 بالإفراغ دون تعويض، بينما يقرر القانون رقم 49.16 حق المكتري في تعويض احتياطي إذا حرم من حق الرجوع إلى المحل.
وأمام هذا التعارض، يثور التساؤل حول القانون الواجب التطبيق؟
ونرى من جانبنا أنه متى تعلق الأمر بمحلات آيلة للسقوط تستغل فيها أصول تجارية، فإن كلا النصين يعدان من النصوص الخاصة، غير أن القانون رقم 49.16 يبقى هو الواجب التطبيق باعتباره النص اللاحق، عملا بالقاعدة القاضية بأن النص اللاحق ينسخ النص السابق ضمنيا في حدود التعارض بينهما.
ثانيا: اختصاص قاضي المستعجلات في توسيع المحل أو تعليته
نصت المادة [42]16 من القانون رقم 49.16 على أنه إذا رغب المالك في توسيع البناية أو تعليتها، وكان إنجاز هذه الأشغال يقتضي إفراغ المحل أو المحلات المكراة، فإن الإفراغ يكون مؤقتا لمدة يحددها المكري، على ألا تتجاوز سنة واحدة ابتداء من تاريخ الإفراغ. وعلى غرار ما كان معمولا به في ظهير 24 ماي 1955، ميز المشرع بين الإفراغ من أجل الهدم وإعادة البناء وبين الإفراغ الرامي إلى توسيع المحل أو تعليته، باعتبار أن لكل حالة أحكامها الخاصة.
وبالرجوع إلى مقتضيات القانون رقم 49.16، يتبين أن المشرع أحاط هذا النوع من الإفراغ بمجموعة من الشروط، حيث ألزمت المادة [43]18 المالك الراغب في إفراغ المحل من أجل الهدم وإعادة البناء أو التوسعة أو التعلية بالإدلاء برخصة بناء سارية المفعول صادرة عن الجهة المختصة، مرفقة بالتصميم المصادق عليه.
كما منحت المادة 17 لرئيس المحكمة اختصاص البت في الطلب الرامي إلى الإفراغ، مع تحديد التعويض المستحق للمكتري عن مدة الإفراغ المؤقت، على أن يعادل هذا التعويض الضرر الذي لحقه، دون أن يتجاوز قيمة الأرباح التي حققها خلال السنة المالية السابقة، وفق التصريحات الضريبية، مع مراعاة أجور المستخدمين والضرائب والرسوم التي يظل المكتري ملزما بأدائها خلال فترة حرمانه من استغلال المحل.
ولا يقتصر اختصاص رئيس المحكمة على تحديد التعويض فقط، وإنما يمتد أيضا إلى البت في طلب تمديد مدة الإفراغ إذا اقتضت ظروف الأشغال ذلك، مع تحديد التعويض المستحق عن مدة التمديد. كما يختص بالنظر في طلب التعويض الكامل إذا تأخر المكري في إعادة تسليم المحل داخل الأجل المحدد دون مبرر مشروع، حيث يحدد هذا التعويض استنادًا إلى مقتضيات المادة السابعة من القانون نفسه.
وتثير المادة 17 من القانون رقم 49.16 تساؤلا بشأن طبيعة الاختصاص المخول لرئيس المحكمة: هل يمارسه بصفته قاضيا للمستعجلات، أم باعتباره رئيسا للمحكمة يمارس اختصاصا موضوعيا؟
وبالرجوع إلى المادة 13 المتعلقة بالمحلات الآيلة للسقوط، نجد أن المشرع نص صراحة على اختصاص رئيس المحكمة بصفته قاضيا للأمور المستعجلة، وهو ما يزيل أي لبس بشأن طبيعة هذا الاختصاص. أما المادة 17 فقد اكتفت بالإشارة إلى رئيس المحكمة دون أن تبين الصفة التي يمارس بها هذا الاختصاص، سواء كانت استعجالية أو موضوعية.
وفي تقديرنا، فإن اختصاص رئيس المحكمة في هذه الحالة يمارس بصفته القضائية العادية، وليس بصفته قاضيا للمستعجلات، لأن المشرع لو أراد إسناد هذا الاختصاص إليه بصفته الاستعجالية لنص على ذلك صراحة، كما فعل في المادة 13 ومن ثم، فإن اختلاف الصياغة بين النصين لا يمكن اعتباره مجرد اختلاف في الأسلوب، وإنما يعكس إرادة تشريعية في التمييز بين طبيعة الاختصاص في كل حالة.
الفقرة الثانية: اختصاص قاضي المستعجلات في تطوير الأنشطة التجارية وتحقيق حماية للمكري
سوف نحاول في هذه الفقرة الوقوف على أهم الاختصاصات التي أسندها المشرع لرئيس المحكمة التجارية بصفته قاضي المستعجلات والمتمثلة في اختصاص منح الإذن للمكتري بممارسة نشاط أو أنشطة مكملة أو مرتبطة بالنشاط الأصلي (أولا) وذلك اختصاصه في استرجاع حيازة المحلات المهجورة والمغلقة(ثانيا).
أولا: اختصاص قاضي المستعجلات في منح الإذن للمكتري بممارسة أنشطة مكملة للنشاط الأصلي
نصت الفقرة الأولى من المادة 22 [44]من القانون رقم 49.16 على أحقية المكتري في ممارسة نشاط أو أنشطة مكملة أو مرتبطة بالنشاط الأصلي، شريطة ألا تكون هذه الأنشطة منافية لغرض البناية أو خصائصها أو موقعها، وألا يترتب عنها أي تأثير على سلامتها.
وفي هذا الاتجاه، استقرت محكمة النقض في قرار لها[45] تقضي فيه أن ممارسة نشاط مكمل لا يعد تغييرا للنشاط التجاري إذا كان يدخل ضمن النشاط المتفق عليه في عقد الكراء. فقد قضت بأن استغلال جزء من محل مخصص للمقهى والمطعم في وضع ألعاب إلكترونية يندرج ضمن المشروع السياحي المتفق عليه بين الطرفين، ولا يشكل تغييرا للنشاط التجاري يبرر الإفراغ، معتبرة أن محكمة الموضوع مارست سلطتها التقديرية بصورة سليمة، وأن قرارها جاء معللا تعليلا كافيا ومؤسسا على أساس قانوني.
ويتبين من خلال هذا التوجه التشريعي والقضائي أن المكتري يظل مخولا لممارسة أنشطة جديدة متى كانت مرتبطة بالنشاط الأصلي، ولم تمس بطبيعة البناية أو سلامتها. غير أن ذلك يقتضي، في مرحلة أولى، توجيه طلب إلى المكري يحدد فيه طبيعة النشاط المزمع ممارسته، ويتعين على هذا الأخير إبداء موقفه داخل أجل شهرين من تاريخ توصله بالطلب، وإلا اعتبر سكوته بمثابة موافقة ضمنية.
أما إذا عبر المكري صراحة عن رفضه، جاز للمكتري اللجوء إلى رئيس المحكمة بصفته قاضيا للمستعجلات لطلب الإذن بممارسة النشاط الجديد، متى توافرت الشروط القانونية ولم يكن النشاط مخالفًا لطبيعة المحل أو الغرض المخصص له.
وفي المقابل، خول المشرع للمكري الحق في المطالبة بتحديد وجيبة كرائية جديدة تسري ابتداء من تاريخ تقديم الطلب، ولا تخضع هذه الوجيبة للمراجعة الدورية المنصوص عليها في القانون رقم 07.03 [46]المتعلق بمراجعة أثمان كراء المحلات المعدة للسكنى أو للاستعمال المهني.
ويلاحظ أن تدخل رئيس المحكمة في هذه الحالة يشكل نوعا من التقييد لمبدأ سلطان الإرادة، إذ يسمح بإضافة عنصر جديد إلى العلاقة التعاقدية لم يكن محل اتفاق بين الطرفين، وهو ما قد يبدو خروجًا عن مبدأ العقد شريعة المتعاقدين.
ومع ذلك، فإن هذا التدخل ينسجم مع التطورات التي عرفها النشاط التجاري، خاصة في ظل انتشار المراكز التجارية الكبرى وما فرضته من منافسة قوية أثرت على التجار الصغار، مما أصبح يفرض عليهم تنويع أنشطتهم التجارية حفاظًا على استمرارية مشاريعهم. ومن ثم، جاء هذا المقتضى لتوفير حماية قانونية لهم، وضمان السرعة والمرونة اللتين تفتضيهما المعاملات التجارية.
ثانيا: اختصاص قاضي المستعجلات في استرجاع حيازة المحلات المهجورة أو المغلقة
اختصاص قاضي المستعجلات في استرجاع حيازة المحلات المهجورة أو المغلقة
أثار موضوع استرجاع المحلات المهجورة أو المغلقة عدة إشكالات في ظل التشريع السابق، كما اختلفت بشأنه مواقف المحاكم، الأمر الذي دفع المشرع إلى تنظيمه صراحة من خلال المادة 32[47] من القانون رقم 49.16.
وبمقتضى هذه المادة، يحق للمكري، إذا توقف المكتري عن أداء واجبات الكراء وهجر المحل إلى وجهة مجهولة لمدة ستة أشهر، أن يتقدم إلى رئيس المحكمة بصفته قاضيا للمستعجلات بطلب يرمي إلى استصدار أمر بفتح المحل والإذن له باسترجاع حيازته، كما يتعين على المكري، تعزيزا لطلبه، الإدلاء بعقد الكراء، ومحضر معاينة يثبت واقعة الإغلاق أو الهجر ومدته، إضافة إلى إنذار موجه إلى المكتري من أجل أداء واجبات الكراء، ولو تعذر تبليغه بسبب مجهولية عنوانه، شريطة إثبات ذلك بمحضر رسمي.
وبمجرد تقديم الطلب، يأمر رئيس المحكمة بإجراء بحث للتأكد من واقعة الهجر أو الإغلاق، غير أن المشرع لم يحدد الجهة المكلفة بهذا البحث ولا كيفية إنجازه، وهو ما يعد من النقائص التشريعية، إذ كان من الأولى تحديد الجهة المختصة، سواء تعلق الأمر بكتابة الضبط أو بأحد أعوان التنفيذ القضائي.
وعقب استيفاء هذه الإجراءات، يصدر رئيس المحكمة أمرا بفتح المحل وتمكين المكري من استرجاع حيازته، ويقوم العون المكلف بالتنفيذ بتحرير محضر وصفي للمنقولات والأشياء الموجودة داخله، وإذا استمرت غيبة المكتري مدة ستة أشهر من تاريخ تنفيذ الأمر الاستعجالي، أصبحت آثار التنفيذ نهائية بقوة القانون، وانفسخ عقد الكراء تلقائيا، كما تباع المنقولات الموجودة بالمحل بالمزاد العلني على نفقة المكري، ويودع ثمنها بصندوق المحكمة، غير أن المشرع لم يغفل الحالات التي قد تظهر أثناء سريان هذه المسطرة، فنظمها تحت عنوان إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه[48].
فإذا حضر المكتري أثناء تنفيذ الأمر القضائي، توقفت إجراءات التنفيذ تلقائيًا، وحدد له رئيس المحكمة أجلا لا يتجاوز خمسة عشر يوما لتسوية وضعيته الكرائية، وإلا استؤنفت إجراءات التنفيذ.
أما إذا ظهر بعد تنفيذ الأمر، وقبل انقضاء أجل ستة أشهر، جاز له التقدم بطلب إلى رئيس المحكمة، بصفته قاضيًا للمستعجلات، لإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه، شريطة أداء جميع واجبات الكراء المستحقة بذمته، كما خول المشرع للمكتري، إذا أثبت أنه كان يؤدي واجبات الكراء بانتظام، حق المطالبة بالتعويض عن كافة الأضرار التي لحقته نتيجة مباشرة هذه المسطرة، بل ومنحه الحق في استرجاع المحل إذا ظل فارغا، حتى ولو انقضى أجل الستة أشهر المقرر قانونا.
ومن جهة أخرى، أسند المشرع لرئيس المحكمة، بصفته قاضيا للمستعجلات، اختصاصا مهما يتعلق بمعاينة تحقق الشرط الفاسخ، وذلك إذا امتنع المكتري عن أداء واجبات الكراء لمدة ثلاثة أشهر، وكان عقد الكراء يتضمن شرطًا فاسخًا، وبعد توجيه إنذار بالأداء ظل دون جدوى لمدة خمسة عشر يومًا من تاريخ التوصل به.
ولا تتحقق هذه المعاينة إلا بتوافر شرطين أساسيين، هما:
امتناع المكتري عن أداء واجبات الكراء لمدة ثلاثة أشهر متتالية.
وجود شرط فاسخ منصوص عليه صراحة في عقد الكراء.
خاتمة:
يتضح من خلال ما سبق أن مبدأ عدم المساس بالجوهر يشكل القاعدة الاساسية التي تضبط اختصاص قاضي الأمور المستعجلة، وتفصل بين القضاء الاستعجالي وقضاء الموضوع، إذ يظل الأصل هو اقتصار تدخل القاضي على اتخاذ تدابير وقتية تستند إلى ظاهر الوثائق دون حسم أصل الحق.
غير أن التطور التشريعي، ولا سيما من خلال، أدى إلى توسيع اختصاصات قاضي المستعجلات في مجال الكراء التجاري، ومنحه صلاحيات تقترب في بعض الحالات من الفصل في جوهر النزاع، بما يعكس تحولا من المفهوم التقليدي للقضاء الاستعجالي نحو قضاء استعجالي ذي طبيعة موضوعية في بعض تطبيقاته.
وعليه، يمكن استخلاص أن مبدأ عدم المساس بالجوهر لم يعد قاعدة جامدة تطبق بصورة مطلقة، وانما أصبح يتعايش مع استثناءات يقررها المشرع، مع بقاء ضرورة التمييز بين الفحص الظاهري للحق، الذي يدخل في اختصاص القاضي الاستعجالي، والفصل النهائي فيه، الذي يبقى من اختصاص قاضي الموضوع.
وبالتالي نكون قد خلصنا إلى بعض الاستنتاجات أهمها:
- أن عدم المساس بالجوهر يظل أصلا عاما يحكم القضاء الاستعجالي.
- أن الفحص الظاهري للمستندات لا يعد مساسا بالجوهر متى كان ضروريا لتقدير جدية المنازعة.
- أن القانون رقم 49.16 وسع اختصاصات رئيس المحكمة في منازعات الكراء التجاري، وقرر حالات يقترب فيها تدخله من القضاء الموضوعي.
- أن التطبيق السليم لهذا المبدأ يتطلب من القاضي التوفيق بين احترام حدود الاختصاص وتحقيق الحماية القضائية الفعالة، مع مراعاة خصوصية كل نازلة.
أما التوصيات، فيمكن إجمالها في:
- توضيح المشرع لطبيعة الاختصاصات المسندة لرئيس المحكمة في الحالات التي يقترب فيها القضاء الاستعجالي من الفصل في الموضوع.
- توحيد التوجه القضائي بشأن معيار التمييز بين الفحص الظاهري والفصل في الجوهر.
- وضع ضوابط أكثر دقة للاختصاصات الاستعجالية ذات الطبيعة الموضوعية، بما يضمن حماية الحقوق واستقرار المعاملات.
- تعزيز التكوين والتخصص في مجال القضاء الاستعجالي، لما يتطلبه من دقة في تقدير حدود الاختصاص وتحقيق التوازن بين سرعة الحماية القضائية وعدم المساس باختصاص قاضي الموضوع.
[1]-Jean PONELLE, Le référé en cours d’instance. Étude théorique et pratique, thèse de doctorat, Droit, Paris, Librairie du « Recueil Sirey », 1934, p.281, publier sur le lien suivant https://www.memoiredudroit.fr vu le 14/09/2026
[2]-Jean VASSOGNE، Préface à Ch. CÉSAR-BRU، Pierre. HÉBRAUD et J. SEIGNOLLE, La juridiction du président du tribunal. Des référés, t. I. publier sur le lien suivant : https://www.idref.fr vu le 14/09/2026
[3]-Pierre DRAI: Le juge des référés dans la société en 1980 journée d’études du 24 Octobre 1980 Thème: les référés.
[4] -محمد السادس، خطاب العرش بمناسبة الذكرى الرابعة عشرة لاعتلاء العرش، 30 يوليوز 2013، البوابة الرسمية للمملكة المغربية https://www.maroc.ma
[5] – محمد منقار بنيس، القضاء الاستعجالي، مطبعة المعارف الجديدة الرباط، طبعة1998، ص: 104
[6] – ظهير شريف رقم ص1.26.07ادر في 22شعبان 1447(11فبراير 2026)، جريدة رسمية عدد 7485_ 5 رمضان 1447(23 فبراير 2026)، ص: 1222
[7] -عبد الكريم الطالب، الشرح العملي لقانون المسطرة المدنية وفق القانون 58.25، مكتبة المعرفة-مراكش، الطبعة الثالثة عشرة، 2026، ص: 99
[8] – ظهير شريف رقم 1.16.99 صادر في 13 من شوال 1437 (18) يوليو (2016) بتنفيذ القانون رقم 49.16 المتعلق بكراء العقارات أو المحلات المخصصة للاستعمال التجاري أو الصناعي أو الحرفي، الجريدة الرسمية عدد 6490 بتاريخ 7 ذي القعدة 1437 (11) أغسطس 2016، ص: 5857.
[9] -عبد اللطيف هداية الله، القضاء المستعجل في القانون المغربي، الطبعة الأولى، 1998، ص: 214
[10] -وهو ما قضى به المجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا) في أحد قراراته التي جاء فيها: ” لا يحق لقاضي المستعجلات البت في القضية متى كان النزاع المعروض أمامه يكتسي صبغة جدية وأن جدية النزاع تخضع لرقابة المجلس الأعلى ولهذا يتعرض للنقض الحكم المطعون فيه عندما
صرح بانتفاء العلاقة الكرائية بين الطرفين رغم اعتمار طالب للمحل المطلوب إفراغه مدة تزيد عن 14 عاما برضى رب المالك الأول وموافقته وحيازته منه مبالغ مالية إذ يكون الحكم بذلك قد بت في العلاقة الكرائية بين الطرفين رغم المنازعة الجدية الناشئة فيه”
قرار عدد 399 بتاريخ 5 أبريل 1972 منشور بمجلة القضاء والقانون عدد 122 السنة 13 الصفحة 49
[11] -عبد اللطيف هداية الله، م.س، ص: 216
[12] – تنص الفقرة الأولى من المادة 226 من قانون المسطرة المدنية على أنه: “يختص رئيس محكمة الدرجة الأولى أو رئيس القسم المتخصص بالمحكمة الابتدائية أو من ينوب عن كل منهما، بصفته قاضيا للمستعجلات، بالبت في الحراسة القضائية أو أي اجراء وقتي أو تحفظي شريطة ان يتوفر عنصر الاستعجال وألا يمس بما يمكن أن يقضى به في الجوهر، سواء كان النزاع قد أحيل إلى المحكمة أم لا…”
[13]-أمر استعجالي أمر رقم 21 صادر عن المحكمة الابتدائية بالخميسات، القضاء المستعجل، ملف رقم 11/07/225 بتاريخ 2008/02/14، أورده خليل البكري، القضاء الاستعجالي العام والشكلي، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، تخصص الامن القانوني للمقاولات والعقود، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة محمد الأول بوجدة، السنة الجامعية، 2020/2021ص، 44
[14] – أمر استعجالي رقم 67 صادر عن المحكمة الابتدائية بتازة، القضاء المستعجل، ملف رقم 112/20/39 بتاريخ 2020/04/09، غير منشور
[15] -سفيان ادريوش، اختصاص القضاء لإفراغ المحلات التجارية والسكنية، مداخلة ضمن ندوة نظمتها الدائرة الاستئنافية بمحكمة الاستئناف بوجدة، سنة 2021
[16] – أمر استعجالي رقم 709، صادر عن المحكمة التجارية بالرباط، في الملف عدد 623-8101-2020، بتاريخ 29-09-2020، منشور بموقع منشور بموقع البوابة القانونية والقضائية لوزارة العدل تاريخ الاطلاع، 13/09/2026
[17]-عبد الكريم الطالب، م.س، ص: 100
[18] -عبد اللطيف هداية الله، م.س، ص: 215
[19] -جبريل معتصم محمد دراوشة، الاختصاص النوعي لقاضي الأمور المستعجلة، أطروحة لنيل درجة الماجيستير في القانون الخاص، بكلية الدراسات العليا في جامعة النجاح الوطنية في نابلس، فلسطين، 2013ص:85
[20] – مصطفى التراب، نظرات حول القضاء المستعجل، مقال منشور في دار المنظومة، العدد، 36، سنة 2003، تاريخ الاطلاع، 13/09/2026
[21] -خليل البكري، القضاء الاستعجالي العام والشكلي، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، م,س، ص:45
[22] -خليل البكري، م.س، ص: 47
[23] – عبد اللطيف هداية الله، م.س، ص: 220
[24] – قرار المجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا) عدد 224 بتاريخ 21 فبراير 2007، في الملف التجاري رقم 2006/1/3/36.منشور في المنصة الرقمية لقرارات محكمة النقض، تاريخ الاطلاع، 15/09/2026
أنظر في نفس الصدد لقرار صادر عن محكمة النقض المصرية– الطعن رقم 332 لسنة 51 قضائية – جلسة 3 فبراير 1985، الذي جاء في مضمونه أن القضاء المستعجل لا يختص بالفصل في دعوى التزوير الفرعية أو الأصلية لأن الفصل فيها يقتضي الحكم بصحة السند أو برده وبطلانه وهو قضاء في أصل الحق يخرج عن ولاية القضاء المستعجل،
كما قرر القرار أن الطعن بالتزوير على مستند قدم أمام القضاء المستعجل لا يمنع من رفع دعوى تزوير أصلية أمام محكمة الموضوع. منشور في صفحة محامي مصر للمحامي محمد مجدي منيب، https://mohamymasr.com تاريخ الاطلاع، 15/09/2026
[25] – أحمد أبو الوفا -التعليق على نصوص قانون المرافعات -ج 1 الناشر منشأة المعارف بالإسكندرية، ص: 294
[26] -عبد اللطيف هداية الله، م.س، ص: 336
[27] -أحمد أبو الوفا – م، س، ص 296.
وأمينة النمر – قوانين المرافعات، موسوعة الفقه والقضاء للدول العربية1983 ص 125
[28] – أحمد أبو الوفا – م، س، ص 296.
وأمينة النمر، م.س، ص: 125
[29] -عبد اللطيف هداية الله، م.س، ص: 252
[30] -راجع القرار عدد 622 الصادر عن المجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا)، بتاريخ 18/03/1995، في الملف عدد 1995/1628، منشور في مجلة قضاء المجلس الأعلى، عدد 48 ص: 45
[31] -نفس المرجع السابق، نفس الصفحة
[32] -حسن الورياغلي، قضاء الاستعجال والزور الفرعي، مجلة رابطة القضاء العدد 18، شتنبر، 2018، ص: 11
[33] -أمر استعجالي رقم 302 صادر عن المحكمة التجارية بطنجة، في الملف عدد 1336/ 2012، بتاريخ، 14/09/2012، منشور بموقع البوابة القانونية والقضائية لوزارة العدلـ تاريخ الاطلاع، 13/09/2026
[34] -محمد عبد اللطيف، القضاء المستعجل، الطبة الرابعة، دار النهضة العربية للنشر، 1977، ص: 209
[35] -تنص المادة 13 من القانون 49.13 على أنه: “مع مراعاة التشريع المتعلق بالمباني الآيلة للسقوط وتنظيم عمليات التجديد الحضري، يحق للمكري المطالبة بالإفراغ إذا كان المحل آيلا للسقوط”
[36] – تنص المادة الثانية من القانون94.12 على أنه: ” لتطبيق أحكام هذا القانون يراد بـ :
– مبنى آيل للسقوط : كل بناية أو منشأة كيفما كان نوعها يمكن لانهيارها الكلي أو الجزئي، أن يترتب عنه مساس بسلامة شاغليها أو مستغليها أو المارة أو البنايات المجاورة وإن كانت غير متصلة بها.
– ويراد به كذلك كل بناية أو منشأة لم تعد تتوفر فيها ضمانات المتانة الضرورية بسبب ظهور اختلالات بأحد مكوناتها الأساسية الداخلية أو الخارجية أو بسبب تشييدها على أرض غير آمنة من التعرض للمخاطر :
التجديد الحضري: العمليات الرامية إلى العناية بالأنسجة الحضرية العتيقة والأحياء القديمة والمحافظة على التراث المعماري والحضاري للمدن وتثمين المجالات الحضرية، سواء بالقيام بعمليات الهدم وإعادة البناء أو الترميم أو التجديد أو تطوير البنيات التحتية والتزويد بالتجهيزات الأساسية أو تشييد بنايات سكنية جديدة أو القيام بعمليات التهيئة العقارية مع مراعاة شروط المحافظة على البيئة في كل العمليات المذكور”
[37] -ظهير شريف رقم 1.16.48 صادر في 19 من رجب 1437 (27) أبريل (2016) بتنفيذ القانون رقم 94.12 المتعلق بالمباني الآيلة للسقوط وتنظيم عمليات التجديد الحضري، الجريدة الرسمية عدد 6465بتاريخ (9شعبان1437)، الموافق ل 16ماي2016 ص: 3772
[38] -جاء في الفقرة الرابعة من المادة الثامنة من القانون 49.16: “…. إذا كان المحل آيلا للسقوط، ما لم يثبت المكتري مسؤولية المكري في عدم القيام بأعمال الصيانة الملزم بها اتفاقا أو قانونا رغم إنذاره بذلك…”
[39] – امر استعجالي عدد 1310 بتاريخ 20/11/2018 في الملف عدد 1143/8101/2018 صادر عن رئيس المحكمة التجارية بالدار البيضاء.
[40] -فاطمة أيت الغازي: الامن القضائي في الكراء التجاري على ضوء التحولات الاقتصادية والاجتماعية-القضاء الاستعجالي نموذجا- مقال منشور في مجلة فضاء المعرفة القانونية، العدد التاسع، 2023، ص: 340
[41] -تنص المادة 17 من القانون 49.16: ” يختص رئيس المحكمة في الطلب الرامي إلى الإفراغ وتحديد قيمة التعويض المستحق للمكتري طيلة مدة الإفراغ.
كما بيت في طلب تمديد مدة الإفراغ وتحديد التعويض المستحق عن ذلك.
كما يختص بتحديد تعويض احتياطي كامل وفق مقتضيات المادة 7 اعلاه، بطلب من المكتري، يستحقه في حالة حرمانه من حق الرجوع.
[42] -راجع المادة 16 من القانون رقم 49.16.
[43] -جاء في مضمون المادة 18 من 49.16 ما يلي: ” يتعين على المالك الراغب في إفراغ المحل للهدم وإعادة بنائه أو إفراغه لتوسعته أو لتعليته، الإدلاء برخصة بناء سارية المفعول مسلمة له من الجهة المختصة وبالتصميم المصادق عليه من طرفها.
يعتد برخصة البناء طيلة سريان المسطرة أمام المحكمة، ما لم يثبت المكتري أن الجهة المختصة قد سحبتها أو الغتها”
[44] -تنص الفقرة الأولى من المادة 22من القانون 49.16 على أنه: ” يمكن السماح للمكتري بممارسة نشاط أو أنشطة مكملة أو مرتبطة بالنشاط الأصلي، متى كانت هذه الأنشطة غير منافية لغرض وخصائص وموقع البناية، وليس من شأنها التأثير على سلامتها، وفي هذه الحالة يجب على المكتري أن يوجه طلبه للمكري يتضمن الإشارة إلى الأنشطة التي يريد ممارستها….”
[45] – قرار محكمة النقض عدد 897، بتاريخ 16 يونيو 2011، في الملف التجاري عدد 341/3/2/2011. منشور في الموقع الرسمي لقرارات محكمة النقض، تاريخ الاطلاع، 13/09/2026
[46] -ظهير شريف رقم 1.07.134 صادر في 19 من ذي القعدة 1428 (30 نوفمبر 2007) بتنفيذ القانون رقم 07.03 المتعلق بكيفية مراجعة أثمان كراء المحلات المعدة للسكنى أو الاستعمال المهني أو التجاري أو الصناعي أو الحرفي، الجريدة الرسمية عدد 6208 الصادرة بتاريخ 24 محرم 1435 (28 نوفمبر 2013) ص، 4061
[47] -راجع المادة 32من القانون رقم 49.16
[48] – فاطمة آيت الغازي، م.س، ص: 335
