مجلة مغرب القانونالقانون الخاصإعادة النظر أمام محكمة النقض في ظل القانون 58.25:  هل يجوز أن يراجع القضاة قرارهم؟

إعادة النظر أمام محكمة النقض في ظل القانون 58.25:  هل يجوز أن يراجع القضاة قرارهم؟

حسن مزوزي .باحث . محامي بهيئة القنيطرة


إعادة النظر أمام محكمة النقض في ظل القانون 58.25: هل يجوز أن يراجع القضاة قرارهم؟

قراءة في نطاق قاعدة منع تكرار الهيئة المنصوص عليها في المادة 433


    من بين المستجدات اللافتة التي حملها قانون المسطرة المدنية الجديد رقم 58.25 في باب طرق الطعن غير العادية ما نصت عليه المادة 433 بخصوص الطعن بإعادة النظر، إذ جاء فيها صراحة: ”  يقدم طلب إعادة النظر إلى المحكمة التي أصدرت المقرر المطعون فيه، ولا  يجوز أن يبت فيه نفس القضاة الذين أصدروه “.  ويمثل هذا المقتضى تحولاً واضحاً بالمقارنة مع قانون المسطرة المدنية السابق، الذي كان الفصل 406 منه يجيز صراحة أن يبت في طلب إعادة النظر نفس القضاة الذين أصدروا الحكم المطعون فيه . فالمحكمة في ظل القانون الجديد تبقى هي نفسها  لكن القضاة الذين ينظرون طلب إعادة النظر يجب ألا يكونوا هم أنفسهم الذين أصدروا المقرر موضوع الطعن.

   غير أن وضوح هذه القاعدة يثير إشكالاً دقيقاً عندما يتعلق الأمر بقرارات محكمة النقض نفسها: هل يشمل منع تكرار الهيئة القضاة الذين أصدروا القرار المطعون فيه أمام محكمة النقض، أم أن الأمر يتعلق فقط بإعادة النظر أمام محاكم الموضوع؟   وتزداد أهمية السؤال بالنظر إلى أن المشرع خص إعادة النظر في قرارات محكمة النقض بتنظيم خاص ضمن القسم السابع المتعلق بمحكمة النقض، ولا سيما المادتين 402  و403، في حين وردت قاعدة منع تكرار القضاة في المادة 433  ضمن القسم الثامن المعنون بـ”إعادة النظر”.

    فهل نحن أمام نظامين مستقلين ، أم أمام نظام خاص يكمله النظام العام فيما لم ينظمه؟

الرأي الأول: خصوصية إعادة النظر أمام محكمة النقض

    يمكن الدفاع عن قصر قاعدة المادة 433 على محاكم الموضوع انطلاقاً   أولاً ، من البناء الذي اختاره المشرع نفسه . فقد خص محكمة النقض بقسم مستقل، ونظم ضمنه حالات إعادة النظر في قراراتها بالمادة 402، كما نظم آجال تقديم الطلب بالمادة 403، بما قد يفهم منه أن المشرع أراد إخضاع إعادة النظر أمامها لنظام خاص يختلف عن النظام العام الوارد في القسم الثامن.

    ويمكن تعزيز هذا الاتجاه بكون المشرع، حين نظم إعادة النظر أمام محكمة النقض، حدد أسبابه وآجاله بصورة خاصة، دون أن ينص ضمن هذا التنظيم على وجوب تغيير الهيئة التي أصدرت القرار. ومن هذه الزاوية ، يمكن القول إن سكوت المشرع عن المسألة داخل الباب الخاص بمحكمة النقض لم يكن بالضرورة فراغاً يتعين ملؤه بالمادة 433 ، وإنما قد يكون نتيجة لاختيار تشريعي أبقى مسطرة إعادة النظر أمام أعلى هيئة قضائية خاضعة لقواعدها الخاصة . كما قد يستند هذا الاتجاه إلى الإحالة الواردة في المادة 429 على المادة 403، باعتبار أن حاجة المشرع إلى هذه الإحالة الصريحة يمكن أن تفهم على أن مقتضيات القسم الثامن لا تنتقل تلقائياً إلى إعادة النظر أمام محكمة النقض إلا بنص .   وهو تأويل له ما يسنده من قاعدة أن النص الخاص يقدم، عند التعارض، على النص العام . غير أن قوة هذه الحجج لا تمنع من التساؤل عما إذا كانت الخصوصية التي قررها المشرع لمحكمة النقض تمتد إلى كل تفاصيل مسطرة إعادة النظر، أم تقتصر على المسائل التي نظمها صراحة.

مقال قد يهمك :   حكيم وردي: كأس من VAR

    وهنا يظهر الرأي المقابل.

الرأي الثاني: قاعدة تغيير الهيئة تشمل محكمة النقض

     يبدو هذا الرأي في تقديرنا، أكثر انسجاماً مع البناء العام للقانون الجديد ومع الغاية من التعديل الذي أدخله المشرع.

أولاً: الخاص يحكم فيما نظمه، والعام يكمله فيما سكت عنه

   لا خلاف في أن المادتين 402 و403 وضعتا نظاماً خاصاً لإعادة النظر في قرارات محكمة النقض، سواء من حيث الحالات التي يجوز فيها هذا الطعن أو من حيث آجاله . لكن الاعتراف بوجود هذا النظام الخاص لا يعني بالضرورة استبعاد كل القواعد العامة لإعادة النظر.

    فالقاعدة أن النص الخاص يقدم على النص العام في حدود ما نظمه، أما المسائل التي سكت عنها النص الخاص فيبقى الرجوع بشأنها إلى القواعد العامة ممكناً، ما لم يوجد ما يمنع ذلك. والمادتان 402 و403 لم تنظما تركيبة الهيئة التي تبت في إعادة النظر، ولم تنصا على جواز مشاركة القضاة الذين أصدروا القرار المطعون فيه ولا على منع مشاركتهم . وهنا تبرز أهمية المادة 406. .

ثانياً: المادة 406 واستمرار قاعدة الإحالة القديمة

تنص المادة 406 من القانون الجديد على تطبيق محكمة النقض للقواعد العادية الخاصة بمحاكم الدرجة الثانية بالنسبة للمقتضيات المسطرية غير المنصوص عليها في الباب الخاص بها . واللافت أن هذه القاعدة ليست جديدة في ذاتها، إذ حلت المادة 406 الجديدة محل الفصل 380 من قانون المسطرة المدنية السابق، الذي كان يؤدي الوظيفة نفسها تقريباً، أي السماح بالرجوع إلى القواعد المسطرية المطبقة أمام محاكم الاستئناف عندما لا يوجد نص خاص أمام محكمة النقض. وهذا المعطى مهم في فهم الإشكال. فالمشرع أبقى قاعدة الإحالة القديمة، لكنه غيّر قاعدة إعادة النظر القديمة.

   ففي القانون السابق، كان الفصل 406 يجيز أن يبت في إعادة النظر نفس القضاة الذين أصدروا الحكم، بينما جاءت المادة 433 الجديدة لتقرر الحل المعاكس صراحة، بمنع القضاة الذين أصدروا المقرر من البت في طلب إعادة النظر الموجه ضده. ومن ثم فإن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت المادة 406 الجديدة قد استحدثت آلية جديدة تسمح بتطبيق المادة 433 أمام محكمة النقض وإنما ما إذا كانت آلية الإحالة التي أبقاها المشرع من القانون السابق تنقل إلى محكمة النقض القاعدة الجديدة التي استحدثها في شأن تشكيل هيئة إعادة النظر. وفي غياب نص خاص يقرر خلاف ذلك، يبدو الجواب بالإيجاب أقرب إلى الانسجام التشريعي.

ثالثاً: الممارسة القضائية ووظيفة قاعدة الإحالة

ولا تبدو هذه القراءة مجرد بناء نظري. فقاعدة الإحالة التي كان يتضمنها الفصل 380 القديم كانت تسمح أمام محكمة النقض بتطبيق مقتضيات مسطرية غير واردة في الباب الخاص بها متى لم يوجد نص خاص يحول دون ذلك.

مقال قد يهمك :   أهم اجتهادات محكمة النقض خلال السنة القضائية 2020

ومن أمثلة ذلك قواعد التنازل، المنظمة خارج المقتضيات الخاصة بمحكمة النقض، والتي تجد مجالاً للتطبيق أمامها من خلال قاعدة الإحالة . والمغزى هنا يتجاوز المثال في ذاته، فإذا كانت آلية الإحالة تسمح باستحضار قاعدة مسطرية عامة عند سكوت التنظيم الخاص، فمن الصعب إيجاد مبرر لاستبعاد قاعدة المادة 433 من الآلية نفسها، ما لم يوجد نص خاص يعارضها أو كانت طبيعتها لا تتلاءم مع المسطرة أمام محكمة النقض.

رابعاً: المادة 429 تصل بين النظامين ولا تفصل بينهما

  قد تبدو إحالة المادة 429 على المادة 403 لأول وهلة حجة لصالح استقلال النظام الخاص بإعادة النظر أمام محكمة النقض . لكنها تسمح أيضاً بقراءة معاكسة.

   فالمادة 429، الموجودة ضمن القسم العام الخاص بإعادة النظر، تحيل بنفسها على المادة 403 الواقعة ضمن القسم الخاص بمحكمة النقض. وهذا يعني أن المشرع لم يقم جداراً فاصلاً بين النظامين، وإنما أقام بينهما صلات تسمح بالتكامل . فالمادتان 402 و403 تنظمان ما هو خاص بإعادة النظر في قرارات محكمة النقض، بينما تنظم المواد 429 وما يليها القواعد العامة ، وتأتي المادة 406 لتسمح بسد الفراغ المسطري فيما لم ينظمه الباب الخاص. وبذلك لا يكون تطبيق المادة 433 على محكمة النقض إهداراً لخصوصية نظامها، وإنما إعمالاً لهذه الخصوصية في حدود ما نظمه النص الخاص، والرجوع إلى القاعدة العامة فيما سكت عنه.

خامساً: الحياد الموضوعي لا يرتبط بدرجة القاضي

   قد يقال إن خصوصية محكمة النقض ومكانة قضاتها وخبرتهم تجعل مسألة تغيير الهيئة أقل إلحاحاً مما هي عليه أمام محاكم الموضوع. غير أن هذا التصور يخلط  في تقديرنا، بين الكفاءة القضائية والحياد الموضوعي . فالمادة 433 لا تفترض أن القاضي الذي أصدر القرار الأول عاجز عن مراجعته ، ولا تشكك في نزاهته أو استقلاله ، وإنما تقيم ضمانة مسطرية موضوعية مفادها أن من سبق له تكوين قناعة قضائية في القضية لا يعود إلى تقييم القرار نفسه بمناسبة طريق استثنائي موجه إليه . ومن ثم لا يتعلق الأمر بمراقبة هيئة من طرف هيئة ، لأن الهيئة الجديدة داخل محكمة النقض لا تمارس رقابة تراتبية على الهيئة الأولى . إنها المحكمة نفسها، ولكن بتشكيلة قضائية مختلفة. وهذه في الواقع ، إحدى الأفكار التي تبدو كامنة وراء المادة 433: الفصل بين هوية المحكمة وهوية القضاة الذين تتشكل منهم الهيئة.

سادساً: من مراجعة القرار إلى توسيع دائرة النظر

  ولا تقتصر فائدة تغيير الهيئة على ضمان الحياد الموضوعي وحده .  فإعادة النظر طريق طعن غير عادي لا يفتح إلا في حالات محددة، وغالباً ما يلجأ إليه المتقاضي بعد أن يكون قد استنفد مساراً قضائياً طويلاً وأصبح القرار المطعون فيه نهائياً. وفي هذه الوضعية ، فإن عرض أسباب إعادة النظر على هيئة لم تشارك في إصدار القرار الأول يضيف بعداً آخر للضمانة القضائية . فالهيئة الثانية تتلقى أسباب إعادة النظر من غير أن تكون قد شاركت في بناء الموقف القضائي السابق، وتناقشها في ضوء الشروط والحدود التي رسمها القانون لهذا الطريق الاستثنائي . وبذلك لا تتحول إعادة النظر إلى مجرد عودة بالملف إلى من سبق لهم تكوين قناعة فيه ، وإنما تصبح مناسبة لـمداولة قضائية جديدة داخل المحكمة نفسها  . ولا يعني ذلك أن الهيئة الثانية أرفع من الأولى أو أنها تمارس عليها رقابة ، وإنما يعني أن القضية استفادت  في حدود أسباب إعادة النظر، من نظر هيئتين مختلفتين ، وهو ما يوسع دائرة النقاش القضائي ويعزز الاطمئنان إلى النتيجة التي تنتهي إليها المحكمة.

مقال قد يهمك :   دور القاضي في إعادة التوازن للتعويض الإتفاقي على ضوء القضاء المغربي و المقارن

خلاصة

     يبدو القول بخضوع محكمة النقض لقاعدة منع تكرار نفس القضاة عند نظر طلب إعادة النظر أكثر انسجاماً  في تقديرنا، مع البناء الذي اختاره القانون رقم 58.25. فإذا كان المشرع قد أبقى  من خلال المادة  406، على قاعدة الإحالة التي كان يقررها الفصل 380 القديم ، فإنه غيّر في المقابل بصورة صريحة القاعدة السابقة في إعادة النظر، حين منعت المادة 433 القضاة الذين أصدروا المقرر المطعون فيه من البت في طلب مراجعته . ولا يبدو في التنظيم الخاص الوارد في المادتين 402 و403 ما يحول دون امتداد هذه الضمانة إلى محكمة النقض، ما دام هذا التنظيم قد سكت عن تشكيل الهيئة، ولم يقرر استثناءً من القاعدة الجديدة.

    ولا ينبغي النظر إلى تغيير الهيئة باعتباره تشكيكاً في حياد القضاة الذين أصدروا القرار الأول أو في قدرتهم على مراجعته، وإنما باعتباره ضمانة إضافية للاطمئنان إلى العدالة. فالمتقاضي الذي تعرض أسباب إعادة النظر التي يتمسك بها على قضاة لم يشاركوا في إصدار القرار المطعون فيه، يستفيد من مداولة جديدة ومن توسيع دائرة النقاش القضائي داخل المحكمة ذاتها؛ فالمحكمة تبقى هي نفسها، لكن تعدد الهيئات يوسع دائرة النظر ويعزز الثقة في القرار الذي تنتهي إليه المسطرة.

    ومع ذلك، يظل هذا التأويل اجتهادياً، ولعل أهمية الإشكال وجدته وما قد يترتب عن اختلاف التعامل معه من أثر على استقرار المسطرة وتوحيد العمل القضائي، تجعل من المأمول أن تتاح لمحكمة النقض مناسبة للحسم فيه بقرار يصدر عن غرفتين مجتمعتين، أو عند الاقتضاء عن مجموع الغرف، بما يمنح الجواب القضائي قوة توجيهية تتناسب مع أهمية هذا المستجد التشريعي. وعندئذ سيكون الحسم متجاوزاً لمسألة إجرائية تتعلق بتشكيل الهيئة إلى تحديد مدى التحول الذي أراده المشرع حين تخلى عن الحل السابق. ويبقى السؤال الذي يختزل جوهر الإشكال:

هل يجوز أن يراجع القضاة قرارهم، أم أن فلسفة القانون الجديد اختارت أن تكون المراجعة أمام قضاة آخرين؟

error: عذرا, لا يمكن حاليا نسخ او طباعة محتوى الموقع للمزيد من المعلومات المرجوا التواصل مع فريق الموقع عبر البريد الالكتروني : [email protected]