مجلة مغرب القانونفي الواجهةمصطفى بن شريف: من تعطيل أحكام الدستور و التعدي على الحقوق و الحريات المكتسبة إلى مصادرة إستقلالية المحاماة

مصطفى بن شريف: من تعطيل أحكام الدستور و التعدي على الحقوق و الحريات المكتسبة إلى مصادرة إستقلالية المحاماة

الدكتور مصطفى بن شريف محام بهيئة وجدة.

إن أخطر المعارك تلك التي تجري في السرية، و يخطط لها بصمت، من قبل أطراف في الدولة، بإعتماد سياسات و مقاربات أمنية لكل شيء، بما فيها تشريع القوانين.

دستور يصادر، رغم إلزاميته و سموه على جميع التشريعات، تراتبية القوانين تصادر، الحقوق و الحريات و حصانة الدفاع و استقلالية المحاماة تصادر، الكل يتم بإسم القانون، لا يهم أن يكون القانون مخالفا للدستور، لأن العبرة بمصادقة البرلمان عليه و إصدار الأمر بتنفيذه.

اختصاصات المحكمة الدستورية، تعطل بأساليب و خلفيات سياسية، و ليس لخطأ مسطري في الإحالة الاختيارية التي باشرها رئيس مجلس النواب لعدم ارفاقها بالنص النهائي للقانون، مما تعذر على المحكمة البت في مطابقة قانون مهنة المحاماة للدستور، أليست هذه هي المصادرة بعينها لإختصاص المحكمة الدستورية التي من وظائفها حماية الدستور.

تمت مصادرة الديموقراطية التشاركية كمبدأ دستوري، و تم التنصل من الإلتزامات من طرف الحكومة (وزير العدل و رئيس الحكومة)، التي تعهدت بها مع مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب، و هذا سلوك ينم عن ضعف سياسي و أخلاقي، في الإلتزام بالقرار المؤسساتي، لأنه ثبت أن من يقرر ليست الحكومة، بل سلطات أخرى تشتغل في الظل، و توجه عن بعد، و هنا نكون أمام أزمة مبدأ فصل السلطات و تعاونها و توازنها في الواقع، ليتحول المبدأ إلى مجرد “شعار” دستوري.

قد تبدو هذه الحقائق منفردة، لكن حين تضعها فوق خريطة واحدة تتكشف أن الأمر يتعلق بسياسة متكاملة، لا تستهدف مهنة المحاماة وحدها، بل تستهدف الحقوق و الحريات و المحاكمة العادلة، و شكل المستقبل الذي يجب ان تكون عليه مهنة المحاماة، بحيث يراد لها أن تكون مكبلة بقيود تشريعية رغم تعارضها مع الدستور.

التشريع المهني ليس مجرد قواعد قانونية، بل هو محاولة لإعادة تشكيل الجغرافيا المهنية بما يخدم مشروعا سياسيا طويل الأمد، فكل مادة في قانون المحاماة لا تعتبر مجرد مبادئ قانونية فقط، بل تفرض حصارا على الحرية و استقلالية المحاماة، و تقوض أسس التنظيم الذاتي للمهنة، و مع الوقت قد تتغير صلاحيات الهيئات و يتم التحكم في قرارتها و مقرراتها.

و هنا تكمن خطورة القانون، فهو لن يكتفي بالسيطرة على حاضر المهنة، بل يرسم خريطة طريق للتحكم في مستقبلها، و إضعافها، لتصير تحت رحمة الوصايات (وزارة العدل و النيابة العامة).

الدولة في شخص الحكومة و إلى جانبها البرلمان، يراهنان على عامل الزمن، و على أن تتحول المخططات التي تفرض اليوم إلى حقائق يصعب تغييرها غدا، و ما يبدأ بإجراء محدود قد يتوسع و يتمدد، و ما يبدو مؤقتا قد يصبح دائما.

مقال قد يهمك :   تأخر الموثق في نقل الحيازة القانونية للعقار المبيع يرتب مسؤوليته التقصيرية

و من فرض الجواز الصحي في فترة كرونا، إلى فرض نظام ضريبي غير عادل، إلى محاولة فرض نظام التغطية الإجتماعية رغم وجود التعاضدية، تتراكم المشاريع و المخططات لضرب مهنة المحاماة، الهدف من ذلك تضييق مساحات و شروط ممارسة المهنة، و إعادة ترتيب الأوراق بما يخدم مصالح خصوم الحرية و الديموقراطية و حقوق الإنسان، و لو تطلب ذلك الإلتفاف على الدستور و الإتفاقيات الدولية، و لذلك فإن المسألة ليست قضية إصلاح مهنة المحاماة، بل الهدف هو التحكم فيها، و يصير معها المحامي مجرد رقم شكلي لإضفاء المشروعية على المحاكمات أمام المحاكم، بعيدا عن روح المحاكمة العادلة.

لكن المحاماة ليست مساحة قاحلة أو صامتة يمكن إعادة رسمها دون أصحابها، فذلك رهان خاطئ و وهم لن يتحقق، و سيتكسر على بذلة المحاماة، العصية على الترويض أو الترهيب، أو الإختراق كأسلوب بوليسي تم تقنينه في قانون المسطرة الجنائية، و هو سلوك إستخباراتي لا علاقة له بالدستور.

و خلف كل هيئة، نقيب و مجلس، و خلف كل نقيب و مجلس، مئات و بل الآلاف من المحاميات و المحامين، و خلف كل مؤتمر لجمعية هيئات المحامين بالمغرب ذاكرة، تنتقل من جيل إلى جيل، و لهذا فإن الحكومة و البرلمان لا يصطدمان بالهيئات وحدها، بل يصطدمان بذاكرة مهنية أثبتت طوال عقود، أنها أكثر قوة و قدرة على البقاء و الصمود ضد كل محاولات الإستهداف.

وهنا تصبح معركة المحاماة أعمق من السيطرة على الأجهزة المسيرة للهيئات أو التحكم في استقلاليتها، إنها معركة على معنى و مضمون المهنة و على الكيفية التي يجب ان تكون عليها.

القانون الجديد للمهنة حين يغير معالم إستقلالية المحاماة و حصانة الدفاع، يحاول تغيير صورة المحاماة في الوعي، و حين يفرض واقعا جديدا يريد أن يجعل الأجيال القادمة ترى هذا الواقع و كأنه كان موجودا دائما.

و بناء عليه، فإن مواجهة المخططات التصفوية لمهنة المحاماة، لا تكون فقط بالنعي على القانون المنظم لها، بل بكشف ما وراء إرادة إعداد القانون و التصويت عليه من طرف البرلمان، و تعذر البت في دستوريته من طرف المحكمة الدستورية.

و أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نطبع مع واقع يفرض بقوة قانون غير دستوري، و ان يصبح القانون رقم: 66.23 واقعا، و مصادرة الحرية و الاستقلالية عملية روتينية، و هدم أسس دولة القانون واقعة يومية، و خرق الدستور تفصيلا صغيرا.

مقال قد يهمك :   صرف شيكات مزورة غير متعرض عليها يعتبر إهمالا من البنك يرتب مسؤوليته

فالدولة أو الحكومة لا تحتاج دائما إلى اقناع الشعب بعدالة ما تفعل، بل يكفيها أحيانا أن تجعل الشعب يعتاد على خرق الدستور و القانون.

لذلك، فإن مواجهة مخططات الدولة أو الحكومة، لا تكون فقط برفض القانون، بل بكشف من يقف وراء مشروع الهيمنة على المهنة، لأن صناعة التشريع ليست عملا فنيا أو تقنيا، و القانون ليس مجرد قواعد، و مصادرة الحقوق و الحريات ليست إجراء عابرا، و ضرب استقلالية المحاماة ليست نتيجة عرضية، لذلك حين تتجمع هذه الخروقات تصبح جزء من مشروع يريد إعادة ترتيب الجغرافيا المهنية، و التأثير في اختصاصات الهيئات و مستقبل تنظيمها الذاتي.

و السؤال الأهم، أي مهنة تريدها الدولة؟، مهنة قوية مستقلة حرة، قادرة على الحياة و الاستمرارية، أم مجرد مهنة تحاصرها منظومة واسعة من السيطرة و الهيمنة؟ و هنا تكمن المعركة الحقيقية، لأنها ليست معركة على حاضر المهنة فقط، بل على مستقبل المحاميات و المحامين.

و مع ذلك، فإن الحكومة و البرلمان مهما امتلكا من وسائل القوة باسم القانون، لا يستطيعان أن يضمنا أن المستقبل سيبقى أسيرا لما يصنعانه اليوم.

فالتاريخ لا يكتب بقوانين جائرة و غير دستورية، و الحقوق و الحريات لا تسقط لأنه صدر قانون جديد، و الهوية لا تتغير لأن نص قانوني جديد حل محل نص قانوني قديم.

قد تستطيع الدولة أن تغير ملامح القانون المنظم لمهنة المحاماة، و أن تفرض واقعا بقوة قانون غير دستوري، لكنها لا تستطيع أن تجعل من خرق الدستور و الإتفاقيات الدولية حقا مشروعا.

المحاماة ليست بمهنة تنتظر من يكتب عليها رواية جديدة باسم قانون جديد، إنها مهنة كتب منتسبوها روايات عنها منذ أجيال، و مازالت راسخة في ذاكرتها و وعيها و انتمائها، و قد تحاول الحكومة أن تصادر المستقبل من المحاميات و المحامين، لكنها لن تستطيع أن تصادر المهنة من مستقبل أصحابها.

لو تم توفير شروط ممارسة المحكمة الدستورية لإختصاصها الرقابي على دستورية قانون المهنة، لتقلصت مساحة الإحتجاج عليه، لكن لم يحصل ذلك، لأن رئيس مجلس النواب و الأغلبية الحكومية تعلم جيدا بأن شبهة عدم الدستورية تلاحق القانون في العديد من مواده، نقدرها بكل موضوعية و نزاهة، ما بين خمسة عشر (15) و سبعة عشر (17) مادة. علما أن الاحالة في ذاتها هي طعن في عدم دستوريته، و اعتراف صريح بقيام شبهة عدم الدستورية التي يعتبرها فقهاء القانون الدستوري أنها تفسر لفائدة عدم الدستورية.

مقال قد يهمك :   سليمة فراجي : هل يستوي الوزير و المياوم في أداء مستحقات الطلاق ؟

و من جهة أخرى، يلاحظ بأنه و رغم التوقف عن العمل لأشهر، و ماله من أثر و نتائج على سير المحاكم، و حقوق المتقاضين، و الأوضاع المالية للمحاميات و المحامين، فإن الحكومة و مؤسسات في الدولة، اختارت طريق الصمت المطلق، و كأن شيئا لم يحدث، و هنا تكمن الإشكالية التي تنطق عن منطق اللامبالاة و عدم التوجه إلى البحث عن الحلول، لأن سياسة الحكومة إنبنت على القوة بمعناها الواسع، بما فيها قوة التشريع، رغم إدراكها بأنه غير دستوري، فهل هكذا تبنى دولة القانون!

إن الإستمرار في التوقف عن العمل، قرار مؤسساتي مشروع، رغم كلفته، لكن الحكومة و البرلمان اختارا عدم التفاعل مع مطالب هيئات المحامين بالمغرب، الأمر الذي يطيل من عمر الأزمة، في الوقت الذي تراهن فيه مؤسسات على عامل الزمن من أجل إنهاك و استنزاف قوة المحاميات و المحامين، لكن ثبت العكس، المعركة متواصلة و الإرادة لن تنكسر على أبواب التمنيات الحكومية أو أي مؤسسة أخرى تتقاسم معها نفس الرؤية.

و في الأخير، إذا كانت المحاكم شبه مشلولة، و المحاكم هي من تمارس السلطة القضائية، و ثبت بأن القضايا تتراكم، و حقوق المعتقلين أمام اختبار حقيقي، يجعل من شروط المحاكمة العادلة في أزمة مركبة، فأين هو المجلس الأعلى للسلطة القضائية مما يجري من محاكمات جنائية دون دفاع (محكمة الإستئناف بالعيون نموذجا)، أليس من حق المجلس الأعلى للسلطة القضائية وضع التقارير و إصدار التوصيات و الآراء طبقا للمواد من 108 إلى 113 من القانون التنظيمي رقم: 100.13 المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، كما تم تغييره و تتميمه بمقتضى القانون التنظيمي رقم: 13.22.

لقد حاول البعض، توظيف مسألة إصدار القانون، بأنه ينهي الجدل بشأنه، لكون الأمر بتنفيذ القانون صادر عن الملك طبقا للفصل 50 من الدستور، و الحال أن ظهير إصدار القانون هو إجراء مسطري ينص عليه الدستور، لا يلغي الحق بالمطالبة بتعديل القانون و جعله مطابقا لأحكام الدستور، لأنه ثمة فرق بين القانون الذي صوت عليه البرلمان و ظهير الإصدار، هذا الأخير إجراء دستوري، في حين أن الأول هو قانون صدر عن البرلمان، و من تم لا يمكن الخلط بين القانون الذي صدر عن البرلمان و إصدار الأمر الملكي بتنفيذ القانون، لأن الرقابة الدستورية تنصب على القانون و ليس على ظهير إصداره.

error: عذرا, لا يمكن حاليا نسخ او طباعة محتوى الموقع للمزيد من المعلومات المرجوا التواصل مع فريق الموقع عبر البريد الالكتروني : [email protected]