مسعودي عبد الرحيم: موانع تفويت الملكية في ضوء القوانين العقارية بالمغرب

مسعودي عبد الرحيم باحث في سلك الدكتوراه
مقدمة:
اقترن حق الملكية بوجود الانسان الذي مال منذ القدم الى حب التملك والاستئثار، وهو ما جعل هذا الحق يتصدر الحقوق العينية بخصائص وعناصر متميزة انفرد بها عن غيره من الحقوق، وتعتبر الملكية العقارية الخاصة حق لا جدال فيه، واي محاولة لإنكارها او الغائها تصطدم بواقع يرفضها ويناهضها، ولزمن قريب كان ينظر اليه بأنه حق جامع، دائم ومطلق لا يجوز المساس به، غير ان تطور الفكر الانساني والتغيرات التي مست المجتمعات في كنف الدولة، فرض تصورا وواقعا جديدا لحق الملكية دفع مختلف التشريعات الى تنظيمه في اطار مقاربة تسعى الى تحقيق التوازن بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة، مما افضى الى التضييق مـن حريـة المالـك فـي الاستئثار بحقه واستعماله او استغلاله او التصرف فيه، فأصبح بذلك هذا الحق يحقق رغبات صاحبه ومصالحه الذاتية في حدود ما يفرضه القانون من ضوابط وقيود.
وفي هذا تنص المادة 14 من مدونة الحقوق العينية[1] على انه “يخول حق الملكية مالك العقار دون غيره سلطة استعماله واستغلاله والتصرف فيه ولا يقيده في ذلك الا القانون او الاتفاق ” كما تنص المادة 19 على أنه:” لمالك العقار مطلق الحرية في استعمال ملكه واستغلاله والتصرف فيه وذلك في النطاق الذي تسمح به القوانين والأنظمة الجاري بها العمل”.
وتبعا لذلك، ولما كان حق المكية يخول للمالك سلطة الاستعمال والاستغلال والتصرف فإن هذه الاخيرة تعد جوهر حق الملكية واساس تداولها، ولهذا لم يقيدها المشرع الا استثناء وفي حالات خاصة، ومن أخطر القيود التي تلحقها هي الموانع القانونية التي تشل يد المالك وتغلها عن تفويت ملكه مؤقتا بناء على اجراء تحفظي وقتي مقرر لحماية مصلحة خاصة او مصلحة عامة او تمنعه نهائيا من التفويت بمبرر المنفعة العامة.
وبالنظر الى اختلاف أسباب سن هذه الموانع وأهدافها فإن المشرع لم ينظم موانع التفويت بقواعد موحدة، بل ان هذا التنظيم يختلف من قانون الى آخر، الا أنه بالرغم من التباين العميق في التنظيم فإن جميع القواعد والاجراءات تتطابق في الأثر المترتب عنها في مواجه المالك لتتوافق على منعه من التفويت تحت طائلة تطبيق جزاءات مدنية وجنائية.
وبناء عليه نتساءل عن مدى نجاعة التنظيم القانوني لموانع تفويت الملكية في تحقيق التوازن بين مصلحة المالك في تفويت الملكية والمصلحة الخاصة او العامة المقرر لفائدتها المنع؟
وفي سبيل الاجابة على هذه الاشكالية سنعمل على دراسة بعض صور الموانع الواردة في القوانين العقارية بتقسيم الدراسة الى محورين:
- المحور الاول: موانع التفويت المقررة لفائدة مصلحة خاصة
- المحور الثاني: موانع التفويت المقررة لفائدة مصلحة عامة
المحور الأول: موانع التفويت المقررة لفائدة مصلحة خاصة
يعتبر التقييد الاحتياطي بناء على سند او التقييد الاحتياطي لعقد البيع الابتدائي للعقار في طور الإنجاز او عقد الرهن المؤجل من أهم موانع التفويت المؤقتة التي تقف ضد إرادة المالك في تفويت ملكه، فيكون هذا المنع الوقتي ذو طبيعة تحفظية مقرر تشريعيا لفائدة مصلحة خاصة يحرم المالك من انجاز التصرفات الارادية لمدة محددة.
أولا: التقييد الاحتياطي بناء على سند
أوجد المشرع وسيلتين لحفظ وضمان حق عيني على عقار محفظ، فالوسيلة الأولى تتجلى في التقييد النهائي الذي ينجز في حالة توفر شروط ذلك، فينتج كل آثاره ابتداء من تاريخ تقييده فيصبح بذلك للحق المضمن بالسجلات العقارية الأثر التأسيسي والحجية والقوة الثبوتية، وأما الوسيلة الثانية فتكون عن طريق تقييد مؤقت باستعمال التقييد الاحتياطي الذي يعتبر إجراء تحفظيا ليست له أية حجية أو قوة ثبوتية ولا قرينة ولا دليل على وجود الحق، فهو لا ينشئ الحق المقيد احتياطيا ولا يقرره ولا يصرح به ولا يعترف به ولا يغيره ولا يسقطه ،وهو وسيلة فقط لتنبيه الأغيار باحتمال وجود حق قد تتحقق شروط تقييده وقد لا تتم، وغايته حماية الحق من الضياع عن طريق حفظ الرتبة من تاريخ تضمين التقييد الاحتياطي بالسجل العقاري[2].
ويجمع الفقه والقضاء عند تعريفهم للتقييد الاحتياطي على طبيعته التحفظية والوقتية فعرفه أحد الفقه[3] بأنه اجراء تحفظي ومؤقت ذو طابع اداري وقضائي الهدف منه حماية حق كان من الممكن ان يسجل وقت اجراء التقييد الاحتياطي، او هو إمكانية يخولها القانون لكل من يدعي حقا عينيا عقاريا على عقار محفظ قصد الاحتفاظ المؤقت بهذا الحق وذلك بالإشارة اليه في الرسم العقاري في انتظار تحويل هذا التقييد الاحتياطي إلى تقييد نهائي او التشطيب عليه[4].
ويعتبر التقييد الاحتياطي بناء على سند من حالات التقييد الاحتياطي الواردة في ظهير التحفيظ العقاري[5] الى جانب التقييد الاحتياطي بناء على امر من رئيس المحكمة والتقييد الاحتياطي بناء على مقال دعوى في الموضوع، والأساس القانوني للتقييد الاحتياطي بناء على سند هما الفصلين 85 و86 من م.ح.ع حيث ينص الاول على أنه:” يمكن لكل من يدعي حقا على عقار محفظ أن يطلب تقييدا احتياطيا للاحتفاظ به مؤقتا. يضمن طلب التقييد الاحتياطي من طرف المحافظ بالرسم العقاري إما:
-بناء على سند يثبت حقا على عقار ويتعذر على المحافظ تقييده على حالته.
…
إن تاريخ التقييد الاحتياطي هو الذي يحدد رتبة التقييد اللاحق للحق المطلوب الاحتفاظ به.”
وينص الثاني في الفقرة الاولى والثانية منه على انه:” تحدد في عشرة أيام مدة صالحية التقييد الاحتياطي المطلوب بناء على سند ولا يمكن خلال هذه المدة قبول أي تقييد آخر لحق يقتضي إنشاؤه موافقة الأطراف.
لا يمكن إجراء أي تقييد احتياطي بناء على سند إذا كانت مقتضيات القانون تمنع تقييده النهائي”
وعليه، فان التقييد الاحتياطي بناء على سند هو تقييد إداري مؤقت[6] ذو طبيعة تحفظية، او تدبير قانوني لا يحتاج الى إقامة دعوى في جوهر الحق ولا حكم محكمة[7] بل يقوم على سند أي على العقد القابل للتقييد النهائي المتطلب في التصرفات الناشئة بين الاحياء مجانية كانت أو بعوض، يتم اجراؤه بناء على طلب بموافقة المالك المقيد يرفق بنظير الرسم العقاري وبالسند الذي يتضمن الحق الذي يمتنع المحافظ العقاري تقييده النهائي بالرسم العقاري لعدم توفره على الشكليات المتطلبة قانونا، والتي يمكن إتمامها او اصلاحها اثناء مدة نفاذ التقييد الاحتياطي وهي عشرة أيام غير قابلة للتجديد.
وغاية التقييد الاحتياطي بناء على سند لا تختلف عن غايات باقي حالات التقييد الاحتياطي المتمثلة في حفظ الحق مؤقتا، الا أنه يتميز عنها بكونه مانع قانوني من تفويت الملكية ومن قبول المحافظ العقاري من انجاز أي تقييد آخر لحق يقتضي إنشاؤه موافقة الأطراف، أي انه يوقف سير التقييدات الارادية لمدة عشرة أيام ويحرم المالك المقيد من القيام بأي تصرف، وبمفهوم المخالفة فإن التقييدات التي لا دخل لإرادة المالك فيها لا مانع من تقييدها ويتعين على المحافظ إنجازها.
ولما كان هذا التقييد اجراء احترازي وقتي، فإن مفعوله ينتهي بانتهاء مدته، ويجب على صاحب الحق تقييد حقه بشكل نهائي قبل ذلك، أما إذا انصرم الاجل فإن المنع يرفع وتعود للمالك كافة الصلاحيات لتفويت ملكه، ولا يمكن اجراء تقييد بناء على سند لمرة أخرى بل يتعين على صاحب المصلحة مراجعة القضاء ليقدم دعوى في الموضوع ويطلب التقييد الاحتياطي بناء عليها او استصدار امر من رئيس المحكمة بإجراء تقييد احتياطي.
ثانيا: التقييد الاحتياطي لعقد البيع الابتدائي للعقار في طور الانجاز
يعتبر التقييد الاحتياطي لعقد البيع الابتدائي للعقار في طور الإنجاز من حالات التقييد الاحتياطي بناء على سند بنص خاص يخضع في إنجازه وآثاره لمقتضيات خاصة تميزه عن الاحكام التي يخضع له التقييد الاحتياطي بناء على سند في ظهير التحفيظ العقاري، وتعرض الفصل 1 – 618 من القانون رقم 44.00 [8] لتعريف بيع العقار قيد الإنجاز باعتباره عقدا تمهيديا يختص بترتيب التزامين أساسيين متقابلين: فالمنعش البائع يلتزم بتشييد البناء طبقا للمواصفات المتفق عليها وخلال الأجل المحدد، أما المقبل على الشراء فيلتزم بتسديد الثمن في شكل أقساط دورية طبقا للاتفاق وتبعا لتقدم الأشغال، كل ذلك مع العلم أن الملكية لا تنتقل لهذا الأخير إلا عند انتهاء الأشغال وإبرام البيع النهائي[9].
وينص الفصل 10-618 من القانون رقم 44.00 على انه:” يجوز للمشتري، إذا كان العقار محفظ، أن يطلب إجراء تقييد احتياطي بناء على عقد البيع الابتدائي إذا تجاوزت التسبيقات %50 من ثمن البيع. ويبقى التقييد الاحتياطي ساريا إلى غاية تقييد عقد البيع النهائي وذلك للحفاظ المؤقت على حقوق المشتري. وكل شرط مخالف يعتبر باطلا.
يبقى التقييد الاحتياطي ساري المفعول إلى غاية تقييد عقد البيع النهائي بالرسم العقاري الخاص بالمبيع.
بمجرد إجراء التقييد الاحتياطي، يمنع على المحافظ على الاملاك العقارية تسليم نظير الرسم العقاري إلى البائع.
يتم تعيين رتبة العقد النهائي بأثر رجعي بناء على تاريخ التقييد الاحتياطي للعقد الابتدائي.
يقوم المحافظ على الاملاك العقارية أثناء تقسيم الملك موضوع الرسم العقاري الاصلي، بنقل كل تقييد احتياطي مضمن بهذا الرسم إلى الرسم العقاري الفرعي المتعلق به”
وبناء عليه، كلما تجاوزت الأقساط المؤداة %50[10] من ثمن البيع جاز للمشتري لحماية حقه مؤقتا وضمان تنفيذ البائع لالتزامه تقديم طلب الى المحافظ العقاري من أجل تقييد عقد البيع الابتدائي احتياطيا بالرسم العقاري دون الحاجة الى موافقة البائع، وعلى خلاف الآجال المنصوص عليها في ظهير التحفيظ العقاري فإن التقييد الاحتياطي لعقد البيع الابتدائي يبقى ساري المفعول الى غاية تقييد العقد النهائي او حكم القضاء.
ولضمان فعالية هذا التقييد منع المشرع المحافظ العقاري من تسليم نظير الرسم العقاري الى البائع ، وبالرغم من ان المشرع لم ينص صراحة في الفصل أعلاه على منع البائع – المالك- من التصرف، فإن نتيجة المنع نخلص اليها من خلال مجموعة من المقتضيات من بينها ما ينص عليه الفصل 65 من ظ.ت.ع الذي يوجب الشهر بواسطة التقييد في الرسم العقاري، جميع الوقائع والتصرفات والاتفاقات الناشئة بين الاحياء مجانية كانت أو بعوض والفصل 75 من ظ.ت.ع الذي يوجب على المحافظ على اجراء كل تقييد بالرسم العقاري ببيانات موجزة ويؤرخ هذا التقييد ويوقع من طرفه تحت طائلة البطلان، وكذا وجوب مطابقة النظير للرسم الذي اخذ عنه بشكل متواصل دون انقطاع ليتحقق الغرض منه ومن حيازته، الامر الذي يقتضي من المحافظ تضمين النظير كل ما ضمن بالرسم العقاري من تقييد أو بيان أو تقييد احتياطي طبقا للفصلين 60 و 88 من ظ.ت.ع. الامر المتعذر انجازه لمنع المشرع المحافظ العقاري من تسليم نظير الرسم العقاري الى البائع.
ونتيجة لذلك، يقوم التقييد الاحتياطي لعقد البيع الابتدائي مانعا قانونيا من تفويت الملكية، فيخرج العقار من التداول، ولا تعود للبائع سلطة التصرف فيه بالتفويت الا بالتشطيب عليه اما اتفاقا او قضاء، وعلى خلاف التصرفات الارادية فإن المحافظ على الرغم من وجود التقييد الاحتياطي ملزم بالاستجابة لطلبات تقييد الاراثات والمقررات القضائية المتعلقة بالحقوق القابلة للتقييد بالسجلات العقارية والبيوعات بالمزاد العلني والحجوزات والرهون الإجبارية[11]، اي جميع التقييدات التي لا دخل لإرادة البائع فيها.
ثالثا: التقييد الاحتياطي للرهن المؤجل
يعتبر تقييد عقد الرهن بالرسم العقاري إجراء إلزامي حتى يرتب آثاره فيما بين المتعاقدين ويكون نافذا في مواجهة الغير، غير أن الرهن المؤجل بسبب طبيعته الخاصة المتعلقة بضمان الاعتمادات او القروض قصيرة الاجل يستثنى من هذا الاجراء مؤقتا ويخضع لمسطرة خاصة، ويبدو أن المشرع أورد هذا الاستثناء لتحقيق مصلحة مزدوجة للدائن والمدين تتجلى بالنسبة للأول في حفظ رتبة رهنه بأثر رجعي يرتد الى يوم إيداع الطلب، وبالنسبة للثاني في عدم إظهار وضعية مركزه المالي أو وجوده في ضائقة مالية، إضافة إلى أن هذا الاستثناء يستجيب للسرعة التي تقتضيها المعاملات التجارية[12] حيث تنص المادة 184 من م.ح.ع على أنه: “إذا تعلق الرهن الاتفاقي بقرض قصير الأجل فإنه يمكن تأجيل تقييده بالرسم العقاري لمدة لا تتعدى 90 يوما، ولا يترتب عن هذا التأجيل فقد الدائن لمرتبته التي يبقى مكتسبا لها بشرط أن يتقيد بالمقتضيات المبينة في المادة الآتية.”
ولحفظ حق الدائن تعين عليه التقيد بالإجراءات المنصوص عليها في المادة 185 من م.ح.ع وذلك على الشكل التالي:
– ايداع أصل العقد أو نسخة منه مع نظير الرسم العقاري بالمحافظة العقارية
– التقدم بطلب كتابي الى المحافظ على الاملاك العقارية يرمي الى تقييد حقه احتياطيا والاحتفاظ بنظير الرسم العقاري مع امتناعه عن إجراء أي تقييد آخر برضى المالك وذلك مدة تسعين يوما تسري من تاريخ التقييد المنجز.
– يعمل المحافظ على الأملاك العقارية تحت مسؤوليته على بسط رقابته والتحقق من صحة الطلب والوثائق المرفقة وبعد تبين سلامتها وقانونية الاجراء يقوم بتقييده احتياطيا بالرسم العقاري دون النظير”.
ويتضح ان المشرع لم يعف الرهن المؤجل من التقييد النهائي ولم يجعل تقييده وشهره أمرا اختياريا، بل يظل هذا التقييد إجباريا، فقط يمكن تأجيل لمدة 90 يوما، وفي مقابل ذلك يحفظ حق الدائن بتقييده احتياطيا بالرسم العقاري دون النظير خروجا عن القاعدة المنصوص عليها في الفصل 88 من ظ.ح.ع، ونتيجة لذلك يمتنع المحافظ العقاري عن انجاز أي تقييد برضى المالك الراهن لمدة تسعين يوما تسري من تاريخ التقييد الاحتياطي وتبعا لذلك يفقد المدين الراهن مؤقتا بقوة القانون سلطة التصرف في ملكه طيلة هذه المدة، فيمنع من القيام بالتصرفات القانونية التي تتجه فيها إرادته إلى تفويت الملكية سواء منفردة او مقترنة بإرادة أخرى ومثل ذلك البيع والمعاوضة وتقديمه حصة في شركة او الهبة والصدقة… اما التصرفات والوقائع التي لا دخل لإرادة الراهن فيها والتي تكسب حقـوق عينية او ترتب آثار قانونية أخرى قابلة للتقييد بالرسم العقاري فإن المحافظ غير ممنوع من تقييدها بشرط تقييد حق الدائن المرتهن بأثر رجعي.
وإذا لم يقع الوفاء او غير ذلك من طرق انقضاء الرهن تعين على الدائن تقييد حقه بشكل نهائي قبل انصرام اجل 90 يوم، لكون مفعول التقييد الاحتياطي للرهن المؤجل محدد المدة وهذه الأخيرة غير قابلة للتجديد، وذلك تحت طائلة التشطيب على التقييد الاحتياطي طبقا للمواد 185 و186 من م. ح. ع، فإذا تم التقييد بالرسم العقاري رفع المنع من التصرف وجاز للمدين تفويت الملك المرهون ما لم يتضمن عقد الرهن شرط عدم التفويت فيمنع بمقتضاه من التصرف في الملك فينتقل الراهن من المنع القانوني الى المنع الارادي.
المحور الثاني: موانع التفويت المقررة لفائدة مصلحة عامة
امام تطور ادوار الدولة وتوسع وظائفها وتنامي تدخلاتها في جميع مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية، فإنه في إطار الوظيفة الاجتماعية للملكية يتدخل المشرع بمبرر المنفعة العامة للحد من سلطة المالك في التصرف في ملكه مؤقتا او بشكل دائم، وتعد الملكيات الفلاحية اهم العقارات التي عرفت تدخلا تشريعيا من هذا النوع بهدف ضبط التصرفات الارادية للملاك حتى لا تخالف المخططات والاستراتيجيات الموجهة لتنمية القطاع الفلاحي.
اولا: ضم الأراضي الفلاحية بعضها الى بعض
عرف احد الفقه[13] الضم بكونه تجميع القطع المتناثرة لكل مالك في نطاق معين وإعادة توزيع الملكيات بحيث يكون لكل مالك قطعة واحدة او اكثر يسهل استثمارها واستصلاحها بدلا من أراضيه المتفرقة قبل الضم، ولم يعرف المشرع الضم بل حدد أهدافه وغاياته في الفصل الأول من ظهير ضم الأراضي الفلاحية بعضها الى بعض[14] حيث ينص على أنه :” تنحصر الغاية الاساسية من ضم الاراضي الفلاحية بعضها الى بعض في تحسين أساليب استغلالها بجمع واعادة ترتيب القطع المبعثرة أو المجزأة أو التي ليس لها شكل منتظم لتتكون منها أملاك موحدة الاطراف أو أملاك محتوية على قطع أرضية كبيرة منسجمة الشكل و مضموم بعضها الى بعض تساعد على الوصول اليها وريها وصرف المياه منها، وبوجه عام تكون صالحة للاستفادة من التحسينات العقارية الممكن ادخالها عليها.
وعند اجراء عمليات ضم الاملاك الفلاحية المبينة فيما سلف يمكن تخصيص بعض القطع باستعمال جماعي يتعلق بالتهيئة المعقولة لمنطقة تشتمل على القسم المضموم دون أن تكون لهذا الاستعمال صلة مباشرة باستغلال الفلاحي”
وبذلك فإن الغاية من عملية ضم الأراضي الفلاحية هي وضع حد للأشكال الفوضوية وغير المنسجمة وغير متناسقة التي تعرفها العقارات الفلاحية، وتجميع القطع الأرضية التي تعود ملكيتها لنفس الشخص أو للأشخاص المالكين لها على الشياع في قطعة أرضية واحدة يضبط شكلها الهندسي، بوضع تصميم لها على يد مصلحة المسح الطبوغرافي، يتم فيه بيان حدودها ومساحتها، وموقعها ومحتوياتها بشكل واضح، وتشرع لها الطرق والمسالك مع باقي القطع الأرضية المجاورة لها أو التي توجد بمنطقة الضم[15].
وطبقا للفصل 6 من نفس الظهير يعتبر قرار وزير الفلاحة المعين لحدود المنطقة الواجب ضم أراضيها بعضها الى بعض وافتتاح مسطرة الضم بمثابة اعلان عن المصلحة العمومية، ولتحقيق الغاية من الضم فإنه من المسلم به أن تجمد العقارات موضوع الضم وتكون محل منع من التفويت بمبرر المنفعة العامة، وذلك لضبط وتذليل المسطرة التي تتطلب اجراءات مسح طبوغرافية وعمليات تقنية وهندسية موازاة مع تحديد هوية الملاك وأصحاب الحقوق ثم الشروع في مسطرة تحفيظها، ولذلك يفقد المالك سلطة التصرف مؤقتا من تاريخ نشر إيداع التصميم والبيان التجزيئين بالجريدة الرسمية الى تاريخ نشر مرسوم المصادقة على ضم الأراضي، وكل تصرف تم خلافا للمنع مصيره البطلان حيث ينص الفصل 4 المكرر من ذات الظهير على أنه:” ابتداء من التاريخ الذي ينشر فيه بالجريدة الرسمية الاعلان عن ايداع التصميم والبيان التجزيئيين بمقر السلطة المحلية والى أن ينشر المرسوم الصادر بالمصادقة على ضم الاراضي بعضها الى بعض فان جميع العقود الاختيارية المبرمة بغير عوض أو بعوض والمتعلقة بالتخلي الكلى أو الجزئي عن الاراضي الواقعة داخل منطقة الضم التي يهمها هذا النشر أو بمعاوضتها أو قسمتها تكون ممنوعة والا اعتبرت باطلة.
غير أن هذا المنع لا يطبق على العقود التي اكتسبت تاريخا ثابتا قبل تاريخ النشر المذكور”
وجاء في مذكرة المحافظ العام[16] بشأن تطبيق مقتضيات الفصل 4 المكرر من ظهير ضم الأراضي:” فمن المعلوم أن مقتضيات الفصل 4 مكرر من الظهير رقم 105.62-1 المؤرخ في 30 يونيو 1962 المتعلق بضم الأراضي القروية تمنع القيام بأي نوع من الأعمال الإرادية التي من شأنها تفويت العقارات المضمومة خلال الفترة الفاصلة بين تاريخ نشر الإعلان بإيداع التصاميم واللوائح التجزيئية بمقر السلطة المحلية وبين تاريخ نشر مرسوم المصادقة على عملية الضم، كما تقع تحت طائلة البطلان كل العقود المنشأة خلافا لذلك.
وإذا كان السادة المحافظون يدأبون على رفض تقييد تلك العقود، فإن منهم من يعمد إلى قبول تقييدها بعد أن يتم اشفاعها بعقود ملحقة لها يتم إنشاؤها عقب صدور مرسوم المصادقة على الضم
وبهذا الصدد أثير انتباهكم إلى أنه قد صدر بشأن هذه المسألة قرار للمجلس الأعلى للقضاء تحت عدد 1264 بتاريخ 29 مارس 2000 يؤيد قرار محكمة الاستئناف بمكناس رقم 3230 الصادر بتاريخ 1996/10/10 المؤيد للحكم رقم 25 الصادر عن ابتدائية مكناس بتاريخ 1996/1/8 والذي قضى ببطلان العقد المنشئ خلافا لمقتضيات الفصل 4 مكرر وكذا بطلان العقد الملحق به مع امر السيد المحافظ على الأملاك العقارية بالتشطيب على التقييدات التي دونها بناء عليهما بالرسم العقاري المعني.”
والى جانب إقرار المشرع جزاء بطلان التفويت المنجز خلافا للمنع عزز هذا الجزاء بتدبير زجري فاعتبر كل تصرف خرقا للمنع جريمة معاقب عليها حيث ينص الفصل 24 المكرر من نفس الظهير على انه:” يعاقب عن المخالفات المقتضيات الفصول4 مكرر و7 و22 المقطع الاول وعن كل عرقلة لسير عمليات ضم الاراضي بعضها الى بعض بالسجن لمدة تتراوح بين شهر واحد وستة أشهر وبغرامة يتراوح قدرها بين 120 درهما و500 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط. “
و إذا كان المنع من التصرف مبرر بعنصر المنفعة العامة وضرورة تستوجبها طبيعة وغايات مسطرة ضم الأراضي الفلاحية بعضها الى بعض، فإن طول الاجراءات وما تعرفه من عراقيل وتحديات تؤدي الى توقف إنجازها او التأخر في نشر مرسوم المصادقة على مشروع الضم بالجريدة الرسمية، يضر بالملاك و يأثر على تداول الملكية أو استثمارها، مع ما ينتج عن ذلك تغير في هوية الملاك بسب الإرث او نتيجة التصرف في الاملاك بطرق ملتوية بإخفاء حقيقة وضعيتها القانونية مما من شأنها التأثير على عملية الضم ككل ويفتح الباب للعديد من المنازعات القضائية.
ولما كان المنع من التصرفات الارادية غايته إنجاح مشروع الضم فإنه بالنظر الى ذلك يبقى منع مؤقت يزول بزوال أسباب تقريره، ولهذا يرفع المنع بنشر مرسوم المصادقة على مشروع الضم بالجريدة الرسمية، فتنتقل بناء عليه ملكية العقارات المضمومة، ولا تجرى عليها ابتداء من تاريخ النشر المذكور الا الحقوق والدعاوى الناشئة عن الملاك الجدد ونتيجة لذلك يصبح من حق المالكين التصرف في عقاراتهم بجميع أنواع التصرفات الناقلة للملكية.
ثانيا: الحد من تقسيم الأراضي الفلاحية
يندرج القانون رقم 34.94[17] في إطار التدخلات التشريعية الرامية الى تحقيق التنمية الفلاحية باعتبارها من الركائز المحورية في السياسات الاقتصادية والاجتماعية المعتمدة في بلادنا، فأمام واقع الأراضي الفلاحية التي تتميز بتشتت وصغر المساحة، عمل المشرع على تنظيم التصرف في صنفين من العقارات الفلاحية[18] وذلك بوضع قواعد قانونية تضمن توظيفها واستغلالها بشكل فعال في سياق السعي المستمر للحد من الملكيات والحيازات ضئيل المساحة وهكذا تنص المادة الثانية من القانون رقم 34.94 على أنه:” تحدث بالدوائر المشار إليها في المادة 1 أعلاه مساحة استغلال دنيا لا يجوز، فيما دونها قانونا أو فعلا، تقسيم الاراضي الفلاحية الواقعة بها
وتحدد مساحة الاستغلال الدنيا في دوائر الري بخمسة هكتارات.
وخارج دوائر الري، تحدد مساحة الاستغلال الدنيا باعتبارها مساحة كافية للحصول على دخل يسمح بتسديد الاجرة الممنوحة لعاملين فلاحيين محسوبة على أساس الاجرة السنوية الدنيا المضمونة في الفلاحة.
وتحدد مساحة الاستغلال الدنيا المشار إليها في الفقرة السابقة بنص تنظيمي في كل منطقة باعتبار الطاقات الفلاحية لهذه المنطقة”
وبناء عليه حدد المشرع مساحة الاستغلال الدنيا للعقارات الواقعة في دوائر الري في خمسة هكتارات، وهي الأراضي التي لها رسم عقاري واحد أو مطلب تحفيظ واحد أو القطع الأرضية التي ليست محفظة ولا في طور التحفيظ والتي تكون متجاورة أو مفصولة بحد طبيعي أو طريق من طرق المواصلات وجارية على ملك شخص واحد أو مجموعة من الشركاء[19].
اما خارج الدوائر المحددة في المادة الأولى فتحدد باعتبارها مساحة كافية للحصول على دخل يسمح بتسديد الأجرة الممنوحة لعاملين فلاحيين محسوبة على أساس الأجرة السنوية الدنيا المضمونة في الفلاحة بقرار لوزير الفلاحة لتختلف بذلك المساحة من منطقة الى أخرى، طبقا للمادة الأولى من المرسوم التطبيقي للقانون أعلاه[20] التي تنص على أنه:” تحدد مساحة الاستغلال الدنيا المنصوص عليها في المادة 2 من القانون المشار إليه أعلاه رقم 94-34 بقرار لوزير الفلاحة والاستثمار الفلاحي”.
ولضمان استثمار هذه الاراضي في سياق المخططات والاستراتيجيات الفلاحية، كان موقف المشرع من تحديد مساحة دنيا للاستغلال يستلزم تدخلا آخر غايته الحد من أضرار التصرف فيها تصرفا من شأنه خلق قطع أصغر من المساحة المحددة، والتي يظهر بوضوح من خلالها مدى اهتمام المشرع بفرض واقع جديد للأراضي الفلاحية لتفادي القطع الأرضية صغيرة المساحة التي تؤثر على الاستغلال والإنتاج، وهو ما كان من خلال المادة 4 من القانون رقم 34.94 التي تنص على أنه:” يمنع:
-أن يبرم في شأن الاراضي المشار إليها في المادة 1 أعلاه التي يزيد مجموع مساحتها على مساحة الاستغلال الدنيا أي عقد تصرف أو قسمة أو حق انتفاع أو أي عقد إيجار يترتب عليه إحداث قطع تقل مساحتها عن مساحة الاستغلال الدنيا
-أن يبرم في شأن الاراضي المشار إليها في المادة 1 أعلاه التي يساوي مجموع مساحتها مساحة الاستغلال الدنيا أو يقل عنها أي عقد تصرف أو قسمة أو حق انتفاع أو أي عقد إيجار يترتب عليه تخفيض المساحة المذكورة.
على أن للإدارة أن ترخص بإبرام العقود المشار إليها أعلاه إذا كان الغرض من القطعة المراد استخراجها من مجموع الملك إحداث أو توسيع منشآت غير فلاحية
ولا يحتج بالموانع المنصوص عليها بهذه المادة في حالة نزع الملكية لأجل المنفعة العامة”
وعليه، قرر المشرع منع التصرف في الملكية بشكل دائم، كأصل يشمل جميع التصرفات الناقلة للملكية سواء كانت بعوض او بدون عوض إذا كانت ستفضي إلى إفراز قطع أرضية تقل مساحتها عن مساحة الاستغلال الدنيا المحددة في خمسة هكتارات تحت طائلة البطلان، وبمفهوم المخالفة فإن جميع التصرفات جائزة كلما كانت القطعة المفرزة تساوي او تفوق مساحة الاستغلال الدنيا كأن يفوت المالك خمسة هكتارات من عقار مساحته 20 هكتارات، فالتصرف صحيح ولا يبطل ما دام أنه سيفرز قطعتين مساحة كل منها تتجاوز مساحة الاستغلال الدنيا، ونفس الحكم إذا فوت المالك على الشياع نصيبه في الملك المشاع المحدد في خمسة هكتارات من مجموع العقار المشاع، وكذلك الامر بالنسبة للتصرفات الناقلة للملكية المنصبة على ملك غير مشاع ولو كانت مساحته تعادل او تقل عن مساحة الاستغلال الدنيا لأنها تصرفات لا تؤدي إلى تشطيره بل يتم تفويت الملك كله، وهو تصرف جائز قانونا ولا مانع من انجازه.
غير ان المشرع لتليين هذا المنع وعدم اخراج العقار من التداول بشكل نهائي أجاز استثناء أن ترخص الإدارة للمالكين إبرام التصرفات بغير التقييد بمساحة الاستغلال الدنيا بشرط ان يكون الغرض من القطعة المراد استخراجها من مجموع الملك إحداث أو توسيع منشآت غير فلاحية.
ولما كان نشر مرسوم المصادقة على مشروع عملية ضم الأراضي الفلاحية بعضها الى بعض بالجريدة الرسمية ينهي مفعول المنع من التصرف في العقارات المضمومة، فإنه من اثر هذا النشر بدأ سريان منع آخر من التصرف وهو منع دائم يخضع للأحكام السابق تناولها إذا كانت العقارات المضمومة تقع داخل دوائر المحددة في المادة الأولى أعلاه، وهو ما يؤكد الترابط بين القانونين الذين يستهدفان في مجملهما الحد من تفتيت الملكية الزراعية وتجنب مساوئ إعادة تفتيت وتقسيم الأراضي والاستغلاليات الفلاحية، حيث جاء في الفصل 22 من ظهير ضم الأراضي الفلاحية بعضها الى بعض ما يلي:” رغبة في الحد من تجزئة مؤسسات الاستغلال القروية المضمومة أراضيها بعضها الى بعض فان كل تقسيم للقطع الارضية الموجودة بمنطقة وقع ضم أراضيها بعضها الى بعض يتوقف ابتداء من تاريخ نشر المرسوم الصادر بالمصادقة على مشروع ضم الاراضي بعضها الى بعض في الجريدة الرسمية على سابق اذن لجنة الضم ما عدا اذا طبقت عند الاقتضاء مقتضيات الظهير الشريف الصادر في 30 ذي الحجة 1379 (25 يونيه 1960)بتوسيع نطاق العمارات القروية ومقتضيات الظهير الشريف رقم 1.69.29 الصادر في 10 جمادى الأولى 1389 (25 يوليوز 1969) بالحد من تجزئة الاراضي الفلاحية الواقعة داخل دوائر الري “.
ولتفعيل المنع قرر المشرع بمقتضى المادة 9 من القانون رقم 34.94 منع الجهات المكلفة بتحرير العقود من العدول والموثقين وكذا الإدارة المكلفة بالتسجيل والمحافظين على الأملاك العقارية من تلقي أو تحرير أو تسجيل أو تقييد أي عقد يتعلق بعملية مخالفة لأحكام القانون 34.94 حيث تنص المادة 9 على أنه:” يحظر على العدول والموثقين ومحصلي التسجيل والمحافظين على الاملاك العقارية تلقي أو تحرير أو تسجيل أو تقييد أي عقد يتعلق بعملية مخالفة لأحكام هذا القانون
وتعتبر العقود المبرمة خلافا لهذه الاحكام باطلة ولا عمل بها”
والى جانب ذلك، وضع المشرع جهاز خاص للتثبت من وقوع مخالفة لأحكام المنع يتمثل في اعوان محلفين يعينون من طرف وزير الفلاحة مع اعتبار المحاضر المنجزة من طرفهم محاضر رسمية تمكن النيابة العامة من تحريك الدعوى العمومية ومتابعة المخالفين عملا بمقتضيات المادة 10 من القانون رقم 34.94 حيث يمكن للمحكمة ادانة المخالفين والحكم عليهم بالجزاءات المنصوص عليها في المادة 11 وهي الغرامة من خمسة آلاف إلى عشرة آلاف درهم مع مضاعفتها في حالة العود.
ثالثا: الأراضي الفلاحية الممنوحة لبعض الفلاحين من الملك الخاص للدولة
إن البعد الاقتصادي والاجتماعي الذي ينخرط فيه ملك الدولة الخاص لا يحجب عنه بعده المالي، بل تعمل الدولة دائما على تحقيق معادلة صعبة من خلال تفويتها بالتراضي لملكها الخاص وذلك بفرض شروط تقنية وقانونية فاسخة لعقود التفويت المبرمة مع مختلف المتعاملين معها حرصا على بلوغ الأهداف الاقتصادية والاجتماعية التي ترمي اليها عملية التفويت[21]، ويندرج في هذا الاطار تفويت أراضي فلاحية او قابلة للفلاحة من ملك الدولة الخاص لبعض الفلاحين حيث يتضمن الظهير الشريف رقم 1.72.277 [22] مجموعة من الشروط والقيود المفروضة على المستفيدين من التوزيع ومن اهم هذه القيود اقرار المشرع قاعدة عدم جواز تفويت الارض الممنوحة من طرف الدولة الا إذا كان المتصرف اليه او المستفيد من التفويت هي الدولة نفسها وذلك تحت طائلة البطلان، حيث ينص الفصل 14 من الظهير الآنف الذكر على أنه: ان القطع الموزعة بموجب ظهيرنا الشريف هذا غير قابلة للقسمة والتفويت ماعدا اذا كان ذلك لفائدة الدولة كما أنها غير قابلة للحجز.
وتعتبر العقود المبرمة خلافا لهذه المقتضيات باطلة”
والى جانب استثناء الدولة من المنع فإنه في إطار توسع حدود دوائر الجماعات الحضرية والمراكز الحضرية المعينة الذي يتم في غالب الأحيان على حساب الأراضي الفلاحية قرر المشرع في الفصل 22 المكرر من نفس الظهير أن المنع من التفويت يرفع في حالة دخول الأرض الممنوحة او جزء منها داخل المدار الحضري والمراكز الحضرية المعينة لان هذه الأراضي ستدخل في نطاق تطبيق قوانين أخرى لا تتضمن هذه الموانع بل تقرر مجرد قيود إدارية تشترط الحصول القبلي على إذن او ترخيص اداري لإتيان التصرف.
خاتمة
ان الغاية من سن موانع تفويت الملكية المؤقتة او الدائمة هي حماية مصلحة خاصة او عامة وان اختلفت محددات ومرتكزات اعتمادها من قانون لآخر تبعا للموضوع الذي ينظمه ووفق موقف المشرع للمصلحة التي تبرر اعتمادها، ولذلك لم ينظم المشرع هذه الموانع بقواعد موحدة وان توافقت في مجملها على الأثر المترتب عنها، بل نظمها بحسب خصوصيات موضوع التقنين بمقاربة ترمي الى تحقيق التوازن بين المصالح المتعارضة وما يؤكد ذلك مثلا إقرار جزاء بطلان عقود التفويت المنجزة خلافا للمنع ووضع آجال لانقضاء القيد تضمن استرجاع المالك لسلطة التصرف وكذا تليين المشرع من موقفه الصارم حين تنظيمه للموانع الدائمة عبر اقرار استثناءات ضيقة ترد على قاعدة عدم جواز التفويت وان كانت في نظرنا تحتفظ بالقاعدة ضمنيا بالنظر الى القيود والشروط المعقدة للقبول انجاز التصرف.
[1] القانون رقم 39.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.178 بتاريخ 25 من ذي الحجة 1432 (22 نوفمبر 2011) الجريدة الرسمية عدد 5998 بتاريخ 27 ذي الحجة 1432 (24 نوفمبر 2011) ص 5587 كما تم تغييره وتتميمه
[2] احمد الشحيتي، احكام التقييد الاحتياطي على ضوء مستجدات القانون 14 .07، نظام التحفيظ العقاري دعامة أساسية للتنمية (قراء في مستجدات القانون رقم 14.07) سلسلة دفاتر محكمة النقض، عدد21 ، مطبعة الأمنية الرباط سنة 2015 ص 283
[3] المختار بن احمد العطار، التحفيظ العقاري في ضوء القانون المغربي، الطبعة الأولى مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء سنة 2008 ص131.132
[4] محمد خيري، العقار وقضايا التحفيظ العقاري في التشريع المغربي، مطبعة المعاريف الجديدة الرباط طبعة سنة 2014 ص 505
[5] الظهير الشريف الصادر في 9 رمضان 1331 (12 أغسطس 1913) المتعلق بالتحفيظ العقاري كما وقع تغييره وتتميمه بالقانون رقم 14.07 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.177 في 25 من ذي الحجة 1432 (22 نوفمبر 2011) الجريدة الرسمية عدد 5998 بتاريخ 27 ذو الحجة 1432 (24 نوفمبر 2011)، ص 5575
[6]إبراهيم بحماني، أحكام التقييد الاحتياطي على ضوء مستجدات القانون 14-07، مجلة ملفات عقارية، عدد 3 سنة 2013 ص 7
[7] محمد مهدي الجم، التحفيظ العقاري في المغرب، الطبعة الثالثة، دار الثقافة للنشر والتوزيع الدار البيضاء، سنة 1986 ص 259
[8] القانون رقم 44-00 بشأن بيع العقارات في طور الانجاز المتمم بموجبه الظهير الشريف الصادر في 9 رمضان 1331 (12 أغسطس 1913) بمثابة قانون الالتزامات والعقود كما تم تغييره وتتميمه بالقانون رقم 107-12الصادر بتنفيذه الظهير شريف رقم 05-16-1 (3 فبراير 2016) الجريدة الرسمية عدد 6440 بتاريخ 9 جمادى الأولى 1437 (18 فبراير 2016)، الصفحة 932
[9] عبد الحق الصافي، بيع العقار في طور الإنجاز، شرح وتحليل لنصوص القانون رقم 44.00، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، طبعة سنة 2011 ص 61
[10] ينص الفصل 618-6 على أنه:” يؤدي المشتري، كحد أقصى، قسطا من الثمن الاجمالي تبعا لتقدم الاشغال حسب المراحل التالية:
%5 عند إبرام عقد التخصيص؛
5 % عند إبرام العقد الابتدائي أو %10 عن عدم وجود عقد التخصيص؛
%10 عند بداية الاشغال؛
60 % مقسمة على ثلاث مراحل وتؤدى حسب اتفاق الاطراف عند الانتهاء من أشغال إنجاز كل مرحلة:
- مرحلة الاشغال المتعلقة بالأساسات على مستوى الطابق الارضي؛
- مرحلة الاشغال الكبرى لمجموع العقار؛
- مرحلة الاشغال النهائية والحصول على رخصة السكن أو شهادة المطابقة؛
20 % عند إبرام عقد البيع النهائي وتسلم المفاتيح. “
[11]انظر: دورية المحافظ العام عدد 423 بتاريخ 16/02/2021 في شأن مدى استلزام الإدلاء بنظير الرسم العقاري عند تقديم بعض طلبات التقييد بالرسوم العقارية
[12]محمد مومن، الحقوق المستثناة من التقييد في السجل العقاري، ندوة القانون المغربي في مطلع القرن الحادي والعشرين، منشورات كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية مراكش، العدد 54 سنة 2017 ص 263
[13] محمد مهدي الجم، التحفيظ العقاري في المغرب، م س ص 187 -188
[14] ظهير شريف رقم 1.62.105 بشأن ضم الاراضي الفلاحية بعضها الى بعض الصادر في 27 محرم 1382 (30يونيه 1962) بتاريخ 17 صفر 1382 (20 يوليوز 1962) الجريدة الرسمية عدد -2595 ص 1705 كما وقع تغييره وتتميمه
[15] جعفر بشيري، مسطرة ضم الأراضي الفلاحية، نظام التحفيظ العقاري دعامة أساسية للتنمية (قراءة في مستجدات القانون رقم 14.07) سلسلة دفاتر محكمة النقض، عدد 21 سنة 2015 ص 42
[16] مذكرة المحافظ العام عدد 3691 بتاريخ 10 غشت 2000 في شأن تطبيق مقتضيات الفصل 4 مكرر من ظهير ضم الاراضي القروية
[17] ظهير شريف رقم 1.95.152 صـادر في 13 من ربيع الأول 1416(11 أغسطس 1995) بتنفيذ القانون رقم 34.94 المتعلق بالحد من تقسيم الأراضي الفلاحية الواقعة داخل دوائر الري ودوائر الاستثمار بالأراضي الفلاحية غير المسقية الجريدة الرسمية عدد 4323 بتاريخ 10 ربيع الآخر 1416( 6 سبتمبر 1995) ص2441
[18] تنص المادة الأولى من القانون رقم 94.34 على انه: يطبق هذا القانون على الاراضي الفلاحية الواقعة داخل:
1 -دوائر الري كما هي محـددة وفقا لمقتضيات الظهير الشريف رقم 25.69.1 الصـادر في 10 جـمـادى الاولى 1389 (25 يوليو 1969) في شأن قانون الاستثمارات الفلاحية
2 -دوائر الاستثمار بالأراضي الفلاحية غير المسقية المحددة وفقا لمقتضيات القانون رقم 33-94 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 10.95.1 بتاريخ 22 من رمضان 1415 (22 فبراير 1995)”
[19] المادة 3 من القانون رقم 34.94
[20] مرسوم رقم 590-94-2 صادر في 22 من جمادى الاخرة 1416 (16 نوفمبر 1995) لتطبيق القانون رقم 94-34 المتعلق بالحد من تقسيم الاراضي الفلاحية الواقعة داخل دوائر الري ودوائر الاستثمار في الاراضي الفلاحية غير المسقية
[21] حسن الخشين، ملك الدولة الخاص، تمييزه، نظامه، وظائفه، مطبعة المعارف الجديدة الرباط، طبعة سنة 2015، ص 373
[22] ظهير شريف رقم 1.72.277 بتاريخ 22 ذي القعدة 1392 (29 دجنبر1972) بمثابة قانون يتعلق بمنح بعض الفلاحين أراضي فلاحية أو قابلة للفلاحة من ملك الدولة الخاص الجريدة الرسمية عدد 3178 بتاريخ 27 شعبان 1393 (26 شتنبر 1973)، ص 3263 كما وقع تعديله
