فاطمة أملال: مستقبل سير عمل المحاكم المغربية في ظل مشروع التقاضي الإلكتروني، والتقاضي الذكي.

فاطمة أملال باحثة في سلك الدكتوراه
محامية بهيئة الرباط
عرف العالم ثورة تكنلوجية شملت مختلف الميادين، منها الاقتصادية والاجتماعية وكذا القانونية، هذه الأخيرة عرفت متغيرات كثيرة، فالقانون تأثر بشكل كبير بهذه العوامل، وامتد هذا التأثير إلى المحاكم المغربية، ذلك أنه من خلال الأنظمة القانونية المقارنة المتطورة، يتبين أن المغرب سيسير في اتجاه تحول شامل يخص عمل المحاكم المغربية مستقبلا .
وإذا كان واقع المحاكم المغربية يشير إلى اعتمادها نظاما شبه تقليدي في إقامة الدعاوى القضائية وتبليغها وعلى مستوى سير الخصومة وإثبات الدعوى والحكم فيها وتنفيذها، فإن هذه العمليات المعتمدة في سير الدعوى القضائية أصبحت متجاوزة في الأنظمة المتطورة كالولايات المتحدة الأمريكية والصين، حيث ظهر مشروع المحكمة الإلكترونية والتقاضي الإلكتروني والتبليغ الإلكتروني والخصومة الإلكترونية والإثبات الإلكتروني، وإصدار الأحكام والطعن فيها وتنفيذها إلكترونيا .
ولم يقف التطور التكنولوجي عند هذا الحد، بل إن ما كان خيالا في الماضي القريب أصبح واقعا في الأنظمة القانونية المتقدمة، حيث غزت ثورة الذكاء الاصطناعي المحاكم، وأصبح الحديث ممكنا عن القاضي الربوت والمحامي الربوت، وغيرهما من العمليات الآلية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي .
في ظل كل هذه التطورات المتسارعة يطرح السؤال حول مستقبل المحاكم المغربية وسير عملها، وستنطلق في محاولة التنبؤ بمستقبل المحاكم المغربية وسير عملها في المستقبل من إشكالية مفادها، إلى أي حد يمكن بناء مقومات المحكمة المغربية مستقبلا على مقومات المحكمة الإلكترونية والذكاء الاصطناعي ؟ .
وللإجابة على هذه الإشكالية سنتناول مبحثين، نبين في الأول مستقبل سير عمل المحاكم المغربية في ظل فكرة المحكمة الإلكترونية، وتبين في المبحث الثاني، مستقبل سير عمل المحاكم المغربية في ظل ثورة الذكاء الاصطناعي.
المبحث الأول : مستقبل سير عمل المحاكم المغربية في ظل فكرة المحكمة الإلكترونية .
يقتضي بيان مستقبل سير عمل المحاكم المغربية في ظل فكرة المحكمة الإلكترونية بيان مفهوم هذا النوع من المحاكم ( المطلب الأول )، ثم بيان تجربة بعض الأنظمة المقارنة في إنشاء مشروع المحكمة الإلكترونية ( المطلب الثاني ) .
المطلب الأول : مفهوم المحكمة الإلكترونية .
لبيان مفهوم المحكمة الإلكترونية سنقف عند تعريفها ( الفقرة الأولى )، ثم بيان خصائصها ( الفقرة الثانية ) .
الفقرة الأولى : تعريف المحكمة الإلكترونية .
تعتبر المحكمة في التعريف اللغوي مشتقة من مادة حكم، بمعنى قضى وعدل وفصل بين الناس ومنعهم من التظالم، والمحكمة إسم مكان من الحكم، إذ هي البقعة التي يصدر فيها، وهي مكان انعقاد هيئة الحكم .
و يمكن تعريفها أيضا بأنها: “المكان المعد الجلوس القاضي عند نظر القضايا “، أما اصطلاحا، فيقصد بما التعبير جانب من الفقه: “حيز تقني معلوماتي ثنائي الوجود يعكس الظهور المكاني الإلكتروني الأجهزة ووحدات فضائية وإدارية على الشبكة، تعمل هذه الأجهزة على إستقبال الطلبات القضائية و لوائح الدعاوى و تجهير برامج للملفات الإلكترونية وتوفير متجدد للمعلومات حول مستجدات الدعاوى وقرارات الأحكام، بما يمثل تواصلا دائما مع جمهور المواطنين والمحامين، كما تمكن هذه المحكمة أصحاب العلاقة المتقاضين ووكلائهم من الترافع وتحضير الشهود، وتقديم البينات والاتصال المباشر مع العاملين في المحكمة ،في كل وقت ومن أي مكان، كما توفر المحكمة آليات جديدة ومتطورة المتابعة الدعاوى والإطلاع على مجريات الجلسات[1]
ويمكن تعريفها كذلك بأنها: ” حيز تقني معلوماتي ثنائي الوجود، يسمح ببرمجة الدعوى الإلكترونية و يتألف من شبكة الربط الدولية إضافة إلى مبنى المحكمة، بحيث تتيح الظهور المكاني الإلكتروني لوحدات قضائية و إدارية يباشر من خلاله مجموعة من القضاة مهمة النظر في الدعاوى والفصل فيها بموجب تشريعات تخوهم مباشرة الإجراءات القضائية، مع اعتماد آليات تقنية فائقة الحداثة لتدوين الإجراءات القضائية، و حفظ و تداول ملفات الدعاوى[2] من على الشبكة العالمية ، يتيح للمتقاضين تحريك دعواهم وتقديم البينات و الاطلاع على مجريات الجلسات[3].
وقد أورد الباحث عبد العزيز بن سعد الغانم تعريفا للمحكمة الإلكترونية معتبرا إياها تنظيم تقني معلوماتي تفاعلي مؤمن على الشبكة العالمية يتيح للمتقاضين تحريك دعواهم وتقديم البينات والاطلاع على مجريات الجلسات، وللقضاة وأعوانهم النظر في الدعاوى وتدوينها وحفظها والفصل فيها عبر الوسائل التقنية الحديثة [4].
في نفس السياق يمكن تعريف التقاضي الإلكتروني بأنه : ” عملية نقل مستندات التقاضي إلكترونيا إلى المحكمة عبر البريد الإلكتروني، حيث يتم فحص هذه المستندات بواسطة الموظف المختص وإصدار قرار بشأنها بالقبول أو الرفض وإرسال إشعار إلى المتقاضي يفيده علما بما تم بشأن هذه المستندات، أو هو بتعبير جانب آخر من الفقه: ” استعمال الوسائل التقنية الحديثة لإجراء محاكمة قضائية بين أطراف لا يجمعهم حيز مكاني واحد[5].”
أو في نقل المحاكمة من مجال الحضور الشخصي أمام القاضي والادعاء بالحق إلى حضور افتراضي عالم بواسطة الأنترنت من خلال شاشة عرض تظهر أمام القاضي [6].
وبتعبير جانب من الفقه ، فإن التقاضي عن بعد هو: ” عملية نقل مستندات التقاضي الكترونيا إلى المحكمة عبر البريد الإلكتروني، حيث يتم فحص هذه المستندات بواسطة الموظف المختصو إصدار قرار بشأنها بالقبول أو الرفض والرسال إشعار إلى التقاضي بفيده علما بما لم يشأن هذه المستندات ” [7] .
الفقرة الثانية : خصائص المحكمة الإلكترونية .
إن من أبرز خصائص المحكمة الإلكترونية كموقع، هو استمرار وجود الموقع على الشبكة والقابلة للخدمات الإلكترونية خلال ساعات اليوم ما أمكن ذلك، وهذا يستلزم قيام الموقع على كوادر مهنية مختصة في مجال التقنية ووجود مصادر للطاقة بديلة لمعالجة أي حدث طارئ قد يحدث، كما أن من خصائص المحكمة الإلكترونية سهولة الوصول للموقع باستخدام المقاييس المتفق عليها عالميا كاختيار اسم نطاق سهل .
ولعل من أهم خصائص المحكمة الإلكترونية أيضا أنها توفر سهولة التقاضي حيث أن كل ما يلزم المدعي الإقامة دعواه وجود حاسب آلي يمكنه من الوصول إلى شبكة الإنترنت، إذ للمدعي إقامة دعواه عن طريق بوابة موقع المحكمة الإلكترونية على الشبكة، واستكمال البيانات المطلوبة لتقييد دعواه لدى المحكمة وطلب خصمه عن طريق الموقع وتحديد موعد الجلسة لنظر الدعوى. ومن مزايا المحكمة الالكترونية كذلك تخفيض كلفة التقاضي حيث الخفض الكلفة المالية على الخصوم اذ بإمكانهم متابعة الدعوى عبر الانترنت في أي مكان في العالم، عبر بوابة موقع المحكمة الإلكترونية، ودون الحضور إلى مقر المحكمة، ما لم يتطلب الأمر حضورهم أمام القاضي.
المطلب الثاني : تجربة الأنظمة المقارنة مع المحكمة الإلكترونية
لبيان تجربة بعض الأنظمة القضائية مع المحكمة الإلكترونية، سنتناول العربية الأنظمة العربية ( الفقرة الأولى )، على تناول الحربة الولايات المتحدة الأمريكية ( الفقرة الثانية ) .
الفقرة الأولى : تجربة الأنظمة العربية مع المحكمة الإلكترونية
أولا : التجربة المصرية
يمكن القول أن نظام التقاضي الإلكتروني في مصر ما يزال في بداياته، حيث ينقسم عمل المحاكم إلى محاكم تعتمد نظام المحاكمة التقليدي في كل مراحل الدعوى ، والبعض الآخر يعتمد على النظام الإلكتروني في التقاضي .
هذا وقد بدأ العمل في الفترة الراهنة على تنفيذ منظومة التقاضي الالكتروني وكانت البداية بالمحاكم الاقتصادية. إذ تحري التجارب وفق ثلاث مراحل، وهي مرحلة التسجيل وتم الانتهاء منها كاملة، ومرحلة القيد الإلكتروني للدعوى، وتم الإنتهاء منها[8] والتقاضي الإلكتروني وجار تجهيزها والبدء فيها فور الانتهاء بنجاح مرحلة التحضير .
ثانيا : نظام المحكمة الإلكترونية في الإمارات العربية المتحدة
تهدف دولة الإمارات في السنوات الأخيرة إلى تحديث الإدارة القضائية كما تسعى الحكومات المحلية في دولة الإمارات في ذات الاتجاه، فالموقع الإلكتروني المحاكم دبي يوفر العديد من الخدمات الإلكترونية مثل القاضي الإلكتروني والمحامي الإلكتروني والزواج الإلكتروني، و لمسايرة الاتجاه الإجرائي الحديث في دولة الإمارات العربية نص القانون رقم 10 لسنة 2014 المعدل لقانون الإجراءات المدنية رقم 11 لسنة 1992 في مادته 42 على أنه: ” ترفع الدعوى إلى المحكمة بناء على طلب المدعي و ذلك بإبداع صحيفة دعواه لدى مكتب إدارة الدعوى، أو بقيدها إلكتروني[9].”
وقد أنشأت النيابة العامة بإمارة دبي من خلال موقعها الإلكتروني على شبكة الإنترنت النظام الإلكتروني الشكاوي المتقاضين وإجراءات التقاضي حيث يستطيع المستخدمون من خلاله الحصول على المعلومات المتوافرة باستمرار عن موقف الدعاوى المعروضة على المحاكم في دبي، كما يستطيع المحامون و المواطنون تقديم الطلبات المختلفة المتعلقة بالدعاوى، فيستطيع المحامي إرسال لوائح الدعوى مباشرة إلى القسم المسؤول عن تسجيل الدعاوي، كما يمكنه دفع الرسوم عن طريق وسائل الدفع الإلكترونية، كما يستطيع الخصوم متابعة الدعاوى الخاصة بهم ومعرفة وقائع الجلسات بعد الإنتهاء منها دون الحاجة لمراجعة المحامين للحصول على معلومات منهم.[10]
وقد قطعت وزارة العدل شوطا كبيرا في مشروع التحول الإلكتروني في نظام إدارة القضايا ، وأصبح قيد القضايا في جميع المحاكم يتم إلكترونيا، ويتم عرض جدول الجلسات عبر الإنترنت ، وكذلك مواعيدها ونتائجها وحتى مرحلة صدور الحكم فيها ونشره إلكترونيا ، كما يتم نقل ملفات القضايا بين جميع المحاكم إلكترونيا[11].
ويمكن بيان تطبيقات المحكمة الإلكترونية في النظام القضائي الإماراتي من خلال مثلا البوابة الإلكترونية المحاكم دبي، حيث تمثل النموذج الأحدث بين محاكم الإمارات، وتدعم البوابة اللغتين العربية والإنجليزية، مع وجود نشرات تعريفية بخدمات البوابة، ودليل لاستخدام التقاضي الإلكتروني موضح بالكتابة و الصور بشكل دقيق ما يسهل استخدام الموقع للتقاضي الإلكتروني [12]
ثالثا : المحكمة الإلكترونية في النظام السعودي
يمكن رفع دعوى إلكترونية عبر البوابة الإلكترونية لوزارة العدل السعودية ويتبين أن هذه البوابة تخلو من النشرات التعريفية بخدمات البوابة ودليل لاستخدام التقاضي الإلكتروني فيها .
ويمكن القول أن المملكة العربية السعودية قد اتخذت بعض الخطوات الجادة في سبيل تطبيق نظام التقاضي الإلكتروني، والبين أن محكمة جدة أو محكمة في المملكة العربية السعودية تعمل بنظام التقاضي الإلكتروني باستخدام النظام الشامل ابتداءا من التسجيل الإلكتروني وانتهاء بإصدار الحكم القضائي .
وفي مجال القضاء الإداري فقد تم إطلاق البوابة الإلكترونية لديوان المظالم التي تقدم مجموعة من الخدمات الإلكترونية وهي عبارة عن قاعدة بيانات تحتوي على الأنظمة واللوائح والقرارات وغيرها مما يحتاج إليه القاضي والمحامي والخصوم للاستناد إليها في الدعاوى المنظورة أو الاستفادة منها أثناء الترافع الإلكتروني وربطها بالسوابق القضائية والمبادئ المستقر عليها في قضاء الديوان[13].
الفقرة الثانية : تجربة المحكمة الإلكترونية في الولايات المتحدة الأمريكية
تبلورت فكرة التحول إلى النظام الإلكتروني في الولايات المتحدة الأمريكية منذ تسعينيات القرن الماضي عن طريق تحويل العمل من التقاضي المعتمد على الإيداع الورقي لملفات الدعاوى في المحاكم إلى نظام آخر يعتمد على حفظ البيانات وإيداعها إلكترونيا .
وقد كانت الانطلاقة فدراليا بتعديل القواعد الفيدرالية من جهة ، وإنشاء نظم ومشروعات تقنية لإدارة ملفات الدعاوى الإلكترونية بما يواكب متطلبات العصر التكنولوجي المرفق العدالة .
هذا وقد تم إعداد الأساس القانوني لرفع الدعوى إلكترونيا في القواعد الفدرالية للإجراءات المدنية ، والحكم الأساسي في هذا السياق هو القاعدة 5e 3 التي تم تعديلها عام 1996، والتي أعطت للمحكمة إصدار قاعدة محلية ترخص رفع أوراق الدعوى من خلال وسائل إلكترونية ذات مواصفات تقنية تؤسس من قبل المؤتمر القضائي للولايات المتحدة، وتعامل هذه الملفات الإلكترونية معاملة الوثائق الورقية .
وتأسيسا على هذه التعديلات فإن المحاكم الفيدرالية قد عملت على تفعيل هذه النصوص بما يواكب إجراء عملية رفع الدعوى إلكترونيا من خلال أنظمة تكنولوجية تهدف إلى التحول نحو النظام الإلكتروني لعمل هذه المحاكم .
وعلى صعيد الولايات قامت ولايات أمريكية كثيرة باعتماد نظام إلكتروني في محاكمها، وعلى سبيل المثال تعتبر ولاية كولورادو من الولايات المتقدمة في العمل بالنظام الإلكتروني في المحاكم منذ سنة 1997 ، و تلى ذلك البدء بتنفيذ عملية الإيداع الإلكتروني لملفات الدعاوى في عام 2002 .
وقد عرف القسم 2 من المادة 121 من قواعد الإجراءات المدنية لولاية كولورادو الإيداع الإلكتروني بأنه : ” عملية نقل الوثائق إلى كاتب المحكمة ومن المحكمة نفسها عن طريق النظام الإلكتروني للإيداع .”
وبشكل عام فإن جميع الولايات التي تسمح بالنظام الإلكتروني في محاكمها قد سنت مبادئ توجيهية تحدد الإجراءات الواجب اتباعها في طريقة حفظ الملفات الإلكترونية في المحكمة[14].
المبحث الثاني : مستقبل سير عمل المحاكم المغربية في ظل الذكاء الاصطناعي
بدأ الذكاء الاصطناعي يجد له مكانا في سير عمل المحاكم في عدة أنظمة متطورة كالولايات المتحدة الأمريكية والصين وبدأت تظهر بوادر غزو الذكاء الاصطناعي للمحاكم مستقبلا، وللإحاطة بعمل الذكاء الاصطناعي داخل المحاكم، سنتناول بداية مفهوم الذكاء الاصطناعي ( المطلب الأول )، على أن نبين مظاهر الذكاء الاصطناعي في سير عمل المحاكم المغربية ( المطلب الثاني ) .
المطلب الأول : مفهوم الذكاء الاصطناعي
يقتضي بيان مفهوم الذكاء الاصطناعي، بيان تعريفه ( الفقرة الأولى )، ثم بيان خصائصه ( الفقرة الثانية ) .
الفقرة الأولى : تعريف الذكاء الإصطناعي .
عرف الأب الروحي للذكاء الاصطناعي، جون مكارثي الذكاء الاصطناعي بأنه: “علم وهندسة صنع آلات ذكية من خلال الذكاء الذي تبديه الآلات والبرامج بما يحاكي القدرات الذهنية البشرية وأنماط عملها ، مثل القدرة على التعليم والاستنتاج ورد الفعل على أوضاع لم تبرمج في الآلة[15].
كما عرف الباحث عبد الإله إبراهيم الفقي الذكاء الاصطناعي بأنه: ” هو عبارة عن برامج تتيح للحاسب الآلي محاكاة بعض الوظائف لمخ الإنسان بطرق محدودة، ويتم تنفيذ هذه البرامج على حسابات كبيرة أو حسابات متوسطة أو حسابات شخصية[16]” .
واعتبره في تعريف آخر الباحث حمدي أحمد سعد أحمد بأنه: ” جزء من علوم الحاسب الآلي يهتم بأنظمة معينة لهذه الأجهزة، تتسم هذه الأنظمة بالعديد من الخصائص ذات القدرة الفائقة على محاكاة العقل البشري في
العديد من الخصائص مثل اللغة والتعلم والتفكير والقدرة على اتخاذ قرارات معينة وحل العديد من المشكلات”[17].
وفي السياق ذاته عرفت المجموعة الأوروبية للذكاء الاصطناعي هذا الأخير بأنه[18]: ” مجموعة الأنظمة التي أبدعها البشر والتي تعمل ضمن الهدف المعقد في العالم المادي أو الرقمي من خلال إدراك بيئتها، وتفسير البيانات المجمعة في عقلها الصناعي المنظمة منها أو غير المنظمة والتفكير منطقيا في المعرفة المستمدة من هذه البيانات وتحديد أفضل الإجراءات المطلوب اتخاذها وفقا لمعايير محددة مسبقا لتحقيق الهدف المحدد “.
الفقرة الثانية : خصائص الذكاء الاصطناعي
يمكن إجمال خصائص الذكاء الاصطناعي في قدرته على التعلم ( أولا )، وفي محاكاته للسلوك الإنساني ( ثانيا )
أولا : القدرة على التعلم
تتميز برامج الذكاء الاصطناعي بالقابلية للتعلم الآلي من الخبرات السابقة، التي تتم إضافتها في الآلة من طرف الإنسان، فبرامج الذكاء الاصطناعي تقوم بتحسين أدائها وذلك بتفادي الأخطاء السابقة من خلال التدريب والتعلم من تلك الأخطاء والقيام بتفاديها، وذلك بفضل الخوارزميات المدربة على معالجة الأخطاء[19] .
وتعتبر القابلية للتعلم من خصائص الذكاء الاصطناعي، التي من خلالها يعمم المعلومات ويستنتج حالات مماثلة وانتقائية وإهمال بعض المعلومات الزائدة التي لا فائدة منها، الأبعد من ذلك قدرة الذكاء الاصطناعي على حفظ المعلومات والأشياء وعدم نسيانها مستقبلا وهذا ما يعطيه أفضلية على الإنسان كونه كثير النسيان بطبيعته التكوينية[20].
ولعل خاصية القابلية للتعلم راجعة إلى التطور التقني الحالي على مستوى الذكاء الاصطناعي حيث تم إلغاء مجموعة من الحدود الفكرية ، فلم تبقى الآلات مجرد منفذ للأوامر المقدمة لها من قبل الإنسان وتنفيذها بشكل آلي، بل أضحت تتمتع بقدرات هائلة دفعت بالمتخصصين إلى منحها ذلك وصف القابلية للتعلم[21].
ثانيا : محاكاة السلوك الإنساني .
تعني بهذه الخاصية قدرة الذكاء الاصطناعي على محاكاة السلوك الإنساني، فالهدف الأساسي من الذكاء الاصطناعي هو فهم الذكاء الإنساني ، كفهم اللغة الإنسانية ، على اعتبار أن الإنسان هو منبع الذكاء الذي أدخل في الآلة[22].
و تعتقد في هذا الصدد أنه من خلال كون الإنسان هو صانع الذكاء فلا يمكن أن يخرج الشيئ المصنع عن مميزات صانعه ، و عليه فبالتأكيد أن الذكاء الاصطناعي سيحاكي أسلوب صانعه – الإنسان – في إيجاد الحلول.
المطلب الثاني : مظاهر الذكاء الاصطناعي في سير عمل المحاكم .
لبيان مظاهر الذكاء الاصطناعي في سير عمل المحاكم، سنقف عند آلية القاضي الروبوت (الفقرة الأولى) ، ثم تتناول آلية المحامي الروبوت (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى : القاضي الروبوت
لعل ما يستوعبه العقل كون أن القاضي الذي يحكم بين الناس ويمنع التظالم بين المتقاضين هو إنسان ، و مما يصعب استيعابه أن يتحول هذا الإنسان إلى آلة ذكية تشكل الروبوت الذكي ، وتفصل هذه الآلة في العديد من القضايا دون كلل أو ملل ، غير أن هذا التصور الذي يصعب فهمه أصبح حقيقة في بعض الأنظمة القانونية المتطورة.
و على سبيل المثال أعلنت جمهورية الصين الشعبية أن ملايين القضايا القانونية يتم البت فيها من قبل محاكم الإنترنت التي لا تتطلب من المواطنين المثول أمام المحكمة وتضم المحكمة الذكية قضاة غير بشريين مدعومين بالذكاء الاصطناعي، وتسمح للخصوم بتسجيل قضاياهم عبر الإنترنت و حل قضاياهم من خلال جلسة استماع رقمية للمحكمة و ثبت هذه المحاكم في مجموعة متنوعة من النزاعات والتي تشمل الملكية الفكرية و التجارة الإلكترونية والنزاعات المالية وقضايا الملكية الفكرية[23].
في نفس السياق ومع التطور التقني الذي يشهده العالم ، جعلت بعض الدول العربية النظام الذكي قائما مقام القاضي البشري ، لكنها وضعت لذلك حدودا كان يكون قضاء النظام الذكي في القضايا اليسيرة ، و أن يكون قضاؤه مبنيا على قواعد و قوانين أقرتها واعتمدتها لجان عليا ، و من تطبيقاتها أن يسأل النظام الذكي الجاني عن تحمته ، فإن أقر بفعله ثبت القاضي الذكي ذلك ، ثم من خلال ما لدى النظام من القواعد المدونة و القضايا السابقة المشابهة لهذه القضية ، يصدر في ذلك حكما بالعقوبة التي يستحقها الجاني[24].
و لعل السؤال الجوهري في هذا الإطار يتعلق بما إذا كان النظام الذكي يتوفر على شروط التقاضي كالإنسان القاضي؟، يرى جانب من الفقه الإسلامي في هذا الصدد أن الشروط المؤثرة في العملية القضائية مما اشترطه الفقهاء متحققة في النظام الذكي ، حيث يتسم بالقدرة على التحليل و الاستنتاج ، و بالاحتياط للعملية القضائية و عدم إيقاع الظلم على المتقاضين ، لكن في المقابل فإن النظام الذكي و إن اتسم بصفات العقل البشري إلا أنه غير مدرك لأفعاله وأقواله حيث لا يستطيع أن يخوض حوارا طويلا ، و ينسى ما عرض عليه في بداية المناقشة مما 25 يؤكد بعدم جواز توليه للقضاء[25] .
الفقرة الثانية : المحامي الروبوت
من المتعارف عليه أن للمحامي دور كبير في التحقيق العدالة انطلاقا من واجبه في الدفاع عن الحق ، وقد تطورت مهنة المحاماة في الأنظمة المتقدمة، منها الولايات المتحدة الأمريكية التي أطلقت نظام المحامي الآلي الذي يقوم بتوفير المعلومات القانونية ، والتحدث مع الناس بشكل مشابه للبشر، وأيضا تقديم بعض الخدمات القانونية التي يتم من خلالها الوصول إلى أي معلومة قانونية أو حكم قضائي معين[26].
و المحامي الآلي يمكن تعريفه بأنه عبارة عن برنامج أو تطبيق الكتروني يؤدي العديد من المهام التي تنفذ عادة من قبل المحامين ، و باستقراء التجارب المختلفة في هذا الشأن يمكن القول أن المهام التي يقوم بها المحامي الآلي تقتصر على قراءة الوثائق وتحليل العقود و التنبيه إلى ما قد يشوبها من عيوب و نواقص .
عموما، و رغم عدم وضرح فكرة المحامي الذكي بشكل جلي، إلا أن هذا النظام الآلي متوفر في البلدان المتقدمة ، و قد يغزو العدالة في كل أنحاء العالم مستقبلا.
خاتمة
صفوة القول أنه من خلال التجارب المقارنة ، يمكن التنبؤ بمستقبل سير المحاكم المغربية مستقبلا ، حيث قد يتجه المغرب إلى إرساء دعائم المحكمة الإلكترونية مستقبلا، من خلال جعل التقاضي إلكترونيا، واعتماد التبليغ الإلكتروني والخصومة الإلكترونية والإثبات الإلكتروني ، ولما لا إصدار الأحكام إلكترونيا مع الطعن فيها و تنفيذها إلكترونيا.
أما على مستوى الذكاء الاصطناعي فيتضح جليا أن المغرب لازال لم يقطع أشواطا مهمة في سبيل بناء التقاضي على فكرة الذكاء الاصطناعي ، فالمغرب لم يلج بعد مشروع المحكمة الإلكترونية ، فكيف هو الأمر بالنسبة لاستخدام الذكاء الاصطناعي الذي يعتبر أكثر تطورا و تعقيدا من مشروع المحكمة الإلكترونية .
قائمة المراجع
الكتب :
عبد العزيز بن سعد الغانم ، المحكمة الإلكترونية ، دراسة تأصيلية مقارنة ، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية. أحمد رزاق نايف ، ” أثر المعلوميات في الدعوى المدنية ، دراسة مقارنة ، الطبعة الأولى ، منشورات الحلبي الحقوقية 2018
أروى بنت عبد الرحمان بن عثمان الجلعود ، أحكام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القضاء ، الجمعية العلمية القضائية السعودية ، مركز قضاء للبحوث والدراسات.
محمد عصام الترساوي، تداول الدعوى القضائية أمام المحاكم الإلكترونية، دار النهضة العربية ، الطبعة الأولى، 2013.
عبد الإله إبراهيم الفقي، الذكاء الاصطناعي والنظم الخبيرة، دار الثقافة للنشر والتوزيع الأردن، الطبعة الأولى .2012
حسن السوسي ، كتاب الذكاء الاصطناعي – مقاربة قانونية – مطبعة الأورو – متوسطية المغرب ، الطبعة.2023
الرسائل :
سجى أحمد محمد موسى، دور كيانات الذكاء الاصطناعي في التنبؤ و الكشف عن الجريمة ، رسالة مقدمة استكمالا لمتطلبات الحصول على درجة الماجستير في القانون، في جامعة العلوم الإسلامية العالمية، عمان، 22/06/2022.
فاطمة عبد العزيز حسن أحمد بلال ، رسالة مقدو استكمالا لمتطلبات الحصول على درجة الماجستير في القانون الخاص ، جامعة قطر كلية القانون .
المقالات :
أحمد عزت أنور ، المحكمة الإلكترونية وأثرها في تحقيق العدالة الإجرائية مقال منشور بمجلة بحوث الشرق الأوسط ، العدد 90.
هشام البلاوي ، المحاكمة عن بعد وضمانات المحاكمة العادلة ، مجلة رئاسة النيابة العامة ، يونيو 2020 ، العدد الأول .
حمدي أحمد سعد أحمد ، الطبيعة القانونية للذكاء الاصطناعي ، بحث مقدم إلى المؤتمر العلمي الدولي الرابع المنعقد بكلية الشريعة والقانون بطنطا بعنوان :”التكييف الشرعي والقانوني للمستجدات المعاصرة وأثره في تحقيق الأمن المجتمعي ” .
[1] – عبد العزيز بن سعد الغانم، المحكمة الإلكترونية ، دراسة تأصيلية مقارنة ، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية ، ص 43 .
[2] – عبد العزيز بن سعد الغانم ، نفس المرجع ، ص 43.
[3] – عبد العزيز بن سعد الغانم، مرجع سابق ، ص .44.
[4] – احمد عزت أنور، المحكمة الإلكترونية وأثرها في تحقيق العدالة الإجرائية مقال منشور بديلة بحوث الشرق الأوسط، العدد 90 – ص 18.
[5]– هشام البلاوي، المحاكمة عن بعد وضمانات المحاكمة العائلة، مجلة رئاسة النيابة العامة يونيو 2020، العدد الأول، ص: 11.
[6] – أحمد رزاق نايف،” اثر المعلوميات في الدعوى المدنية، دراسة مقاربة، الطبعة الأولى، مستويات الحلي المتوفية 2018 وص: 64.
[7] – محمد الترساوي، تداول الدعوى القضائية أمام المحاكم الإلكترونية، دار النهضة العربية، الطبعة الأول، 2013، ص: 64.
[8]– أحمد عزت أنور، مرجع سابق، ص 29.
[9] – احمد عزت أنور، مرجع سابق، ص 30.
[10] – احمد عرت أمور ، مرجع سابق ، ص 31 .
[11]– عبد العزيز بن سعد العالم ، مرجع سابق ، ص 185..
[12]– عبد العزيز بن سعد العالم ، مرجع سابق ، ص 187.
[13] – أحمد عزت أنور، مرجع سابق، ص: 32.
[14] – عبد العزيز بن سعد الغانم، مرجع سابق، ص: 163.
[15] – أشار إلى هذا التعريف: فايق عوضين، المقال، مرجع سابق، ص: 6.
[16] – عبد الاله إبراهيم الفقي، الذكاء الاصطناعي والنظم الخبيرة، دار الثقافة للنشر والتوزيع الأردن، الطبعة الأولى 2012، ص: 58.
[17] – حمدي أحمد سعد أحمد، الطبيعة القانونية للذكاء الاصطناعي، بحث مقدم إلى المؤتمر العلمي الدولي الرابع المنعقد بكلية الشريعة والقانون بطنطا بعنوان: ” التكييف الشرعي والقانوني للمستجدات المعاصرة وأثره في تحقيق الأمن المجتمعي”، ص: 247 .
[18] – أشار إلى هذا التعريف، سلام عبد الله كريم، الأطروحة، مرجع سابق، ص: 13 .
[19] – سجى أحمد محمد موسى، دور كيانات الذكاء الاصطناعي في التنبؤ والكشف عن الجريمة، رسالة مقدمة استكمالا لمتطلبات الحصول على درجة الماجستير في القانون، في جامعة العلوم الإسلامية العالمية، عمان، 2022 / 06 / 22، ص: 13.
[20] – سلام عبد الله كريم، التنظيم القانوني للذكاء الاصطناعي، دراسة مقارنة، مرجع سابق، ص: 23.
[21] – الأحسن السوسي ، كتاب الذكاء الاصطناعي – مقاربة قانونية – مطبعة الأورو – متوسطية المغرب – ، الطبعة 2023 ، ص 23 .
[22] – السلام عبد الله كريم ، التنظيم القانوني للذكاء الاصطناعي ، مرجع سابق ، ص 25.
[23] – فاطمة عبد العزير حسين أحمد بلال ، رسالة مقدو استكمالا لمتطلبات الحصول على درجة الماجستير في القانون الخاص ، جامعة قطر كلية القانون ، بالم 2023 من 44 و ما بعدها.
[24] – أروى بنت عبد الرحمان بن عثمان الجلعود ، أحكام الطبقات الذكاء الاصطناعي في القضاء ، الجمعية العلمية القضائية السعودية ، مركز قضاء البحوث و الدراسات ، ص 90.
[25] – أروى بنت عبد الرحمان بن عثمان الجلعود ، مرجع سابق ، ص 109.
[26] – فاطمة عبد العزيز حسن أحمد بلال ، مرجع سابق ، من 44.
