هل يصح قانونا إخضاع حساب ودائع وأداءات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات؟

محند بوكوطيس دكتور في العلوم القانونية والسياسية محام بهيئة الدار البيضاء.
تثير إضافة المادة 75-1 من مشروع القانون رقم 066.23 على مستوى لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين، والقاضية باخضاع حساب ودائع وأداءات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، اشكالا قانونيا عميقا يستوجب التدقيق والتمحيص، يتمحور حول مسألة محورية مزدوجة : مدى انسجام هذا الإخضاع مع الأسس الدستورية المؤطرة لاختصاص المجلس، ومدى توافقه مع الطبيعة القانونية لهيئات المحامين ولحساب ودائع وأداءات المحامين؟
المال العام كضابط دستوري وقانوني لاختصاص المجلس الأعلى للحسابات:
يعرف الدستور المجلس الأعلى للحسابات بوصفه الهيأة العليا لمراقبة المالية العمومية ( الفصل 147 من الدستور) وهو التنيص ذاته الذي تم التأكيد عليه بموجب مدونة المحاكم المالية (المادة 2).
وعليه، فإن تحديد نطاق اختصاص المجلس الأعلى للحسابات يظل رهينا، في المقام الأول، بتحديد المقصود بالمال العام الذي يشكل محل رقابته. ذلك أن المالية العمومية ينظر إليها، في مفهومها القانوني، باعتبارها: “مجموعة القواعد القانونية التي تنظم إعداد الميزانية العامة وتنفيذها ومراقبتها، وتحدد حقوق الدولة والتزاماتها في المجال المالي”.
غير أن الإشكال الجوهري الذي يطرح نفسه يتمثل في تحديد معيار دقيق للتمييز بين الأموال التي تكتسي صفة المال العام وتلك التي تظل خارجة عن هذا الوصف، بما يسمح بتحديد المجال الذي تنبسط عليه رقابة المجلس الأعلى للحسابات؟
معايير تحديد المال العام وتطبيقها على أموال هيئات المحامين (وليس فقط حساب الودائع):
من بين المعايير الأساسية المعتمدة في تحديد مفهوم المال العام معيار صفة المالك، الذي يقوم على إسناد وصف العمومية إلى الأموال تبعا للطبيعة القانونية للشخص الذي تعود إليه ملكيتها. ووفقا لهذا المعيار، تعتبر الأموال المملوكة للدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية أموالا عامة، بالنظر إلى كون هذه الجهات أشخاصا معنوية عامة خاضعة للقانون العام، وتتولى تدبير مرافق أو مصالح ذات نفع عام.
غير أن اعتماد معيار صفة المالك يثير بدوره تساؤلا جوهريا حول مدى انحصار الأشخاص المعنوية العامة في هذه الفئات التقليدية، أم أن المجال يظل مفتوحا أمام إحداث أشخاص معنوية عامة أخرى يمكن أن تكتسب أموالها بدورها صفة المال العام؟
والجواب من الناحية القانونية هو بالإيجاب، إذ لا يوجد ما يمنع من إحداث أشخاص اعتبارية جديدة تتمتع بالشخصية المعنوية العامة، شريطة أن ينص المشرع على خضوعها لقواعد القانون العام وأن يعهد إليها بتحقيق غايات أو مهام ذات طبيعة عامة، وعندئذ تندرج الأموال التي تملكها ضمن دائرة الأموال العامة استنادا إلى معيار صفة المالك.
وتطبيقا لهذا المعيار، فإن إضفاء وصف المال العام على الأموال التي تديرها أو تملكها هيئة المحامين يقتضي، ابتداء، ثبوت تمتع هذه الهيئة بصفة الشخص المعنوي العام الخاضع لأحكام القانون العام. غير أن هذا الشرط لا يبدو متحققا في حالة هيئات المحامين، باعتبارها لا تندرج ضمن الأشخاص المعنوية العامة التي ينشئها القانون العام لتدبير مرفق عمومي، كما أن تنظيمها وتسييرها لا يخضعان لقواعد القانون العام، وإنما لنظام قانوني خاص يكرس استقلال المهنة ويؤطرها بمقتضى النصوص التشريعية المنظمة لها والأنظمة الداخلية المعتمدة من قبل هيئاتها المهنية.
ذلك أن هيئات المحامين، وإن كانت تضطلع بوظائف ذات صلة مباشرة بحسن سير العدالة وتساهم، من هذه الزاوية، في أداء خدمة ذات نفع عام، فإنها لا تندرج ضمن الأشخاص المعنوية العامة التي ينشئها القانون العام لتدبير المرافق العمومية، ولا تخضع في تنظيمها وتسييرها أو في تدبير شؤونها المالية والإدارية لقواعد القانون العام، وإنما لنظام قانوني خاص يكرس استقلال المهنة ويؤطره من خلال النصوص التشريعية المنظمة لها والأنظمة الداخلية المعتمدة من قبل هيئاتها المهنية.
ومن ثم، فإن ما ذهبت إليه المحكمة الدستورية من اعتبار بعض الهيئات المهنية مساهمة في تدبير مرفق عام (قرار المحكمة الدستورية بشأن القانون المنظم لخطة العدالة)، لا يمكن فهمه على أنه مبرر لإخضاعها للأنظمة المطبقة على أشخاص القانون العام أو لبسط رقابة الأجهزة العمومية على تدبيرها الداخلي، لأن الغاية من هذا التكييف تظل مرتبطة بضمان احترام مبادئ الاستمرارية والحكامة والشفافية والمسؤولية في أداء المهام الموكولة إليها. وهي غاية يمكن تحقيقها من خلال آليات قانونية ومؤسساتية تتولى الهيئات المهنية نفسها إعمالها تحت مسؤوليتها، دون أن يؤدي ذلك إلى المساس باستقلالها المؤسساتي أو المالي، أو إلى إعادة تكييف الأموال الخاصة التي تديرها باعتبارها أموالا عمومية خاضعة للأنظمة الرقابية المقررة للمال العام.
غير أن الإشكال لا يقف عند حدود الطبيعة القانونية لهيئة المحامين، بل يسبق ذلك تساؤل أكثر جوهرية يتعلق بطبيعة الأموال محل الرقابة ذاتها. فحتى على فرض اعتبار هيئة المحامين شخصا معنويا عاما خاضعا للقانون العام، فإن إضفاء وصف المال العام على أموالها يقتضي أن تكون هذه الأموال مملوكة لها أصلا. ومن ثم يثار التساؤل حول ما إذا كانت الودائع المودعة بحساب ودائع وأداءات المحامين تشكل جزءا من الذمة المالية للهيئة؟
والجواب بالنفي، ذلك أن الأموال المودعة بهذا الحساب لا تعود ملكيتها لهيئة المحامين، وإنما تظل مملوكة لأصحابها من الموكلين أو للغير ذوي الحقوق، بينما يقتصر دور الهيئة على تدبير الحساب المخصص لاستقبال هذه الودائع وضمان حفظها وتأمينها وتتبع العمليات المتعلقة بها وفقا للضوابط القانونية والمهنية المقررة، وبذلك لا تنتقل ملكية هذه الأموال إلى الهيئة لمجرد إيداعها بالحساب المذكور، كما لا تندمج في ذمتها المالية.
وإذا كان اختصاص المجلس الأعلى للحسابات يرتبط، من حيث الأصل، بمراقبة الأموال العمومية وتدبيرها من قبل أشخاص القانون العام أو الهيئات الخاضعة لرقابته، فإن إخضاع ودائع تظل مملوكة للخواص وتديرها هيئة مهنية لا تنتمي إلى لأشخاص القانون العام، يثير إشكالا قانونيا عميقا حول أساسه الدستوري والقانوني. فكيف يمكن إخضاع أموال خاصة لا تملكها الهيئة، ولا تدخل ضمن ذمتها المالية، لرقابة جهاز أنشئ أساسا للرقابة على المال العام؟
وإذا كان يتم التمييز، حتى بالنسبة للأشخاص المعنوية الخاضعة للقانون العام، بين الأموال العامة والأموال الخاصة، بحيث لا تكتسب جميع الأموال المملوكة لها صفة المال العام بمجرد ارتباطها بشخص من أشخاص القانون العام، فإن هذا التمييز يصبح أكثر إلحاحا عندما يتعلق الأمر بشخص اعتباري لا يخضع أصلا لقواعد القانون العام، وإنما يستمد وجوده وتنظيمه من نظام قانوني خاص. ويزداد الأمر وضوحا عندما تكون الأموال محل النقاش غير مملوكة لهذا الشخص الاعتباري ذاته، وإنما تظل مملوكة لأصحابها الأصليين، بينما يقتصر دوره على تدبير الحساب الذي تودع فيه وضمان حفظها وتأمينها. وعليه، فإن القول بخضوع هذه الأموال لرقابة مقررة أساسا لحماية المال العام يثير تساؤلات جدية حول مدى انسجام هذا التوجه مع المعايير القانونية المعتمدة في تحديد مفهوم المال العام ونطاق الرقابة المرتبطة به.
ولا يقتصر تحديد المال العام على معيار صفة المالك، بل يمتد كذلك إلى معيار التخصيص للمنفعة العامة، ووفقا لهذا المعيار، لا يكتسب المال صفة العمومية إلا إذا كان مخصصا لخدمة المصلحة العامة أو موجها لإشباع حاجة جماعية يستفيد منها عموم المواطنين، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وعلى ضوء هذا المعيار، وحتى إذا جرى التسليم جدلا بأن الأموال المودعة بحساب ودائع وأداءات المحامين مملوكة لهيئات المحامين، رغم أنها في حقيقتها أموال تعود ملكيتها للموكلين والغير ولا تتولى الهيئة سوى تدبير الحساب المخصص لها، فإن ذلك لا يكفي وحده لإضفاء وصف المال العام عليها. إذ يتعين، فضلا عن ذلك، أن تكون هذه الأموال مخصصة لتحقيق منفعة عامة أو لإشباع حاجة جماعية.
والحال أن الودائع المودعة بهذا الحساب لا ترصد لتمويل مرفق عمومي، ولا توجه لتغطية نفقات ذات طابع عام، ولا تخصص لخدمة عموم المواطنين، وإنما ترتبط حصرا بضمان تنفيذ العمليات المالية المتصلة بحقوق الموكلين والغير في إطار العلاقة المهنية التي تجمعهم بالمحامين. ومن ثم يصعب القول بأن هذه الأموال تحقق شرط التخصيص للمنفعة العامة، الأمر الذي ينتفي معه أحد أهم المعايير القانونية المبررة لإضفاء وصف المال العام عليها.
ويستند تحديد المال العام كذلك إلى معيار الاستعمال المباشر من طرف الجمهور، الذي يعد من المعايير التقليدية المعتمدة في القانون الإداري للتمييز بين الأموال العامة والأموال الخاصة. ووفقا لهذا المعيار، يكتسب المال صفة العمومية متى كان مخصصا لانتفاع العموم به بصورة مباشرة، كالطرق العمومية والساحات والحدائق والمرافق المفتوحة أمام الجمهور.
وإذا كان هذا المعيار قد وضع أساسا بالنسبة للأموال المادية والعقارية أكثر من الأموال النقدية، فإنه يظل مفيدا لاختبار مدى انطباق وصف المال العام على الممتلكات التي تتوفر عليها هيئات المحامين. فهذه الهيئات تمتلك، إلى جانب ما تديره من حسابات، مجموعة من الأموال المادية والعقارية، من قبيل دور المحامين وقاعات الاجتماعات والندوات والتجهيزات المخصصة لتسيير شؤون المهنة.
غير أن هذه الممتلكات لا تبدو مخصصة للاستعمال المباشر من قبل العموم، وإنما ترصد أساسا لخدمة الهيئة وأعضائها ولضمان حسن سير المهام المهنية والمؤسساتية المرتبطة بتنظيم مهنة المحاماة. فهي لا تفتح للانتفاع العام على نحو مماثل للأموال الداخلة في الملك العام، ولا تمكن الجمهور من استعمالها بصورة مباشرة ومستمرة. ومن ثم ينتفي، حتى بالنسبة للأموال المادية التابعة لهيئات المحامين، أحد المعايير الأساسية التي يقوم عليها وصف المال العام، وهو معيار الاستعمال المباشر من طرف الجمهور.
الآثار القانونية المترتبة عن إخضاع حساب ودائع وأداءات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات
إن الإقرار بخضوع حساب ودائع وأداءات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات لا يقتصر أثره على مجرد توسيع نطاق الرقابة المالية، بل يفضي منطقيا إلى إعادة تكييف الطبيعة القانونية للأموال المودعة بهذا الحساب، بما مؤداه اعتبارها أموالا عمومية. غير أن هذا التكييف لا يقف عند حدود الرقابة القضائية المالية، وإنما تترتب عنه مجموعة من النتائج القانونية والمؤسساتية.
فمتى اعتبرت الأموال التي يدبرها حساب الودائع أموالا عمومية، أصبح من اللازم إخضاعها للقواعد والمبادئ المؤطرة للمرافق العمومية والخدمة العمومية، كما هي محددة بمقتضيات القانون رقم 54.19 بمثابة ميثاق المرافق العمومية. ويترتب عن ذلك، من حيث المبدأ، تفعيل الالتزامات المرتبطة بالشفافية والانفتاح وتمكين المرتفقين والعموم من الولوج إلى المعلومات والمعطيات المتعلقة بتدبير هذه الأموال وسير الحسابات المرتبطة بها، بل وإتاحة نشر جزء من تلك المعطيات وفقا للقواعد المنظمة للمال العام وتدبير المرافق العمومية. والحال أن الأموال المودعة بحساب الودائع لا تعود في الأصل إلى هيئة المحامين، وإنما إلى الموكلين والغير أصحاب الحقوق، الأمر الذي يثير إشكالات جدية تتعلق بحماية السر المهني والخصوصية والحقوق المالية للأشخاص المعنيين.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ إن اعتبار هذه الأموال أموالا عمومية من شأنه أن يفتح المجال كذلك أمام تدخل أجهزة الرقابة الإدارية التابعة للسلطة التنفيذية، وفي مقدمتها المفتشية العامة للمالية، باعتبارها جهازا مختصا بمراقبة تدبير الأموال العمومية واستعمالها. ذلك أن اختصاص هذه المفتشية يرتبط بطبيعة الأموال الخاضعة للرقابة أكثر مما يرتبط بطبيعة الجهة التي تتولى تدبيرها، بما قد يؤدي إلى إخضاع حساب ودائع وأداءات المحامين لمستويات متعددة ومتداخلة من الرقابة المالية.
كما أن هذا التكييف ستكون له آثار مباشرة على الوضع القانوني للجهات المكلفة بتدبير الحساب، إذ قد يفضي إلى اعتبار نقيب الهيئة أو مجلس الهيئة، بحسب الأحوال، في حكم الآمرين بالصرف العموميين أو المسؤولين عن تدبير أموال عمومية، وهو ما يجعلهم خاضعين لرقابة مالية مزدوجة تمارسها كل من المحكمة المالية (قضاء المجلس الأعلى للحسابات) والمفتشية العامة للمالية، رغم أن تدبيرهم يتم في إطار مؤسسة مهنية مستقلة وليست مرفقا عموميا تابعا للدولة.
والأهم من ذلك أن اختصاص أجهزة الرقابة المالية لا يقتصر على فحص الحسابات والتأكد من سلامة العمليات المالية المثبتة بها، بل يمتد كذلك إلى ممارسة رقابة التسيير وتقييم أساليب التدبير والحكامة والنجاعة في استعمال الموارد. ومتى اعتبرت هيئة المحامين، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، جهازا مدبرا لأموال عمومية، فإن هذه الرقابة قد تنصرف إلى كيفية تسييرها وتنظيمها واتخاذها للقرارات المرتبطة بتدبير شؤونها المهنية والمؤسساتية، وهو ما يثير إشكالا عميقا بالنظر إلى ما قد ينطوي عليه من مساس باستقلال مهنة المحاماة واستقلال هيئاتها المنتخبة، بما هي مؤسسات مهنية تتمتع باستقلال مؤسساتي وإداري ومالي يشكل أحد الضمانات الأساسية لحماية حق الدفاع وضمان حسن سير العدالة.
الأنظمة المقارنة والمعايير الدولية:
لا يبدو أن الاتجاه الرامي إلى إخضاع حساب ودائع وأداءات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات يجد له سندا واضحا في الأنظمة المقارنة أو في المعايير الدولية المؤطرة لاستقلال مهنة المحاماة. فبالرجوع إلى التشريعات المقارنة والاجتهادات القضائية ذات الصلة، بما في ذلك التجربة الفرنسية التي تعتبر المرجعية القانونية في الممارسة المغربية، لا يعثر على ما يفيد اعتبار أموال هيئات المحامين أموالا عمومية أو إخضاعها للأنظمة القانونية المطبقة على المال العام.
وعلى العكس من ذلك، تتجه أغلب الأنظمة المقارنة إلى إقرار آليات قانونية تضمن الشفافية وحسن تدبير الأموال التي تشرف عليها هيئات المحامين، مع الإبقاء على مسؤولية الرقابة والتدبير داخل المؤسسات المهنية ذاتها، دون إحلال أجهزة الرقابة العمومية محلها أو إخضاعها للأنظمة المقررة لحماية المال العام.
ويجد هذا التوجه سنده كذلك في المعايير الدولية ذات الصلة باستقلال مهنة المحاماة. فمبادئ الأمم المتحدة بشأن دور المحامين، وإن لم تنص صراحة على مفهوم الاستقلال المالي لهيئات المحامين، فإنها تقر مبدأ الاستقلال المؤسساتي لهذه الهيئات باعتباره أحد الضمانات الأساسية لاستقلال المهنة، ولا يقتصر هذا الاستقلال على الجوانب التنظيمية والمهنية، بل يمتد بالضرورة إلى تمكين الهيئات من تدبير شؤونها الإدارية والمالية بحرية واستقلال، بعيدا عن أي تدخل خارجي من شأنه التأثير في قراراتها أو في طريقة تسييرها.
وقد أكد المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني باستقلال القضاة والمحامين هذا المعنى في أكثر من مناسبة، معتبرا أن من أهم ضمانات استقلال مهنة المحاماة وجود هيئات مهنية ذاتية الإدارة وقادرة على تدبير شؤونها بنفسها. وفي هذا السياق، جاء في تقريره الصادر بتاريخ 5 شتنبر 2018 أن أفضل ضمان لاستقلال المهنة يتمثل في أن تكون هيئات المحامين قادرة على وضع قواعدها وأنظمتها الخاصة واتخاذ قراراتها بمنأى عن التأثير الخارجي وتمثيل مصالح أعضائها وتحمل نفقاتها الذاتية. وهو تصور يعكس ارتباط الاستقلال المؤسساتي للهيئات المهنية باستقلالها الإداري والمالي، باعتبارهما وجهين متكاملين لضمان استقلال المحاماة وحماية دورها في صون حقوق الدفاع وسيادة القانون.
ونتيجة لذلك، فإن هيئات المحامين تظل مؤسسات مهنية ذات طبيعة قانونية خاصة، لا يمكن إدراجها ضمن أشخاص القانون العام ولا ضمن أشخاص القانون الخاص بالمفهوم التقليدي، وإنما تخضع لنظام قانوني متميز يجمع بين بعض آليات القانون العام ومقتضيات القانون الخاص، بما ينسجم مع خصوصية الرسالة التي تضطلع بها في خدمة العدالة وضمان حقوق الدفاع.
وانطلاقا من هذه الطبيعة القانونية الخاصة، ومن خلال استقراء مختلف المعايير المعتمدة لتحديد مفهوم المال العام، فإن إخضاع أموال هيئات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات يفضي إلى نتائج قانونية ومؤسساتية تتجاوز نطاق الرقابة المالية المحضة، وتمتد إلى مجالات قد تمس باستقلال الهيئات المهنية في تدبير شؤونها.
ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، انتفاء أي شكل من أشكال المساءلة أو الرقابة على تدبير حساب ودائع وأداءات المحامين، إذ إن المسؤولية المترتبة عن تدبير هذه الأموال تظل قائمة، غير أن أساسها القانوني يختلف عن أساس الرقابة على المال العام. فطالما أن هذه الأموال لا تدخل في الذمة المالية للهيئات ولا تكتسب صفة الأموال العمومية، فإن أي إخلال بالالتزامات المرتبطة بحفظها أو تدبيرها أو تسليمها لأصحاب الحقوق يبقى خاضعا للقواعد العامة للمسؤولية المدنية، ولآليات المراقبة والتأديب المقررة بموجب التشريع المنظم لمهنة المحاماة، دون أن يستدعي ذلك إعادة تكييف طبيعتها القانونية أو إخضاعها للأنظمة الرقابية المقررة أصلا لحماية المال العام.
