مجلة مغرب القانونالقانون العاممحمد أيت بود: المقاربة الجديدة لبرامج التنمية الترابية المندمجة

محمد أيت بود: المقاربة الجديدة لبرامج التنمية الترابية المندمجة

محمد أيت بود دكتور في القانون العام


ملخص:

      تنطلق فلسفة الجيل الجديد من برامج للتنمية الترابية المندمجة من إشكالية حقيقية مفادها أن هناك قصورا وتراجعا في مستويات التنمية الترابية والعدالة المجالية في المغرب، وذلك بناء على أساس أن جهود التنمية المبذولة من خلال مختلف البرامج والسياسات تضل عاجزة عن بلوغ الأهداف والمرامي القصوى المرغوبة، وهذا راجع إلى تشتت هذه البرامج وهذه السياسات وعدم قدرتها على تحقيق الإلتقائية وبالتالي تحقيق النجاعة  وفعالية الإنجاز المطلوبة، رغم أن هذه البرامج والسياسات تلتهم موارد مالية ضخمة جدا، إلا أن أثرها على التنمية الترابية والعدالة المجالية لا يزال ضعيفا جدا، وهذا ينتج مغربا يسير بسرعتين، ويبدو ذلك بشكل جلي في مظاهر الفقر التي لاتزال تنكشف على مستوى النقص الحاد في التجهيزات والبنيات التحتية في القرى والدواوير والمدن والأحياء وعلى مستوى التخطيط العمراني والتهيئة الترابية، وتؤثر على  رونقها وجماليتها، وعلى مستوى عيش الساكنة كذلك.

كلمات مفتاحية: التنمية – الترابية – المندمجة- العدالة – المجالية – البرامج – السياسات


Résumé :

La philosophie de la nouvelle génération de programmes de développement territorial intégré part d’un constat réel, à savoir qu’il existe des lacunes et un recul en matière de développement territorial et d’équité spatiale au Maroc, ce qui s’explique par le fait que les efforts de développement déployés à travers les différents programmes et politiques restent incapables d’atteindre les objectifs et les ambitions maximales souhaités, Cela s’explique par la dispersion de ces programmes et politiques et par leur incapacité à assurer la cohérence et, par conséquent, à atteindre l’efficacité et l’efficience requises. Bien que ces programmes et politiques mobilisent des ressources financières considérables, leur impact sur le développement territorial et l’équité spatiale reste très faible, ce qui donne lieu à un Maroc à deux vitesses. ce qui se manifeste clairement dans les manifestations de la pauvreté qui continuent de se révéler au niveau du manque criant d’équipements et d’infrastructures dans les villages et les villes, ainsi qu’au niveau de l’urbanisme et de l’aménagement du territoire, affectant ainsi leur charme et leur esthétique, ainsi que le niveau de vie de la population.

Mots clés : Développement – territorial – intégré – équité – spatial – programmes – politiques


مقدمة:

ترتكز المقاربة الجديدة لبرامج التنمية الترابية  المندمجة على الانطلاق من الأسفل نحو القمة، وعلى التخطيط الإستراتيجي طويل الأمد، وعلى المقاربة التشاركية، وعلى عنصر فعالية الإنجاز المعروفة في  الفلسفة التدبيرية للقطاع الخاص، خاصة المقاربة التدبيرية التي ترتكز على الأهداف والنتائج، وذلك من أجل الظفر برهان تقليص الفوارق  وتحقيق الإنصاف المجالي وترسيخ عدالة ترابية شاملة والقضاء على الفقر والحرمان ومظاهر التخلف، ومن خلال تفكيك البنية الدلالية للعبارة برمتها ( برامج التنمية الترابية المندمجة).

يمكن أن نستخلص أن الأمر يتعلق بفلسفة جديدة للتنمية الترابية تتغيى تحقيق عنصر الاندماج والالتقائية بين مختلف البرامج والمشاريع التنموية التي سوف ترصد لها المبالغ المستحقة، وذلك بالاعتماد على تشخيص ترابي للحاجيات والخصوصيات والمؤهلات، من أجل إعادة التوازن بين مختلف الجهات والأقاليم، وتحقيق مغرب منسجم يسير بسرعة واحدة.

أولا: إشكالية الدراسة:

تعالج هذه الدراسة إشكالية التنمية الترابية والعدالة المجالية من منطلق أن الدولة واعية بمدى العجز المسجل في تحقيق التنمية الترابية والعدالة المجالية، وأن هذا العجز أفرز عدة مشاكل مرتبطة بهشاشة نتائج الاختيارات التنموية الحالية وعدة قدرتها على الوصول إلى لب الإشكال التنموي، من أجل استئصال الأسباب الحقيقية للفقر والهشاشة على المستوى الترابي، رغم كثرة البرامج والمخططات وتنوع السياسات العمومية ومدى ضخامة الميزانيات المرصودة لها، وهذا يعتبر مؤشرًا أو إقرارًا أو اعترافًا من لدن السلطة على فشل كل البرامج والمخططات والسياسات التنموية الترابية السابقة، لهذا فهي ( أي الدولة) تبلور لديها تصور جديد و فريد للتنمية الوطنية نابع من ضرورة إنجاز نموذج تنموي يرتكز بشكل أساسي على تنمية المجالات الترابية في المقام الأول، وذلك من أجل تحقيق تنمية شاملة قادرة على رفع التحدي وتحقيق الرهان، باعتبار أن المنظور الإستراتيجي للتنمية صار ينطلق من أسفل نحو الأعلى؛ لهذا فهي بصدد إطلاق الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، غير أن هذا الأمر يثير الكثير من الأسئلة والتي يرتبط بعضها بمدى نسبة النجاح المفترضة لها ( أي هذه البرامج) اِنسجاما مع الرؤية التي يقدمها النموذج التنموي الجديد لتحقيق الإقلاع وتحرير الإمكان البشري، وهل يمكن اعتبار أن إطلاق هذا الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية قادر على تجاوز الأسباب الحقيقية التي تفرمل كل المشاريع التنموية في البلاد والمرتبطة بالذهنيات والثقافة السائدة والسلوك الفردي والجماعي للفاعلين وعدم القدرة على الخروج من شرنقة المصلحة الذاتية نحو تمثل للمصلحة العامة نابع من التشبع بفلسفة المواطنة، وبالتالي اِعتبار أن هذا الجيل من برامج التنمية الترابية وذلك انطلاقا من الأفق التنموي الذي قدمه النموذج التنموي الجديد للبنيات الإدارية والبشرية والإنتاجية على المستوى الترابي، قادرة على تحقيق التنمية المطلوبة وبالتالي تحقيق الطموح الذي رسمه النموذج التنموي الجديد في أفق 2035[1].

ثانيا: فرضيات الدراسة:

اِنطلاقا من كون النموذج التنموي الجديد يطرح “في أفق 2035 ” رهان تعزيز المغرب كبلد ديمقراطي يمتلك فيه جميع المواطنين القدرة الكاملة على تولي زمام أمورهم وتحرير طاقاتهم والعيش بكرامة في مجتمع منفتح ومتنوع وعادل ومنصف، و بلد قادر على خلق القيمة المضافة، يستثمر مؤهلاته بصفة مستدامة ومسؤولةمستندا على التقدم المضطرد الذي يحققه على المستوى الوطني؛لكي يبرز كقوة إقليمية تضطلع بدور طلائعي في مواجهة التحديات التي تواجه العالم،  يمكن اعتبار أن برامج التنمية الترابية المندمجة قادرة على تحقيق، رهانات النموذج التنموي الجديد،  وتعيد تشكيل التراب في أفق خلق مجالات ترابية جديدة مزدهرة تزخر بالفرص والمؤهلات وتخلق الثروات، وذلك انطلاقا من الفرضيات التالية [2]:

  • بناء مجالات ترابية مزدهــرة تخلــق الثــروات وفــرص عمــل جيــدة فــي مســتوى طاقاتــها؛
  • بناء مجالات ترابية تضمن لجميـع المواطنيـن التوفر علـى مؤهـلات والتمتع بمسـتوى مـن الرفاه؛
  • بناء مجالات ترابية دامـجة توفـر الفـرص والحمايـة للجميـع وتعـزز الرابـط الاجتماعـي؛
  • بناء مجالات ترابية مسـتدامة تحـرص علـى المحافظـة علـى المـوارد وتوظفها بعقلانية؛

ثالثا: أهداف الدراسة:

تسعى هذه الدراسة إلى إيجاد نوع من التناسق بين الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة والنموذج التنموي الجديد، واعتباره وثيقة مرجعية يمكن على أساسها بلورة إستراتيجية وطنية للتنمية تعتبر التنمية الترابية المندمجة حجر الزاويةفيها، وذلك بواسطة إعمال طريقة تفكيـر اسـتراتيجي تركـز علـى إيجـاد الحلول لإشكاليات نسـقية تٌعتَبر السـبب الرئيسـي لتراجـع وتيرة التنميـة، و تفكير ذي طبيعـة شـمولية ومندمجـة يقـارب التنميـة فـي أبعادهـا المتعـددة (المؤسسـاتية و الاقتصاديـة و الاجتماعيـة والترابيـة والبيئيـة) فـي انسـجام مـع المبـادئ والقيـم التـي كرسـها دسـتور المملكـة، أي تفكيـر استشـرافي يراعي تطـورات السـياق الوطنـي والدولـي علـى المديين المتوسـط والطويـل، وبالخصوص، اقتـراح نموذج تنمـوي يضـع المواطـن فـي صلـب أولوياتـه ومنسـجم مـع واقـع البـلاد ومتطابـق مـع خصوصياتهـا ومؤهلاتها، ويعمـل علـى “تحديـد الأهداف المرسـومة لـه وروافـد التغييـر المقترحـة وكـذا سـبل تنزيلـه”. وإجمـالا، فـإن هذا النمـوذج يجـب أن يشـكل أيضـا “منظـورا جديـدا يسـتجيب لحاجيـات المواطنيـن[3]“.

إن التوزيـع غيـر المتكافـئ للمجهـود الإنمائي عبـر التـراب الوطنـي، تحـت التأثيـر المـزدوج لضعـف الإمكانيات والاختلالات فــي تدبيــر الشــأن العــام، يغــذي الشــعور بوجــود تعامــل متبايــن مــع الســاكنة ومــع المجـالات الترابيـة ويقـوي الفجـوة بيـن “مـن يتوفرون على كل شـيء ومـن لا يملكون أي شـيء”.

إن التهميش الـذي يطـال بعـض المناطـق وإقصـاء العالـم القـروي وإضعـاف الطبقـة الوسـطى والإحساس السـائد بركـود الحركيــة الاجتماعيــة تمثــل المآخــذ الأكثر ورودا فــي المشــاورات المواطنــة، ومن خــلال جلســات الإنصات التي سبقت إعداد النموذج التنموي؛ توالــت المطالـب حـول الولـوج المتكافـئ إلـى الخدمـات العموميـة، وتوجـد قناعـة مشـتركة لـدى المواطنيـن مفادها أن الإدارة والقطاعـات العموميـة والمرافـق العامـة، خاصـة فـي مجـالات التربيـة والتكويـن والصحـة، لـم تعـد تؤدي وظيفتهـا كآليـة للإدماج، مولـدة إحباطـات عميقـة ومغذية لأجواء أزمة الثقـة في الفعل العمومـي وإزاء الدولة[4].

  • منهجية الدراسة:

يستدعي الإجابة عن السؤال الإشكالي للدراسة ضرورة تجاوز المقاربات القانونية والمؤسساتية المعيارية نحو تبني المقاربة السوسيولوجية خاصة الوظيفية والبنيوية وسوسيولوجيا التنظيمات مع كل من ميشيل كروزيه –Michel CROZIER  وتالكوت بارسونز –Talcott PARSONS وفيليب برونو –Philippe BRUNO،خاصة دور القيم والتمثلات الجماعية في تشكيل المنظمة على شكل أنساق –Systèmes، و الثقافة السائدة يتم تحديدها لأنساق القيم أو العقليات الجماعية وعلاقتها بالثقافة المجتمعية أو الجماعية السائدة[5]، وتنتقل بواسطة الأسرة والمدرسة أو من خلال المسار المهني لأعضاء المنظمة أو السلوك الفردي لأعضاء المجتمع، بما توفره من امكانيات تفسيرية.

وفيما يخص الظاهرة المدروسة والتي هي التنمية الترابية المندمجة فهي تتشكل من عدة عناصر متشابكة، يتطلب الأمر دراسة كل واحدة منها على حدة، وتحليل نتائجها، وذلك من أجل استنباط الحكم من خلال القياس المنطقي، بناء على تأمل النتائج على المستوى الترابي والمجالي، وهذا الأمر يتطلب فرز كل المعطيات التي تشكل جزءًا من الظاهرة المدروسة، والتي تتضافر في نسق التنمية الترابية، وفيها الجانب الاجتماعي المرتبط بواقع السكان وأساليب وكذا مستوى معيشتهم، وفيها الجانب الاقتصادي المرتبط بالشغل والدخل والأنشطة الاقتصادية على المستوى الترابي، ومنها الجانب الثقافي – الأنثروبولوجي والمرتبط باللغة والثقافة والعادات السائدة والتمثلات الإجتماعية وكذا بمستوى وعي السكان، وفيها يكمن الجانب التعليمي ودور المدرسة والثقافة المجتمعية ودور المجتمع المدني في ترسيخ الوعي المواطني، وفيها الجانب الإداري باعتبار أن الإدارة هي المسؤولة عن تنفيذ برامج التنمية الترابية المندمجة ونسق العلاقات الادارية وتمثلات الفاعلين داخل هذا النسق.

في هذه الدراسة سنقوم بدراسة مقومات الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة (المطلب الأول) ثم ننتقل إلى دراسة مدى إمكانية تحقيق هذه البرامج لفعالية الإنجاز ونجاعة الأداء من خلال المقاربة المقاولاتية (المطلب الثاني).

المطلب الأول: مقومات الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة

في سنة 2025 أعلن الملك محمد السادس في خطاب العرش، إطلاق الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة[6]من أجل إحداث نقلة نوعية في التأهيل الشامل للمجالات الترابيةوتدارك الفوارق الاجتماعية والمجالية، و الانتقال من المقاربات التقليدية للتنمية، إلى مقاربة للتنمية الترابية و المجالية تعتمد جيلا جديدا من برامج التنمية الترابيةيرتكز على تثمين الخصوصيات المحلية، وتكريس الجهوية المتقدمة، ومبدأ التكامل والتضامن بين المجالات الترابية، و توحيد جهود مختلف الفاعلين، واقتراح حول أولويات واضحة، ومشاريع ذات تأثير ملموس على الواقع الاجتماعي والاقتصادي للساكنة، تهم على وجه الخصوص:دعم التشغيل، و تقوية الخدمات الاجتماعية الأساسية واعتماد تدبیر استباقي ومستدام للموارد المائية وإطلاق مشاريع التأهيل الترابي المندمج، ومن خلال مخرجات المجلس الوزاري المنعقد بتاريخ 6 أبريل 2026 تم تسطيرالمقومات الأساسية لهذا الورش التنموي الجديد والكبير[7]، وهي على التوالي:

الفقرة الأولى: التشخيص الترابي متعدد الابعاد

في إطار عملية إعداد برامج التنمية الترابية المندمجةيرجى أن تقوم شركات المساهمة المختصة بتنسيق مع الإدارة الترابية والجماعات الترابية والقطاعات الوزارية الترابية والمجتمع المدني، بتعميق التشخيص الترابي وذلك بالاعتماد على الدراسات الميدانية، التي يٌسنَد الإختصاص فيها إلى الفرق التقنية والوظيفية والإستراتيجية الموضوعاتية على المستوى الميداني، وهدف هذا التشخيص يكمن في معرفة حاجيات كل منطقة وكل مجال ترابي على حدة بالدقة المتناهية المطلوبة وذلك من خلال التركيز على التفاصيل الدقيقة لكل مجال ترابي على حدة، ذلك لأن حاجيات الجبل والهضبة ليست هي نفس حاجيات السهل والواحة، وحاجيات العالية ليست هي نفس حاجيات السافلة، وحاجيات القرى والدواوير ليست هي نفس حاجيات المدن والأحياء، وهذا التشخيص الترابي متعدد الأبعاد يجب أن ينصب على مستوى ووسائل عيش السكان وعلى بنية الاقتصاد المحلي والمجالي، والتهيئة العمرانية والترابية، وعلى البنيات التحتية الأساسية وخدمات القرب[8].

ويؤمل أن يتم توظيف قاعدة المعلومات والبيانات الرقمية –  (SIG) Système d’information Géographique  المتوفرة لدى الإدارة الترابية والقطاعات الوزارية الترابية، من أجل ملاءمة المعطيات المستخلصة  من الميدان مع تلك الموجودة في النظام المعلوماتي والعمل على تحيينها وأجرأتها بما سيتيح بالإعتماد عليها من أجل بلورة المشاريع  التي تشكل الإنتظارات الحقيقية للسكان، والتي سوف تغير مستوى عيشهم نحو الأفضل ، بل ستغير ملامح المجال الترابي وخلق مجالات ترابية جديدة ذات بنيات اقتصادية واجتماعية وثقافية مختلفة كليا عن عما كان في السابق، كما ستعمل على إعادة بناء التراب وفق منظومة جديدة من  الإختيارات ووفق نمط جديد من العقليات وداخل نسق متطور من الأفضليات والتي ستعطي للتراب جاذبية ورونقا وقدرة على خلق الثروة وتوفير العيش الكريم.

الفقرة الثانية: التخطيط الإستراتيجي طويل الأمد

لقد خصص لتنفيذ هذه البرامج اعتمادات ستبلغ ما يناهز 210 ملايير درهمعلى مدى 8 سنوات أي حوالي 22 مليار دولار أمريكي، وهذا مبلغ ضخم جدا بالنظر إلى حجم الإنتظارات التي ترجى منه تحقيقها على أرض الواقع،ومن بين أبرز الخصائص التي تتميز بها هذه البرمجة أنها تتجاوز الزمن الحكومي، باعتبار أنها ترتكز على التخطيط الإستراتيجي طويل الأمد، وهذا يطرح إشكالية المشاركة السياسية للحكومة في الأوراش المفتوحة، باعتبارها الجهاز التنفيذي الذي يتولى السهر على صنع وتدبير السياسات العمومية كما هو منصوص عليه في الفصل  92 من الدستور، باعتبار أن بيان المجلس الوزاري المنعقد بتاريخ 6 أيريل 2026 نص على إحداث لجنة وطنية يترأسها رئيس الحكومة تتألف من القطاعات الوزارية المعنية، تتولى مهمة المصادقة على البرامج وضمان طابعها المندمج والتشاوري، مع وضع مؤشرات للتتبع والتقييم لقياس مدى آثار المشاريع، لكن بخصوص آلية التنفيذ فهي مخولة لشركات المساهمة التي يترأس رؤساء الجهات مجالس إدارتها، وهذا الأمر يجد تفسيره في كونه يندرج ضمن الطابع الترابي والمجالي لهذه البرامج، ويطرح التخطيط الإستراتيجي طويل الأمد تحديات إكراهات التنفيذ و تتبع وتقييم المشاريع المنجزة، بحيث أثبتت الكثير من التجارب وبالأخص في مشاريع التنمية البشرية تراخي الفاعلين سواء أثناء التنفيذ أو التقييم، مما أثر على نوعية وجودة المشاريع المنجزة، رغم ابتلاعها لاعتمادات مالية مهمة، لكنها بقيت دون أثر فعال على مستوى عيش الساكنة وواقعهم الاجتماعي والاقتصادي[9].

مقال قد يهمك :   النقيب عبد الله درميش يحاضر بالرباط حول إنسانية مهنة المحاماة وقوامها وثوابتها

الفقرة الثالثة: المقاربة التشاركية

تعتمد فلسفة الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة على المقاربة التشاركية، وذلك من خلال إشراك الجماعات الترابية والجهات والمجتمع المدني والقطاع الخاص بالإضافة إلى الإدارة الترابية والقطاعات الوزارية اللاممركزة في صياغة وتنفيذ وتتبع إنجاز وتقييم المشاريع، اِنطلاقا من الاقتراح إلى التنزيل والتقييم، وفي نفس السياق فقد صادق المجلس الوزاري على مشروع قانون تنظيمي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي المتعلق بالجهات سوف يتم التنصيص فيه علىترأس مجلس إدارة شركات المساهمة من طرف رئيس الجهة، ويهدف هذا التعديل إلى إرساء إطار قانوني ومؤسساتي كفيل بضمان التنزيل الأمثل والفعال للجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، وذلك من خلال إشراك الجهة كجماعة ترابية كبيرة في هذا الورش التنموي الكبير عبر ثلاثة محاور كبرى تتعلق بآليات التنفيذ، واختصاصات الجهات، ومواردها المالية، وفيما يتعلق بالاختصاصات، فإن هذا الإصلاح يشكل مناسبة لتدقيق وإعادة توزيع اختصاصات الجهة بين ماهو ذاتي وما هو مشترك بينها وبين الدولة، مع التركيز على دور الجهة كرافعة أساسية للتنمية الاقتصادية[10].

تهدف المقاربة التشاركية بهذه الصيغة إلى تجاوز المقاربة القطاعية في صياغة وتنفيذ المشاريع الترابية والانتقال إلى مقاربة مندمجة تحقق الإلتقائية، كما تروم تجاوز المقاربة الترابية التقليدية سواء تلك القائمة على البرمجة الموازناتية–Budgétaire  للجماعات الترابية أو تلك المرتبطة بالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية والتي تشرف على تنزيلها الإدارة الترابية، وهذه المقاربة يؤمل أن ترتكز على عنصري الإبتكار والنجاعة في التنفيذ و التقييم، مع التأكيد على ضرورة قياس الأثر الحقيقي للمشاريع المنجزة على حياة الساكنة، فالتنمية البشرية تهدف في الأصل إلى تنمية الإنسان وذلك من خلال تحسين طرق ووسائل العيش بالشكل الذي سيؤثر على العقلية و طريقة التفكير في نهاية المطاف، ووفقا لذلك فالإنسان القرويعلى سبيل المثال يجب أن ينتقل من الاقتصاد الذي يرتكز على تدبير الندرة إلى الاقتصاد الذي يقوم على تنمية قدرات الإنتاج وتحقيق الفوائض،  وهذا من شأنه أن يؤثر مستوى أنماط الإستهلاك وإنتاج السعرات الحرارية ووسائل الراحة والترفيه، بمعنى الإنتقال على سبيل المثالمن اِستهلاك السكر والشايبكثرة، وبالأخص في البوادي، إلى أنماط جديدة من الإستهلاك أكثر فائدة على مستوى إنتاج السعرات الحرارية وتحقيق الإشباع، ومن النمط التقليدي في التدبير القائم على الزراعات المعاشية و التخزين والتسوق في آخر الأسبوع، إلى نمط جديد قائم على التدبير المتعدد للنقود والحاجيات وفق نمط جديد للإستهلاك متعدد الإختيارات ومتناسب مع القدرات المالية للأفراد،  ومفتوح على الاقتصاد الوطني ومنسجم معه، ومن نمط من السكن قائم على تدبير المساحة وفقا لعدد أفراد الأسرة وفضاءات غير منظمة خاصة بالمواشي في غياب تام للتهيئة العمرانية وانتشار البناء العشوائي، إلى نمط جديد من المعمار يحترم الخصوصيات المحلية ويحقق الجمالية والرونق المطلوب، وفي نفس الوقت يجيد تدبير المساحة وفق الحاجيات في أفق تحقيق الراحة النفسية والإنسجام الاجتماعي[11].

المطلب الثاني:تحقيق فعالية الإنجاز   ونجاعة الأداء من خلال المقاربة المقاولاتية

يطرح إنجاز مشاريع البرامج التنمية الترابية المندمجة إشكالية تحقيق فعالية الإنجاز ونجاعة الأداء، ويرجى من خلال تخويل آليات التنفيذإلى شركات مساهمةتحقيق الجمع بين متطلبات الحكامة والرقابة العمومية، ومرونة التدبير ونجاعة الأداء المعروفة في القطاع الخاص، وذلك بهدف الرفع من جودة الإنجاز وتسريع وتيرة التنفيذ، ورغم أن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية كورش إجتماعي كبير من حيث الأهداف والإستراتيجية ومن حيث درجة ونوعية الإستهداف، وكذا من حيث حجم الموارد  المالية المرصودة والتي جاءت في الأصل من أجل تحقيق تنمية المجالات الترابية، وذلك من خلال القضاء على الفقر والهشاشة و البطالة المتفشية خاصة في البوادي بواسطة المشاريع المدرة للدخل، إلا أن طرق تنزيلها من طرف الإدارة والتي اتسمت بالبيروقراطية والتعقيد والجمود وكذانوعية المشاريع التي احتضنتها أبانت عن اختلالات كبيرة في التدبير والتقييم والنتائج المحققة[12].

يأتي الحديث عن الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة في زخم  ودينامية سياسية ومؤسساتية تتسم بتفعيل ورش الجهوية المتقدمة وتعزيز اللامركزية واللاتمركز الإداري،  وهذا الأمر يتطلب رؤية جديدة في التعاطي مع هذه البرامج غير تلك التي تم بها التعامل مع العديد من البرامج والسياسات السابقة، والتي التهمت موارد مالية هامة جدا، دون أن يكون لها الأثر المرغوب على مستوى عيش الساكنة وعلى مستوى تطور وتنمية المجالات الترابية، وتأتي هذه التجربة الجديدة – التي أسند فيها التنفيذ لشركات المساهمة يترأس مجلس إدارتها رئيس الجهة،  كنوع من أنواع الشركات التجارية والتي وصفها G.Ripertبكونها تمثل الإدارة الرائعة للرأسمالية المعاصرة[13]،-من أجل إضفاء فلسفة القطاع الخاص على التدبير الإداري الذي يتسم بالجمود والبيروقراطية وقلة الفعالية، و ستعوض الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع –AREP))Agences Régional d’Exécution des Projets والتي أسندت إليها مهام تتبع إنجاز وتنفيذ وتقييم المشاريع المبرمجة من طرف الجهات، حسب الفصل 130 من القانون التنظيمي للجهات، بحيث أنيطت بها مهمة تقديم المساعدة القانونية والهندسة التقنية- المالية عند دراسة وإعداد المشاريع.

وفيما يخص شركات المساهمة؛ فالمادة الأولى من القانون رقم  17.95 المتعلق بشركات المساهمة والمتمم والمغير بواسطة القانون 19.20، ومن أجل تعزيز آليات مراقبتها حرصا على الشفافية والمصداقية، تنص على أنها تتضمن العدد الكافي من المساهمين والذين ينتظمون في جمعيات للمساهمين وفق الفصل 108، وتنص المادة 8 منه على أن العلاقة بين المساهمين خاضعة لعقد الشراكة والمبادئ العامة المطبقة على الالتزامات والعقود، ووفق المادة 20 يتم تسييرها من طرف مجلس إدارة جماعية معين من طرف أعضاء مجلس الرقابة الأولَين ومراقبي الحسابات الأولَين، بموجب النظام الأساسي، يترأسه رئيس مجلس الإدارة معين من طرف هؤلاء، ووفق المادة 33 فإن  المجلس الإداري يضل تحت رقابة مجلس الرقابة أو لمراقب أو مراقبي مجلس الحسابات – Commissaires aux comptesبعد التقييد بالسجل التجاري، باعتبار أنها خاضعة لمبادئ القانون الخاص ولرقابة داخلية تتمثل في الجمعية العامة للمساهمين ومجلس الرقابة أو مراقبي الحسابات وكذا لرقابة خارجية تتمثل في النيابة العامة والمحاكم التجارية ولقاضي المستعجلاتوفقا للمادة157، وللمراقبة والمسؤولية الجنائية والمدنية وفقا للمادتين88 و62.

 ومن خلال استقراء هذه النصوص المنظمة يتضح مدى الصرامة التدبيرية لهذا الصنف من الشركات، ولماذا اختيرت لاحتضان هذا الورش التنموي الكبير الذي تعلق عليه آمال كبيرة في تحسين صورة المغرب، ورفعه إلى مصاف الدول المتقدمة[14].

يمثلالنهوض بالرأس مال البشري الركيزة الأساسية في التنمية، و يتم تفعيل دوره في الاستثمار في التعليم والصحة والإنتاج الفكري من خلال توظيف قدراته الذهنية والإبداعية، ويشكل ذلك كله إستراتيجية التنمية الوطنية في أفق 2035، وقد أوصى تقرير الخمسينية بتحرير الإمكان البشري [15]والذي يعتمد على عنصر الثقة وإتاحة الفرص والتكوين الجيد وخلق وتنمية المزايا التنافسية، والنموذج التنموي الجديد يراهن على تنميةرأس مال البشري الذي يعد من الثروات الاقتصادية من منطق أن تحقيق النمو الاقتصادي يفرض جعل هذا العنصر مؤثرا في جميع مسارات التنمية؛ ولتحقيق هذه الغاية يتوجب حسب تقرير النموذج التنموي الجديد القيام بانعطافات ومرجعيات جوهرية على مستوى السياسات العمومية في مجال الصحة والتربية والتعليم العالي[16].

لكن التساؤل المطروح هو الآتي : كيف يمكن التوفيق بين خاصية القطاع الخاص التي تنهل من التدبير العمومي العصري  الموسوم بــــــ ” التسويق –Markéting  ”  الذي يرتكز على جلب قدر أعلى من الربح السريع  وبين خصائص التدبير العمومي الذي يرتكز على تقديم الخدمة العمومية المجانية كمرادف للمرفق العمومي –Service Public في إطار المصلحة العامة؟، وهل سيؤثر  عدم التجانس المؤسساتي وتعدد مستويات الفاعلين بين شركات المساهمة التي تنتمي إلى فلسفة القطاع الخاص وبين الجماعات الترابية التي يحكمها منطق التوازنات السياسية والحزبية؛ وبالأخص الجهة بحكم دورها الطلائعي في التدبير والمصالح الخارجية والإدارة الترابية التي تنتمي إلى فلسلفة الخدمة العمومية على طرق التدبير و جودة المشاريع المبرمجة؟فبينما يسود في القطاع العام منطق الحافز المعنوي المتمثل في خدمة المصلحة العامة يسود منطق الحافز المادي والمكافآت والتعويضات في القطاع الخاص كمعيار لقياس النجاعة والفعالية، وإذا كان الروتين الإداري خاصية لصيقة بالقطاع العام فإن القطاع الخاص يسود منطق النجاعة في الأداء وفعالية الإنجاز، وعلى هذا الأساس يمكن تقسيم الحوافز إلى ثلاث فئات[17]: عقلانية: وتتمحور حول الحصول على قدر من المصلحة الشخصية.معيارية: فبينما يطالب رجال السياسة والأكاديميون وأصحاب القرار في المغرب بإخضاع الحوافز في الإدارة العمومية لمنطق القطاع الخاص؛ يطالب نظراؤهم في الغرب بتخليص المرافق العمومية من قيم القطاع الخاص لأنها حسب تقييمهم تمثل سبب عجز الإدارة العمومية في بلدانهم عن تجاوز أزمتها، بسبب انشغال الموظفين بالحوافز المهنية المحركة للسلوك البيروقراطي.عاطفية: وحسب بيري وريكاسينو- Perry & Recascino تمثل الحوافز المنبثة من خدمة المجتمع وهي تدوم أكثر من تلك القائمة على الربح المادي والتي يستمر مفعولها لمدة قصيرة ويعيد فيديركسون –Federikson   فهم حافز الموظف هو التطوع من اجل الوطن ويشكل نبل الأهداف لعظيمة للخدمة العمومية[18].نظام الأجور والتعويضات: يستعمل المؤسسات العمومية الخاضعة للقانون الخاص أشكال متعددة من التحفيز المادي المستعملة في القطاع الخاص والمتمثلة في الأجر المغري والترقية السريعة والتعويضات الخيالية أو التسريح بسبب نتائج غير مرضية، وهذه الوسائل يمكن أو لا يمكن أن تحقق أداء فرديا مرضيا[19].

الفقرة الأولى: رهان الحكامة لتحقيق نجاعة الأداء وفعالية الإنجاز

في مجال المراقبة وربط المسؤولية بالمحاسبة المنصوص عليها في الفصل الأول من دستور2011، سوف يخضعتنفيذ برامج التنمية الترابية المندمجة لتدقيق سنوي مشترك بين المفتشية العامة للمالية والمفتشية العامة للإدارة الترابية لقياس مستوى الأداء، والتأكد من احترام مساطر التنفيذ؛ فعلى مستوى الحكامة والقيادة، سيتم تبني مقاربة تنطلق من المستوى المحلي، الذي يتكلف بالإعداد والتتبع، في حين يتولى المستوى الوطني التنسيق العام وتعبئة التمويلات اللازمة.

على المستوى المحلي، سيتم إحداث لجنة يترأسها عامل العمالة أو الإقليم، وتضم المنتخبين وممثلي المصالح اللاممركزة للدولة، تتولى صياغة البرنامج وتتبع تنفيذ المشاريع، والتشاور مع الساكنة المستهدفة استجابة لمتطلباتها، مع ضمان تثمين مؤهلات المناطق المعنية، ويترأس والي الجهة لجنة تتكلف بتجميع برامج التنمية الترابية المندمجة الخاصة بعمالات وأقاليم الجهة مع ضمان الانسجام العام للمشاريع.

وعلى المستوى الوطني، سيتم إحداث لجنة وطنية يرأسها رئيس الحكومة، تتألف من القطاعات الوزارية المعنية، تتولى مهمة المصادقة على البرامج، وضمان طابعها المندمج والتشاوري، مع وضع مؤشرات للتتبع والتقييم لقياس مدى آثار المشاريع على الواقع الإجتماعي والاقتصادي للمجالات الترابية.

وفيما يخص الموارد المالية، يرمي هذا المشروع إلى تقوية القدرات المالية للجهات، من خلال الرفع من سقف الاعتمادات المرصودة بميزانياتها، بما يمكنها من ممارسة اختصاصاتها على الوجه الأكمل، ويعزز استقلاليتها المالية، ويضمن مساهمتها الفعلية والمنتظمة في تمويل وتنفيذ برامج التنمية الترابية المندمجة.

وتنص المادة 66 من القانون التنظيمي للمالية رقم 130.13، على ضرورة أن تقوم كل وزارة برفع تقرير حول نجاعة الأداء بالنسبة لكل برنامج يبين النتائج المحققة بالنسبة للأهداف التي سبق تحديدها، ويتم تجميع هذه التقارير في تقرير تركيبي سنوي حول نجاعة الأداء تعده الوزارة المكلفة بالمالية، وينصب مضمون هذا التقرير على مدى تحقيق البرامج والمشاريع والمرافق والمؤسسات العمومية لأهدافها ومدى تحقيق هذه الأهداف للآثار الملموسة على المواطنين[20].

وبحكم أن رئيس الحكومة يتولى رئاسة لجنة وطنية تتألف من القطاعات الوزارية المعنية، تتولى مهمة المصادقة على البرامج وضمان طابعها المندمج والتشاوري، مع وضع مؤشرات للتتبع والتقييم لقياس مدى آثار المشاريع، فإنه مسؤول عن ضمان نجاعة الأداء–Efficacité des performances  المنصوص عليها في القانون التنظيمي للمالية، وعلى هذا الأساس فهو مسؤول عن حكامة وجودة برامج التنمية الترابية المندمجة سواء أمام البرلمان أو أمام الملك، وذلك طبقا للفصل  47 من الدستور والذي ينص على ترؤس الملك للمجلس الوزاري الذي يضم رئيس الحكومة لمناقشة القضايا الإستراتيجية، مما يعزز رقابة الملك المباشرة على نشاط رئيس الحكومة.

يحيل مفهوم الحكامة –Gouvernance على طرق تخطيط وتدبير المشاريع التنموية الترابية بدءًا من الاقتراح ثم التخطيط ثم البرمجة فالتنفيذ والإنجاز إلى التقييم، وهذه المراحل برمتها تستلزم قدرًا عاليا من الدقة والنجاعة والعقلانية، ويعتبر التخطيط ،مكونا أساسيا في الحكامة، إذ يتيح تجسيد الزاوية المعتمدة وتنزيلها في شكل برامج ومخططات سواء على المدى القصير أو المتوسط، كما يسمح بإشراك مجموع الشركاء في مشروع مشترك، بما يحقق الانسجام والتكامل بين برامج الجماعات الترابية وبرامج تنمية العمالات والأقاليم وبرامج تنمية الجهات والمؤسسات العمومية والمصالح الخارجية للوزارات وبرامج التنمية الترابية المندمجة، وفق مقاربة تشاوريه من أجل الاستجابة لانتظارات الساكنة المحلية وتطلعاتها.

مقال قد يهمك :   حسن مزوزي: كفالة الأيتام العابرة للحدود

ويجب أن تنطلق من التوجهات الإستراتيجية للسياسة العمومية لإعداد التراب – Orientations de la Politique Publique de l’Aménagement du Territoire (OPPAT)  والتصميم الجهوي لإعداد التراب – Schéma Régional d’Aménagement du Territoire (SRAT)، وبرامج التنمية الترابية[21].

و اِنطلاقا من مفهوم الحكامة الترابية–Gouvernance Territoriale يجب أن تكون لبرامج التنمية الترابية المندمجة القدرة على المساهمة في التحسن الملموس لظروف عيش المواطنين وأن تقطع مع جميع النقائص والسلبيات التي عرفها تدبير المشاريع والبرامج السابقة، وأن تتجاوز هذه السلبيات الاختلالات نحو ربح رهان التنمية بما يتيح للمواطن أن يلمس أثرها المباشر والفوري على مستوى عيشه وواقعه الاجتماعي والاقتصادي وعلى مستوى تنمية المجال الترابي وخلق جاذبيته للإستثمار وفرص التنمية الخارجية، وكما يجب أن تتجاوز هذه البرامج مضاعفات ونتائج ضعف موارد الجماعات الترابية وارتهانها الكبير لدعم الدولة من خلال الضريبة على القيمة المضافة –Subvention de l’Etat  ،  وضعف مساهمة الجماعات الترابية في الإستثمار وعدم قدرتها على خلق الموارد الذاتية المستدامة[22].

ويجبمن منظور الحكامة الترابية أيضا؛ اِعتماد آليات جديدة للتدبير، رغبة في تجاوز المقاربات التدبيرية التقليدية والتي أبانت عن عجزهافي تحقيق طفرة نوعية والإقلاع التنموي المرغوب، ويندرج تحويل عملية تنفيذ وتتبع إنجاز المشاريع الترابية من الوكالات الجهوية لإنجاز المشاريع –Agences Régional d’exécution des Projets (AREP) إلى شركات المساهمة التي سوف تؤسس لهذا الغرض ضمن هذا الإطار.

غير أن الرهان الحقيقييتمثل مدى قدرة هذا النموذج التدبيري الجديد على التنزيل الفعلي والأمثل للمشاريع على المستوى الترابي بما يتيح تحقيق الطفرة التنموية الموعودة، باعتبار أن التقصير أو القصور يمكن أن يطال مجالات القيادة والإشراف والتنسيق  بين مختلف المجالات والفاعلين على المستوى الترابي، ما قد يؤدي إلى نفس النتائج السابقة، ألا وهي غياب عناصر الانسجام والاندماجوالالتقائية بين مختلف البرامج والمخططات والسياسات العمومية الوطنية والمشاريع الترابية المندمجة، وبالتالي إسقاط التجربة برمتها في نفس مآل سابقاتها، ولو أن هذا الحكم يضل سابقا لآوانه، ولكنه نابع من التخوف السائد الناتج عن شعور عارم بالإحباط عند شرائح واسعة من المجتمع و الذي راكمته التجارب السابقة[23].

الفقرة الثانية: عقلنة الإختيارات من أجل إعادة تشكيل التراب

يخضع التراب في المغرب لتحولات هيكلية عميقة جدا، وهي أحيانا نابعة من إرادوية للدولة وغير خاضعة لها في أحايين أخرى، وهي في الغالب مرتبطة بخضوع الدولة للإطار المرجعي المعولم وانخراطها في مشاريع عالمية عملاقة يتطلب منها رفع إيقاع التنمية على المستوى الوطني والجهوي والترابيلكي يتلاءم مع الإنتظارات الكبرى للشركاء، وكذلك مع الرهانات الكبرى للمؤسسة الملكية، والتي تندرج في إطار رؤية تتطلع إلى إدراج المغرب ضمن مصاف الدول الصاعدة[24].

يتطلب عقلنة الإختيارات–Rationalisation desoptionsالعمل على ابتكار أدوات وآليات جديدة قانونية وإدارية ومؤسساتية وبشرية للتعامل مع التراب من منظور الرغبة في إعادة البناء والتشكيل–Ambition de reconstruction et de reconfiguration، و إذا انطلقنا من التعريف الذي يصف الابتكار بأنه “عملية تأثير تؤدي إلى التغيير الاجتماعي ويتمثل أثرها في رفض المعايير الاجتماعية القائمة واقتراح معايير جديدة”؛فيمكننا القول على الفور إن المغرب لم يشهد فعليًا أي ابتكار ترابي منذ الاستقلال، لكن إذا كان الإبتكار هو اللحظة التي تصبح فيها الإختيارات القديمةغير قابلة للإستمرار ويجب على الفور أن تتغير بحكم خضوعهاللضغط المجتمعي، وإذا كان لابد لهذهالإختيارات القديمة أن تتغير لأن المستجدات الدولية والوطنية أصبحت تفرض ذلك، فإن الابتكار في المغرب يجب أن يكون مرئيًا وملموسًا حتى يكون بإمكانه أن يحقق الرغبات ويتجاوز المطبات الكامنة في الانعطافات الإجتماعية؛ ووفقا لهذا التحليل يمكن قبول أن تكون عملية التغيير بطيئة وعميقة و لكنها يجب أن تكون مستمرة وناجزة وألا تتوقف أو تنقطع،  وعلى هذا الأساس فإن التغيير إذا لم يأت من فوق أي من الدولة فيمكن أن يأتي من أسفل أي من المجتمع، وتبين الثورات والانتفاضات والحراكات الشعبية هذا الأمر بشكل واضح،حينئذ فالتغيير لن يعود بالإمكان أن يعمل وفق قاعدة الجمع بين التقليد والحداثة،  وفي الحالة المغربية فإنغيابالابتكار الترابي –Absence de l’Innovation Territorial سوف يكون بمثابةالنتيجة الحتمية لعدد من العوامل أهمها الفرص المحدودة للإقلاع، وذلك لأن فرص الإقلاعتنشأ خلال فترات عدم الاستقرار الكبيرة الناجمة عن عوامل مختلفة، والتي من أهمها الاضطرابات الإجتماعية مثل خروج  “جيل زد ” مؤخرا، مما يضع السلطة على المحك؛ وكذلك، في حالات الأزمات السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، و عندما تنهار موازين القوى بين الفاعلين المختلفين[25].

يعاني المجال الترابي في المغرب من معيقات جوهرة جمة ذاتية وموضوعية تكبله؛ فتحول دون بلوغ التنمية مداها وتحقيق أهدافها؛ فأما المعيقات الذاتية فتتمثل في الذهنية الجماعية التي لايزال يسطير عليها منطق الولاءات القبلية والحزبية وقوة الأعيان وذوي النفوذ المالي والسياسي والقبلي؛ فالانتظام القبلي قائم على منطق الإعتراف بمالكي القوة، وليس بمالكي المعرفة، ويظهر ذلك جليا في فترات الحملات الإنتخابية سواء التشريعية أو الجماعية؛ حيث تتقوى التحالفات والإصطفافات السياسية ليس بناء على البرامج الانتخابية أو المشاريع التنموية أو القوة التعبوية للأيديولوجية السياسية والحزبية، بل بناء على القوة التي يتمتع بها المترشحون الأعيان ومدى قدرتهم على الـتأثير سواء من خلال تقديم القدرة على الإطعام وبذل المال أو التوفر على الشبكة الإدارية الزبونية التي تمكنهم من قضاء مآرب الناخبين في جميع المرافق الإدارية، وتقدم الخدمات الإجتماعية ومشاريع تنموية مثل الربط بشبكة الماء الصالح للشرب أو بناء الطرق أو الربط بالكهرباء أو بناء مدرسة أو ثانوية-إعداية أو قسم داخلي، وحتى تقديم خدمات شخصية مثل توفير مناصب الشغل للعاطلينكمقابل للتصويت، وهكذا فالتنمية الترابية ليست عبارة عن مشاريع مبرمجة في ميزانيات الجماعات الترابية والقطاعات الوزارية الترابية بناء على الحاجيات الحقيقية المعبر عنها من طرف الساكنة، أو بناء على دراسات ميدانية أنجزت من طرف فرق تقنية – موضوعاتية على أساس تشخيص ترابي حقيقي للحاجيات الملحة والمستعجلة والمطالب الآنية للساكنة، بل إن التنمية وفق هذا المنطق توظف كريع سياسي يتم بواسطته كسب الولاء السياسي والحزبي، وهذا الأخير ليس ثابتا بل هو متغير وفق ميزان القوى السياسي الترابي الذي يتغير باستمرار[26].

وأما المعيقات الموضوعية فتتمثل في تعامل الدولة نفسها مع التراب من خلال ممثليها المحليين، سواء المنتمين إلى القطاعات الوزارية اللاممركزة أو المنتخبين؛ بحيث يتم هذا التعامل في الغالب بناء على منطق الظرفية والمناسباتية، فتكون الجاهزية الإدارية الترابية متمركزة حول إرضاء الشبكات البيروقراطية المتمركزة في العاصمة عوض القيام بالمجهود التنموي المطلوب، فتصبح المشاريع التنموية وسيلة لتنفيذ أجندات شخصية وإدارية مختلفة يخترقها الروتين الإداري والخلل الوظيفي ويغلب عليها طابع الشخصنة الإدارية، ويغدو العمل الإداري رهينا بتحقيق قصب السبق في الإنجاز ليس بكيفية جيدة مبنية على الدقة في التشخيص والبرمجة والتنفيذ بل على مايسمى في القاموس الإداري بـــــــــ ” نظام التقدير- Système D ” والذي يعني التكيف غير الرسمي والقدرة على الابتكار والمرونة التي يتحلى بها الموظفون في مواجهة الصرامة البيروقراطية وتعقد الإجراءات والمساطر الإدارية لضمان استمرارية المرفق العام، ويتعلق الأمر بإيجاد حلول عملية، غالبًا ما تكون غير منظمة، للتغلب على نقص الموارد أو بطء الإجراءات، عندها يصبح الإطار الترابيللتنمية غير فعال وغير ذي مصداقية[27].

يتطلب تجاوز هذه المعيقات تصحيح الاختلالات الناتجة عن هذين المنطقين في التدبير، سواء العرفي والقبلي المرتبط بنمط التفكير والذهنية الجماعية القبلية والتي يطبعها المنطق البراغماتي والظرفي أو المرفقي والإداري والذي يطبعه منطق الجمود البيروقراطي والمسطري والذين يشلان كل محاولات التنمية ويحولان الجهود المبذولة إلى عملية شبيهة بــــ ” صخرة سيزيف” ، و تدور في حلقات مفرغة وتلتهم الميزانيات الضخمة لكن بدون أي أثر يذكر على الواقع الإجتماعي والاقتصادي  للساكنة، وتصحيح هذه الاختلالات ليس بالأمر الهين، ولا يمكن القيام به بين ليلة وضحاها؛ لأنه يتطلب مجهودا متعدد الجبهات التعليمية والثقافية والعقدية والتأطيرية، إذ الأمر يتعلق بتغيير العقليات وتصحيح المغالطات التي تشوب التأويلات الشخصية للثقافة والسلوك الإجتماعي.

الفقرة الثالثة:برامج التنمية الترابية المندمجة ورهانات وتحديات التنزيل

ينتشر في وسائل التواصل والإجتماعي وفي الشارع العام نقاش أو بوليميك –Polémique مفاده أن وزارة الداخلية تهيمن على الإشراف على صياغة وتنفيذ برامج التنمية الترابية المندمجة، وأن دور المنتخبين فيها يبقى هامشيا واستشاريا فقط، باعتبار أن عامل العمالة أو الإقليم هو الذي يترأس اللجنة الإقليمية التي سوف تتكلف بالإعداد والتتبع على المستوى المحلي،في حين فإن هذه اللجنة ستضم منتخبين وممثلي المصالح اللاممركزة للدولة، و ستتولى صياغة البرنامج وتتبع تنفيذ المشاريع، والتشاور مع الساكنة المستهدفة استجابة لمتطلباتها، مع ضمان تثمين مؤهلات المناطق المعنية، ويترأس والي الجهة لجنة تتكلف بتجميع برامج التنمية الترابية المندمجة الخاصة بعمالات وأقاليم الجهة مع ضمان الانسجام العام للمشاريع، و على المستوى الوطني، سيترأس  رئيس الحكومة لجنة وطنية تتألف من القطاعات الوزارية المعنية، تتولى مهمة المصادقة على البرامج، وضمان طابعها المندمج والتشاوري، مع وضع مؤشرات للتتبع والتقييم لقياس مدى آثار المشاريع[28].

وهذا النقاش بقدر ماهو نقاش ديمقراطي يسائل آليات الصياغة والتتبع والتنفيذ، بقدر ما هو نقاش سياسي يطرح إشكاليات مرتبطة بالتدبير والذي لا يختلف فيه منطق وفلسفة برامج التنمية الترابية المندمجة عن منطق مختلف البرامج الإجتماعية للدولة، والتي تعتبر المبادرة الوطنية للتنمية البشرية من أهمها، وهو رهان يسائل أيضا منطق الحكامة والفعالية المرتبطان بالفعل السياسي، باعتبار أن المرحلة الراهنة تتسم بأفول دور السياسي في صناعة وتدبير السياسات العمومية وسطوع نجم التقنوقراط، ليس فقط في المغرب، بل هي ظاهرة عالمية في سائر بقاع المعمور، وهذا بفعل تأثيرات الرأسمالية والليبرالية الجديدة، ومن المعروف أن أغلب السياسات العمومية في المغرب ليست ذات مرجعيات سياسية حزبية، بل هي عبارة عن اختيارات تقنوقراطية تتم بلورتها خارج سياق الأنساق الحزبية، قبل أن تتخذ شكلها الحكومي ثم تنقل إلى المستويات الترابية من أجل التنفيذ[29].

لقد تم تجاوز المسار الكلاسيكي لصناعة القرار العمومي في الدراسات السياسية، والذي ينطلق من البرلمان والحكومة ثم ينتقل إلى المستويات الأفقية الأعلى التي هي المؤسسات العمومية والأدنى التي هي الجماعات الترابية والمصالح اللاممركزة للدولة، وقد أبانت التجربة السياسية في المغرب أن برامج الأحزاب السياسية التي تمثل في الحكومة تنتهي عند التوجهات الإستراتيجية للدولة والتي تصاغ في المجلس الوزاري.

لهذا فالنقاش حول هيمنة وزارة الداخلية على إعداد وتتبع وتنفيذ برامج التنمية الترابية المندمجة ليس نقاشا جديدا، بل هو مرتبط بالآليات الدستورية لصناعة القرار العمومي ككل وليس فقط بالبرامج والمخططات والسياسات العمومية[30].

اِرتبط  مفهوم  التقنوقراط ودخولهم إلى مجال القرار العمومي في المغرب كظاهرة سوسيو- سياسية بمرحلة الحسن الثاني  وكانت مرتبطة بمرحلة الفراغ السياسي الذي عرفه المغرب ابتداء من 1960، بحيث تم اللجوء إلى التقنوقراط من أجل تدبير الشؤون السياسية  اِنطلاقا من مقاربة الحكامة[31]، وتم اعتبار هذه الظاهرة بمثابة عرف سياسي ودستوري لا يزال ساريا إلى الوقت الراهن، وهي مرتبطة في الأصل بظهور الصناعة في الغرب، وقد ظهرت أول مرة في الولايات المتحدى الأمريكية سنة 1919 على يد المهندس وليام سميث- William Smith  وبتطور الدولة في الإستثمار العمومي  والمجال الصناعي، و هذه الظاهرة مافتئت تطرح إشكاليات وتوترات سياسية في جميع أنحاء المعمور وتدفع العديد من الفئات الإجتماعية خارج دائرة صنع القرار ويدفعها إلى فقدان الاهتمام بالسياسة[32]، وذلك بحكم أن التقنوقراطية مرتبطة بالتخصصات العلمية والتقنية والمهندسين، يتم توظيفها في التدبير والمراقبة، ما يعني استعمال المهارات التقنية  وتطبيق المعارف العلمية في ممارسة الحكم والسلطة وصياغة القرار العمومي[33].

من المعلوم أن المغرب مقبل على أوراش كبرى اقتصادية واجتماعية، وأخرى مرتبطة بالمجال الرياضي، وخاصة اِستضافة كأس العالم، لذا يجب أن يظهر المغرب بمظهر البلد الذي يستحق شرف التنظيم، وإسناد مهمة الإشراف على تدبير برامج التنمية الترابية المندمجة لوزارة الداخلية نابع من رؤية ملكية حول دور الدولة المركزية الذي يجب أن يضل في موقع الإشراف والتوجيه مع إشراك المنتخبين والمجتمع المدني والسكان بطبيعة الحال في هذا الورش التنموي الكبير، لهذا فالمقاربة التشاركية تضل قائمة، وهذا الإشراف بقدر ماهو نابع من دور التقنوقراط في تحقيق فعالية الإنجاز المطلوبة بعيدا عن الإنحيازات والحسابات الحزبية التي قد تكون بعيدة عن الهدف الأسمى لهذه البرامج؛ بقدر ما هو اعتراف ضمني حول ضعف النخب السياسية وعدم قدرتها على مجاراة التطلعات الملكية، و تبني منطق المصلحة العامة بعيدا عن منطق الولاءات الحزبية والسياسية والقبلية[34].

لقد أكدت التجربة الحزبية في المغرب وممارسة الشأن العام سواء في البرلمان أو الجماعات الترابية، اِنشغال المنتخبين بالمعارك الحزبية الضيقة عوض الإهتمام بتدبير الشأن العام انطلاقا من الوعي الوطني الذي يستوجب طرح جميع الخلافات والمصالح الآنية جانبا، والإنكباب على الشأن العام بالروح الوطنية والإخلاص والنية الصادقة وبالوعي المواطني العميق، ويلاحظ ملاحظون أن مسألة غياب نواب البرلمان في جلسات البرلمان أو اجتماعات اللجان، وكذا غياب الوزراء عن جلسات البرلمان على سبيل المثال، وهو سلوك مرتبط بتخليق الحياة العامة والسياسية، ومدى أهمية المؤسسة التشريعية في أذهان هذه النخب، يبرز مدى تراجع ثقة الناخب في المنتخبين والتي بلغت مستويات متدنية، ودون اللجوء إلى مقاربات علم السياسة حول أزمة الديمقراطية التمثيلية ودور الدولة التدخلية، يبدو أن الحقل السياسي في المغرب يعرف الكثير من الإشكاليات المرتبطة بالثقافة السياسية السائدة وهيمنة الطموحات الشخصية على الذهنية الجماعية التي يسيطر عليها منطق الريع و الغنيمة السياسية[35].

مقال قد يهمك :   حنان النحاس : المدن الذكية-دراسة للمفهوم و الأسس-

لهذا فالحديث عن فساد النخب السياسية والحزبية ليس من قبيل الرغبة في تهميش الفاعل الحزبي أو التقليل من أهميته في العملية السياسية والديمقراطية، بل هو نابع من الواقع الإجتماعي المعاش، ويؤكد أغلبية الفاعلين أن المشكل في المغرب لا يرتبط بغياب النصوص القانونية بقدر ماهو مرتبط بغياب الرغبة في تفعيل هذه النصوص[36]، الفساد متجذر بعمق،ولم يعد الأمر مجرد حالات معزولة، بل ظاهرة منهجية؛ و التعريف الأكثر شيوعًا هو تعريف منظمة الشفافية الدولية والذي يعرف الفساد على النحو التالي: ” اِستخدام السلطة – السياسية أو الإدارية أو المرتبطة بمنصب مهيمن – في انتهاك للقواعد والقوانين، لخدمة مصالح خاصة أو شخصية أو عائلية أو مصالح محسوبية” [37].

خاتمة:

يتحدد مفهوم العدالة المجالية انطلاقا من التفاوتات بين المجالات الترابية، مما يفيد اِستفادة مجال أكثر من الآخر من فرص التنمية، وفيما يخص المغرب تبدو خاصية العدالة متفاوتة بين المدن والجهات والقرى على مستوى الفرص الاجتماعية والاقتصادية ومرافق الخدمات والبنيات التحتية والنمو الاقتصادي ومستوى عيش السكان،الشئ الذي جعل من العدالة المجالية موضوع تظلمات كثيرة من طرف الساكنة، في حين يجب أن يكون موضوع العدالة المجالية موضوع تعاقد مجتمعي، وعلى هذا الأساس يتعين تحديد الإختيارات والإمكانيات التي من خلالها يمكن الحكم على شرعية هذا المطلب أو ذاك[38].

إن الاختلالات المجالية والاجتماعية التي يعاني منها المغرب اليوم لها جذور وامتدادات في تاريخ البلاد (سياسة المغرب النافع والمغرب غير النافع الاستعمارية) فقد اِعتمد المركز بعد الاستقلال نفس السياسة، ومنح نفس القدر من الأهمية بخلاف الهامش الذي ضل دائما بعيدا عن دائرة اهتمام السلطة المركزية، والسؤال الذي يطرح باستمرار هو لماذا فشلت جميع السياسات التنموية والبرامج الإجتماعية والمخططات الإقتصادية عن تحقيق القفزة التنموية المرغوبة؟ هل يكمن المشكل في ضعف التمويلات المرصودة أم في جمود الإدارة وعدم قدرتها على مواكبة التطورات المجالية أم في عدم مطابقة السياسات والبرامج والمخططات نفسها للتطلعات والطموحات المجتمعية، أم في ضعف النخب الإدارية والسياسية وبعدها عن  التشبع بفلسفة حقوق الإنسان و روح المواطنة والديمقراطية الحقيقية، أم في مستوى وعي السكان وانتهازيتهم ورسوخهم في مستنقع القبلية والمناطقية وعدم قدرتهم على تبني منطق الوطنية الجامعة وارتهانهم للاستقطابات الحزبية والتعبوية للأيديولوجيات السياسية؟ أم في التمثلات الإجتماعية للتنمية والعدالة المجالية نفسها بشكل عام  أو للدولة والمصلحة العامة بشكل خاص.


المصادر والمراجع والهوامش:

1 – النموذج التنموي الجديد، ص 47–الرابط:https://shorturl.at/Oxjx3

2 – نفس المرجع السابق، ص 48

3 – نفس المرجع السابق،ص 13

4 – نفس المرجع السابق، ص 20

5 – Michel CROZIER et Erhard FRIEDBERG – L’ACTEUR ET LE SYSTEME – Edition de Seuil 1977, p 10-27

6 – خطاب العرش بتاريخ 29 يوليوز 2025

7 – مخرجات المجلس الوزاري المنعقد بتاريخ 6 أبريل 2026 –الرابط:https://urls.fr/xfFnug

8- في الحاجة إلى مقاربة جديدة لبرامج التنمية الترابية المندمجة، محمد أيت بود، العمق المغربي، بتاريخ 1 دجنبر 2025،الرابط:https://al3omk.com/1120719.html

9- Initiative Nationale pour le Développement Humain: analyse et recommandations, Rapport du Conseil Economique, Social et Environnemental, Saisine n° 2 / 2013, p30

10- تنظم الفصول من 135 إلى 146 من الدستور المعدل سنة 2011 تعريف الجماعات الترابية واختصاصاتها وصلاحية مجالسها، وينص الفصل 137 منه على وجه الخصوص على أن الجهة والجماعات الترابية الأخرى تساهم في تفعيل السياسة العامة للدولة، وفي إعداد السياسات الترابية، من خلال ممثليها في مجلس المستشارين.

11 – Développement du monde rural Défis et perspectives, Rapport du Conseil Economique, Social et Environnemental, Auto – Saisine n° 29/2017, p 48

12  – Initiative Nationale pour le Développement Humain : analyse et recommandations, Rapport du Conseil Economique, Social et Environnemental, Saisine n° 2 / 2013, p 34

13- G. Ripert, Aspects Juridiques du capitalisme moderne, 2éme Edition, Paris, 1951, 109.

14- قراءة في القانون 19.20 المتمم والمغير لقانون الشركات – محمد القدري – مجلة الباحث –الرابط:https://www.allbahit.com/2022/04/1920-41.html

15- تقرير الخمسينية – تحرير وتثمين الإمكان البشري –ص 10-14–الرابط:https://hdr.undp.org/system/files/documents/nhdr2005morocco-ar.pdf

16- نموذج التنمية المغربي الجديد – أحمد ربوح – مجلة القانون والأعمال– العدد 78 ع – السنة 2022 – ص 36

17 – حسن أحجيج – التدبير العمومي الجديد – شركات الدولة بين قيم الخدمة العمومية وقيم المقاولة، مركز الدراسات والأبحاث الإنسانية مدى، مطبعة دريم، الطبعة الأولى 2017، ص 84

18- Perry & Recasions , New Public Management – 1990

19 – نفس المرجع السابق ص 88

20 – منشور وزير الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة، المتعلق بإعداد تقارير نجاعة الأداء للسنة المالية ،7171 الصادر في 11 26 ماي/أيار 17171

21 – تنص المادة 88 من القانون التنظيمي المتعلق بالجهات، أن مجلس الجهة يضع، تحت إشراف رئيس المجلس، التصميم الجهوي لإعداد التراب، وفق القوانين والأنظمة الجاري بها العمل، في إطار توجهات السياسة العامة لإعداد التراب المعتمدة على المستوى الوطني، وبتشاور مع الجماعات الترابية الأخرى، والإدارات والمؤسسات العمومية، وممثلي القطاع الخاص المعنيين بتراب الجهة. وينص الفصل 145 من الدستور على ان والي الجهة يساعد رئيس مجلس الجهة في تنفيذ التصميم الجهوي لإعداد التراب، الذي يعتبر وثيقة مرجعية للتهيئة المجالية لمجموع التراب الجهوي، ويستمد التصميم إطاره القانوني من الفصل 143 من الدستور والقانون التنظيمي للجهات رقم 111.14، وتوصيات كل من التقرير حول الجهوية الموسعة بخصوص إعداد التراب والتنمية المجالية، والدورة الأولى للمجلس الأعلى لإعداد التراب، الذي جعل من التصميم الجهوي وثيقة تحدد رؤية طويلة الأجل للتنمية وتخطيط المجال الجهوي.

22 – الحكمة الترابية رافعة أساسية للتنمية المنصفة والمستدامة، رأي المجلس الاقتصادي والإجتماعي والبيئي – إحالة ذاتية رقم 42/2019، ص 16، الرابط:https://urls.fr/eHcIvN

23 – نفس المرجع السابق

24- Saïd Boujrouf, Innovation et recomposition du territoire au Maroc, une mise en perspective géo-historique, le territoire est mort, vive les territoires, p 133

25- Ibid.

26- Ali Sedjari – Gouvernance  réforme et gestion du changement, Ou Quand le Maroc se modernisera .., L’Harmattan, Edition 2008, Imprimerie El Maarif El jadida, p 53

27 – Ibid. p 61

28 – التقرير السنوي 2023، للهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، ص 48، الرابط:https://www.inpplc.ma/sites/default/files/2024-10/Rapport%20Annuel-AR-2023.pdf

29- صناعة السياسات العمومية بالمغرب بين التكنوقراطي والسياسي: دراسة سوسيوسياسية– عبد المنعم شمراح– مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية –  المجلد الأول – العدد 3 – سبتمبر 2020- ص 4

30- نفس المرجع السابق

31 – le rôle de technocrates dans le processus décisionnel au Maroc – e rôle de technocrates dans le processus décisionnel au Maroc – Revue ibnkhald.ejes – n° 2 – 2021, p 4

32- Ibid. p 2

33- La longue marche des technocrates (1979) – Jean-Jacques Simard, p 40– le lien :https://classiques.uqam.ca/contemporains/simard_jean_jacques/longue_marche_livre/longue_marche_technocrates.pdf

33- Mustapha ANTRA – La question de l’élite au Maroc : quand la compétence devient une exception – 4 février 2026 – le lien :https://fr.hespress.com/461056-la-question-de-lelite-au-maroc-quand-la-competence-devient-une-exception.html?print

34-عبد العزيز بنعبو – المشهد السياسي المغربي على محك الثقة: تحذيرات من ارتباط فساد النخب بعزوف المواطنين– جريدة القدس ، 17 ابريل 2026–الرابط :https://shorturl.at/5ML5s

35- جمال أمدوري – فساد النخب يعمق عزلة “المغرب العميق” والمواطن يدفع ثمن إخفاق المنتخبين– جريدة العمق المغربي – الرابط :https://al3omk.com/1101476.html

36- Jad ABANOUS – Azzedine Akesbi : “La corruption au Maroc est devenue systémique” – Maroc Hebdo – 26 Décembre 2026 – le lien : https://www.maroc-hebdo.com/article/azzedine-akesbi-la-corruption-au-maroc-est-devenue-systemique

37 -المركز والهامش في ظل مطالب العالة المجالية والعدالة الاجتماعية، مصطفى العراف، مجلة تكامل للدراسات والأبحاث، مؤلف جماعي، مطبعة قرطبة أكادير ،الطبعة الأولى السنة 2024، ص 13


[1] – النموذج التنموي الجديد، ص 47–الرابط:https://shorturl.at/Oxjx3

[2] – نفس المرجع السابق، ص 48

[3] – نفس المرجع السابق،ص 13

[4] – نفس المرجع السابق، ص 20

[5] – Michel CROZIER et Erhard FRIEDBERG – L’ACTEUR ET LE SYSTEME – Edition de Seuil 1977, p 10-27

[6] – خطاب العرش بتاريخ 29 يوليوز 2025

[7] – مخرجات المجلس الوزاري المنعقد بتاريخ 6 أبريل 2026 –الرابط:https://urls.fr/xfFnug

[8] – في الحاجة إلى مقاربة جديدة لبرامج التنمية الترابية المندمجة، محمد أيت بود، العمق المغربي، بتاريخ 1 دجنبر 2025،الرابط:https://al3omk.com/1120719.html

[9] – Initiative Nationale pour le Développement Humain: analyse et recommandations, Rapport du Conseil Economique, Social et Environnemental, Saisine n° 2 / 2013, p30

[10] – تنظم الفصول من 135 إلى 146 من الدستور المعدل سنة 2011 تعريف الجماعات الترابية واختصاصاتها وصلاحية مجالسها، وينص الفصل 137 منه على وجه الخصوص على أن الجهة والجماعات الترابية الأخرى تساهم في تفعيل السياسة العامة للدولة، وفي إعداد السياسات الترابية، من خلال ممثليها في مجلس المستشارين.

[11] – Développement du monde rural Défis et perspectives,Rapport du Conseil Economique, Social et Environnemental, Auto – Saisine n° 29/2017, p 48

[12]  – Initiative Nationale pour le Développement Humain : analyse et recommandations, Rapport du Conseil Economique, Social et Environnemental, Saisine n° 2 / 2013, p 34

[13]– G. Ripert, Aspects Juridiques du capitalisme moderne, 2éme Edition, Paris, 1951, 109.

[14] – قراءة في القانون 19.20 المتمم والمغير لقانون الشركات – محمد القدري – مجلة الباحث –الرابط:https://www.allbahit.com/2022/04/1920-41.html

[15] – تقرير الخمسينية – تحرير وتثمين الإمكان البشري –ص 10-14–الرابط:https://hdr.undp.org/system/files/documents/nhdr2005morocco-ar.pdf

[16] – نموذج التنمية المغربي الجديد – أحمد ربوح – مجلة القانون والأعمال– العدد 78 ع – السنة 2022 – ص 36

[17] – حسن أحجيج – التدبير العمومي الجديد – شركات الدولة بين قيم الخدمة العمومية وقيم المقاولة، مركز الدراسات والأبحاث الإنسانية مدى، مطبعة دريم، الطبعة الأولى 2017، ص 84

[18]– Perry & Recascino – New Public Management – 1990

[19] – نفس المرجع السابق ص 88

[20] – منشور وزير الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة، المتعلق بإعداد تقارير نجاعة الأداء للسنة المالية ،7171 الصادر في 11 26 ماي/أيار 17171

[21] – تنص المادة 88 من القانون التنظيمي المتعلق بالجهات، أن مجلس الجهة يضع، تحت إشراف رئيس المجلس، التصميم الجهوي لإعداد التراب، وفق القوانين والأنظمة الجاري بها العمل، في إطار توجهات السياسة العامة لإعداد التراب المعتمدة على المستوى الوطني، وبتشاور مع الجماعات الترابية الأخرى، والإدارات والمؤسسات العمومية، وممثلي القطاع الخاص المعنيين بتراب الجهة. وينص الفصل 145 من الدستور على ان والي الجهة يساعد رئيس مجلس الجهة في تنفيذ التصميم الجهوي لإعداد التراب، الذي يعتبر وثيقة مرجعية للتهيئة المجالية لمجموع التراب الجهوي، ويستمد التصميم إطاره القانوني من الفصل 143 من الدستور والقانون التنظيمي للجهات رقم 111.14، وتوصيات كل من التقرير حول الجهوية الموسعة بخصوص إعداد التراب والتنمية المجالية، والدورة الأولىللمجلس الأعلى لإعداد التراب، الذي جعل من التصميم الجهوي وثيقة تحدد رؤية طويلة الأجل للتنمية وتخطيط المجال الجهوي.

[22] – الحكمة الترابية رافعة أساسية للتنمية المنصفة والمستدامة، رأي المجلس الاقتصادي والإجتماعي والبيئي – إحالة ذاتية رقم 42/2019، ص 16، الرابط:https://urls.fr/eHcIvN

[23] – نفس المرجع السابق

[24]– Saïd Boujrouf, Innovation et recomposition du territoire au Maroc, une mise en perspective géo-historique, le territoire est mort, vive les territoires, p 133

[25]– Ibid.

[26] – Ali Sedjari – Gouvernance  réforme et gestion du changement, Ou Quand le Maroc se modernisera .., L’Harmattan, Edition 2008, Imprimerie El Maarif El jadida, p 53

[27] – Ibid. p 61

[28] – التقرير السنوي 2023، للهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، ص 48، الرابط:https://www.inpplc.ma/sites/default/files/2024-10/Rapport%20Annuel-AR-2023.pdf

[29]– صناعة السياسات العمومية بالمغرب بين التكنوقراطي والسياسي: دراسة سوسيوسياسية– عبد المنعم شمراح– مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية –  المجلد الأول – العدد 3 – سبتمبر 2020- ص 4

[30] – نفس المرجع السابق

[31] – le rôle de technocrates dans le processus décisionnel au Maroc – e rôle de technocrates dans le processus décisionnel au Maroc – Revue ibnkhald.ejes – n° 2 – 2021, p 4

[32]– Ibid. p 2

[33]– La longue marche des technocrates (1979) – Jean-Jacques Simard, p 40– le lien :https://classiques.uqam.ca/contemporains/simard_jean_jacques/longue_marche_livre/longue_marche_technocrates.pdf

[34] – Mustapha ANTRA – La question de l’élite au Maroc : quand la compétence devient une exception – 4 février 2026 – le lien :https://fr.hespress.com/461056-la-question-de-lelite-au-maroc-quand-la-competence-devient-une-exception.html?print

[35] – عبد العزيز بنعبو – المشهد السياسي المغربي على محك الثقة: تحذيرات من ارتباط فساد النخب بعزوف المواطنين– جريدة القدس ، 17 ابريل 2026–الرابط :https://shorturl.at/5ML5s

[36] – جمال أمدوري – فساد النخب يعمق عزلة “المغرب العميق” والمواطن يدفع ثمن إخفاق المنتخبين– جريدة العمق المغربي – الرابط :https://al3omk.com/1101476.html

[37] – Jad ABANOUS – Azzedine Akesbi : “La corruption au Maroc est devenue systémique” – Maroc Hebdo – 26 Décembre 2026 – le lien : https://www.maroc-hebdo.com/article/azzedine-akesbi-la-corruption-au-maroc-est-devenue-systemique

[38]– الركز والهامش في ظل مطالب العالة المجالية والعدالة الاجتماعية، مصطفى العراف، مجلة تكامل للدراسات والأبحاث، مؤلف جماعي، مطبعة قرطبة أكادير ،الطبعة الأولى السنة 2024، ص 13

error: عذرا, لا يمكن حاليا نسخ او طباعة محتوى الموقع للمزيد من المعلومات المرجوا التواصل مع فريق الموقع عبر البريد الالكتروني : [email protected]