مجلة مغرب القانونالقانون الخاصإشكالية إدماج السجناء المفرج عنهم في المجتمع بين التحدي القانوني والمعوق الاجتماعي

إشكالية إدماج السجناء المفرج عنهم في المجتمع بين التحدي القانوني والمعوق الاجتماعي

حنشاوي عائشة طالبة باحثة بكلية العلوم الاقتصادية والاجتماعية والقانونية  جامعة المولى اسماعيل  بمكناس


the Problematic of Integrating Released Prisoners into Society Between the Legal Challenge and the Social Impediment


ملخص المقال:

لا يماري أحد أن إشكالية إدماج السجناء المفرج عنهم تتجسد في التباين الصارخ بين نجاح برامج التأهيل والإصلاح داخل السجون وواقع الإقصاء المطلق الذي يواجهونه خارجها. هذا الرفض المدعوم بـالوصم الاجتماعي والقيود التشريعية الصارمة للسجل العدلي، يؤدي مباشرة إلى تفاقم البطالة والعودة القسرية إلى دائرة الإجرام.

وبناء على ذلك، يدعو المقال إلى تبني مفهوم “الإقصاء الانتقائي” كبديل لمبدأ المنع المطلق، وتفعيل آلية “التشغيل تحت المراقبة”مع توفير حوافز اقتصادية للمشغلين، مؤكدا أن معالجة هذا الملف هي مسؤولية السياسات العمومية التي تضمن الأمن المجتمعي.


No one can dispute that the issue of integrating released prisoners is embodied in the stark contrast between the success of rehabilitation and reform programs within correctional facilities and the reality of absolute exclusion they face outside. This rejection, supported by social stigma and the strict legislative restrictions imposed by the Criminal Record, leads directly to worsening unemployment and the forced return to the cycle of crime.

Accordingly, the article calls for adopting the concept of “Selective Exclusion” as an alternative to the principle of absolute prohibition, and activating the mechanism of “Supervised Employment” along with providing economic incentives for employers, emphasizing that addressing this file is the responsibility of Public Policies that ensure social security.


الكلمات المفتاحية

الوصم الاجتماعي، المؤسسة السجنية، السجل العدلي، العود إلى الإجرام، العقوبات البديلة، التشغيل تحت المراقبة، الإقصاء الانتقائي، الحوافز الاقتصادية، الأمن المجتمعي.


تمهيد:

تعد الجريمة، بمختلف مستوياتها بما فيها الإجرام البسيط وارتكاب الجنح، إفرازا اجتماعيا يتطلب من الدولة اعتماد سياسة جنائية إصلاحية تتجاوز الحدود التقليدية للردع والانتقام.

فالسجين، بعد قضاء مدة محكوميته وتلقيه برامج التأهيل والإصلاح داخل المؤسسة السجنية، يخرج إلى الحياة حاملا معه إرادة التغيير والطاقة الإيجابية لاستئناف مسار حياتي مشروع، بعد أن تكون المؤسسة قد عززت لديه الأمل في العودة للمجتمع.

 غير أن هذه الإرادة النبيلة تصطدم فورا بحاجز قاس من الرفض المجتمعي والوصم الدوني -الذي لا يقتصرعليه فقط بل يمتد الى اسرته التي تعاني هي الاخرى من تداعيات ذلك بعد دخول احد اعضائها الى السجن والذي قد يكون هو العاهل الوحيد لها[1]– حيث تحكم النظرة السائدة على المظاهر وتتجاهل التوبة الصادقة، وهو أمر يندرج ضمن مجتمع يعاني من ثقافة الحكم السريع على السوابق. ويتفاقم هذا الانسداد بوصول المفرج عنه إلى أبواب التوظيف، ليجدها موصدة في وجهه بشكل مطلق، رغم حيازته لشواهد عليا وتكوينات مهنية تثبت كفاءته، مما يدفع هذه الفئة المتأهبة للاندماج إلى الانكفاء والعودة القسرية إلى قوقعة عالم الجريمة.

وقد أكدت مؤسسة الوسيط في تقريرها لسنة 2024 على أن هذا الإقصاء المرفقي هو بمثابة عقوبة غير معلنة تمتد آثارها إلى ما بعد الإفراج.

 حيث أبرز التقرير أن عددا من العقوبات غير الرسمية تستمر في ملاحقة السجناء المفرج عنهم، لاسيما فيما يتعلق بالتجريد من الحقوق الوطنية، والإقصاء من الوظائف والخدمات العمومية، وهو ما وصفته المؤسسة بأنه يتنافى مع فلسفة الإصلاح ويشكل مساسا بكرامة الإنسان. ومن بين أبرز العوائق التي رصدتها المؤسسة، التحول العملي لبطائق السجل العدلي إلى حواجز تحول دون ولوج السجناء السابقين إلى سوق الشغل، حتى في الحالات التي خضع فيها المعنيون لبرامج التأهيل داخل المؤسسات السجنية، واستمرار التمييز ضدهم  مما يعيق نجاعة سياسات إعادة الإدماج.[2]

وما يزيد من عمق هذه الأزمة في السياسة العقابية الوطنية هو أن التدابير المستحدثة، لاسيما إقرار نظام العقوبات البديلة، غالبا ما تقدم كإجراءات لمعالجة اكتظاظ المؤسسات السجنية والحد من الجرائم الداخلية بها، ولا تعد علاجا فعالا وجذريا لمكافحة الظاهرة الإجرامية نفسها خارج الأسوار.[3] فهذا القصور الوظيفي يجعل اليات الإصلاح غير كافية ويبقي نسب العود إلى الإجرام مرتفعة بنسب مئوية كبيرة، مما يؤدي إلى تفاقم أزمة السياسة العقابية ببلادنا. 

إن هذا التناقض الصارخ يفرغ الهدف النبيل الذي نادت به النظريات العقابية الكبرى، وتحديدا الفلسفة التي أرساها مفكرون مثل مارك أنسل زعيم الجناح المعتدل لحركة الدفاع الاجتماعي الذي حرص على توجيه السياسة الجنائية توجها انسانيا،حيث حث على إصلاح وتقويم وتاهيل المدان وإدماجه اجتماعيا”resocialization “. [4]                                                         

ومن هنا، تنبع الأهمية النظرية لهذا الموضوع من كونه يمس مبدأ دستوريا وقانونيا يتعلق بحماية حق المواطنة الكاملة وحق الشغل وعدم التمييز، كما تبرز أهميته العملية في كونه تحديا للأمن القومي يتطلب الحلول للحد من العود إلى الإجرام وتخفيف الأعباء الاقتصادية للمجتمع.

ولعل الاشكالية المحورية التي يطرحها الموضوع تتمثل في   إلى أي حد يؤدي القصور في مقاربة الإدماج، الناتج عن هيمنة النظرة المجتمعية السلبية وتصلب القيود التشريعية، إلى تفاقم أزمة السياسة العقابية وتزايد نسب العود إلى الإجرام؟

تطرح  هذه الاشكالية مجموعة من الأسئلة الفرعية التي يمكن اجمالها فيما يلي: ما هي أبرز التجليات السوسيولوجية والقانونية التي تعيق اندماج المفرج عنهم في سوق الشغل؟                                       

وما المقترحات التشريعية والمؤسساتية الضرورية لتليين هذه القيود وتعزيز الحق في المرافقة ما بعد الإفراج؟

وللإحاطة بالإشكالية المطروحة من جوانبها كافة والإجابة عن الأسئلة الفرعية التي تطرحها، سوف يتم تقسيم هذه الدراسة إلى محورين أساسيين يتناولان الموضوع بالتحليل والتفصيل:

  • اولا:المعوقات البنيوية التي تعترض سبيل الإندماج الفعلي
  • ثانيا:المقترحات الإستشرافية لتعزيز الحق في الإدماج و المواكبة

اولا:المعوقات البنيوية التي تعترض سبيل الإندماج الفعلي

ان عملية إدماج السجناء المفرج عنهم لا تعترضها عقبات عابرة، بل تحديات هيكلية عميقة تعمل كأبواب متلاحمة تمنع المرور. فالباب الأول هو الرفض الاجتماعي والوصم الذي يحول الزلة الماضية إلى هوية دائمة. أما الباب الثاني فهو المنظومة القانونية والإدارية التي عبر قوانينها وشروطها، ولا سيما المتعلقة بالوظيفة العمومية وطلب السجل العدلي، تمنع بشكل فعال الوصول إلى العمل المشروع، مما يجعل جهود التأهيل في السجن مجرد مجهودات نظرية تباد بمجرد الإفراج.

مقال قد يهمك :   كلية الحقوق بسطات تحتضن الدورة الثالثة للملتقى الدولي حول الحكامة الرقمية وسؤال الفعالية

وبهذا سنتناول في هذا الجزء العوائق الرئيسية التي تحول دون تحقيق الاندماج الاجتماعي والمهني للمفرج عنهم، حيث تتشابك العوامل السوسيولوجية(ا) بالقيود القانونية والإدارية (ب).

 ا: الوصم الاجتماعي كعائق سوسيولوجي أمام التوبة

ان الوصمة الاجتماعية “stigmatisation”  تعد من النظريات الاجتماعية الأكثر جرأة، حيث أثارت اهتماما بالغا في أوساط المنشغلين بعلم الاجتماع والمهتمين بدراسة السلوك الإجرامي والانحرافي من بينهم عالم الاجتماع ايدوين ليمرت  edwin lemert [5] وعالم الاجتماع والفيلسوف الامريكي جورج هربرت ميد [6]G.H mead.

وهذا الاهتمام جاء من كون هذه النظرية ترى أن الإجرام ينشأ أو يزداد نتيجة للوصمة الاجتماعية التي يوصم بها المجتمع الفرد عند أول انحراف.

وعليه، فان هذه النظرية تقوم على رد فعل الشخص تجاه موقف المجتمع منه، أي كيف ينظر إليه المجتمع بعد انحرافه لأول مرة، وهذا حتى إذا أدى ما عليه من ضريبة ثمنا لهذا الانحراف، لأنه قد خسر كل شيء، ولا مكانه له ضمن أفراد بيئته الاجتماعية الضيقة أولا ثم المجتمع ككل، أي أنه بعد الشعور بالدونية والنبذ لا يبقى أمامه إلا العودة إلى الانحراف والجريمة، وهذا نوع من النكسة.[7]

وبهذا يعد الوصم الاجتماعي كعائق سوسيولوجي من أبرز التحديات الاجتماعية التي يواجهها الأفراد المفرج عنهم.

حتى لو تمكن الفرد من قهر شياطينه والحصول على مؤهلات، فإن الشك والخوف المجتمعي المتأصل يعمل كجدار غير مرئي. هذا التحامل ليس مجرد شعور؛ بل يترجم إلى رفض في الحياة اليومية، ويؤثر على السكن والعلاقات العائلية، ويتجلى الرفض في مستويات عدة: بدءا من الأسرة والمحيط الاجتماعي الضيق، وصولا إلى الفضاءات المهنية، حيث تسود الشكوك حول أهلية وكفاءة المفرج عنه مما يحول دون منحه الثقة اللازمة لإعادة بناء حياته، حتى مع صدق نيته في التغيير.

 ويدعم هذا التحليل الدراسات التي تتناول تحديات الوصم الاجتماعي والبطالة  للمفرج عنهم على ضوء المعايير الدولية[8]، بما في ذلك قواعد نيلسون مانديلا النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء التي تؤكد  على أن الهدف الأساسي من العقوبة هو إعادة التأهيل والإعداد للإدماج الناجح في المجتمع، وبالتالي فإن الإقصاء المهني المطلق يفرغ هذه الجهود من محتواها، ويشكل خرقا لمبدأ التناسب بين العقوبة المنقضية وحق المواطن في الشغل[9] .

 وهذا الرفض يطال حتى حاملي الشواهد الجامعية العليا والتكوينات المهنية، لتصبح السابقة العدلية هي المحددة الوحيدة لمصيرهم المهني، لا كفاءتهم العلمية أو المهنية المكتسب. ويتمثل الأثر السلبي لهذا النبذ في دفع الفرد إلى العزلة واليأس، وهو ما قد يقود في نهاية المطاف إلى العود إلى الجريمة كنتيجة مباشرة لانسداد آفاق الاندماج المشروع كما تطرقت له النظرية.

ب: القيود التشريعية والإدارية على حق الشغل

إلى جانب العوامل الاجتماعية، يفرض الإطار القانوني قيودا مادية لا يمكن تجاوزها أبرزها الشرط القانوني المتعلق “بانعدام السابقة العدلية” (Certificate of Good Conduct) للتوظيف العمومي، والذي يمتد ليشمل طلبات التوظيف في القطاع الخاص عبر السجل العدلي (Judicial Record)أو ما يعرف لدى المغاربة بـ “لُوسخ”.

التعبير المجازي الذي يطلقه المغاربة على آثار العقوبة المحتفظ بها في السجل العدلي للسجناء تعكس ثقلها على حاضر ومستقبل حاملها، ذلك لأنها تحرمه ليس فقط من الولوج إلى الوظيفة العمومية، بل من الاشتغال حتى في المهن البسيطة.

 ف”الوسخ”  الدي يوحي الى السجل العدلي هو عقوبة مستمرة تلاحق عشرات الآلاف من السجناء لا سيما  الشباب منهم ، لأن بقاء العقوبة مدونة في السجل العدلي يحول دون إدماجهم في المجتمع، لأنهم لا يستطيعون الولوج إلى سوق الشغل.[10]

وبالتالي فالعوائق القانونية في النصوص التي تفرض شروطا قاسية لولوج الوظائف العمومية، لاسيما شرط عدم صدور أي إدانة بحكم حائز لقوة الشيء المقضي به من أجل ارتكاب جناية أو جنحة ماسة بالشرف والأخلاق.

فهذا الشرط يشكل  إقصاء مطلقا لا يراعي طبيعة الجريمة المرتكبة ولا درجة جسامتها ولا صلتها المباشرة بالوظيفة المراد شغلها، مما يؤدي إلى حرمان المفرج عنهم من حقهم الدستوري في الشغل. كما يعد طلب السجل العدلي (Judicial Record) في القطاع الخاص عائقا غير مباشر يفقد المفرج عنه فرصة التنافس العادل على الوظائف.

هذا التصلب القانوني يتجاهل مبدأ التناسب، ويعتبر كافة الجرائم الماضية عائقا متساويا.

 وحتى الحل القانوني المفترض، وهو آلية رد الاعتبار (Rehabilitation) التي يفترض أن تمحو آثار الإدانة، تظل محدودة الفاعلية فإذا كان المحكوم عليه المفرج عنه يستطيع الحصول على رد اعتبار قضائيا في أجل معين، فإنه يكون مضطرا للانتظار مدة أطول بكثير قبل حصوله على رد اعتبار قانوني.

وإذا كان رد الاعتبار القضائي يمكن المحكوم عليه من محو آثار سوابقه القضائية في أجل اقصر سما هو عليه الحال بالنسبة لرد الاعتبار القانوني، فإن هذا الأخير يعني طالب رد الاعتبار أنه يغني عن المسطرة التي يجب عليه سلوكها للحصولعلى رد الاعتبار القضائي.[11]

  مما يتطلب سنوات طويلة من الانتظار قد تدفع الفرد إلى الاستسلام والعود قبل أن يتمكن من استرداد كامل حقوقه.

وهذا القصور التشريعي في معالجة السجل العدلي يمثل جوهر العوائق القانونية التي تحتاج إلى إصلاح جذري يضمن التناسبية بين العقوبة والفرصة المهنية.

ثانيا: المقترحات الاستشرافية لتعزيز الحق في الإدماج والمواكبة الفورية

إن الحلول لمشكل الإدماج لا يمكن أن تقتصر على تيسير مساطر بطيئة كرد الاعتبار، بل يجب أن تنصب على إحداث تحول هيكلي يضمن احتضان القطاعات المعنية للمفرج عنهم فورا بعد الإفراج. هذا التحول يقتضي إصلاحات تشريعية تتبنى مبدأ التناسب والإقصاء الانتقائي، ودعما مؤسساتيا واقتصاديا يضمن الحوافز للقطاع الخاص لتشغيل هذه الفئة، ويؤمن لها المرافقة الفورية.

وعلى هذا الاساس ،سنتناول في هذا الجزء تقديم الرؤى المستقبلية التي تركز على الإدماج المباشر، وذلك عبر المطالبة بتعديلات تشريعية جذرية(ا) وبإجراءات مؤسساتية واقتصادية فورية، مع استعراض لمقاربات دولية ناجحة(ب).

مقال قد يهمك :   بيان استنكاري للموثقين بسبب ما اعتبروه "تراميا" للعدول على اختصاصهم (وثيقة)

ا: المراجعة التشريعية لتبني الإقصاء الانتقائي والتشغيل تحت المراقبة

إن كسر الجدار القانوني للوظيفة يتطلب إصلاحا تشريعيا عاجلا يستبدل قاعدة الإقصاء المطلق بآلية الإقصاء الانتقائي المبرر وظيفيا،

 إلى جانب إقرار آليات جديدة تسمح بالتشغيل الفوري، حتى في حالة عدم الحصول على رد الاعتبار:

  • تفعيل مبدأ التناسب واعتماد الإقصاء الانتقائي: من الضروري تعديل النصوص التشريعية المنظمة للوظيفة العمومية، وذلك لإلغاء الإقصاء المطلق، واستبداله بشرط التناسب بين طبيعة الجريمة المرتكبة ومتطلبات الوظيفة. أي أن يقتصر المنع فقط على الجرائم ذات الصلة المباشرة بمهام الوظيفة المزمع شغلها. فلا يعقل إقصاء شخص أدين بجنحة غير ماسة بالمال العام من وظيفة لا تتطلب مسؤولية مالية مباشرة. هذه المقاربة، التي تعرف بالإقصاء الانتقائي، مستوحاة من فقه القضاء الإداري المقارن وتجارب دول مثل فرنسا وبلجيكا، حيث يتم تقييم مدى تأثير السابقة العدلية على الواجبات المهنية المحددة[12].
  • إقرار آلية التشغيل تحت المراقبة وتيسير الإجراءات: يجب المطالبة بإدراج مبدأ “التشغيل تحت المراقبة” في القوانين المنظمة للتوظيف، حيث يسمح للمفرج عنهم بالولوج إلى وظائف محددة تحت فترة اختبار أو مراقبة إدارية مشددة، كإجراء مؤقت يحل محل انتظار حكم رد الاعتبار. وتجدر الإشارة هنا إلى أن تبني الدولة لـالقانون 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة يمنح سندا قويا لتبني مقاربات بديلة في التوظيف، بما أن الدولة اتجهت نحو بدائل للعقوبة السالبة للحرية[13].

كما يجب، حتى في سياق آلية رد الاعتبار، تقليص آجالها وتيسير الإجراءات المتعلقة بها بشكل جذري.

ب: المقاربة الاقتصادية والمؤسسية لضمان الاحتضان الفوري

إن الإصلاح القانوني وحده لن ينجح ما لم يقترن بآليات عملية لكسر حاجز الخوف والوصم في القطاع الخاص، مما يتطلب تضافر الجهد الاقتصادي والمؤسسي عبر إقرار حوافز مالية وتفعيل مرافقة فورية ومباشرة. نخصص هذه الفقرة لتحليل الدور المنشود للمؤسسات العمومية والمجتمع المدني في توفير المرافقة الضرورية والدعم النفسي والاجتماعي للمفرج عنهم، والعمل على تغيير الوعي العام مع استعراض المقاربات دولية رائدة في هذا المجال.

يجب أن تقوم المقاربة الاقتصادية والمؤسسية على العناصر التالية:

  • إقرار الحوافز الضريبية وضمان المخاطر للقطاع الخاص: تحويل توظيف المفرج عنهم إلى ميزة اقتصادية للقطاع الخاص، بمنح الشركات التي توظفهم تخفيضات كبيرة على الضريبة على الشركات (IS) أو إعفاءات من رسوم الضمان الاجتماعي لمدة محددة. ويمكن استغلال برامج قائمة مثل برنامج “تحفيز” للتوظيف في المغرب (ANAPEC) الذي يمنح إعفاءات ضريبية لتوظيف فئات معينة، لتوسيع هذا النوع من التحفيز ليشمل المفرج عنهم[14]. كما أن النظام الضريبي المغربي يعتمد على حوافز قطاعية، مما يبرر خلق حافز قطاعي موجه للإدماج[15]. والمطالبة بإنشاء صندوق حكومي لضمان المخاطر لتغطية أي خسائر مالية قد تنتج عن سلوك الموظف المفرج عنه في فترة الإدماج الأولى، لإزالة تردد المشغلين.
  • تعزيز المواكبة الفورية ودور جمعيات الإدماج: لا يجب أن ينتهي دور المؤسسات عند الإفراج؛ بل يجب إنشاء هياكل متخصصة للمواكبة الفورية تكون مهمتها الأساسية هي الدعم النفسي والاجتماعي والمساعدة في إيجاد سكن مؤقت وفرصة عمل في الأسابيع الأولى بعد الخروج بالإضافة إلى ذلك، ضرورة دعم جمعيات المجتمع المدني المتخصصة في “الإدماج المهني” لتكون وسيطا موثوقا يضمن المفرج عنه ويخفف عبء الثقة عن المشغل.

ويؤكد هذا التوجه على الدور المحوري لجمعيات المجتمع المدني الشريكة لمؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء في تقديم المرافقة الميدانية والدعم الفوري لما بعد الإفراج، باعتبارها الحلقة الأكثر أهمية لمنع العود في المراحل الحرجة[16].

  • الاستلهام من التجارب الدولية الرائدة في الإدماج: تتجسد الممارسات الفضلى في تجارب عدد من الدول التي أثبتت نجاحا في سياساتها العقابية.

وتؤكد دراسات مقارنة حول إدماج السجناء على ضوء المعايير الدولية فعالية هذه المقاربات التي تركز على الإصلاح بدل العقاب.

 فالنرويج، على سبيل المثال، تعطي الأولوية بالإصلاح بدل العقاب، وتعمل على توفير التعليم والعمل للسجناء بشكل مباشر. أما ألمانيا، فتشجع على عقد شراكات استراتيجية بين المؤسسات السجنية والقطاع الخاص لتأهيل السجناء لولوج مهن مطلوبة قبل الإفراج. بينما تعمل كندا من جانبها على إرساء مفهوم المصالحة بين السجين ومحيطه المجتمعي لتخفيف الوصم، مما يثبت أن تبني المقاربة الشاملة هو الطريق الوحيد لتحقيق النجاح في عملية الإدماج. وقد تم الإشادة دوليا ببعض المجهودات المغربية في هذا السياق، مما يؤكد أن التعاون نحو تبني الممارسات الفضلى ممكن. [17]

خاتمة:

إن إشكالية إدماج السجناء المفرج عنهم تظل معضلة ذات أبعاد قانونية اقتصادية، وسوسيولوجية متداخلة، تتطلب أكثر من مجرد إرادة فردية للتغيير. فالمجتمع الذي لا يفتح أبواب العودة والاستقرار أمام كل من اختار طريق الإصلاح، هو مجتمع يحكم عليه بالعود القسري إلى الجريمة مجدداً، مما يهدد أمنه واستقراره العام. لذلك، فإن نجاح السياسة الجنائية رهين بفتح أبواب الحياة الكريمة أمام هذه الفئة، وإدراك أن الإدماج حق دستوري وضمانة أمنية للمجتمع ككل.

التوصيات:

في ضوء ما سبق، يوصي هذا التحليل بالآتي:

  • الربط بين الإقصاء والبطالة والجريمة:

إدراك أن الإقصاء المهني المطلق لهذه الفئة هو مصدر رئيسي لتفاقم البطالة داخل المجتمع.

فالبطالة الناتجة عن هذا الإقصاء، لا تكتفي بضرب الجانب الاقتصادي، بل تدفع بالبعض إلى ارتكاب جرائم جديدة أو الانخراط في مسالك غير مشروعة كالتعاطي والاتجار في المخدرات، كنتيجة مباشرة لـالإحباط النفسي الشديد وفقدان الأمل، وهي ظواهر تضعف نسيج الأمن العام.

  • تعزيز ثقافة الاحتضان ووقف الوصم:

 ضرورة توجيه الخطاب المجتمعي والتربوي والإعلامي نحو وقف توجيه أصابع الاتهام والاحتقار لهذه الفئة، والاعتراف بأن لكل فرد الحق في محاولة الإصلاح، والتميز بين فئة لا ترغب في التغيير (وهي فئة قليلة) وبين فئة تريد الإصلاح ولا تجد السند. ويجب تذكير المجتمع بأن العديد من الحالات كانت ضحية لـظروف قاهرة، أو سوء مرافقة اجتماعية، أو تعرضوا لـالاجترار مع مجرمين، أو حتى دافعوا عن أنفسهم وشرفهم، وهي حالات يجب معالجتها بإنصاف وتفهم.

  • الدعم المادي والنفسي للحالات ذات الآثار الجسدية:
مقال قد يهمك :   ياسين ابن مسعود: الأصل التجاري الافتراضي.. وسؤال الاعتراف القانوني بالمغرب؟ (تحميل PDF)

 العمل على توفير المرافقة الفورية والدعم اللوجستي لتلك الفئات التي تحمل آثار فترة السجن بشكل واضح على جسدها (مثل الوشم البارز أو الإصابات الدائمة في الوجه نتيجة خصومات السجن).

 وهنا يبرز دور المجتمع المدني يجب توفير الدعم لإزالة الوشم أو العلاج التجميلي لهذه الآثار، لتمكينهم من الاندماج دون أن يكون مظهرهم سببا إضافيا للإقصاء والوصم المجتمعي، مما يعزز ثقتهم بأنفسهم ويفتح أمامهم أبواب العمل المشروع.


قائمة المراجع

الكتب والدراسات المتخصصة

د. نور الدين العمراني ، بدائل العقوبات الحبسية قصيرة المدة بين هاجس الترقب وآفاق التفعيل، المجلة الإلكترونية للأبحاث القانونية 142، العدد 7، 2021.

​ د. نور الدين العمراني ، الوجيز في شرح القانون الجنائي العام المغربي، مطبعة وراقة سجل ماسة، الزيتون مكناس، ط 2020.

​ د. جمال معتوق، مدخل إلى علم الاجتماع الجنائي أهم النظريات المفسرة للجريمة والانحراف، دار الكتاب الحديث، القاهرة، ط الأولى 2016.

​المقالات والأبحاث المنشورة إلكترونيا

​مراد بيروتي، رد الاعتبار وإشكالاته العملية، بحث نهاية تمرين الملحقين القضائيين، المعهد العالي للقضاء، فترة التدريب 2011/2009.

​محمد الراجي، “وسخ” السجل العدلي يعيق اندماج السجناء السابقين في المجتمع المغربي، مقال منشور في: https://www.hespress.com

تاريخ النشر 7/03/23.

​ إدريس لكريني، إعادة إدماج السجناء على ضوء المعايير الدولية، مقال إلكتروني منشور على الموقع التالي: https://www.hespress.com

، تاريخ النشر: 25/04/19.

​Christine, Conséquences d’un casier judiciaire non vierge dans la fonction publique française، مقال منشور في:

 https://www.jurisleg.fr

تاريخ النشر: 15/01/24.

النصوص التشريعية والقواعد الدولية:

القانون 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.24.32 بتاريخ 18 من محرم 1446 (24 يوليو 2024).

القواعد النموذجية الدنيا المنقحة لمعاملة السجناء “قواعد نيلسون مانديلا 2015″، وثيقة صادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة. https://www.unodc.org/documents/justice-and-prison-reform

التقارير والوثائق الرسمية والمؤسساتية:

المؤسسة المغربية لتشجيع الاستثمار وتنمية الصادرات ، النظام الضريبي بالمغرب (AMDIE)، جدول نسب الضريبة على الشركات والضريبة على الدخل.

 https://www.cese.ma

الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات (ANAPEC)، دليل برنامج تحفيز لتشغيل فئات محددة (الإعفاءات من ضريبة الدخل والاشتراكات الاجتماعية). منشور في

https://www.anapec.org/pdf/Hafiz Guide.pdf

مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء، مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء .. رعاية متواصلة برؤية شمولية تستحضر البعد الاجتماعي في مجال العدالة (المنسق العام للمؤسسة)، منشور في

 https://www.mapnews.ma/ar

 تاريخ النشر: 15/08/25.

مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء، دبلوماسيان من الولايات المتحدة والترويج يشيدان بـ “الدور الفعال والإستراتيجي” لمؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء، منشور في:

 https://www.hespress.com

 تاريخ النشر: 24/01/18.

وسيط المملكة، التقرير السنوي لمؤسسة وسيط المملكة برسم سنة 2024، المرفوع إلى جلالة الملك محمد السادس نصره الله بالجريدة الرسمية عدد 7423 مكرر، بتاريخ 22 يوليوز 2025.


[1] -د.نور الدين العمراني،بدائل العقوبات الحبسية قصيرة المدة بين هاجس الترقب وافاق التفعيل،المجلة الالكترونية للابحاث القانونية العدد7،س2021.ص142

[2] -التقرير السنوي لمؤسسة وسيط المملكة برسم سنة 2024، المرفوع إلى جلالة الملك محمد السادس نصره الله، بالجريدة الرسمية عدد 7423 مكرر، بتاريخ 22 يوليوز 2025.

[3] – القانون 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.24.32 بتاريخ 18 من محرم 1446 (24 يوليو 2024).

[4] -د.نور الدين العمراني،الوجيز في شرح القانون الجنائي العام المغربي،مطبعة وراقة سجل ماسة،الزيتون مكناس،ط 2020.ص 55-56

[5] -إدوين ليمرت (Edwin Lemert)

يعد الأب المؤسس لنظرية الوصم (Labeling Theory) في علم الجريمة. يتمثل إسهامه الرئيسي في التفريق بين نوعين من الانحراف:

الانحراف الأولي (Primary Deviation): وهو السلوك المنحرف الأصلي الذي لا يغير من هوية الفرد الذاتية.

الانحراف الثانوي (Secondary Deviation): وهو السلوك الذي يتطور كرد فعل على وصم المجتمع أو النظام الرسمي للفرد، حيث يصبح الوصم جزءا من هوية الفرد الذاتية وينتج عنه استمراره في السلوك المنحرف.

[6] -جورج هربرت ميد (George Herbert Mead)

يعتبر فيلسوف وعالم اجتماع، ومؤسس نظرية التفاعلية الرمزية (Symbolic Interactionism)، التي تقدم الأساس النظري لنظرية الوصم.

تركز أفكاره على أن هوية الفرد (الذات) تبنى وتتشكل من خلال تفاعله مع المجتمع وكيفية إدراك الآخرين له.

يشير مفهومه عن “الآخر المعمم” (Generalized Other) إلى أن الفرد يتبنى موقف المجتمع ككل ويشكل سلوكه استنادا إلى توقعات واستجابات الآخرين له، مما يجعله عرضة لاستيعاب وتجسيد الوصم الاجتماعي الذي يوضع عليه.

[7] – د.جمال معتوق،مدخل الى علم الاجتماع الجنائي “أهم النظريات المفسرة للجريمة و الانحراف”،دار الكتاب الحديث ،القاهرة،ط الأولى 2016،ص 306

[8] -دريس لكريني،اعادة إدماج السجناء على ضوء المعايير الدولية،مقال إلكتروني منشور على الموقع التالي:

https://www.hespress.com

تاريخ النشر: 19/04/25

[9] -القواعد النموذجية الدنيا المنقحة لمعاملة السجناء”قواعد نيلسون مانديلا” 2015،وثيقة صادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة.

https://www.unodc.org/documents/justice-and-prison-reform

[10] -محمد الراجي،وسخ” السجل العدلي يعيق اندماج السجناء السابقين في المجتمع المغربي،مقال منشور في:

https://www.hespress.com

تاريخ النشر 7/03/23

[11]-مراد بيروتي،رد الاعتبار وإشكالاته العملية،بحث نهاية تمرين الملحقين القضائيين،المعهد العالي للقضاء،2009/2011

[12] -Christine,Conséquences d’un casier judiciaire non vierge dans la fonction publique française.

مقال منشور في:

https://www.jurisleg.fr

تاريخ النشر:

01/15/24

[13] -القانون 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة،الصادر. بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.24.32 بتاريخ 18 من محرم 1446. 24 يوليو 2024

[14] -دليل برنامج تحفيز  لتشغيل فئات محددة: الإعفاءات من ضريبة الدخل والاشتراكات الاجتماعية لأصحاب العمل والموظفين الجدد.

منشور في:

https://www.anapec.org/pdf/Hafiz_Guide.pdf

[15] -لنظام الضريبي بالمغرب (AMDIE). جدول نسب الضريبة على الشركات والضريبة على الدخل.

يمكن الاطلاع على الموقع التالي:

https://www.cese.ma

[16] -ؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء.. رعاية متواصلة برؤية شمولية تستحضر البعد الاجتماعي في مجال العدالة (المنسق العام للمؤسسة)

منشور في:

https://www.mapnews.ma/ar

تاريخ النشر:

15/08/25

[17] -دبلوماسيان من الولايات المتحدة والنرويج يشيدان بالدور “الفعال والإستراتيجي” لمؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء

منشور في:

https://www.hespress.com

تاريخ النشر:

24/01/18

error: عذرا, لا يمكن حاليا نسخ او طباعة محتوى الموقع للمزيد من المعلومات المرجوا التواصل مع فريق الموقع عبر البريد الالكتروني : [email protected]