وجهة نظر: مدونة الأسرة وأخواتها النفقة بين محدودية الزجر وتعثر التنفيذ

حسن مازوزي باحث بهيئة المحامين بالقنيطرة
كلما عاد النقاش حول إصلاح مدونة الأسرة بالمغرب ، يُختزل الأمر غالباً في تعديل بعض المقتضيات المتعلقة بالزواج أو الطلاق أو الحضانة أو النفقة ، وكأن تنظيم الأسرة يتوقف فقط على إعادة صياغة النصوص القانونية . إلا أن التجربة العملية تكشف أن أزمة التنظيم الأسري لم تعد مرتبطة فقط بمدونة الأسرة وحدها، بل أيضاً بكل “أخواتها” المؤسساتية والاجتماعية والزجرية والتنفيذية ، أي بكل المنظومة المحيطة بها، بدءا من السياسة الجنائية إلى التنفيذ القضائي، ومرورا بصندوق التكافل العائلي إلى الحماية الاجتماعية، ومن فلسفة العقوبة إلى واقع الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية .فالنصوص القانونية مهما بلغت دقتها تظل عاجزة عن تحقيق أهدافها إذا كانت الآليات المحيطة بها غير قادرة على تحويل الأحكام القضائية إلى حماية فعلية داخل الواقع الاجتماعي . وتبرز قضايا النفقة وإهمال الأسرة كواحدة من أكثر المجالات التي تكشف هذه المفارقة بوضوح، فكم من حكم قضائي صدر لفائدة مطلقة أو طفل وكم من متابعة زجرية باشرتها النيابة العامة وكم من عقوبة نطقت بها المحاكم دون أن تصل النفقة فعلياً إلى مستحقيها.
لقد أصبحت بعض قضايا التنفيذ المتعلقة بالأسرة تقدم صورة مقلقة عن حدود النجاعة داخل العدالة الأسرية، خاصة مع التوجه المتنامي نحو الحد من الاعتقال والتوسع في العقوبات البديلة أو الموقوفة التنفيذ ، وهو توجه قد يبدو مبرراً من زاوية مواجهة اكتظاظ السجون وتحديث السياسة الجنائية ، لكنه يطرح في المقابل سؤالاً حقيقياً حول مصير الحماية القانونية للطرف الهش داخل الأسرة عندما تفقد العقوبة أثرها الردعي والتنفيذي . فالنفقة ليست ديناً مدنياً عادياً، بل حق معيش يومي يرتبط بالطعام والعلاج والكراء والدراسة والاستقرار النفسي للأطفال، ولذلك فإن أي تعثر في تحصيلها لا يخلق فقط نزاعاً قانونياً، بل ينتج هشاشة اجتماعية قد تدفع أحياناً بعض الأسر إلى الانهيار الكامل.
ومن بين القضايا الدالة على هذا الوضع، نازلة عرضت على المحكمة الابتدائية بالقنيطرة تتعلق بزوجة شابة اضطرت مكرهة إلى طلب التطليق للشقاق، فاستجابت المحكمة لطلبها وحددت المستحقات المترتبة عن إنهاء العلاقة الزوجية لفائدتها ولفائدة طفلها، غير أن الحكم بقي عملياً عاجزاً عن تحقيق أثره بسبب تعذر التنفيذ وعجز المطلق عن الأداء . مما اضطر المطلقة إلى اللجوء إلى المسطرة الزجرية المتعلقة بجريمة إهمال الأسرة بسبب عدم الإنفاق، فتمت متابعة الزوج في حالة سراح، وصدر في حقه حكم بعقوبة حبسية موقوفة التنفيذ أيدته محكمة الاستئناف، ليصبح حكماً نهائياً مكتسباً لقوة الشيء المقضي به.
لكن ماذا تحقق في النهاية ؟ لا الزوجة توصلت بالنفقة ولا الطفل استفاد من حماية فعلية، ولا العقوبة حققت الردع، ولا الحكم استطاع فرض هيبة القانون. وهنا تظهر إحدى أكبر المفارقات داخل العدالة الأسرية المغربية ، فالأحكام تصدر طبقا للقوانين المعمول بها إلا أن آثارها الاجتماعية تتعثر أحياناً أمام ضعف التنفيذ ومحدودية النجاعة المؤسساتية . إن الأمر لا يتعلق بالدعوة إلى التشدد العقابي أو تحويل السجون إلى وسيلة لتدبير المشاكل الأسرية، بقدر ما يتعلق بسؤال أعمق, هل يمكن بناء سياسة جنائية حديثة دون بناء منظومة تنفيذ فعالة وحديثة ؟ وهل يمكن الحد من الاعتقال دون توفير بدائل حقيقية تضمن حماية النساء والأطفال؟ فالحد من العقوبات السالبة للحرية قد يكون اختياراً تشريعياً معقولاً، لكنه يصبح خطيراً حين يتحول بصورة غير مباشرة إلى إضعاف الحماية القانونية للطرف الهش داخل الأسرة. لأن العقوبة حين تفقد أثرها الردعي والتنفيذ فعاليته، يصبح القانون نفسه مهدداً بفقدان معناه الاجتماعي.
ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة النظر في فلسفة معالجة قضايا النفقة ليس فقط من خلال تعديل النصوص، بل عبر بناء منظومة متكاملة تجعل الحكم القضائي قابلاً للحياة لا مجرد وثيقة تحفظ في رفوف المحاكم . وفي هذا السياق ، يظل تفعيل صندوق التكافل العائلي أحد المداخل الأساسية لمعالجة هذا الخلل شريطة إخراجه من منطق التعقيد المسطري والبطء الإداري، لأن النفقة ليست مشروعاً استثمارياً يحتمل الانتظار، بل حق معيش يومي مرتبط بالكرامة الإنسانية. كما أن الأمر يقتضي التفكير في وسائل أكثر نجاعة لتحصيل النفقة، و ذلك عن طريق تطوير آليات تتبع الملزمين بالنفقة و تعزيز التنسيق بين القضاء ومؤسسات التنفيذ والحماية الاجتماعية حتى لا يبقى الحكم القضائي معلقاً بين رفوف المحاكم وعجز الواقع . لقد أثبت الواقع أن تعديل مدونة الأسرة مهما بلغت أهميته لا يكفي وحده لحماية الأسرة المغربية . لأن المدونة لا تشتغل داخل فراغ بل داخل منظومة متكاملة قد تعطل أهدافها أو تفرغها من مضمونها . ولذلك فإن السؤال الحقيقي اليوم لم يعد فقط , كيف نعدّل مدونة الأسرة ؟ بل أيضاً: كيف نصلح ” أخواتها ” ؟ السياسة الجنائية ، آليات التنفيذ، صندوق التكافل، الحماية الاجتماعية بل حتى فلسفة العقوبة نفسها . لأن الأسرة لا تسقط فقط بسبب خلاف زوجي، بل أحياناً بسبب حكم غير منفذ، أو نفقة غير محصلة، أو صندوق متعثر، أو سياسة جنائية فقدت قدرتها على تحقيق التوازن بين الرحمة والردع.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى، قد تنجح الدولة في إنتاج نصوص حديثة لكنها تفشل أحياناً في إنتاج حماية حقيقية. وهو التوجه الذي سبق أن أكد عليه الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش لسنة 2022 المعتبر خريطة طريق لإصلاح مدونة الأسرة المنتظرة حين دعا إلى , ” تفعيل المؤسسات الدستورية، المعنية بحقوق الأسرة والمرأة، وتحيين الآليات والتشريعات الوطنية، للنهوض بوضعيتها “. قبل أن يضيف , ” وإذا كانت مدونة الأسرة قد شكلت قفزة إلى الأمام فإنها أصبحت غير كافية ؛ لأن التجربة أبانت أن هناك عدة عوائق، تقف أمام استكمال هذه المسيرة، وتحول دون تحقيق أهدافها “.وهي إشارة ذات دلالة عميقة، لأن الحديث هنا لم يعد فقط عن تعديل نص قانوني، بل عن إصلاح محيط كامل يحيط بالأسرة المغربية . فالأسرة لا تسقط فقط بسبب خلاف زوجي، بل أحياناً بسبب حكم غير منفذ، أو نفقة غير محصلة، أو صندوق متعثر، أو سياسة جنائية فقدت قدرتها على تحقيق التوازن بين الرحمة والردع وهنا تكمن المفارقة الكبرى قد تنجح الدولة في إنتاج نصوص حديثة… لكنها تفشل أحياناً في إنتاج حماية حقيقية.
