مصطفى بن شريف: ملاحظات بشأن عدم دستورية مواد في مشروع القانون رقم: 23.66 كما صادق عليه البرلمان

الدكتور مصطفى بن شريف محامٍ بهيئة وجدة
فهرس المحتويات
■ الفقرة الأولى: مبادئ عامة
– أولا: قواعد مبدئية أقرتها المحكمة الدستورية أو المجلس الدستوري قبلها
– ثانيا: في أسباب و خلفيات إحالة رئيس مجلس النواب لمشروع القانون رقم: 23.66 على المحكمة الدستورية
– ثالثا: رقابة المحكمة الدستورية على القوانين شاملة، و غير مقيدة بطلبات أصحاب الإحالة
■ الفقرة الثانية: في عدم دستورية الفقرة 2 من المادة 13 من مشروع القانون رقم: 23.66 المنظم لمهنة المحاماة، كما صادق عليه البرلمان
■ الفقرة الثالثة: في عدم دستورية المادة 35 من مشروع القانون رقم: 23.66 المنظم لمهنة المحاماة كما صادق عليه البرلمان
– أولا: من حيث طبيعة المقتضيات الواردة في المادة 35 من مشروع القانون
– ثانيا: من حيث قيام شبهة عدم دستورية المادة 35
– ثالثا: من حيث الإعتراف الضمني بأن المادة 35 تسمو على الإتفاقيات الدولية و على الدستور
■ الفقرة الرابعة: من حيث قيام شبهة عدم دستورية المواد 41 و 42 و 43 و الفقرتين 1 و 5 من المادة 121، من مشروع القانون رقم: 23.66 المنظم لمهنة المحاماة كما صادق عليه البرلمان
– أولا: المضامين التشريعية للمواد المنعى عليها
– ثانيا: من حيث انفصال المواد المنعى عليها مع الأحكام التي تقتضيها مزاولة مهنة المحاماة
■ الفقرة الخامسة: في عدم دستورية المادة 76 من مشروع القانون رقم: 23.66 المنظم لمهنة المحاماة
– أولاً: هيئات المحامين بالمغرب مؤسسات مرفقية مهنية خاصة
– ثانيا: مفهوم المرفق العام و خصائصه
– ثالثا: في عدم جواز إخضاع الهيئات المهنية لرقابة المجلس الأعلى للحسابات
– رابعا: رأي محكمة النقض بشأن المركز القانوني لمرفق المحاماة
■ الفقرة السادسة: حصانة الدفاع في ضوء مشروع القانون رقم: 23.66 المنظم لمهنة المحاماة، كما صادق عليه البرلمان: في أوجه عدم الدستورية
– أولا: حصانة الدفاع ضمانة أساسية لحماية حقوق الدفاع و الحق في التقاضي
– ثانيا: من حيث عدم دستورية الفقرات 4 و 5 و 6 من المادة 78
– ثالثا: الفقرتان 5 و 6 من المادة 78 خروج عن القواعد المؤطرة لحصانة و حقوق الدفاع
الفقرة الأولى: مبادئ عامة
أن الأمر يتعلق بإحالة اختيارية، مارسها رئيس مجلس النواب تطبيقا للفقرة 3 من الفصل 132 من الدستور، لكون مشروع القانون المصادق عليه من طرف البرلمان، هو من زمرة القوانين العادية، التي لا تخضع للرقابة الدستورية الإجبارية، كما هو عليه الحال بالنسبة للقوانين التنظيمية، أي أن القوانين العادية تخضع للرقابة الاختيارية بناء على طلب أصحاب الصفة.
و بناء عليه، مارس السيد رئيس مجلس النواب، مسطرة الإحالة الاختيارية على المحكمة الدستورية، بواسطة رسالة، من أجل البت في مطابقة مواده مع الدستور و ترتيب الآثار القانونية.
و تبت المحكمة الدستورية في مطابقة القانون العادي، داخل أجل ثلاثين يوما (30) يحتسب ابتداء من تاريخ احالتها إليها أو في غضون ثمانية (8) أيام في حالة الإستعجال، بطلب من الحكومة، (راجع المادة 26 من القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية).
أنه في حال ما إذا قضت المحكمة الدستورية بعدم دستورية مواد من القانون، الأمر الذي يحول دون إصدار الأمر بتنفيذه، و إرجاعه من أجل إعمال الملائمة مع ما صرحت به المحكمة الدستورية، قد يكون ضمن دورة إستثنائية أو إلى إجراء الإنتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026.
و من جهة ثانية، فإنه لما تقضي المحكمة الدستورية بأن القانون يتضمن مادة غير مطابقة للدستور، و يمكن فصلها من مجموعه، يجوز إصدار الأمر بتنفيذ القانون، باستثناء المادة المصرح بعدم مطابقتها للدستور، (راجع المادة 27 من نفس القانون).
و في حال ما اذا صرحت المحكمة الدستورية بأن القانون يتضمن مقتضى ليس فيه ما يخالف الدستور مع مراعاة تفسير المحكمة الدستورية، وجبت الإحالة إلى هذا التفسير عند عملية النشر.
و قبل بت المحكمة الدستورية في موضوع الإحالة، تتولى بصفة أولية، بسط أوجه الرقابة على الدستورية الخارجية أو الشكلية، و يقصد بها، عيب الاجراءات و الشكل و الاختصاص.
في حين أن الرقابة على الدستورية الداخلية أو الموضوعية، فنطاقها معاينة و تحقق المحكمة الدستورية من مطابقة أو مخالفة القانون لأحكام الدستور.
أولا: قواعد مبدئية أقرتها المحكمة الدستورية أو المجلس الدستوري قبلها
- ✓ سمو الدستور على كل ما عداه من القوانين؛
- ✓ ضمان احترام مبدأ سمو الدستور يعد، بموجب فصله السادس، من المبادئ الملزمة؛
- ✓ ان تحقيق الأهداف الواردة في الدستور، يجب أن يتم دون الاخلال بالمبادئ الدستورية؛
- ✓ أن الدستور متكامل في مبادئه و اهدافه؛
- ✓ وجوب احترام القواعد التي لها قيمة دستورية؛
- ✓ احترام المبادئ الرامية إلى صيانة الحقوق و الحريات الأساسية؛
- ✓ الحرص على عدم إضافة قاعدة جديدة من شأنها تغيير القاعدة الدستورية نفسها (هنا حالة المادة 76 من مشروع القانون رقم: 23.66 التي تقضي باخضاع ودائع و اداءات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات)؛
- ✓ التناسب بين الوسيلة و الغاية الدستورية المراد بلوغها؛
- ✓ تجنب الاغفال التشريعي؛
- ✓ مراعاة تطابق القواعد القانونية مع الأهداف الدستورية؛
- ✓ ضرورة مراعاة الانسجام بين القوانين و عدم تعارضها؛
- ✓ عدم جواز إضافة قاعدة جديدة من شأنها تغيير القاعدة الدستورية؛
- ✓ تدقيق الإنفاق العمومي يندرج حصريا في صلاحيات المجلس الأعلى للحسابات.
ثانيا: في أسباب و خلفيات إحالة رئيس مجلس النواب لمشروع القانون رقم: 23.66 على المحكمة الدستورية
أمام المنحى التصعيدي للخط النضالي لهيئات المحامين بالمغرب، بقيادة مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب، لمواجهة مشروع القانون، رقم: 23.66، و أمام الكلفة الكبيرة الناتجة عن توقف المحامين و المحاميات عن تقديم خدماتهم، الأمر الذي يدفعنا إلى القول بأن السلطة القضائية، و التي تمثلها المحاكم، بمختلف درجاتها و أنواعها، تعاني من هذا التوقف، بحيث يترتب عنه تراكم القضايا، إضافة إلى حرمان صناديق المحاكم من مداخيل هامة تغذي خزينة الدولة.
و بناء على هذه الأسباب و أخرى، قرر رئيس مجلس النواب تفعيل مسطرة الإحالة الاختيارية على المحكمة الدستورية، و ذلك بهدف امتصاص غضب هيئات المحامين بالمغرب، و اختبار مواقفها.
و أعتقد، بأن توجه رئيس مجلس النواب لممارسة رسالة الإحالة للمشروع على المحكمة الدستورية، يمثل و يعكس رأي مؤسسة دستورية، و بدون شك، أنه تتقاسمه معه جهات أخرى، قد تكون هي من وجهته لتفعيل المسطرة.
و من جهة اخرى، ربما تعتقد الجهة المعنية بالاحالة، و معها أطراف في الدولة، أن ذلك يشكل وسيلة قانونية فعالة، من أجل إنهاء الاحتقان وسط المحاميات و المحامين، بإصدار المحكمة الدستورية لقرارها في الموضوع، لأن قرارات المحكمة الدستورية ملزمة للجميع طبقا لأحكام الفصل 134 من الدستور.
ثالثا: رقابة المحكمة الدستورية على القوانين شاملة، و غير مقيدة بطلبات أصحاب الإحالة
لا نعلم، ما اذا كانت رسالة إحالة مشروع القانون رقم: 23.66، الصادرة عن رئيس مجلس النواب، و الموجهة إلى المحكمة الدستورية، تتضمن طلبا يشير إلى مواد محددة واردة في المشروع، و التي تشكل وعاء المطالبة لفحص دستوريتها من عدمها، أم أن رسالة الإحالة جاءت خالية من الإشارة لأي مادة بعينها؟
اعتقد، بأنه و لما كانت رسالة الإحالة على المحكمة الدستورية، صادرة عن رئيس مجلس النواب، و هو الذي واكب مناقشة المشروع، فإنه منطقيا لن يعمد إلى النعي على أي مادة من مواده، مما تكون معه الإحالة تستهدف المشروع كاملا، خاصة و أن رئيس مجلس النواب، مارس مسطرة الإحالة الإختيارية لمشروع قانون عادي، بعد المصادقة عليه من لدن مجلسي البرلمان، و قبل إصدار الأمر بتنفيذه، تطبيقا لأحكام الفقرة الثالثة من الفصل 132 من الدستور.
و من جهة ثانية، لا يوجد في الدستور، و لا في القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية، ما يقيد أو يحد من اختصاص المحكمة الدستورية، لما يتعلق الأمر بأعمال رقابتها على القوانين، بحيث أن الرقابة الدستورية على القوانين و التي تمارسها المحكمة الدستورية، هي رقابة شاملة ومركزية، لأن الإحالة، هي بمثابة طعن عيني، يستهدف النصوص القانونية، التي قد تكون بعضها مخالفة للدستور، و البعض الآخر مطابق له، أو أن جزء آخر يستدعي تعديلا في البناء المفاهيمي، أو مزيدا من التوضيح و التفسير، دون أن يكون متسما بعيب مخالفة الدستور.
و من جهة ثالثة، فإن إحالة رئيس مجلس النواب لمشروع القانون رقم: 23.66 على المحكمة الدستورية، هو إقرار ضمني من الطرف المحيل بأنه يتسم بشبهة عدم الدستورية، و قرينة قوية يمتد إليها الشك، و في هذه الحالة تكون المحكمة الدستورية مطالبة برفع هذا الشك، و التحقق من دستوريته و ذلك ضمانا للأمن القانوني، (راجع قرار المحكمة الدستورية رقم: 17/40 م.د صادر بتاريخ: 20 شتنبر 2017، منشور بالجريدة الرسمية عدد: 6609 بتاريخ: 2 أكتوبر 2017، الصفحة: 5565).
و من جهة رابعة، اوضحت المحكمة الدستورية في قرارها رقم: 26/263 م.د، الصادر بتاريخ: 15 يونيو 2026، ملف عدد: 26/313:
“و حيث انه، و إن كان موضوع الإحالة قد انصب على مقتضيات محددة تخص المواد الثمان المذكورة، فإن المحكمة الدستورية، بصفتها مراقبة لدستورية القوانين، يعود لها أن تثير تلقائيا ما تراه من أوجه عدم المطابقة أو المخالفة للدستور، متى كان لذلك ارتباط عضوي بالمواد المعروضة في رسالة الإحالة، و كلما تبين لها أن القانون المحال يمس بشكل بين احكاما دستورية لم تثرها جهة الإحالة”.
و من جهة خامسة، أن المحكمة الدستورية تمارس اختصاصات صريحة مستمدة مباشرة من أحكام الدستور، و أخرى ضمنية، لكنها جهة غير مختصة لإبداء الرأي في طلبات الاستشارة التي قد يرفعها إليها رئيس الحكومة.
و بناء على كل ما ذكر، يتبين بأن المحكمة الدستورية من ولايتها العامة، ممارسة الرقابة الدستورية على القوانين التنظيمية و العادية، في إطار الإحالة الإجبارية أو الإختيارية، و لها أن تتوغل بالرقابة الدستورية لتشمل مجموع مواد مشروع القانون، و لو تعلق الأمر بتلك التي لم ترد في طلب الإحالة، و هو ما يفسر بأن المحكمة الدستورية تملك الحق في اعمال الرقابة تلقائيا، كلما تبين لها ذلك، لأن القواعد الدستورية لا يجوز مخالفتها من طرف المشرع، لكونها قواعد تتسم بالسمو على جميع القوانين.
الفقرة الثانية: في عدم دستورية الفقرة 2 من المادة 13 من مشروع القانون رقم: 23.66 المنظم لمهنة المحاماة، كما صادق عليه البرلمان
حيث ان مقتضيات الفقرة 2 من المادة 13، من القانون المحال على المحكمة الدستورية من طرف رئيس مجلس النواب، تنص بأنه يعفى من الحصول على شهادة الكفاءة لممارسة مهنة المحاماة:
“موظفو كتابة الضبط المنتمون إلى إطار المنتدبين القضائيين من الدرجة الأولى على الأقل، الحاصلون على شهادة الماستر أو الماستر المتخصص في القانون أو الشريعة أو ما يعادلها، و الذين امضوا خمسة عشر (15) سنة من الأقدمية في الإدارة، بعد قبول استقالتهم أو احالتهم إلى التقاعد، ما لم يكن ذلك لسبب تأديبي، و يجب عليهم اجتياز اختبار للتقييم قبل البت في طلباتهم، تحدد كيفيات تنظيمه و اجراءه بمقتضى قرار لوزير العدل”.
ان الفقرة 2 من المادة 13 أعلاه، أسندت لوزير العدل صلاحية كيفيات تنظيم و إجراء الاختبار التقييمي لموظفي كتابة الضبط الذين يرغبون في الالتحاق بمهنة المحاماة، بعد تقديم الاستقالة أو الإحالة على التقاعد.
أنه من المقرر قانونا أن طلبات التسجيل في جدول هيئة من هيئات المحامين بالمغرب، تتولى البت فيها مجالس الهيئات، و التي من ولايتها إصدار مقررات تقضي بالتسجيل في الجدول أو برفضها.
أنه و لما كان مشروع القانون رقم: 23.66 المنظم لمهنة المحاماة، هو قانون عادي يدخل ضمن مجال القانون، الذي يختص به البرلمان، تطبيقا لأحكام الفصل 70 من الدستور، و ليس نطاقه مجال التنظيم الذي هو من اختصاص الحكومة.
و من الواجب، التذكير بأن الفصل 72 من الدستور ينص “يختص المجال التنظيمي بالمواد التي لا يشملها اختصاص القانون”.
في حين ينص الفصل 71 من الدستور، “يختص القانون، بالإضافة إلى المواد المسندة إليه صراحة بفصول اخرى من الدستور، بالتشريع في الميادين التالية:
– الحقوق و الحريات الأساسية المنصوص عليها في التصدير، و في فصول اخرى من هذا الدستور؛ (……)
– إحداث المؤسسات العمومية و كل شخص اعتباري من أشخاص القانون العام، (…)
و بناء عليه، يستخلص من أحكام الفصلين 71 و 72 من الدستور، بأن الوظيفة التشريعية موزعة بين البرلمان و الحكومة، الأول يختص بمجال القانون، و الثانية تختص بمجال التنظيم.
و حيث يلاحظ بأن الفقرة 2 من المادة 13، المنعي عليها، أنها تتضمن مقتضيات تدخل في المجال التنظيمي، الذي هو من اختصاص الحكومة، التي تتولى في إطاره سن النصوص بوصفها سلطة تنظيمية مشرعة بواسطة مراسيم تنظيمية، عملا بأحكام الفصل 72 من الدستور، علما أن المراسيم التنظيمية تنقسم إلى مراسيم تنظيمية مستقلة، يستند في إصدارها إلى الدستور، (راجع الفصل 90 من الدستور)، و المراسيم التطبيقية أو التنفيذية فانها تصدر استنادا إلى قانون معين، و تسمى أيضا بالمراسيم الفرعية التي تصدر بناء على نص قانوني و هو مجال التنظيم.
و هكذا، يستفاد من الفقرة 2 من المادة 13، أنها تتضمن مقتضى يندرج ضمن مجال القانون، في حين أن المشروع فوضه لمجال التنظيم (تنظيم اختبار) يروم وضع القواعد التفصيلية اللازمة لتنفيذ القانون.
و حيث ان إسناد المشرع لوزير العدل وظيفة إصدار قرار تنظيمي، يتعلق بكيفيات تنظيم اختبار مهني تقييمي، لفئة كتاب الضبط، يعتبر تنازلا عن اختصاصات تشريعية هي ولاية البرلمان، و ليست من اختصاص مجال التنظيم أي الحكومة، علما أن المشرع أوكل لمجالس الهيئات صلاحية البت في طلبات التسجيل في الجدول، و لذلك كان حريا بالمشروع أن يسند مهمة الاختبار التقييمي إلى مجالس الهيئات تفاديا لتجزئة الاختصاص التشريعي، ما دام أن الأمر لا يتعلق باتخاذ تدابير عامة، حتى يمكن القول بأنها تدخل في مجال التنظيم، بل نحن أمام حالة تنازل المشرع عن اختصاص هو من اختصاصاته، لفائدة وزير العدل، الذي لم يخوله له القانون، مما تكون واقعة توغل التنظيم في مجال القانون قائمة، و هو ما يعتبر مخالفة دستورية.
و من جهة أخرى، فإنه و ان كان تنظيم المباريات و الامتحانات لولوج الإدارات العمومية لا يدخل في المواد التي لا يختص القانون بالتشريع فيها، بل هو من مجال التنظيم.
لكن، و لما كانت الفقرة 2 من المادة 13، المنعي عليها، لا علاقة لها بمباراة أو باختبار يتعلق بالوظيفة العمومية، التي تستوجب إجراء مباراة كشكل تنظيمي من أجل ولوجها حسب درجة الاستحقاق،
وهو المقتضى الذي لا ينسحب على مهنة المحاماة، و ان كان الولوج إليها يتطلب إجراء امتحان في انتظار العمل بنظام المباراة، بالنظر إلى كون إجراء الاختبار التقييمي الذي أسنده المشروع لوزير العدل، يتعارض مع الاختصاص الشامل لمجالس الهيئات، التي من ولايتها البت النهائي في الطلبات الرامية لولوج المهنة و التقييد في الجدول، مع حق الطعن في المقررات التي تقضي برفض الطلبات.
و بناء عليه، إن تحديد شروط الولوج لمهنة المحاماة هي من اختصاص القانون (البرلمان) و ليس من اختصاص التنظيم (الحكومة)، ما دام أن الأمر لا يتعلق باصدار تدابير تنظيمية خاصة بتنفيذ القانون، مما لا يجعل قرار وزير من مشمولات التنظيم، و تكون الفقرة 2 المادة 13 غير مطابقة للدستور.
الفقرة الثالثة: في عدم دستورية المادة 35 من مشروع القانون رقم: 23.66 المنظم لمهنة المحاماة كما صادق عليه البرلمان
أولا: من حيث طبيعة المقتضيات الواردة في المادة 35 من مشروع القانون
يستفاد من أحكام المادة 35 أنها تنص على القواعد التالية:
- ✓ أنها تتسم بالطابع الإستثنائي، و تندرج ضمن مجال القانون؛ و جاء فيها: بإمكان وزير العدل، بالإذن للمكاتب الأجنبية للمحاماة، لا تربط بلدانهم، بإتفاقية مع المغرب، بممارسة المهام المنصوص عليها في المادة 33؛
- ✓ أن يكون مكتب المحاماة مرتبط بعقد مع شركة أجنبية تنجز مشاريع استثمارية أو صفقات عمومية بالمغرب؛
- ✓ أن تسجل المكاتب الأجنبية بلائحة مستقلة لدى هيئة المحامين التي ينفذ ضمن دائرتها أو نفوذها المشروع أو الصفقة؛
- ✓ إذا كان المشروع الإستثماري أو الصفقة يشمل دائرة نفوذ أكثر من هيئة محامين، وجب على مكتب المحاماة الأجنبي التسجيل بلائحة مستقلة بهيئة المحامين بالرباط؛
- ✓ يتعين على مكتب المحاماة الأجنبي تعيين محل مخابرة معه بمكتب أحد المحامين بالهيئة المقيد بلائحتها؛
- ✓ عدم الجواز لمكتب المحاماة الأجنبي أن يمارس المهنة خارج نطاق المشروع الإستثماري أو الصفقة موضوع الإذن؛
- ✓ تنتهي صلاحية الإذن الصادر عن وزير العدل بإنتهاء المشروع الإستثماري أو الصفقة، ما لم يكن هناك نزاع، على أن يخبر مكتب المحاماة الأجنبي نقيب الهيئة المعني بذلك؛
و يجب على النقيب إشعار كل من وزير العدل و الوكيل العام للملك المختص بذلك.
و هكذا يتبين من أحكام المادة 35 أعلاه، أنها تتسم بالإستثناء، و بطابعها التنظيمي، بموجبها يمكن لمكاتب المحاماة الأجنبية التي لا تربط بلدانهم بإتفاقية مع المغرب، ممارسة المهنة، بإذن من وزير العدل، لكن شريطة أن تكون مكاتب المحاماة ترتبط بعقد مع شركة أجنبية تنجز مشاريع استثمارية أو صفقات عمومية بالمغرب.
و من جهة ثانية، يلاحظ بأن المادة 35 هي من المستجدات التشريعية التي تضمنها المشروع رقم: 23.66، بحيث لم تعرف القوانين التي تعاقبت على تنظيم مهنة المحاماة هذه المقتضيات.
ذلك، أن المشرع و في ظل القوانين المنظمة لمهنة المحاماة، مقيد بروح الدستور، و بالإتفاقيات الدولية، و لم يشكل موضوع تدفق الإستثمارات الأجنبية على المغرب سببا لتشريع نص إستثنائي، و في ظل غياب اتفاقية ثنائية تربط بلد مكتب المحاماة الأجنبي بالمغرب.
و هكذا، ينكشف بأن مؤدى نص المادة 35 يروم الترخيص بصفة استثنائية، لوزير العدل بأن يأذن لمكتب أجنبي للمحاماة، بممارسة المهنة في المغرب، ضمن شروط محددة، لكن خارج الضوابط العادية المقررة في المادة 34 من نفس مشروع القانون.
و من جهة ثالثة، أن البت في طلبات التسجيل في الجدول هو من الإختصاصات الحصرية لمجالس الهيئات، و أن تفويض المشرع لوزير العدل، بإصدار الإذن للمكاتب الأجنبية لممارسة مهنة المحاماة وفق شروط معينة، إنما يعتبر ذلك تعديا على اختصاصات غير قابلة للتفويض، إضافة إلى أن الإذن الوزاري فيه ما يخالف النظام العام المغربي في ظل غياب اتفاقية ثنائية، تجمع بين بلد مكتب المحاماة الأجنبي و المغرب، كما أن المادة تقوض أسس السيادة الوطنية التشريعية.
ثانيا: من حيث قيام شبهة عدم دستورية المادة 35
بداية نتساءل، هل يحق للمشرع أن يرخص لوزير العدل بأن يأذن لمكتب محاماة أجنبي لا تربط بلده بالمغرب اتفاقية ثنائية، بأن يمارس مهنة المحاماة في المغرب؟
بالرجوع إلى تصدير الدستور، يستفاد منه أنه يتضمن مبادئ ملزمة، و هي:
- ✓ أن المملكة المغربية ذات السيادة الكاملة؛
- ✓ أن الاتفاقيات الدولية، كما صادق عليها المغرب، و في نطاق أحكام الدستور، و قوانين المملكة، (….)، تسمو فور نشرها، على التشريعات الوطنية (…..).
و لما كان تصدير الدستور، جزءا لا يتجزأ من الدستور، و بأن الإتفاقيات الدولية تعلو على القوانين الوطنية، و بأن المغرب ذات سيادة كاملة، و من بينها السيادة التشريعية التي يتعين ممارستها وفقا للدستور و للإتفاقيات الدولية، مما يتعين على المشرع التقيد بهذه القواعد و الضوابط.
و من جهة ثانية، يؤخذ من المادة 35 المنعي عليها، أنها تتضمن مقتضيات يجب أن تكون مؤطرة بإتفاقية دولية، في حين أن المشرع خالف هذه القاعدة، لما شرع خارج هذا الضابط الجوهري، كقاعدة آمرة (Erga omnes, régle impérative)، لا يمكن مخالفتها – اتفاقية ثنائية – لممارسة مهنة المحاماة بالمغرب، وفق شروط معينة، و تبعا لذلك تكون المادة غير مطابقة لأحكام الفصلين 6 و 55 من الدستور، خاصة و أن الدستور أعطى للإتفاقية الدولية، قيمة تعادل القواعد الدستورية، لما نص و بشكل صريح على تعديل نص دستوري، لما يكون في وضعية مخالفة للمعاهدة الدولية.
و حيث أنه و في ظل غياب معاهدة دولية، بين بلد مكتب المحاماة الأجنبي و المغرب، فإنه المشرع ليس من اختصاصه الإذن لأي مكتب محاماة أجنبي، لا تربطه بالمملكة اتفاقية ثنائية، بالنظر لإنعدام السند الدستوري لذلك.
كما يجب التذكير، بأن مشرع المادة 35 أغفل قاعدة أساسية تتمثل في عدم استحضاره في التشريع المذكور، لمبدأ يفترض في دولة مكتب المحاماة الأجنبي أن تطبق نفس المبادئ، لكن في غياب اتفاقية ثنائية يتعذر مطلقا إعمال ذلك.
و لما كان المشرع قد تجاوز اختصاصاته الدستورية، و شرع بالمادة 35 المنعي عليها مقتضيات مخالفة لروح الدستور، بجعله قاعدة قانونية لا تطابق القاعدة الدستورية، و نظرا لكون المسألة تؤطرها مبدئيا قواعد الإتفاقيات الدولية، فهل يجوز تعديل الدستور من أجل أن تصير المادة 35 أعلاه، قابلة للتطبيق، و هذا أمر جد مستبعد نظرا للتعقيدات المسطرية.
و من جهة اخرى، إن نص المادة 35 يندرج في مجال القانون، و عملا بأحكام الفصل 6/فقرة 3 من الدستور و التي تنظم دستورية و تراتبية القواعد القانونية، فإنه لا يجوز لقانون عادي أن يتوغل بالتشريع في مجال قاعدة قانونية أعلى (الدستور أو القوانين التنظيمية)، فإنه فيه ما يخالف أحكام الدستور، لأن النص خلق امتيازات للأجانب خارج قواعد الدستور.
و حيث إن البين من نص المادة 35 أنه منح امتيازات للمكاتب الأجنبية، و في ظل عدم وجود اتفاقيات تربط بلدانها بالمغرب، الأمر الذي يكون معه المشرع قد خالف قواعد الفصلين 6 و 55 من الدستور.
و لما كان الدستور قد أسند للسلطة التشريعية اختصاص سن القوانين وفقا لأحكام الفصل 70 من الدستور، فإن ذلك لا يخولها التدخل بالتشريع في مجال لم يسندها إليها الدستور أمام الإغفال الواضح لأهمية الاتفاقيات الدولية.
و يلاحظ أيضا بأن نص المادة 35 يعكس بأن المشرع تباناها، و رخص للمكاتب الأجنبية لممارسة المحاماة، و ربطها بالإستثمارات و الصفقات العمومية، و كأن الأمر يندرج في إطار نظرية “الأعمال السياسية”، التي تخرج عن الولاية الرقابية للمحكمة الدستورية، و الحال أن الأمر ليس كذلك.
كما أن النص يخالف مبدأ المساواة الذي نص عليه الدستور في الفصلين 6 و 19، و ذلك لما منح المكاتب الأجنبية إمتيازات، و حصانة لم تتقرر بالنسبة لباقي المحامين غير الحاصلين للجنسية المغربية، الأمر الذي يجافي المصلحة العامة التي تعتبر احدى الغايات التي يسعى إليها المشرع، بالنظر إلى كون المادة 35 المنعي عليها لا تقتضيها الضرورة التشريعية. علما أن مراقبة دستورية القوانين شكلا و جوهرا، تستلزم استحضار المقاصد التي ابتغاها الدستور، (راجع قرار المجلس الدستوري رقم: 937، بتاريخ: 29 مارس 2014).
و هكذا جاء في حكم المحكمة العليا في مصر الصادر بتاريخ: 1976/7/3 بأنه:
“و إن كانت الرقابة القضائية على دستورية التشريع لا تمتد إلى ملائمة إصداره، باعتبار أن ملائمة التشريع من اخص مظاهر السلطة التقديرية للشارع، إلا أن ذلك لا يعني اطلاق هذه السلطة في سن القوانين دون تقييد الحدود و الضوابط التي نص عليها الدستور، و التي يتعين إلتزامها، و إلا كان التشريع مخالفا للدستور”، (راجع حكم المحكمة العليا، في الدعوى رقم: (5) قضائية عليا “دستورية” جلسة 1976/4/3، مجموعة أحكام و قرارات المحكمة العليا، ج1 ص: 414).
ثالثا: من حيث الإعتراف الضمني بأن المادة 35 تسمو على الإتفاقيات الدولية و على الدستور
إن إقرار المشرع لقاعدة قانونية تقضي بإسناد وزير العدل، وظيفة إصدار الإذن للمكاتب الأجنبية لممارسة المحاماة، و في غياب وجود اتفاقية دولية، تربط بلدانهم بالمغرب، و هو ما يعتبر مخالفة دستورية بصريح أحكام الفصلين 6 و 55 من الدستور.
و لما كان نص المادة 35، يهم طائفة من المكاتب الأجنبية التي لا تربط بلدانهم بالمغرب إتفاقية دولية، و رغم ذلك فوض المشرع لوزير العدل بأن يتولى الإذن لهم بممارسة مهنة المحاماة وفق شروط معينة، تكون المادة 35 في حالة تصادم مع أحكام الدستور (الفصلين 6 و 55) و مع أحكام المادة 34 من مشروع القانون رقم: 23-66، و مع مبدأ السيادة الوطنية الغير القابل للخرق أو المساس (راجع تصدير الدستور).
و من جهة ثانية، كيف يصار إلى الإذن للمكاتب الأجنبية بممارسة مهنة المحاماة بالمغرب، و في ظل غياب أي اتفاقية مع بلدانهم، فإن تبرير المشرع لذلك، ارتباطهم بعقد مع شركة أجنبية تنجز مشروعا استثماريا أو صفقة بالمغرب، لكن هذه العلة لا تشكل مبررا لإصدار تشريع إستثنائي و خارج ضوابط الدستورية و القانونية.
و هكذا، نجد بأن المشرع الفرنسي و إن كان يأخذ بمبدأ تسجيل المحامين الأجانب لممارسة المهنة بفرنسا، لكن ضمن شروط محددة، تتمثل فيما يلي:
- ✓ أن يكون المحامي الأجنبي من غير دول الإتحاد الأوروبي، و مسجلا بالهيئة في بلده بتاريخ تقديم الطلب؛
- ✓ على المحامي الأجنبي طالب التسجيل بإحدى الهيئات الفرنسية، الإدلاء بأن دولة الأصل (Pays d’origine) تمنح للمحامين الفرنسيين، حق ممارسة المهنة وفق نفس الشروط؛
- ✓ تقديم الطلب إلى رئيس المجلس الوطني للهيئات؛
- ✓ يبت المجلس الوطني للهيئات في الطلب داخل أجل شهرين على الأكثر؛
- ✓ اجراء اختبار لمراقبة معرفة المحامي الأجنبي للقانون الفرنسي، و هو اجراء إجباري؛
- ✓ يتم تنظيم امتحان لرقابة المعرفة بالقانون الفرنسي، و لا يمكن قبول تسجيل المترشح إلا بحصوله على نقطة 10/20 على الأقل؛
- ✓ يتضمن الإمتحان، اختبار كتابي نطاقه المادة المدنية، و اختبار كتابي في المواد الإدارية و التجارية و قانون الشغل و القانون الجنائي، و اختبارين شفويين نطاقهما المسطرة المدنية و الجنائية أو الإدارية، التنظيم القضائي الفرنسي، إضافة إلى مقابلة شفوية حول تنظيم و أخلاقيات مهنة المحاماة، (راجع القانون 1971/12/31، المعدل بالمرسوم رقم: 2019-849 بتاريخ: 20 غشت 2019 – المادتان 11 و 3 و المادة 100 من المرسوم رقم: 91-1197 بتاريخ: 27 نونبر 1991 المنظم لمهنة المحاماة بفرنسا).
و هكذا، يتبين من خلال القانون الفرنسي، أنه قرر مبادئ و قواعد ملزمة لقبول تسجيل محامين أجانب بإحدى الهيئات بفرنسا، من أهمها: المعرفة بالقانون الفرنسي، الإلمام باللغة الفرنسية، أن يكونوا مسجلين بإحدى الهيئات ببلدانهم الأصلية، أن توجد اتفاقية ثنائية تجمع بلدهم بفرنسا، و أن تتضمن نفس الشروط الواردة في التشريع الفرنسي المنظم لمهنة المحاماة.
لكن المادة 35 المنعي عليها، جاءت متسمة بالاغفال التشريعي، بحيث أنه لم يرد ضمن أحكامها، الشروط التي يتعين توفرها في مكاتب المحاماة الأجنبية، التي ترغب لممارسة المهنة بمدلول المادة المذكورة، و بصفة استثنائية، كالإلمام بلغة المرافعات أمام المحاكم المغربية و وجوب وجود اتفاقية ثنائية بين بلدانهم و المغرب، و هذا ما يشكل مخالفة صريحة لأحكام الدستور.
و حيث ان المسلم به، أن فصول الدستور يتعين أن ينظر إليها بإعتبارها وحدة واحدة يكمل بعضها البعض، بحيث لا يجوز تفسير فصل منه بمعزل عن فصوله الأخرى، بل يجب اعتماد قاعدة التساند بين فصول الدستور.
أنه و إن كان للمشرع سلطة تقديرية في التشريع، إلا أن سلطته تجد حدها في عدم الخروج على القيود و الضوابط و المبادئ التي نص عليها الدستور، و عدم المساس بالحقوق و الحريات التي كفلتها فصوله، عملا بمبدأ الوحدة العضوية للنصوص الدستورية.
و حيث إن المادة 35 تتصادم مع المادة 34 من نفس المشروع أدت إلى التمييز بين طائفتين من المحامين الأجانب الذين يرغبون في ممارسة المهنة بالمغرب، و هو ما يشكل خرقا لمبدأ المساواة، و كان حريا بالمشرع أن يخضعهم جميعا لقاعدة قانونية موحدة و مجردة، بالنظر إلى كون التفرقة بين المجموعتين لا ترتكز في واقعها على أساس تتصل بالهدف الذي توخاه المشرع من تقرير تنظيم ممارسة الأجانب لمهنة المحاماة في المغرب، فإن حرمان طائفة معينة من المحامين الأجانب من الحق الذي يحميه الدستور، لأن من شأن التفرقة بين طائفتين من المحامين يترتب عنها الإخلال بمراكز قانونية متماثلة و مساسا بمبدأ المساواة بينهم.
و من المقرر في قضاء المحكمة الدستورية أن الدساتير المغربية جميعها بدأ من دستور 1962 و انتهاء من دستور 2011، أكدت جميعها على مبدأ المساواة أمام القانون، و لذلك فإنه من غير المقبول أن يتضمن التشريع قواعد قانونية تنبني على التفرقة أو تقييد، أو تفضيل ينال من الحقوق و الحريات التي يكفلها الدستور أو القانون، (راجع قرار المجلس الدستوري رقم: 817 بتاريخ: 13 أكتوبر 2011)، علما أن تحقيق الأهداف الواردة في الدستور يجب أن يتم دون الإخلال بالمبادئ الدستورية، (راجع قرار المجلس الدستوري رقم: 924 بتاريخ: 22 غشت 2013).
الفقرة الرابعة: من حيث قيام شبهة عدم دستورية المواد 41 و 42 و 43 و الفقرتين 1 و 5 من المادة 121، من مشروع القانون رقم: 23.66 المنظم لمهنة المحاماة كما صادق عليه البرلمان
أولا: المضامين التشريعية للمواد المنعى عليها
يستفاد من أحكام المواد 41 و 42 و 43، أن نطاقها التكوين المستمر الذي يتعين أن يخضع له المحامي سنويا، باستثناء فئة النقباء و قدماء المستشارين بمحكمة النقض و المحامين العامين لديها.
و يكتسي التكوين المستمر طابعا دوريا سنويا، لمدة عشرين ساعة على الأقل، بتنسيق بين المعهد و مجلس الهيئة المعنية.
و رتبت المادة 43، من المشروع، جزاء تأديبيا، في حال اخلال المحامي ببرنامج التكوين المستمر بدون عذر مشروع.
و بناء عليه، نتساءل و بشكل قانوني، هل يحق للمشرع أن يتوغل في مجال تنظيم مهنة المحاماة التي هي من ولاية مجالس الهيئات بتفويض منه، بعد إجراء المباراة من طرف وزارة العدل و الحصول على شهادة الكفاءة لممارسة مهنة المحاماة؟
ان التكوين المستمر، معناه أننا أمام واقعة تنسحب على الفترة التي يكون فيها المحامي مسجلا بالجدول، الأمر الذي تكون معه وزارة العدل أو إدارة المعهد التابع لها، لا تملك أي سلطة على المحامي سواء تعلق الأمر بالتكوين أو التأديب، لكونها ليست بسلطة إدارية رقابية على الهيئات (….) بالنظر إلى كون مجالس الهيئات، هي صاحبة الاختصاص العام، بإدارة شؤون المهنة، و من بينها التكوين المستمر، و اسناد المشرع هذه الوظيفة لجهة إدارية، اما بشكل مستقل أو بالتشارك مع الهيئات، فيها مساس باستقلالية المحاماة، و تعديا على صلاحيات أجهزتها المؤسساتية.
و من جهة ثانية، لما كانت المحاماة مهنة حرة و مستقلة، وفق المادة الأولى من نفس القانون، و أن البت في طلبات التسجيل في الجدول، يعود لمجالس الهيئات طبقا للمادة 19 من نفس القانون، و بوضع مشروع برنامج للتكوين المستمر للمحامين عملا بأحكام المادة 121/الفقرتين 1 و 5 من نفس القانون، الأمر الذي يطرح اشكالية قانونية حقيقية، تتمثل في تعسف المشرع، لاصطدامه بروح التنظيم الذاتي، المقرر لهيئات المحامين بالمغرب، في تسيير و تدبير الشؤون المهنية، و من بينها التكوين المستمر، بالنظر إلى كون كل هيئة تتمتع بالشخصية الاعتبارية و الاستقلال المالي و تعتبر الممثل القانوني للمحامين المنتسبين إليها، (راجع المادة 116/الفقرة الثانية من مشروع القانون).
و ترتيبا على ما ذكر، تكون المواد المذكورة فيها ما يخالف الفصول 11 و 25 و 71 من الدستور.
ثانيا: من حيث انفصال المواد المنعى عليها مع الأحكام التي تقتضيها مزاولة مهنة المحاماة
لما كانت المحاماة مهنة حرة و مستقلة، تشارك السلطة القضائية في تحقيق العدالة، و ترسيخ سيادة القانون، و حماية حقوق المحاميات و المحامين، و تتولى الهيئات تدبير شؤون المهنة في جميع مناحيها، كتنظيمات مهنية، تتمتع بالشخصية الاعتبارية و الاستقلال المالي، الأمر الذي لا يستقيم معه إسناد وظيفة الإشراف على التكوين المستمر للمحامين كليا أو جزئيا لوزارة العدل، لما يشكل ذلك من اعتداء على اختصاصات المؤسسات المهنية التي أوكل لها المشرع تحديد حقوق و واجبات المحاميات و المحامين بصورة دقيقة، (راجع حكم المحكمة الدستورية العليا المصرية، الدعوى رقم: 30 لسنة 15، دستورية، بتاريخ: 03/12/1994).
و من جهة ثانية، أن احداث هيئات المحامين بالمغرب هو قرار للدولة بناء على قانون، و متعها بالشخصية الاعتبارية و الاستقلال المالي، تضم المحاميات و المحامين المقيدين بجدولها، و قد فوض لها المشرع باتخاذ كافة التدابير التنظيمية كتنظيمات مهنية مستقلة تماثل تلك المقررة للهيئات الإدارية العامة، مما يدل بأنها تجمع بين مقومات الهيئة العامة، في حين أن عناصرها من شخصية مستقلة، وظيفتها إدارة مرفق مهني عام بتفويض من الدولة. (راجع حكم المحكمة الدستورية العليا المصرية، الدعوى رقم: 161، لسنة 36 قضائية “دستورية” بتاريخ 04 يوليوه 2020، الجريدة الرسمية عدد: 27 مكرر(ج) بتاريخ: 08 يوليوه 2020).
و من جهة ثالثة، ان إسناد السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، وظيفة الإشراف على التكوين المستمر للمحامين، لا يندرج ضمن نطاق السلطة التقديرية للمشرع، لأن الأمر لا يتعلق باختيار تدبير تشريعي كسبيل لبلوغ أهداف مقررة في الدستور، مما لا يحق للمشرع التنازل و تفويض اختصاصات هي من المهام الأصيلة لمجالس الهيئات (راجع، قرار المجلس الدستوري رقم: 2011/817 بتاريخ: 13 اكتوبر 2011). علما أن مرافق التنظيم المهني (الهيئات) تمتاز بصفات معينة، من أهمها، أن المشرع خولها لأداء مهامها قدرا كبيرا من سلطات القانون العام و القانون الخاص Un régime juridique mixte، تكوينها يخضع لقواعد القانون الخاص، في حين يحكم نشاطها القانون العام، (راجع المحكمة الإدارية العليا المصرية، الطعن رقم: 3089 لسنة 35ق، جلسة 1990/12/16، المكتب الفني، السنة 36، ص: 5، و سليمان محمد الطماوي، الوجيز في القانون الإداري: دراسة مقارنة، دار الفكر العربي، القاهرة، 2016، ص: 348).
و يستفاد من المواد المنعي عليها أنها أقامت تمييزا بين المحاميات و المحامين المنتسبين لكل هيئة فيما يتصل بالتكوين المستمر، بحيث قررت أنه إجباري لفئة دون فئة اخرى، وهو تمييز لا مبرر له بين المحاميات و المحامين، لان الهيئة مبدئيا، هي من تستقل بتقدير ذلك، و ليس وزارة العدل، و هذا المقتضى يخالف مبدأ المساواة بين المحامين في الحقوق و الواجبات، و هو مبدأ عام، اقرته جميع دساتير المملكة التي تقول بأن المواطنين في نظر القانون متساوون في الحقوق و الواجبات العامة، لا تمييز بينهم لأي سبب كان.
و بناء عليه، تكون المواد المذكورة أعلاه، قد اقامت تفرقة بين المحامين، لا تستند إلى مبرر قانوني، و دون سبب شرعي، بإسناد وظيفة الإشراف على التكوين المستمر للمحامين، إلى جهة إدارية (وزارة العدل) و هو ما يمثل تهديدا حقيقيا لاختصاصات الهيئات المهنية، مما تتحقق معه حالة مخالفة الدستور.
الفقرة الخامسة: في عدم دستورية المادة 76 من مشروع القانون رقم: 23.66 المنظم لمهنة المحاماة
سنتولى في هذه الدراسة التطرق إلى طبيعة المرفق المهني للمحاماة، و هل يندرج ضمن زمرة المرافق العامة؟ و هل أموال الهيئات أموال خاصة أم عامة؟ و هل يجوز إخضاع مالية الهيئات لرقابة المجلس الاعلى للحسابات؟
أولاً: هيئات المحامين بالمغرب مؤسسات مرفقية مهنية خاصة
إن المحاماة رسالة، و مهنة حرة و مستقلة، و أحد جناحي العدالة إلى جانب القضاء، و هي بذلك تساعد القضاء و تساهم في تحقيق العدالة، و في توفير شروط المحاكمة العادلة.
و من المعلوم أن مرفق المحاماة لا تنسحب عليه الأحكام المؤطرة للمرافق العامة، فهو بكل تأكيد مرفق مهني خاص، فوّضت الدولة للهيئات صلاحيات السلطة العامة، و التي تتمتع بالشخصية الاعتبارية و الاستقلال في التسيير ماليا و إدارياً، دون أن تكون مساهمتها في تدبير مرفق المحاماة ترقى إلى طبيعة قضائية.
و هكذا تتولى أجهزة الهيئات المهنية التي تتكون من مؤسسات: النقيب، و المجلس، و الجمعية العمومية، و التي من ولاية هذه الأجهزة ممارسة جميع الأعمال القانونية الكفيلة بضمان تسيير الهيئات بشكل ديمقراطي، مع استحضار مبدأ الحكامة الجيدة و ربط المسؤولية بالمحاسبة.
و بمعنى آخر، يتولى تدبير شؤون المهنة نقباء و مجالس منتخبة، من المحاميات و المحامين المنتسبين لكل هيئة، و ذلك بتحديد من المشرّع، و في إطار قواعد و مبادئ التعاقد المهني على قاعدة ديمقراطية.
و من جهة أخرى، تخضع الهيئات من حيث تكوينها للقانون الخاص، فهي شخصية اعتبارية خاصة، تتمتع بالاستقلال المالي و الإداري، و يحكم نشاطها و يؤطره القانون المنظم للمهنة.
و أنه ولأداء الهيئات لمهامها، مكّنها المشرّع صلاحية إصدار أوامر و قرارات و مقررات ملزمة لمنتسبي المهنة، قد تكون قرارات فردية أو تنظيمية، نطاقها جميع المجالات ذات الصلة بالمهنة، و من أهمها البت في الطلبات الرامية لولوج المهنة، و تحديد الأتعاب، و التأديب، و إحداث الدمغة، و الأعمال الاجتماعية، و أنظمة التكافل، و تدبير مالية الهيئات عبر حسابات الأداءات و الودائع.
كما تمارس الهيئات اختصاصات، تم تفويضها لها من قبل الدولة، من بينها تنظيم مالية الهيئات، و لها حق فرض و تحصيل رسوم التسجيل و الاشتراك و الدمغة و التكافل، و هي أموال متأتية من تنفيذ الأحكام القضائية، أي أنها ملك للمتقاضين و ليست بأموال عامة.
و ترتيبا على ما ذُكر، تُعتبر كل هيئة من هيئات المحامين شخصية معنوية خاصة مستقلة – و هي بذلك لا تندرج ضمن مشمولات المرافق العامة للدولة – و يحكمها القانون الخاص و ليس القانون العام، و الأموال التي تديرها الهيئات ليست بأموال عامة، و لا هي أموال خاصة بها، بل ينحصر و ينصرف اختصاص الهيئات بشأنها في حدود إدارة تلك الأموال التي تعود للمتقاضين، مما ينزع عنها و بقوة القانون صفة المال العام.
علما أن فكرة المرفق العام تنسحب على جميع الأنشطة التي تقوم بها الدولة مباشرة أو بصفة غير مباشرة بهدف تحقيق خدمات عامة تحت إشرافها و مراقبتها.
و أنه و لما كان مشروع القانون رقم: 23.66 المنظم لمهنة المحاماة، الذي صادق عليه البرلمان، قد نص في مادته 76 على إخضاع الهيئات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، فهل يعتبر ذلك مطابقا للدستور أم أن الأمر ليس كذلك؟
حيث إن هيئات المحامين بالمغرب، تنعى على النص التشريعي المذكور، مخالفته المبادئ التي نص عليها الفصل 147 من الدستور، التي تنص بأن المجلس الأعلى للحسابات هو الهيئة العليا لمراقبة المالية العمومية بالمملكة، و يضمن الدستور استقلاله. كما يمارس المجلس الأعلى للحسابات مهمة تدعيم وحماية مبادئ و قيم الحكامة الجيدة و الشفافية و المحاسبة، بالنسبة للدولة والأجهزة العمومية.
و يؤخذ من أحكام الفصل 147 من الدستور أن نطاق أو مجال رقابة المجلس الأعلى للحسابات هو المالية العمومية التي تعود للدولة و أجهزتها العمومية، مما يعني أن الأموال الخاصة تخرج من دائرة رقابته. علما أن مشروع القانون المنعيّ عليه نص في المادة 121 (الفقرة 17) على أن يقوم مجلس هيئة المحامين في نطاق اختصاصها الترابي بـ”تعيين خبير محاسب لمراقبة حسابات الهيئة”.
و هكذا يتبين بأن مشروع القانون قد نص على آليتين رقابيتين: واحدة يتولاها المجلس الأعلى للحسابات، و أخرى يقوم بها خبير محاسب لمراقبة الحسابات.
و في هذه الحالة، يبدو بأن المشرّع تكوّن لديه الشك في عدم دستورية المادة 76، مما دفعه الأمر إلى تبني نظرية الافتحاص المالي بواسطة مراقب للحسابات طبقا للمادة 121 (الفقرة 17) من مشروع القانون.
و حيث إن مفهوم المرفق العام يتحدد انطلاقا من طبيعة الأعمال التي يتولاها (المفهوم المادي)، و يجب أن تتصل تلك الأعمال جميعها بالمصلحة العامة؛ لكن الأعمال التي تفقد صلتها بالمصلحة العامة، و خاصة لما يتعلق الأمر بإدارة أموال الهيئات التي تعتبر أموالا خاصة، فإن إدارتها تكون بواسطة وسائل القانون الخاص و ليس القانون العام.
في هذا الإطار، يجب الإشارة إلى أن الأعمال التي تقوم بها الأبناك بوجه عام تخضع لأحكام القانون الخاص، و لو كان رأس مالها مملوكا كليا أو جزئيا للدولة، إذ لا صلة بين الجهة التي تملك أموالها و موضوع نشاطها، و لا بطرق تسييرها، و ليس من شأن هذه الملكية أن تبعث على القول بأن نشاطها عمل إداري.
ثانيا: مفهوم المرفق العام و خصائصه
تُعتبر المرافق العامة أحد موضوعات القانون الإداري بامتياز، و تعريف المرفق العام يجب أن يكون من وجهة نظر القانون الإداري كفرع من فروع القانون العام، و ليس القانون الخاص. و هكذا تتجاذب المرفق العام عدة نظريات تتوافق فيما بينها على اعتماد معيارين: أحدهما مادي، يقول بأن المرفق العام هو النشاط الإداري الذي يصدر عن مؤسسات الدولة بهدف تحقيق مصلحة عامة، و آخر عضوي يتمثل في كون المرفق العام ينسحب على الإدارة أو الهيئة التي تزاول نشاطا إداريا، (راجع: محمد الأعرج، القانون الإداري المغربي، الجزء الأول، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية، مواضيع الساعة عدد: 61، مطبعة دار النشر المغربية، 2009، ص 315).
و بصفة عامة، يرى جانب آخر من الفقه، أن فكرة المرفق العام، هي النشاط الإداري الذي تمارسه الدولة أو مؤسساتها عن طريق إدارته (أي المرفق العام) مباشرة أو بواسطة الغير الذي يخضع لإشرافها و رقابتها بغاية تحقيق مصلحة عامة، (راجع: مليكة الصروخ، القانون الإداري: دراسة مقارنة، الطبعة الخامسة، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2001، ص: 298).
و من المعلوم أن المرفق العام يقوم على عناصر قوامها أن الدولة هي من تُحدثه و هي من تلغيه، و أنه يستهدف تحقيق مصلحة عامة للجمهور، و تُسخّر له الدولة موظفين و أموالا عمومية، و يخضع للقانون تدبيرا و رقابة.
و هكذا يتبين بأن عناصر المرفق العام لا تنسحب على المرفق المهني للمحاماة، لكون المحاماة يؤطرها قانون خاص، و نشاطها محصور في تدبير الشأن المهني، و أموالها ليست بمال عام.
و من جهة أخرى، فإن هيئات المحامين بالمغرب لا تخضع لأي وصاية أو رقابة ذات طابع إداري فيما يتصل بجميع الاختصاصات التي تمارسها، و لذلك لا يجوز إدراجها في صنف المرافق العامة؛ بل إن الرقابة التي تخضع لها الهيئات في قراراتها و مقرراتها هي رقابة قضائية.
و لذلك فإن النعي على المادة 76 من مشروع القانون بعدم دستوريتها هو نعي سديد في جوهره، نظرا لما شابها من عوار موضوعي، لخروجها على الأحكام الموضوعية في الدستور.
ثالثا: في عدم جواز إخضاع الهيئات المهنية لرقابة المجلس الأعلى للحسابات
يُعتبر المجلس الأعلى للحسابات هو الهيئة العليا لمراقبة المالية العمومية، و ممارسة المراقبة العليا على تنفيذ القوانين المالية، و يتحقق من سلامة العمليات المالية المتعلقة بمداخيل و مصاريف الأجهزة الخاضعة لمراقبته بمقتضى القانون، و ذلك تطبيقا لأحكام الفصل 147 من الدستور و المادة 3 من القانون رقم: 62.99 المتعلق بمدونة المحاكم المالية.
و هكذا يتبين بأن نطاق اختصاص المجلس الأعلى للحسابات لا تندرج ضمنه الهيئات المهنية، لسبب بسيط هو أن هذه الأخيرة ليست بمرافق عامة صرفة، و أن أموالها ليست بمال عام.
و يجب الإشارة إلى أن فكرة المرفق العام، ليست من وضع الفقه، بل إنها من صنع قضاء مجلس الدولة الفرنسي، بحيث تم التأسيس للفكرة من طرف محكمة التنازع (Tribunal des conflits) في حكم (Blanco) الشهير الصادر في فبراير 1873، و لذلك فإن مجلس الدولة الفرنسي هو من وضع أساس نظرية المرفق العام، (راجع: سليمان محمد الطماوي، مبادئ القانون الإداري: دراسة مقارنة، الكتاب الثاني، نظرية المرفق العام و عمال الإدارة العامة، طبعة مزيدة و منقحة، دار الفكر العربي، القاهرة، 2014، ص: 13).
علما بأن القانون الإداري يقوم على فكرتين أساسيتين هما: السلطة العامة و المرفق العام، و جميع المنازعات التي ترد عليهما من اختصاص القضاء الإداري.
و أنه و لما كانت هيئات المحامين شخصيات معنوية خاصة، فهي تخضع لقواعد القانون الخاص، و ليس القانون العام، لأنها بكل بساطة ليست بمرافق عامة، بل مرافق مهنية من نوع خاص.
و حيث إن نص المادة 76 من مشروع القانون رقم: 23.66، التي تنص على إخضاع الهيئات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، لم تتقيد باحترام المبادئ الدستورية (الفصل 147 من الدستور)، و ذلك بسبب إضافة قاعدة جديدة من شأنها تغيير القاعدة الدستورية نفسها (راجع قرار المجلس الدستوري رقم 943 بتاريخ 25 يونيو 2014)؛ بحيث إن اختصاص المجلس الأعلى للحسابات محدد بموجب الدستور، و بالتالي لا يحق للمشرّع الانحراف بالتشريع بشكل يخالف الدستور، تطبيقا لمبدأ تطابق القواعد القانونية المتخذة مع الهدف الدستوري المتوخّى منها. علما أن المشرّع وإن كان يملك السلطة التقديرية في اختيار التدابير التشريعية لبلوغ أهداف مقررة في الدستور، لكن شريطة عدم مخالفة أحكام الدستور (راجع قرار المجلس الدستوري رقم 817 بتاريخ 13 أكتوبر 2011).
و بالنظر إلى ثبوت عدم تقيد المشرّع العادي في المادة 76 من مشروع القانون رقم: 23.66 المنظم لمهنة المحاماة بضوابط وحدود ما قرره الدستور في الفصل 147، تكون معه المادة 76 أعلاه غير مطابقة للدستور.
بالرجوع إلى قرار المحكمة الدستورية رقم: 115/2021 الصادر بتاريخ 11 مارس 2021، و المنشور بالجريدة الرسمية عدد 6971 بتاريخ: 11 مارس 2021، الصفحة 1991، جاء فيه:
“وحيث إنه، لئن كان الدستور أسند للمجلس الأعلى للحسابات ممارسة المراقبة العليا على تنفيذ قوانين المالية، والتحقق من سلامة العمليات المتعلقة بمداخيل ومصاريف الأجهزة الخاضعة لمراقبته بمقتضى القانون، وتقييم كيفية تدبيرها لشؤونها (الفقرة الثالثة من الفصل 147 من الدستور)، بصفته الهيئة العليا لمراقبة المالية العمومية (الفقرة الأولى من الفصل 147)، فإنه لا يوجد في الدستور ما يحول دون إحداث المشرّع، بناء على أحكام الفصلين 71 و159 من الدستور، لأشخاص اعتبارية من أشخاص القانون العام، يُعهد إليها بالتدابير أو الرقابة أو ضبط أنظمة الاحتياط الاجتماعي، حسب الحالة، أو أنه يُعهد بتصفية نظام المعاشات إلى مؤسسة يتم التعاقد معها.”
و هكذا يتبين من مقتضيات قرار المحكمة الدستورية أنها جاءت كاشفة لحدود اختصاص المجلس الأعلى للحسابات، مع التأكيد بأن رقابته تنحصر في المال العام، و بأن المشرّع من صلاحياته إسناد رقابة معينة إلى مؤسسة يتم التعاقد معها، و هو ما يحيل إلى مؤسسة مراقب للحسابات كما جاء في المادة 121 (الفقرة 17) من مشروع القانون رقم 23.66. و لذلك لا حاجة إلى تكليف المشرّع للمجلس الأعلى للحسابات بأن يمارس الرقابة على حساب ودائع و أداءات المحامين، بالنظر لغياب السند الدستوري و لوجود بديل أو بدائل.
رابعا: رأي محكمة النقض بشأن المركز القانوني لمرفق المحاماة
تنص المادة الأولى من القانون رقم 28.08 المنظم لمهنة المحاماة على أن:
“المحاماة مهنة حرة مستقلة، تساعد القضاء، وتساهم في تحقيق العدالة، و المحامون بهذا الاعتبار جزء من أسرة القضاء.”
هذه المادة حددت و بشكل غير قابل للجدل بأن مهنة المحاماة حرة و مستقلة عن جميع مؤسسات الدولة، و بأنها مرفق مهني بامتياز لا تنسحب عليها المبادئ و القواعد التي تحكم نظرية المرفق العام، و هي بذلك تنظيم ذاتي فوّضت له الدولة تدبيره في إطار من الاستقلالية الإدارية و المالية، تحت رقابة القضاء.
و هكذا، و بمناسبة واقعة اختلاس مالية هيئة من هيئات المحامين بالمغرب، و أمام الجدل بشأن انعقاد الاختصاص لمحاكم الجرائم المالية و المحاكم العادية، أصدرت محكمة النقض القرار عدد 8/1331 بتاريخ 2018/08/16 في الملف الجنحي عدد: 2018/8/6/15490، و جاء في تعليله ما يلي:
أن المشرّع حدد الطبيعة القانونية لمهنة المحاماة، والمتجلية في الحرية والاستقلال، سواء للمؤسسات المهنية أو بالنسبة للمحامين، وهي الطبيعة التي تتنافى وضوابط الوظيفة العمومية القائمة على السلطة الرئاسية والتسلسل الإداري.
- أن تدبير وتسيير هيئة المحامين لحساب ودائع وأداءات المحامين يتم تنفيذا لنص المادة 57 من القانون رقم 28.08، كما أن مسك الهيئة للحساب المذكور لا يجعل منها مصلحة ذات نفع عام، ما دامت الصبغة الأساسية للمهنة هي الاستقلالية من جهة، ومن جهة ثانية لكون موارد الحساب ليست متأتية من أموال عمومية، ما دام الثابت أنها مملوكة للمحامين ولموكليهم، أي لخواص.”
و بناء على ما ذكر، تكون محكمة النقض – كأعلى هيئة قضائية بالمملكة، و بوصفها في الأصل محكمة قانون – قد حسمت في الجدل الذي يدور حول الطبيعة القانونية للهيئات و للأموال التي تتولى إدارتها، بحيث أكدت بأنها مال خاص، و ليست بمال عام، الأمر الذي يخرجها من دائرة رقابة المجلس الأعلى للحسابات، خلافا لما تقول به بعض الأقلام التي تدافع عن أطروحة رقابة المجلس الأعلى للحسابات على مالية هيئات المحامين بالمغرب.
الفقرة السادسة: حصانة الدفاع في ضوء مشروع القانون رقم: 23.66 المنظم لمهنة المحاماة، كما صادق عليه البرلمان: في أوجه عدم الدستورية
أولا: حصانة الدفاع ضمانة أساسية لحماية حقوق الدفاع و الحق في التقاضي
تعتبر حصانة الدفاع من المبادئ التي تختلط بحقوق الدفاع، و هي بذلك مبادئ دستورية، تجد سندها في فصول الدستور 107 و 117 و 118 و 120 و 22/الفقرة 2، و 23، و 25.
لكن، بالرجوع إلى أحكام الفقرات 4 و 5 و 6 من المادة 78 من مشروع القانون رقم: 23.66، يتبين منها أنها تتعارض مع مقتضيات فصول الدستور أعلاه، و مع أحكام الفقرات 1 و 2 و 3 من نفس المادة 78، كيف ذلك؟
لما كان المشرع قد عنون الباب الخامس من مشروع القانون بـ “حصانة الدفاع”، كان عليه أن يصيغ المادة 78، بشكل يطابق أحكام الدستور، و متلائمة فيما بين فقراتها، و باقي مواد المشروع، و استحضار المبادئ الدولية، المؤطرة لحقوق الدفاع و المحاكمة العادلة.
لكن، المشرع و عوض تجويد المادة 76 أعلاه، و أن يطهرها من مثالب عدم الدستورية، اختار تبني فلسفة الحكومة صاحبة المبادرة التشريعية، التي أضحت تقترح مشاريع قوانين تؤطرها العقيدة الأمنية، التي تقوم على التحكم بإسم القانون، و بواسطة أساليب ردعية، و هذا ما لا يتوافق مع مقاصد الديموقراطية و مع مبادئ دولة القانون.
إن الفقرة 4 من المادة 78، من المشروع دخيلة على تنظيم مهنة المحاماة، فهي مقتضيات من صميم القانون الجنائي، يراد منها النيل من حقوق المحامي أثناء المرافعة، أو بمناسبة تقديم مذكرات كتابية، فما الجدوى من إدراج هذه المقتضيات هل يراد بها التخليق؟ لا، هل تحترم مركز المحامي كجزء من أسرة القضاء، لا، ما الهدف من ذلك؟ بدون عناء فكري، نقول بأن النص يراد منه “تركيع المحامي”، و “شيطنة مهام المحامي”، لأنه متى كان المحامي أثناء الجلسة تصدر عنه أفعال، “الإهانة، أو السب أو القذف”! و كيف يمكن تفسير مقتضى “كل فعل يخل بنظام الجلسة أو يعطل استمرار اشغالها”؟
و من جهة ثانية، يلاحظ من خلال الفقرتين 4 و 5 من المادة 78، أنه في حال ما إذا قدرت المحكمة المعنية بأن مرافعة المحامي فيها ما يندرج ضمن وعاء “السب و القذف أو الإهانة أو أي فعل يخل بنظام الجلسة أو يعطل استمرار اشغالها”، جاز لها (أي المحكمة)، تحرير محضر مستقل يتضمن بيانا مفصلا بشأن ما ذكر، و تحيله إلى النقيب و إلى الوكيل العام للملك المختصين لإتخاذ المتعين قانونا.
و أضافت الفقرة 5 من نفس المادة، بأنه “يجب على النقيب أن يتخذ قرارا في الموضوع داخل أجل أقصاه خمسة عشر (15) يوما، من تاريخ توصله بالمحضر، و يشعر بذلك الوكيل العام للملك المختص و يحيل الملف في حالة المتابعة إلى مجلس الهيئة، داخل أجل أقصاه خمسة عشر (15) يوما، من تاريخ اتخاذ القرار المذكور للبت فيه”.
و شددت الفقرة 6 من نفس القانون “إذا لم يتخذ النقيب أي قرار داخل الأجل المحدد في الفقرة السابقة، أحال الوكيل العام للملك المختص القضية إلى غرفة المشورة للبت فيها”.
و هكذا يلاحظ بأن المادة 78 أعلاه، أنها تتضمن مقتضيات إجرائية و أخرى موضوعية، نطاقها ليس حماية حقوق الدفاع أو حصانة الدفاع، بل هدم أركان المحاكمة العادلة، و هو ما يخالف أحكام الفصل 120 من الدستور.
ثانيا: من حيث عدم دستورية الفقرات 4 و 5 و 6 من المادة 78
إذا كانت الرقابة الدستورية على القوانين شكلا و جوهرا، تستلزم استحضار المقاصد التي ابتغاها الدستور (قرار المجلس الدستوري عدد: 937 بتاريخ: 29 مايو 2014)، و بأن تحقيق الأهداف الواردة في الدستور يجب أن يتم دون الاخلال بالمبادئ الدستورية (قرار المجلس الدستوري رقم: 943 بتاريخ: 25 يوليو 2014)، نتساءل ما إذا كان المشرع قد استحضر هذه المبادئ بمناسبة التصويت على المادة 78 من مشروع القانون المذكور، أم أن الأمر ليس كذلك؟
من المقرر قانونا و قضاء وفقها، أن المحاماة مهنة حرة يمارسها المحامون في استقلال و حرية، لا سلطان عليهم في مزاولتها و النهوض بها لغير ضمائرهم و حكم القانون، و ربط استقلالهم باستقلال السلطة القضائية، الأمر الذي ينفي عنهم و بالضرورة تبعيتهم لأي جهة إدارية أو حكومية، بإستثناء الخضوع للرقابة الداخلية التي يتولاها النقيب و المجلس، تحت رقابة القضاء، و يكون بذلك تدخل النيابة العامة غير مطابق للدستور.
إن الحماية التي اسبغها الدستور على حصانة الدفاع بمقتضى الفصول 6 و 23 و 25 و 107 و 118 و 120 و 22/الفقرة 2، لا يجوز أن تنال منها مقتضيات المادة 78 من مشروع القانون رقم: 23.66، كما نصت في صلب مشروع قانون مهنة المحاماة على تعريض المحامي للمتابعة بمناسبة مرافعته أمام هيئة قضائية، دفاعا عن حقوق المتقاضين و حرياتهم، و هو ما يشكل تقييدا لحرية الدفاع و استقلاله، بحيث لا يجوز للمشرع أن يفرض على حصانة و حق الدفاع قيودا من أجل تنظيمها، لما في ذلك من تأثيم لحرية التعبير و الرأي كمبادئ دستورية، التي لا يمكن ردعها أو إعاقتها بقيود جائرة لا تندرج تحت تنظيمها، بل ما ذهب إليه المشرع يمثل و بحق عدوانا على المهنة، يعطلها و ينال من حرية ممارستها مما يتحول معه التشريع إلى ما يشبه الوصاية عليها، لما في ذلك من تقويض لأسس إستقرار الممارسة المهنية (راجع حكم المحكمة الدستورية العليا رقم: 86 لسنة 18 دستورية).
و من جهة أخرى، إن تضمين مقتضيات ردعية ضمن نص ينظم “حصانة الدفاع”، يعتبر أخطر قيد على حرية المحامي، و أكثرها تهديدا لحقوق الدفاع و الحق في التقاضي، التي كفلها الدستور في الفصلين 118 و 120 منه، و هي حقوق طبيعية لا يجوز الإخلال بها أو تقييدها بمخالفة أحكام الدستور، كما لا يصير إلى تفسيرها تفسيرا ضيقا.
و حيث إن القول في النص بأن المحامي له الحق في سلك الطريقة التي يراها ناجعة للدفاع عن موكله، و لا يسأل عما يرد في مرافعاته الشفوية، أو في مذكراته، مما يستلزمه الحق في الدفاع، و لا يمكن اعتقاله بسبب ما ينسب له من أقوال أو كتابات صدرت عنه أثناء ممارسته لمهام مهنته، يعبر عن احترام المشرع للمبادئ التي يجب أن تقوم عليها حصانة الدفاع، لكن هذه الحماية تم إفراغها من جميع مضامينها، بمقتضى الفقرتين 4 و 5 من نفس المادة، و هما معا يمثلان قيدين يعصفان بحصانة و حقوق الدفاع، و لا يمكن إدراجهما ضمن القواعد المنظمة للمهنة، مما يشكل إخلالا بأحد الحقوق التي كفلها الدستور (الفصل 120)، ينتج عن تطبيقها وفقا للشكل الواردة بها ضررا مباشرا للمحامي، و يفرغ حق التقاضي من مضمونه الحقوقي المستمد من الدستور (الفصل 118).
ثالثا: الفقرتان 5 و 6 من المادة 78 خروج عن القواعد المؤطرة لحصانة و حقوق الدفاع
تشكل الفقرتين مساسا واضحا لما ينص القانون رقم: 28.08 المنظم لمهنة المحاماة في المادة 58 منه كحق مكتسب، بحيث لا تتضمن هذه الأخيرة مقتضيات تأديبية صريحة، كما هو عليه الحال في المشروع المنعي عليه، ذلك أن الفقرة الأخيرة من المادة 58 من القانون المذكور تنص “تحرر المحكمة محضرا بما قد يحدث من إخلال، و تحيله على النقيب، و على الوكيل العام للملك لإتخاذ ما قد يكون لازما”.
لكن، المشروع المحال على المحكمة الدستورية، يتضمن بأن المحكمة تحرر محضرا مستقلا يتضمن بيانا مفصلا بما يصدر من المحامي (…)، و تحيله على النقيب و إلى الوكيل العام للملك لإتخاذ المتعين.
و أضافت الفقرة 5 من المادة 78، بأنه يجب على النقيب أن يتخذ قرارا في الموضوع داخل أجل أقصاه 15 يوما من تاريخ توصله بالمحضر، و يشعر بذلك الوكيل العام للملك المختص و يحيل الملف في حالة المتابعة إلى مجلس الهيئة، داخل أجل أقصاه 15 يوما من تاريخ اتخاذ القرار المذكور، للبت فيه.
و إذا لم يتخذ النقيب أي قرار داخل الأجل المحدد في الفقرة السابقة، أحال الوكيل العام للملك المختص القضية على غرفة المشورة للبت فيها.
هذه المقتضيات الأخيرة فوضت للوكيل العام للملك، حق الإحالة المباشرة للقضية على غرفة المشورة للبت فيها إما بمؤاخذة المحامي أو عدم مؤاخذته، في حين أن المادة 58 من القانون رقم: 28.08 جاءت خالية من هذه المسطرة الصريحة التي وردت في المادة 78 من مشروع القانون رقم: 23.66، و هو ما يكشف عن انحراف المشرع بمقاصد حصانة الدفاع، فعوض توفير شروط الحماية لها، ابى إلا أن يفرغها من مضامينها، بحيث لم يعد المحامي معها محصنا من التهديدات و الضغوط أو المتابعات التي قد تطاله خلال أدائه لمهام الدفاع، و الغاية من ذلك أن المشرع انما يتوخى استهداف المحامي من أجل إخراسه، لأن الأصل أن كل تأديب للمحامي يجب أن يكون من مجالس الهيئات تحت رقابة القضاء.
لذلك لا يمكن للمشرع أن يصادر اختصاص المجالس في مجال التأديب كدرجة من درجات التقاضي، مع ضمان حق الطعن لمن يملكه أمام غرفة المشورة، و لذلك من غير المقبول كفلسفة تشريعية، أن يحيل الوكيل العام للملك الملف المتعلق بالإخلالات المنسوبة إلى المحامي خلال المرافعات إلى غرفة المشورة مباشرة، بل كان حريا بالمشرع على الأقل أن ينص على حق الوكيل العام الطعن في قرار الحفظ الضمني للنقيب أمام غرفة المشورة، التي تتولى فحص القضية، و تقرير إما تأييد قرار الحفظ الضمني أو إلغائه و إحالته على مجلس الهيئة من أجل البت في الملف التأديبي.
و مهما يكن من أمر الجدل، حول عدم شرعية هذه المسطرة، فإن الثابت من أحكام المادة 78 الفقرات 4 و 5 و 6 أنها تمثل نموذجا للتشريع الذي يرسي قواعد قانونية بعقيدة غير دستورية، يراد منها ترويض المحامي و تحويله إلى مجرد عنصر مكمل لمحاكمة تفتقد لمقومات المشروعية الدستورية.
