مجلة مغرب القانونفي الواجهةمصطفى بن شريف: حصانة الدفاع في ضوء مشروع القانون رقم: 66.23 المنظم لمهنة المحاماة كما صادق عليه البرلمان: في أوجه عدم الدستورية

مصطفى بن شريف: حصانة الدفاع في ضوء مشروع القانون رقم: 66.23 المنظم لمهنة المحاماة كما صادق عليه البرلمان: في أوجه عدم الدستورية

الدكتور مصطفى بن شريف محامٍ بهيئة وجدة

أولاً: حصانة الدفاع ضمانة أساسية لحماية حقوق الدفاع والحق في التقاضي

تعتبر حصانة الدفاع من المبادئ التي ترتبط بحقوق الدفاع، وهي بذلك مبادئ دستورية، تجد سندها في فصول الدستور 107 و117 و118 و120 والفقرة 2 من الفصل 22، و23 و25.

لكن، بالرجوع إلى أحكام الفقرات 4 و5 و6 من المادة 78 من مشروع القانون رقم: 66.23، يتبين منها أنها تتعارض مع مقتضيات فصول الدستور أعلاه، ومع أحكام الفقرات 1 و2 و3 من نفس المادة 78، كيف ذلك؟

لما كان المشرع قد عنون الباب الخامس من مشروع القانون بـ «حصانة الدفاع»، كان عليه أن يصيغ المادة 78 بشكل يطابق أحكام الدستور، ومتلائمة كمّيًّا بين فقراتها وباقي مواد المشروع، مع استحضار المبادئ الدولية المؤطرة لحقوق الدفاع والمحاكمة العادلة.

لكن المشرع، وعوض تجويد المادة 78 أعلاه وأن يطهرها من مثالب عدم الدستورية، اختار تبني فلسفة الحكومة صاحبة المبادرة التشريعية، التي أضحت تقترح مشاريع قوانين تؤطرها العقيدة الأمنية، التي تقوم على التحكم باسم القانون وبواسطة أساليب ردعية، وهذا ما لا يتوافق مع مقاصد الديمقراطية ومع مبادئ دولة القانون.

إن الفقرة 4 من المادة 78 من المشروع دخيلة على تنظيم مهنة المحاماة، ففيها مقتضيات من صميم القانون الجنائي، يُراد منها النيل من حقوق المحامي أثناء المرافعة أو بمناسبة تقديم مذكرات كتابية. فما الجدوى من إدراج هذه المقتضيات؟ هل يُراد بها التخليق؟ لا. هل تحترم مركز المحامي كجزء من أسرة القضاء؟ لا. ما الهدف من ذلك؟ بدون عناء فكري، نقول بأن النص يُراد منه «ترهيب المحامي» و«شيطنة مهام المحامي»، لأنه متى كان المحامي أثناء الجلسة تصدر عنه أفعال «الإهانة أو السب أو القذف»! وكيف يمكن تفسير مقتضى «كل فعل يخل بنظام الجلسة أو يعطل استمرار اشتغالها»؟

ومن جهة ثانية، يُلاحظ من خلال الفقرتين 4 و5 من المادة 78 أنه في حال ما إذا قدّرت المحكمة المعنية بأن مرافعة المحامي فيها ما يندرج ضمن وعاء «السب والقذف أو الإهانة أو أي فعل يخل بنظام الجلسة أو يعطل استمرار اشتغالها»، جاز لها (أي المحكمة) تحرير محضر مستقل يتضمن بيانًا مفصلًا بشأن ما ذُكر، وتحيله إلى النقيب وإلى الوكيل العام للملك المختصَّين لاتخاذ المتعين قانونًا.

وأضافت الفقرة 5 من نفس المادة بأنه «يجب على النقيب أن يتخذ قرارًا في الموضوع داخل أجل أقصاه خمسة عشر (15) يومًا من تاريخ توصله بالمحضر، ويشعر بذلك الوكيل العام للملك المختص، ويحيل الملف في حالة المتابعة إلى مجلس الهيئة داخل أجل أقصاه خمسة عشر (15) يومًا من تاريخ اتخاذ القرار المذكور للبت فيه».

مقال قد يهمك :   الابتزاز الجنسي لرونار يعيد النقاش القانوني للفصل 538 من القانون الجنائي

وشددت الفقرة 6 من نفس القانون: «إذا لم يتخذ النقيب أي قرار داخل الأجل المحدد في الفقرة السابقة، أحال الوكيل العام للملك المختص القضية إلى غرفة المشورة للبت فيها».

وهكذا يُلاحظ بأن المادة 78 أعلاه تتضمن مقتضيات إجرائية وأخرى موضوعية، نطاقها ليس حماية حقوق الدفاع أو حصانة الدفاع، بل هدم أركان المحاكمة العادلة، وهو ما يخالف أحكام الفصل 120 من الدستور.

ثانياً: من حيث عدم دستورية الفقرات 4 و5 و6 من المادة 78

إذا كانت الرقابة الدستورية على القوانين شكلًا وجوهرًا تستلزم استحضار المقاصد التي ابتغاها الدستور (قرار المجلس الدستوري عدد: 937 بتاريخ: 29 مايو 2014)، وبأن تحقيق الأهداف الواردة في الدستور يجب أن يتم دون الإخلال بالمبادئ الدستورية (قرار المجلس الدستوري رقم: 943 بتاريخ: 25 يوليو 2014)، نتساءل ما إذا كان المشرع قد استحضر هذه المبادئ بمناسبة التصويت على المادة 78 من مشروع القانون المذكور، أم أن الأمر ليس كذلك؟

من المقرر قانونًا وقضاءً وفقهًا أن المحاماة مهنة حرة يمارسها المحامون في استقلال وحرية، لا سلطان عليهم في مزاولتها والنهوض بها لغير ضمائرهم وحكم القانون، وربط استقلالهم باستقلال السلطة القضائية، الأمر الذي ينفي عنهم وبالضرورة تبعيتهم لأي جهة إدارية أو حكومية، بإستثناء الخضوع للرقابة الداخلية التي يتولاها النقيب والمجلس تحت رقابة القضاء، ويكون بذلك تدخل النيابة العامة غير مطابق للدستور.

إن الحماية التي أسبغها الدستور على حصانة الدفاع بمقتضى الفصول 6 و23 و25 و107 و118 و120 والفقرة 2 من الفصل 22 لا يجوز أن تنال منها مقتضيات المادة 78 من مشروع القانون رقم: 66.23، كما نصّ في صلب مشروع قانون مهنة المحاماة على تعريض المحامي للمتابعة بمناسبة مرافعته أمام هيئة قضائية، دفاعًا عن حقوق المتقاضين وحرياتهم، وهو ما يشكل تقييدًا لحرية الدفاع واستقلاله، بحيث لا يجوز للمشرع أن يفرض على حصانة وحق الدفاع قيودًا من أجل تنظيمها، لما في ذلك من تأثير على حرية التعبير والرأي كمبادئ دستورية، التي لا يمكن ردعها أو إعاقتها بقيود جائرة لا تندرج تحت تنظيمها. بل ما ذهب إليه المشرع يمثل — وبحق — عدوانًا على المهنة، يعطلها وينال من حرية ممارستها، مما يتحول معه التشريع إلى ما يشبه الوصاية عليها، لما في ذلك من تقويض لأسس استقرار الممارسة المهنية (راجع حكم المحكمة الدستورية العليا رقم: 86 لسنة 18 قضائية دستورية).

ومن جهة أخرى، إن تضمين مقتضيات ردعية ضمن نص يُنظِّم «حصانة الدفاع» يُعتبر أخطر قيد على حرية المحامي، وأكثرها تهديدًا لحقوق الدفاع والحق في التقاضي، التي كفلها الدستور في الفصلين 118 و120 منه، وهي حقوق طبيعية لا يجوز الإخلال بها أو تقييدها بمخالفة أحكام الدستور، كما لا يصح المصير إلى تفسيرها تفسيرًا ضيقًا.

وحيث إن القول في النص بأن المحامي له الحق في سلك الطريقة التي يراها ناجعة للدفاع عن موكله، ولا يُسأل عما يرد في مرافعاته الشفوية أو في مذكراته مما يستلزمه الحق في الدفاع، ولا يمكن اعتقاله بسبب ما يُنسب له من أقوال أو كتابات صدرت عنه أثناء ممارسته لمهام مهنته، يعبّر عن احترام المشرع للمبادئ التي يجب أن تقوم عليها حصانة الدفاع. لكن هذه الحماية تم إفراغها من جميع مضامينها بمقتضى الفقرتين 4 و5 من نفس المادة، وهما معًا يمثلان قيدين يعصفان بحصانة وحقوق الدفاع، ولا يمكن إدراجهما ضمن القواعد المنظمة للمهنة، مما يشكل إخلالًا بأحد الحقوق التي كفلها الدستور (الفصل 120)، ينتج عن تطبيقها وفقًا للشكل الوارد بها ضررٌ مباشر للمحامي، ويفرغ حق التقاضي من مضمونه الحقوقي المستمد من الدستور (الفصل 118).

مقال قد يهمك :   اجتهاد قضائي:ارجاع قيمة الهدايا(لا)-عدم اثبات الخاطب قيمتها يحول دون ذلك

ثالثاً: الفقرتان 5 و6 من المادة 78 خروجٌ عن القواعد المؤطرة لحصانة وحقوق الدفاع

تشكل الفقرتان مسًّا واضحًا بما ينص عليه القانون رقم: 28.08 المنظم لمهنة المحاماة في المادة 58 منه كحق مكتسب، بحيث لا تتضمن هذه الأخيرة مقتضيات تأديبية صريحة، كما هو عليه الحال في المشروع المنعى عليه، ذلك أن الفقرة الأخيرة من المادة 58 من القانون المذكور تنص: «تحرر المحكمة محضرًا بما قد يحدد من إخلال، وتحيله على النقيب وعلى الوكيل العام للملك لاتخاذ ما قد يكون لازمًا».

لكن المشروع المحال على المحكمة الدستورية يتضمن بأن المحكمة تحرر محضرًا مستقلًا يتضمن بيانًا مفصلًا بما يصدر من المحامي (…)، وتحيله على النقيب وإلى الوكيل العام للملك لاتخاذ المتعين.

وأضافت الفقرة 5 من المادة 78 بأنه يجب على النقيب أن يتخذ قرارًا في الموضوع داخل أجل أقصاه 15 يومًا من تاريخ توصله بالمحضر، ويشعر بذلك الوكيل العام للملك المختص، ويحيل الملف في حالة المتابعة إلى مجلس الهيئة داخل أجل أقصاه 15 يومًا من تاريخ اتخاذ القرار المذكور للبت فيه.

وإذا لم يتخذ النقيب أي قرار داخل الأجل المحدد في الفقرة السابقة، أحال الوكيل العام للملك المختص القضية على غرفة المشورة للبت فيها.

هذه المقتضيات الأخيرة كوّنت للوكيل العام للملك حقَّ الإحالة المباشرة للقضية على غرفة المشورة للبت فيها، إما بمؤاخذة المحامي أو عدم مؤاخذته، في حين أن المادة 58 من القانون رقم: 28.08 جاءت خالية من هذه المسطرة الصريحة التي وردت في المادة 78 من مشروع القانون رقم: 66.23، وهو ما يكشف عن انحراف المشرع بمقاصد حصانة الدفاع؛ فعوض توكيد شروط الحماية لها، أبى إلا أن يفرغها من مضامينها، بحيث لم يعد المحامي معها محصَّنًا من التهديدات والضغوط أو المتابعات التي قد تطاله خلال أدائه لمهام الدفاع. والغاية من ذلك أن المشرع إنما يتوخى استهداف المحامي من أجل إخضاعه، لأن الأصل أن كل تأديب للمحامي يجب أن يكون من مجالس الهيئات تحت رقابة القضاء.

مقال قد يهمك :   إدارية الرباط: استعمال الفرنسية من قبل الإدارات العمومية يعد مخالفا للدستور

لذلك لا يمكن للمشرع أن يصادر اختصاص المجالس في مجال التأديب كدرجة من درجات التقاضي، مع ضمان حق الطعن لمن يملكه أمام غرفة المشورة. ولذلك من غير المقبول — كفلسفة تشريعية — أن يحيل الوكيل العام للملك الملف المتعلق بالإخلالات المنسوبة إلى المحامي خلال المرافعات إلى غرفة المشورة مباشرة، بل كان حريًّا بالمشرع على الأقل أن ينص على حق الوكيل العام في الطعن في قرار الحفظ الضمني للنقيب أمام غرفة المشورة، التي تتولى فحص القضية وتقرير إما تأييد قرار الحفظ الضمني أو إلغائه وإحالته على مجلس الهيئة من أجل البت في الملف التأديبي.

ومهما يكن من أمر الجدل حول عدم شرعية هذه المسطرة، فإن الثابت من أحكام المادة 78 (الفقرات 4 و5 و6) أنها تمثل نموذجًا للتشريع الذي يُرسي قواعد قانونية بعقيدة غير دستورية، يُراد منها ترويض المحامي وتحويله إلى مجرد عنصر مكمل لمحاكمة تفتقد لمقومات المشروعية الدستورية.

error: عذرا, لا يمكن حاليا نسخ او طباعة محتوى الموقع للمزيد من المعلومات المرجوا التواصل مع فريق الموقع عبر البريد الالكتروني : [email protected]