مجلة مغرب القانونأطروحات جامعيةالباحث خليل متحد ينال الدكتوراه في القانون العام عن أطروحة في رقمنة التوثيق العصري بالمغرب بميزة مشرف جدا مع توصية بالنشر

الباحث خليل متحد ينال الدكتوراه في القانون العام عن أطروحة في رقمنة التوثيق العصري بالمغرب بميزة مشرف جدا مع توصية بالنشر

تقرير أكاديمي  |  مناقشة أطروحة دكتوراه

وجدة  —  24 يوليوز 2026


احتضنت قاعة المناقشات بجناح الماستر بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة محمد الأول بوجدة، صباح يوم الجمعة 24 يوليوز 2026، مناقشة أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون العام، تقدّم بها الباحث خليل متحد في موضوع: «رقمنة التوثيق العصري بالمغرب، دراسة نظرية وعملية»، وذلك في إطار مختبر القانون العام والعلوم السياسية، تحت إشراف الأستاذ الدكتور خالد شيات.

وتنتمي الأطروحة إلى حقل بحثي لا يزال بِكراً في الدراسات القانونية المغربية، إذ تقف عند تقاطع القانون المنظِّم للمهن القانونية من جهة، وقانون المعاملات الإلكترونية وخدمات الثقة الرقمية من جهة أخرى.

تشكيلة لجنة المناقشة

تكوّنت لجنة المناقشة من الأساتذة:

  • الأستاذ زهر الدين طيبي، أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق بوجدة: رئيساً ومقرراً؛
  • الأستاذ خالد شيات، أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق بوجدة: مشرفاً وعضواً؛
  • الأستاذ عبد المجيد بوكير، أستاذ التعليم العالي بالكلية المتعددة التخصصات بتازة: مقرراً وعضواً؛
  • الأستاذ صالح أزحاف، أستاذ محاضر مؤهل بكلية الحقوق بوجدة: مقرراً وعضواً.

 

الإشكالية: أين يقف المشرع من رقمنة مهنة تقوم على الحضور المادي؟

انطلق الباحث في عرضه من مفارقة تأسيسية: مهنة التوثيق ظلت تاريخياً معقلاً للرسمية الورقية والحضور الفيزيائي للأطراف في مجلس العقد، بينما تدفع التحولات الرقمية المتسارعة نحو نموذج تعاقدي مغاير. وقد جاءت جائحة كوفيد-19، بحسب الأطروحة، لتكشف هشاشة النموذج الورقي وعجزه عن ضمان استمرارية الخدمة التوثيقية في الظروف الاستثنائية.

وصاغ الباحث إشكاليته المركزية على النحو الآتي:

إلى أي حدٍّ تمكّن المشرع المغربي من تهيئة الأطر القانونية والمؤسساتية اللازمة لرقمنة مهنة التوثيق، بما يحقق التوازن بين متطلبات التطور التكنولوجي وضمانات الأمن القانوني؟

 

 

واستند البحث إلى ثلاث فرضيات: محدودية فعالية الرقمنة بسبب قصور الإطار التشريعي الخاص وضعف البنية الرقمية؛ وارتهان نجاح التحول الرقمي بتحقيق التوازن بين الرقمنة والأمن القانوني عبر تحديث تشريعي وتكوين مهني متخصص؛ وأخيراً إمكان الإفادة من التجربتين الفرنسية والإسبانية باعتبارهما الأقرب إلى النموذج التوثيقي المغربي.

مقال قد يهمك :   سكوت الخصم في مجلس القضاء بين النظر والعمل: وجهة نظر في الفصل 406 من ق.ل.ع

واعتمد الباحث المنهج الوصفي التحليلي في استقراء النصوص، والمنهج المؤسسي القانوني في تحليل أدوار الفاعلين، والمنهج المقارن في استثمار التجارب الأجنبية.

هندسة الأطروحة

جاءت الدراسة في بابين اثنين. خُصص الباب الأول للتحول الرقمي بالمغرب وموقع مهنة التوثيق منه، وعالج في فصله الأول موجبات هذا التحول من خلال الاختلالات البنيوية للمرافق الإدارية والاختلالات المتصلة بواقع المهن القانونية المنظمة، وفي فصله الثاني تصورات الفاعلين الدوليين والوطنيين ومسار الإدارة الإلكترونية من «المغرب الرقمي 2013» إلى «المغرب الرقمي 2030».

أما الباب الثاني فانصرف إلى تفعيل الرقمنة، فتناول في فصله الأول الإطار القانوني والمؤسساتي — المحررات الإلكترونية الصادرة عن الموثق، والنظام القانوني للتوقيع الإلكتروني، وأدوار وزارة العدل والهيئة الوطنية للموثقين، والمنصات الرقمية — ثم عالج في فصله الثاني حماية الثقة الرقمية بشقيها المدني والجنائي.

التناقض التشريعي: القانون 32.09 في مواجهة القانون 53.05

يشكل رصد التعارض بين النصين أبرز ما توقف عنده الباحث. فالقانون رقم 53.05 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية أرسى، عبر الفصل 417-1 من قانون الالتزامات والعقود، مبدأ المعادلة بين الكتابة الورقية والكتابة الإلكترونية في الإثبات، شريطة التحقق من هوية صاحبها وسلامة مضمونها. غير أن القانون رقم 32.09 المنظِّم لمهنة التوثيق ظل يشترط الحضور الفيزيائي للأطراف في مجلس العقد، ولم يورد أي حكم صريح ينظّم التوثيق الإلكتروني عن بعد.

وخلص الباحث إلى أن إعمال قاعدة تقييد الخاص للعام يجعل القانون 32.09 حاجزاً أمام سريان مبدأ المعادلة على المحرر التوثيقي، وأن حسم هذا التعارض لا يستقيم بنص تنظيمي، بل يقتضي تدخلاً تشريعياً يضيف إلى القانون 32.09 باباً خاصاً بالتوثيق الإلكتروني عن بعد.

كما وقف البحث عند التمييز الذي أقره القانون رقم 43.20 المتعلق بخدمات الثقة بشأن المعاملات الإلكترونية بين ثلاثة أصناف من التوقيع الإلكتروني: البسيط والمتقدم والمؤهَّل، ليستنتج أن التوقيع المؤهَّل وحده هو الذي يعادل قانوناً التوقيع اليدوي، وأن توثيق العقود الرسمية إلكترونياً يستوجبه حصراً، بما يفرض تجهيز كل موثق بمنظومة توقيع صادرة عن مقدم خدمات ثقة معتمد لدى السلطة الوطنية المكلفة.

مقال قد يهمك :   الأمن العقاري و دوره في تحقيق الاستثمار (pdf)

تعدد أنظمة التوثيق: عائق بنيوي أمام رقمنة موحدة

من الخلاصات اللافتة في الأطروحة تشخيصها لأثر تعايش ثلاثة أنظمة توثيقية بالمغرب — التوثيق العدلي الخاضع للقانون 16.03 المتعلق بخطة العدالة، والتوثيق العبري، والتوثيق العصري الخاضع للقانون 32.09 — على مشروع الرقمنة. واعتبر الباحث أن رقمنة نظام دون آخر ستعمّق التفاوت وتُضعف ثقة المتعاملين، وأن توحيد هذه الأنظمة في مدونة جامعة يمثل شرطاً مسبقاً لأي رقمنة شاملة، على قاعدة أن «الرقمنة بدون توحيد ترقيع لا إصلاح».

نتائج البحث

انتهت الأطروحة إلى خمس نتائج كبرى:

  1. القانون 32.09 غير مؤهَّل لاستيعاب التوثيق الرقمي، إذ يشترط الحضور الفيزيائي ولا ينظّم التوثيق عن بعد بحكم صريح؛
  2. القانون 53.05 وضع الأساس القانوني للاعتراف بالمحررات الإلكترونية، لكن تطبيقه على مهنة التوثيق يبقى منقوصاً ومتنازعاً؛
  3. تعدد أنظمة التوثيق يُضعف إمكانية رقمنة موحدة في غياب مدونة جامعة؛
  4. البنية التحتية الرقمية للمكاتب التوثيقية دون المستوى المطلوب، مع تفاوت واضح بين المكاتب الحضرية والقروية؛
  5. الثقة الرقمية هي حجر الزاوية، وبدونها يفقد المحرر الإلكتروني قيمته القانونية.

كما خلص التشخيص إلى أن المنصات الرقمية القائمة — ومنها المنصة الرقمية للموثقين (TAWTIK) والربط مع المحافظة العقارية ومنصات الضرائب والتسجيل — تشتغل بصورة جزرية دون تكامل مؤسساتي حقيقي ولا معايير تقنية موحدة، وأن الفجوة بين الخطاب الرسمي المتقدم والواقع التطبيقي تشكل التحدي الفعلي.

 

التوصيات: خارطة طريق إصلاحية

قدّم الباحث حزمة توصيات موزعة على ثلاثة مستويات:

على المستوى التشريعي

  • تعديل القانون 32.09 بإضافة باب خاص بالتوثيق الإلكتروني عن بعد؛
  • إصدار نص تنظيمي خاص بالتوقيع الإلكتروني للموثقين؛
  • مراجعة قانون الالتزامات والعقود لاستيعاب العقود الرسمية الإلكترونية؛
  • تقرير مبدأ حصرية توثيق التصرفات الرسمية الرقمية للموثقين تفادياً لأي فراغ تشريعي.
مقال قد يهمك :   عبد الكريم عبو: التعسف في استعمال حق التعرض والتقييد الاحتياطي في ضوء القانون رقم 14.07

على المستوى المؤسساتي

  • إحداث هيئة وطنية لمواكبة التحول الرقمي للمهن القانونية؛
  • تطوير منصة رقمية موحدة (نافذة وحيدة) للخدمات التوثيقية عن بعد؛
  • توحيد أنظمة التوثيق الثلاثة في مدونة جامعة.

على المستوى التكويني والتقني

  • اعتماد تكوين رقمي إلزامي ومستمر للموثقين؛
  • مراجعة شرط المؤهل العلمي لولوج مهن ووظائف التوثيق؛
  • اعتماد مراكز بيانات وطنية آمنة لحفظ الأرشيف لمدة لا تقل عن خمسين سنة؛
  • تطبيق مبدأ الأمن منذ التصميم (Security by Design) في جميع المنصات التوثيقية، إلى جانب المصادقة متعددة العوامل والطوابع الزمنية الموثوقة.

 

من مُدوِّن ورقي إلى حارس للثقة الرقمية

في معرض جوابه عن فرضية أن تشكّل الرقمنة تهديداً وجودياً للمهنة، ذهب الباحث إلى أن ما ستختصره التكنولوجيا هو العمل الإداري الروتيني، أما جوهر الوظيفة التوثيقية — التحقق من الإرادة الحرة الخالية من الإكراه، والنصح القانوني، والتكييف القانوني للحالات — فيظل عملاً معرفياً وإنسانياً غير قابل للأتمتة. وخلص إلى أن الرقمنة تُحوِّل الموثق من مُدوِّن للمحررات إلى مُرشد قانوني وحارس للثقة الرقمية.

وختم عرضه بخلاصة ناظمة للأطروحة، مؤكداً أن الرهان لا يكمن في رقمنة الإجراءات الشكلية فحسب، بل في بناء بيئة رقمية موثوقة قادرة على استيعاب خصوصيات العمل التوثيقي وضمان استمرارية وظائفه في حماية الحقوق وصيانة المعاملات:

الثقة هي الأساس  •  الأمن القانوني هو الهدف  •  الرقمنة هي الوسيلة

 

وقد قررت اللجنة في نهابة المناقشة قبول الاطروحة بميزة مشرف جدا ومنح الطالب لقب دكتور في القانون مع التوصية بالنشر باللغتين العربية والفرنسية.

error: عذرا, لا يمكن حاليا نسخ او طباعة محتوى الموقع للمزيد من المعلومات المرجوا التواصل مع فريق الموقع عبر البريد الالكتروني : [email protected]