مجلة مغرب القانونالقانون الخاصالكفالة خارج الوطن بين روح الاتفاقيات الدولية والسيادة الهوياتية للدولة  

الكفالة خارج الوطن بين روح الاتفاقيات الدولية والسيادة الهوياتية للدولة  

حسن مزوزي . باحث محامي بهيئة المحامين بالقنيطرة

أصبحت الكفالة العابرة للحدود تطرح اليوم بالمغرب إشكالاً قانونياً وحقوقياً متزايد الحساسية، ليس فقط بسبب ارتباطها بحماية الأطفال المهملين، وإنما أيضاً بسبب ما أفرزته الممارسة العملية من توسع تدريجي في إسناد الكفالة لأجانب أو لمغاربة مقيمين بالخارج، في اتجاه بدأ يبتعد شيئاً فشيئاً عن الفلسفة الأصلية التي قامت عليها مؤسسة الكفالة في التشريع المغربي.

     ذلك أن الكفالة، كما نظمها القانون المغربي، لم تُشرع بديلاً عن التبني، وإنما كآلية للرعاية والتكفل تحفظ للطفل هويته ونسبه وانتماءه الديني والاجتماعي. غير أن بعض تطبيقات الكفالة بالخارج أفرزت عملياً أوضاعاً تقترب في آثارها من التبني، سواء من خلال الإدماج الكامل داخل الأسرة الأجنبية أو الانقطاع التدريجي عن البيئة الأصلية للطفل، بما يطرح تساؤلات حقيقية حول مدى احترام فلسفة الكفالة وحدودها القانونية.

    وإذا كان من حق الطفل أن يحظى بالرعاية والحماية، فإن الاتفاقيات الدولية نفسها لم تجعل من نقل الأطفال خارج أوطانهم حلاً عادياً أو أصلياً، بل اعتبرته استثناءً لا يُلجأ إليه إلا عند تعذر إيجاد رعاية مناسبة داخل البلد الأصلي للطفل. فالمادة 21 من الأمم المتحدة المتعلقة باتفاقية حقوق الطفل تؤكد ضرورة مراعاة استمرارية تربية الطفل وخلفيته الإثنية والدينية والثقافية واللغوية، كما أن المبادئ التوجيهية للرعاية البديلة للأطفال لسنة 2009 شددت بدورها على أن الرعاية خارج الوطن ينبغي أن تظل تدبيراً استثنائياً ومؤقتاً.

     غير أن الممارسة المغربية تبدو أحياناً مترددة في استحضار هذا الطابع الاستثنائي، خاصة مع بعض المقاربات الإدارية التي اتجهت عملياً نحو التوسع في قبول الكفالة بالخارج، ومن بينها بعض الدوريات التنظيمية التي لم تُعطِ، بحسب عدد من المتتبعين، الأولوية الكافية للبحث الجدي عن كافل داخل الوطن قبل فتح المجال أمام الكفالة العابرة للحدود، مما ساهم في تكريس نوع من التطبيع مع هذا الشكل من الكفالة بدل التعامل معه كحل استثنائي محكوم بقيود دقيقة.

    إن الإشكال الحقيقي لا يتعلق برفض الكفالة بالخارج بشكل مطلق، وإنما بضرورة إعادة ضبطها داخل الحدود التي ترسمها الاتفاقيات الدولية نفسها، حماية لهوية الطفل ولمفهوم الكفالة في القانون المغربي. فمصلحة الطفل الفضلى لا يمكن اختزالها فقط في القدرة المادية للكافل أو في مستوى العيش الذي قد يوفره بالخارج، بل تشمل أيضاً حق الطفل في الحفاظ على انتمائه الثقافي والديني والاجتماعي، وعدم تحويله إلى موضوع لتنازع الأنظمة القانونية أو إلى ضحية لنتائج قد تنتهي عملياً إلى ما يشبه “التبني المقنع”.

مقال قد يهمك :   جدول أعمال المجلس الحكومي ليوم الخميس 21 فبراير 2019

    ومن هنا يبرز ضرورة التمييز بين وضعيتين مختلف الأولى تتعلق بالمغاربة المقيمين بالخارج، الذين قد تدفعهم ظروف العمل أو الاستقرار إلى الإقامة خارج الوطن مع احتفاظهم بروابط الهوية والانتماء والثقافة المغربية، وقدرتهم – في كثير من الحالات – على ضمان استمرارية الطفل داخل محيطه الديني والثقافي والأسري المغربي . أما الثانية فتتعلق بالكفالة المسندة لأجانب أو لأشخاص بعيدين عن الخصوصية الثقافية والدينية للمغرب، حيث تصبح مخاطر الذوبان الثقافي وفقدان الارتباط بالهوية الأصلية أكثر حضوراً، خاصة حين ينتقل الطفل إلى بيئات قانونية تسمح بالتبني أو تنتج عملياً آثاره.

    وتزداد حساسية هذا النقاش في ظل التحولات الديمغرافية التي يعرفها المغرب اليوم، وما يرافقها من تراجع نسبي في معدلات الولادة وارتفاع تدريجي في مؤشرات الشيخوخة الديمغرافية . فالدول التي تعاني مستقبلاً من اختلالات ديمغرافية لا يمكنها أن تنظر إلى الأطفال فقط باعتبارهم حالات اجتماعية معزولة، بل باعتبارهم أيضاً جزءاً من رصيدها البشري وهويتها المجتمعية المستقبلية. ومن ثم فإن أي مقاربة للكفالة العابرة للحدود ينبغي أن توازن بين البعد الإنساني الواجب احترامه، وبين الحفاظ على حق الطفل في الانتماء إلى مجتمعه الأصلي وعدم تحويل الهشاشة الاجتماعية إلى مدخل لفقدان هذا الانتماء بصورة نهائية.

    لقد ظل مفهوم “ المصلحة الفضلى للطفل ” في عدد من التطبيقات العملية مفهوماً أقرب إلى القراءة المادية أو الاجتماعية الضيقة ، بحيث يتم التركيز على القدرة الاقتصادية للكافل أو جودة الحياة المفترضة بالخارج، دون منح الاعتبار الكافي لمسألة الهوية والانتماء والاستمرارية الثقافية . ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة بناء هذا المفهوم بمنظور سيادي وواقعي، يربط بين حقوق الطفل وحقه في الجذور والانتماء، وذلك من خلال تعريف يمكن صياغته على النحو الآتي:

   ” المصلحة الفضلى للطفل هي الأحقية الطبيعية والقانونية للقاصر في الرعاية الأسرية التي تضمن توازنه المادي والنفسي، بشرط عدم اقتلاعه من جذوره الوطنية والدينية، وهي التزام يفرض على الدولة إيجاد بدائل احتضان داخل الوطن كأولوية قصوى، ولا يُسمح بتجاوز الحدود إلا في حالة الاستحالة المطلقة للرعاية المحلية، وبعد التأكد من أن الهوية الأصلية للطفل لن تكون محل مساومة أو استلاب. “

مقال قد يهمك :   فراجي: كنت أحبذ أن يكون وزير العدل رجلا متمرسا في القانون ممارسا له

     ويقوم هذا التصور على ثلاث ركائز أساسية:

أولاً: المصلحة الوجدانية والبيئية، أي حق الطفل في النمو داخل مجتمع يشبهه لغةً وديناً وتقاليد، لأن الرفاه المادي لا يعوض دائماً أزمة الهوية والانقطاع الثقافي.

ثانياً: المصلحة الديمغرافية والسيادية، باعتبار الطفل جزءاً من الثروة البشرية الوطنية التي لا يجوز التفريط فيها إلا في حدود الضرورة القصوى.

ثالثاً: المصلحة الرقابية، أي استمرار ارتباط الدولة بالطفل المكفول حتى بعد مغادرته التراب الوطني، عبر آليات تتبع قانونية وتقنية صارمة تضمن احترام الكفالة وعدم تحويلها إلى تبنٍّ فعلي.

بهذا المعنى، تصبح “المصلحة الفضلى” درعاً لحماية الطفل داخل وطنه، وليست مجرد تبرير قانوني لخروجه منه. كما يتحول الطفل المكفول من ملف اجتماعي عابر إلى “أمانة وطنية” تفرض على الدولة والمجتمع البحث أولاً عن حلول داخلية قبل اللجوء إلى الحلول الخارجية.

نحو سياسة وطنية جديدة للكفالة العابرة للحدود

    إن معالجة هذا الإشكال لا تقتضي فقط إعادة قراءة النصوص القانونية، بل تفرض أيضاً تطوير رؤية وطنية جديدة تقوم على ثلاث دعائم كبرى: الوعي الرقمي، والتشريع الحمائي، والسيادة الهوياتية . وفي هذا الإطار، يمكن اقتراح مجموعة من الإصلاحات العملية:

أولاً: مأسسة الطابع الاستثنائي للكفالة بالخارج

   وذلك عبر التنصيص قانوناً على إلزامية إخضاع أي طلب كفالة دولية لمساطر “إشهار وطني رقمي” لفترة زمنية معقولة ، سواء عبر منصة رسمية أو منصات خاصة خاضعة للمراقبة، لإثبات تعذر وجود كافل داخل الوطن قبل السماح بخروج الطفل إلى الخارج.

ثانياً: الملاءمة التشريعية لمفهوم المصلحة الفضلى

  من خلال تبني تعريف تشريعي يربط مصلحة الطفل بالأمن الهوياتي والديمغرافي، ويعتبر انتماء الطفل لدينه ووطنه جزءاً من حقوقه الأساسية التي لا تسقط بمجرد انتقاله إلى الخارج.

ثالثاً: الرقابة الرقمية العابرة للحدود

   وذلك عبر الانتقال من نظام التقارير القنصلية التقليدية إلى منصة رقمية ذكية تُلزم الكافل بالخارج بتقديم تقارير دورية موثقة (صور، فيديوهات، وثائق مدرسية وصحية)، مع إمكانية تفعيل آليات قانونية دولية عند الإخلال بشروط الكفالة.

رابعاً: تكريس مبدأ المعاملة بالمثل

   عبر إبرام اتفاقيات ثنائية مع الدول المستقبلة تعترف بالصفة القانونية للكفالة المغربية وتمنع تحويلها إلى تبنٍّ كامل، مع ضمان حقوق المغاربة المقيمين بالخارج في الاستفادة من نفس التسهيلات داخل تلك الدول.

مقال قد يهمك :   محكمة النقض توضح شروط صحة مسطرة الفرض الضريبي وفق الفصل 224 من المدونة العامة للضرائب

خامساً: تشجيع الاستثمار الاجتماعي الوطني

   من خلال فتح المجال أمام المبادرات الرقمية الخاصة لتطوير منصات وطنية للكفالة تستهدف تشجيع الكفلاء المحليين وتحويل الكفالة من عبء إداري إلى مشروع تضامن مجتمعي وطني.

خــاتـمــة

     إن النقاش المرتبط بالكفالة العابرة للحدود لم يعد مجرد نقاش تقني حول إجراءات إدارية أو حلول اجتماعية ظرفية، بل تحول إلى سؤال سيادي عميق يتعلق بعلاقة الدولة بأطفالها، وحدود التوفيق بين الالتزامات الدولية ومتطلبات حماية الهوية الوطنية والأمن الديمغرافي والثقافي للمجتمع . فالمطلوب اليوم ليس إغلاق باب الكفالة بالخارج بصورة مطلقة ، وإنما إعادة وضعه داخل إطاره الطبيعي كاستثناء محكوم بضوابط دقيقة ، تُقدَّم فيه الكفالة الوطنية باعتبارها الأصل ، ولا يُلجأ إلى الحل الخارجي إلا عند الاستحالة الحقيقية لإيجاد بديل داخلي مناسب . وفي هذا السياق، يصبح من الضروري الانتقال من مفهوم “المصلحة الفضلى المادية” الذي يختزل مستقبل الطفل في مستوى العيش والقدرة الاقتصادية ، إلى مفهوم “المصلحة الفضلى الهوياتية” التي تجعل من حق الطفل في الانتماء الديني والثقافي والوطني جزءاً لا يتجزأ من حمايته القانونية والإنسانية. فمصلحة الطفل لا تقاس فقط بما يملكه الكافل من إمكانيات، وإنما أيضاً بقدرته على الحفاظ على جذور الطفل وعدم تحويل هشاشته الاجتماعية إلى مدخل لاستلاب هويته بصورة نهائية. كما يفرض هذا التوجه إعادة بناء العلاقات القانونية مع الدول المستقبلة للكفالة على أساس المعاملة بالمثل والسيادة القانونية ، عبر إبرام اتفاقيات ثنائية ملزمة تعترف بالصفة القانونية للكفالة المغربية وتمنع تحويلها إلى تبنٍّ كامل تحت أي غطاء قانوني، مع المطالبة في المقابل بتسهيل كفالة الأطفال من طرف المغاربة المقيمين بالخارج باعتبار ذلك حقاً متبادلاً لا منحة ظرفية.

    إن الدول التي تحترم سيادتها لا تنظر إلى أطفالها باعتبارهم مجرد ملفات اجتماعية قابلة للتصدير، بل باعتبارهم امتداداً لذاكرتها الجماعية ورصيدها البشري ومستقبلها الحضاري. ومن هنا يظل السؤال الجوهري مطروحاً بإلحاح: لماذا يُطلب منا تسهيل خروج أطفالنا، بينما تُحصّن كثير من الدول الغربية أطفالها خلف جدار صارم من السيادة القانونية والهوياتية ؟

error: عذرا, لا يمكن حاليا نسخ او طباعة محتوى الموقع للمزيد من المعلومات المرجوا التواصل مع فريق الموقع عبر البريد الالكتروني : [email protected]