مجلة مغرب القانونفي الواجهةابن مسعود ياسين: إلى من يريد أن يوقع الخصومة بين المحاماة والقضاء

ابن مسعود ياسين: إلى من يريد أن يوقع الخصومة بين المحاماة والقضاء

ابن مسعود ياسين محام بهيئة المحامين بوجدة


إلى من يريد أن يوقع الخصومة بين المحاماة والقضاء

في تفكيك محاولات اصطناع الخصوم لمهنة الدفاع


من المعلوم بداهة أنه حين يعجز خطاب ما عن مقارعة الحجة بالحجة، يلجأ إلى تغيير موضوع النزاع. وهذا بالضبط ما تشهده الساحة المهنية اليوم: فبدل أن يناقش قانون مهنة المحاماة في مقتضياته المعترض عليها، وفي المنهج الذي أنتجه، وفي العيب المسطري الذي شاب إحالته على المحكمة الدستورية، يجري إشغال الرأي العام بسؤال مفتعل عمن تخاصمه المحاماة.

وقد جرب هذا المسلك ثلاث مرات في أشهر قليلة: مرة بتصوير المحامين خصوما للمواطن، ومرة بمحاولة وضعهم في مواجهة المؤسسة الملكية، ومرة ثالثة -وهي الجارية اليوم- بالإيحاء بأن بينهم وبين القضاة ثأرا تصفى حساباته في قاعات الجلسات.

وهذه الورقة لا تدافع عن موقف مهني بقدر ما تفكك آلية خطابية. غايتها أن تبين، بالوثيقة والنص، أن ما ينسب إلى المحاماة من خصومات لا وجود له إلا في تصور من يريد له أن يوجد؛ وأن خصومة هذه المهنة معلومة العنوان، محددة الحدود، لا تتجاوز نصا ومنهجا وعيبا مسطريا. أما القضاء، فليس خصما للدفاع ولا يمكن أن يكون؛ وأقوى دليل على ذلك من متن الأحكام نفسها، ومن نقد المحامين لها.


أولا: مناورة واحدة، وخصوم تصطنع بالتناوب

إن الذي يتابع الساحة الإعلامية هذه الأيام بلاحظ أن ثمة نمط صار مكشوفا في تدبير ملف “احتجاجات المحامين”: إذ كلما تعذر كسب النقاش في مضمونه، جرت محاولة نقله إلى ساحة أخرى، وتزويد المحامين بخصم جديد لم يختاروه ولم يخاصموه. ثلاث حلقات متتابعة، والمنطق واحد.

ولعل الجواب الجامع عن هذه المناورة كلها قد صيغ سلفا في بيان مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب (رابط البيان) أمس بتاريخ 28 غشت 2026، حيث جاء بنصه:

” إن ما تشهده المحاماة بالمغرب اليوم، وما رافق مسار قانون المهنة من توتر غير مسبوق، ليس صراعا بين المحامين والدولة، ولا مواجهة معها أو مع مؤسساتها؛ فالمحاماة جزء أصيل من منظومة الدولة ومؤسسات العدالة، والمحامون، أفرادا ومؤسسات، كانوا على الدوام في طليعة المدافعين عن قضايا الوطن، وعن وحدته الترابية ومقدساته، وعن مساره الديمقراطي والحقوقي، وعن صورته ومكانته بين الأمم، من خلال حضورهم وإسهامهم في المنظمات المهنية والحقوقية الوطنية والدولية”.

هذا هو الأصل الذي تقاس عليه كل حلقة من حلقات التحريض. فمن كان جزءا أصيلا من منظومة الدولة لا يتصور أن يسعى إلى إضعافها، ومن كان في طليعة المدافعين عن قضايا الوطن ووحدته الترابية لا تلصق به تهمة الخصومة معه.

ثانيا: الحلقة الأولى – خصومة مع المواطن –

كانت البداية بأيسر الأبواب وأشدها مكرا: تصوير المحامين وكأنهم يأخذون المواطنين رهائن، ويتخذون من مصالحهم دروعا في معركة يخوضونها لأنفسهم، دفاعا عن مكاسب خاصة.

وهي تهمة تخاطب المتضرر مباشرة وتستثمر في ألمه المشروع. غير أنها تنهار عند أول سؤال: ما الذي في هذا القانون يعود على المحامي بمكسب شخصي حتى يضرب من أجله أزيد من مائة يوم؟ فالتوقف كلف المحامين، أفرادا ومكاتب، خسائر مادية مباشرة، ولم يجلب لأحد منهم درهما ولا امتيازا. ولو كانت المعركة عن مصالح خاصة لكان أيسر السبل قبول النص والانصراف إلى العمل.

مقال قد يهمك :   الزكراوي محمد: مصير الحقوق العينية والتدابير التحفظية المقيدة على العقارات المنزوع ملكيتها لأجل المنفعة العامة

ثم إن ما يدافع عنه ليس أجرا ولا وضعا اعتباريا، بل استقلال المهنة وحصانة الدفاع وتنظيمها الذاتي -وهذه ليست ملكا للمحامي-، إنها حق المواطن في يوم يجد فيه نفسه أمام سلطة ما. فالمحامي المدجن، الخاضع لوصاية في ممارسته، لا يخسر هو وحده؛ يخسره الموكل الذي كان ينتظر منه دفاعا حرا لا مساومة فيه.

والمفارقة أن الرسالة تنقلب على قائلها: من يقول للمواطن «المحامي يأخذك رهينة» يطلب منه ضمنا أن يتنازل عن ضمانة هي له لا للمحامي. ولا يوجد في الدنيا مواطن ربح شيئا من ضعف دفاعه.

يبقى أن كلفة التوقف على المتقاضين حقيقية، ولا ينبغي إنكارها ولا التهوين منها؛ لكن تحميلها للمحامين وحدهم مغالطة، لأن مسؤولية الكلفة تقع أولا على من أوصل المسار إلى طريق مسدود بعد أن استنفدت المنافذ المؤسساتية والحوارية.

ثالثا: الحلقة الثانية -خصومة مع المؤسسة الملكية-

ولما لم تفلح الخدعة الأولى، جربت محاولة ثانية. فحين اشتد الخلاف مع الوزارة الوصية، لم يكن الجواب مناقشة المقتضيات المعترض عليها، بل التلويح بأن نشر القانون في الجريدة الرسمية سينهي الإضراب، لأن المحامين -كما قيل على لسان وزير العدل- يعرفون معنى صدور ظهير شريف بتنفيذ القانون. وهي عبارة لا تقرأ بوصفها تذكيرا بالمسطرة التشريعية، فالمحامون أدرى الناس بها؛ بل بوصفها محاولة لوضع المهنة في مواجهة المؤسسة الملكية، وتحويل اعتراض على نص إلى ما يشبه الاعتراض على من صدر الظهير باسمه.

وقد كان جواب الجسم المهني في محله، هادئا وحاسما: لا علاقة للمؤسسة الملكية بما يجري، ولها من المحامين واجب الاحترام والتوقير، وما يمارسونه ليس خروجا عن المسار الديمقراطي بل تعزيز له.

وأبلغ ما يدحض هذه المناورة أن الالتجاء إلى جلالة الملك جاء من المحامين أنفسهم، لا ضده. فقد ضمت الأمانة العامة لاتحاد المحامين العرب صوتها إلى صوت المحامين بالمغرب في مناشدة جلالة الملك محمد السادس، بوصفه  -بتعبير بيانها (رابط البيان)– المرجع الأعلى والملجأ الدستوري، منوهة بالمواقف الراسخة والتاريخية لملوك المملكة المتعاقبين الذين أكدوا دوما أن المحاماة مهنة حرة ومستقلة، وأن استقلال الدفاع وحصانته ليس امتيازا فئويا للمحامين بل ضمانة أساسية لإقامة العدل.

ويزداد هذا المعطى دلالة حين يعرف من وقع تلك المناشدة. فالأمين العام للاتحاد، النقيب المكاوي بنعيسى، مغربي ابن هذه الأرض وهذه المؤسسات: من مواليد 3 غشت 1942 بكبدانة، جماعة أركمان بإقليم الناظور، حفظ القرآن الكريم في الكتاتيب، ودرس بالناظور فثانوية القاضي عياض بتطوان، فكلية الحقوق بجامعة محمد الخامس بالرباط سنة 1967. التحق بهيئة المحامين بوجدة متمرنا في 10 أكتوبر 1967، وسجل بجدول المحامين الرسميين في 10 أكتوبر 1970، وما زال يمارس المهنة منذئذ دون انقطاع. انتخب نقيبا لهيئة وجدة أربع ولايات (1983–1985، و1989–1991، و1994–1996، و2012–2014)، وأمينا للمال بالنيابة لدى جمعية هيئات المحامين بالمغرب (1986–1988)، ثم نائبا لرئيسها (2006–2008)، وعضوا بمجالس كلية الحقوق وكلية الآداب ومجلس جامعة محمد الأول بوجدة. وعلى الصعيد العربي التحق بالمكتب الدائم لاتحاد المحامين العرب سنة 2013، فأمينا عاما مساعدا لدورتين، قبل أن ينتخب بالإجماع أمينا عاما في 15 نونبر 2020 بعمان.

فهذا رجل يعرف المقام ويعرف قدره، وقد قضى ستين سنة داخل مؤسسات هذه المملكة وهيئاتها المنتخبة وجامعاتها. ومن كانت هذه سيرته لا يخاطب جلالة الملك إلا خطاب الرعية الوفية الملتجئة، ولا يتصور منه أن يضع المحاماة في مواجهة العرش. والالتجاء نقيض المواجهة؛ ومن يستنجد بجهة فهو أبعد الناس عن مخاصمتها.

رابعا: الحلقة الثالثة -خصومة مع القضاء-

وأما ثالثة الأثافي كما تقول العرب، فحين لم تفلح المحاولة الأولى والثانية تم نقل الخصومة إلى القضاء.

مقال قد يهمك :   جدلية "المساواة" و "العدالة" في مشروع مدونة الأسرة المرتقب...مقترحات تشريعية حول حق الزوجة ربة البيت في استحقاق  نصيب من الثروة الزوجية

إذ يجري اليوم ترويج تصور مفاده أن ما يصدر عن بعض المحاكم من أحكام في غيبة الدفاع إنما هو رد فعل على المحامين، وانتقام من إضرابهم. وهو تصوير خطير، لا لأنه يظلم القضاء وحده، بل لأنه يلبس اجتهادا قضائيا لباس الثأر، ويستدرج المهنتين معا إلى معركة تدار من خارجهما.

والهدف واضح: تفتيت وحدة الموقف، واستنزاف الجسم المهني في نزاع جانبي، وإشغاله عن السؤال المركزي الذي لم يجب عنه بعد وهو سؤال ملابسات الإحالة المعيبة على المحكمة الدستورية، وعدم تدارك أسبابها قبل النشر، وكيف انتقل النص إلى التنفيذ دون أن تمكن المحكمة من بسط رقابتها.

خامسا: القرار الذي يساق للتحريض ينقض التحريض بنفسه

خير رد على من يزعم أن القضاء في موقع الخصومة من المحاماة هو أن نقرأ ما كتبه القضاء نفسه.

ففي قرار الغرفة الجنحية التلبسية بمحكمة الاستئناف بالحسيمة (القرار عدد 194، ملف عدد 149/2601/2026 بتاريخ 4 غشت 2026)،(رابط القرار) استهلت المحكمة تعليلها لا بتبرير الاستغناء عن الدفاع، بل بتعظيمه.

فقررت أن حق الدفاع «ليس ترفا يؤخذ أو يترك، بل هو قدس أقداس العدالة»، وأن المحاكمة المنصفة لا يستقيم ميزانها «إلا بجناحيها: قضاء يزن بالعدل، ودفاع ينير وجه الحق».

ثم قررت أن النزاع في النازلة «ليس تنازعا بين حق وباطل، بل تدافع بين حقين أصيلين»: حق المتهم في محام يختاره، وحقه في أن يفصل في أمره داخل أجل معقول. وصرحت -وهذا موضع الشاهد- بأن «إضراب السادة المحامين خيار مهني أو موقف نقابي يحترم في سياقه».

فأين الانتقام في نص يصف الدفاع بقدس الأقداس، ويسمي الإضراب خيارا محترما، ويضع المحاماة جناحا للميزان لا خصما له؟

سادسا: عاتبنا، ولم نخاصم

ولئلا يقال إن هذا الكلام مجاملة في غير موضعها، فلينظر في ما كتبناه نحن أنفسنا حين وجدنا ما يستوجب العتاب.

فقد سبق لنا أن علقنا تعليقا مفصلا (رابط التعليق) على قرار غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بالعيون عدد 146 بتاريخ 9 يوليوز 2026، وقلنا فيه ما نراه بغير مواربة: إن إفراغ المادة 316 من قانون المسطرة الجنائية من أثرها بحجة أن المشرع «لم يرتب جزاء» استنتاج لا يلزم عن مقدمته؛ وإن المادتين 317 و423 استحضرتا ثم استخلص منهما عكس ما تقولانه؛ وإن معادلة الموازنة مختلة في طرفيها. وقلنا أكثر من ذلك: إن إقحام المادة 39 من قانون المهنة السابق 28.08 في تعليل لا صلة له بأطراف الدعوى، وترتيب تكييف ذي حمولة زجرية هو وصف «التواطؤ» في مواجهة هيئات وأشخاص ليسوا خصوما في النازلة ولم تتح لهم فرصة الرد، ينتج أثرا يمس المظهر الخارجي للحياد، عملا بالقاعدة المستقرة أن العدالة لا يكفي أن تتحقق بل يجب أن يرى أنها تحققت.

مقال قد يهمك :   الاستحقاقات الانتخابية في زمن كورونا ومتحوراتها

هذا عتاب صريح، لا نتراجع عنه ولا نخفف منه.

ولنقلها بأوضح عبارة: إن الامتناع الجماعي موجه إلى السلطتين التنفيذية والتشريعية بشأن نص منظم للمهنة، لا إلى السلطة القضائية. وإقحام القضاء طرفا في نزاع ليس طرفا فيه ينشئ خصومة مفتعلة تضر بموقعه أكثر مما تخدمه.

ومن حق المحاماة أن تناقش هذه الاجتهادات بأدواتها فهذا نقاش مشروع، بل هو من صميم الحوار بين مكوني العدالة. أما أن يقال للمحامي إن القاضي ينتقم منه، وللقاضي إن المحامي يعطل عدالته، فتلك ليست مناقشة بل تفخيخ للعلاقة بين مهنتين لا تقوم العدالة إلا بهما معا.

سابعا: خصومة مستحيلة بطبيعتها

إن القاضي والمحامي لا يجمعهما تنافس على موقع، بل تكامل في وظيفة. القاضي يزن، والمحامي ينير. ولا يتصور قاض يستقيم له حكم عادل بغير دفاع حر يعرض عليه أوجه الحق، ولا يتصور محام تجدي مرافعته أمام قضاء غير مستقل.

ومن هنا فإن استقلال القضاء واستقلال المحاماة قضية واحدة لا قضيتان. فالنص الذي يستبدل بمنطق التنظيم الذاتي منطق الوصاية لا يضعف المحامين وحدهم؛ إنه يختل به التوازن داخل منظومة العدالة كلها، فيصير القاضي بلا الطرف الذي يوازن أمامه، ويصير المتقاضي وحيدا أمام كل سلطة.

والمستفيد الوحيد من إيقاع الخصومة بينهما هو من لا يريد لأي منهما أن يكون مستقلا.

ثامنا: ذاكرة ينبغي ألا تنسى

ولمن يقول اليوم إن إصلاح العدالة يفرض فرضا، تذكير بسابقة من داخل الدولة نفسها. فحين أطلق ورش إصلاح منظومة العدالة، تولت الإشراف عليه الهيئة العليا للحوار الوطني التي نصب جلالة الملك أعضاءها في 8 ماي 2012، برئاسة وزير العدل والحريات آنذاك، الأستاذ مصطفى الرميد وهو محام بهيئة الدار البيضاء وعضو سابق بمجلسها.

ومسار ذلك الحوار — بـ41 اجتماعا للهيئة العليا، و11 ندوة جهوية غطت الخريطة القضائية للمملكة، واستشارة كتابية لـ111 هيئة ومنظمة، و104 ندوة مواكبة على صعيد المحاكم — وصف حينها بأنه حوار غير مسبوق مبني على مبدأ التشاركية، وانتهى إلى ميثاق كان أول أهدافه الاستراتيجية توطيد استقلال السلطة القضائية.

فتلك هي القاعدة التي أرستها الدولة لنفسها: لا إصلاح لمهن العدالة إلا بأهلها. والسؤال الذي يطرح على مسار القانون 66.23، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 7536 بتاريخ 20 غشت 2026، ليس سؤالا خصوميا: كيف انتقلنا من منهج استشار 111 هيئة إلى نص ترفضه المؤسسات المنتخبة للمهنة برمتها؟

خاتمة: عنوان الخصومة الحقيقي

فليعلم من يجتهد في اصطناع الخصوم للمحاماة أن هذه المهنة لا تخاصم المواطن، وهو صاحب الحق الذي تدافع عنه؛ ولا تخاصم المؤسسة الملكية، ولها منها موقع التوقير والالتجاء؛ ولا تخاصم القضاء، وهي جناحه في ميزان العدالة وإن عاتبته، فعتاب الشريك لا خصومة الند.

خصومتها معلومة العنوان وواضحة الحدود: نص ترى فيه انتقاصا من استقلالها وحصانة الدفاع وتنظيمها الذاتي، ومنهج أفضى إلى فرضه رغم إرادة مؤسساتها المنتخبة، وعيب مسطري جسيم حال دون رقابة المحكمة الدستورية ولم يتدارك قبل النشر.

وحقوق الدفاع، في الأخير، ليست مطلبا للمحامين ولا امتيازا فئويا؛ إنها حق المواطن وضمانة من ضمانات دولة القانون. وهذا بالضبط ما قاله القضاء ذاته حين سماها قدس أقداس العدالة.

error: عذرا, لا يمكن حاليا نسخ او طباعة محتوى الموقع للمزيد من المعلومات المرجوا التواصل مع فريق الموقع عبر البريد الالكتروني : [email protected]