مجلة مغرب القانونالقانون الخاصابن مسعود ياسين: إلزامية المحامي في الجنايات –قراءة متأنية من وجدة الألفية إلى العيون الفتيّة –

ابن مسعود ياسين: إلزامية المحامي في الجنايات –قراءة متأنية من وجدة الألفية إلى العيون الفتيّة –

 ابن مسعود ياسين محام بهيئة المحامين بوجدة


إلزامية مؤازرة المحامي في قضايا الجنايات بين النصّ الآمر وسلطة الموازنة القضائية
تعليق على  قرار غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بالعيون عدد 146

(لتحميل القرار انقر أعلاه في العنوان)


تـــنويــه:

حري بالتنويه أن فكرة هذه الدراسة المطولة نشأت في سياق نقاش عمومي أثاره القرار موضوع الدراسة، تناوله عدد من الزملاء المحامين وغيرهم من المهتمين بالشأن القضائي في تدوينات ومساهمات منشورة على وسائل التواصل الاجتماعي. وقد أفدت من ذلك النقاش إفادة أقر بها وأنوه بفضلها، إذ نبهني إلى زوايا نظر ما كنت لأهتدي إليها منفردا، وأثار أمامي إشكالات حملتني على مراجعة بعض ما كنت أحسبه مستقرا.

غير أن ما أفدته لم ينقل إلى هذا المقال نقلا. فقد جرى في كل حالة إعادة صوغ الفكرة بلغة الدراسة ومنهجها، وردها إلى أصلها المعياري، والتحقق من سندها في النص والاجتهاد قبل اعتمادها. واستبعد ما لم يصمد لهذا الفحص، وعدل ما احتاج إلى تعديل، واستكمل ما ورد مجملا، وأضيف إليه ما اقتضاه البناء. ومن ثم فإن الصياغة النهائية لكل ما ورد ههنا، وما قد يعتريها من خطأ أو قصور، محمولة على كاتبه وحده.


مقـدمـة:

عَنْ بُرَيْدَةَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:

«الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: اثْنَانِ فِي النَّارِ، وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ: رَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَلَمْ يَقْضِ بِهِ وَجَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ لَمْ يَعْرِفِ الْحَقَّ فَقَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ». (رواه الأربعة وصححه الحاكم).

في هذا التقسيم النبوي دقة تغني عن كثير من التنظير. فمناط النجاة ليس إصابة الحكم في ذاتها، بل اجتماع أمرين: معرفة الحق، والقضاء بمقتضى ما عرف. ومناط الهلاك أحد أمرين: علم لم يتبع بعمل فيكون جورا، أو حكم بلا علم فيكون جهلا. وبين المنزلتين منزلة ثالثة لم يذكرها هذا الحديث، وتكفل ببيانها حديث آخر يقول فيه النبي عليه الصلاة والسلام:

«إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ». متفق عليه.

فالخطأ المقترن بالاجتهاد ليس من الجور في شيء، ولا من القضاء على جهل في شيء. إنه منزلة يؤجر صاحبها ولا يلام، لأن المطلوب من القاضي بذل الوسع لا بلوغ العصمة. وهذا الميزان النبوي هو الذي تقارب به هذه الدراسة موضوعها، تحديدا لمنزلة النقد قبل الشروع فيه.

وأحسب هيئة الحكم بغرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بالعيون من الصنف الأول: تعرف الحق وتقضي به. غير أنها في قرارها عدد 146 الصادر بتاريخ 09 يوليوز 2026 في الملف الجنائي عدد 177/2610/2026 اجتهدت فلم يصادف اجتهادها الصواب، فلها أجر الاجتهاد وعلينا واجب البيان. ذلك أنها قررت أن المادة 316 من قانون المسطرة الجنائية، وإن نصت على إلزامية مؤازرة المحامي في الجنايات أمام غرفة الجنايات، لم ترتب جزاء صريحا على مخالفة هذا المقتضى، وأن مقتضيات استمرارية المرفق القضائي واحترام الأجل المعقول تبرران مواصلة المحاكمة والبت في الجوهر دون حضور دفاع.

وإذا كان المسار الصحيح للاعتراض على الأحكام هو الطعن فيها بالطرق المرسومة في قانون المسطرة الجنائية، فإن ذلك لا يغلق باب التعليق العلمي عليها. فالطعن والتعليق مختلفان في المخاطب وفي الغاية: إذ الطعن يخاطب مصير الحكم في نازلته وغايته إصلاح مركز الخصوم، أما التعليق فيخاطب مآل الحكم في الاجتهاد وغايته إصلاح القاعدة. والأول حق مقرر للخصوم وحدهم، والثاني واجب محمول على أهل الاختصاص — وأحسبني منهم بحكم مهنتي — غايته تجويد العمل القضائي بما يعكس التطبيق العادل للقانون بوصفه مبدأ دستوريا، وإثراء التعليل والفلسفة التي تقوم عليها الأحكام.

ولا يفهم من ذلك تصيد للعثرات ولا استقصاء للهفوات. فالحكم القضائي عمل بشري، والعمل البشري لا يبلغ الكمال ولا ينزه عن النقص، على ما قرره أبو البقاء الرندي في نونيته:

لكل شيء إذا ما تم نقصان  ***  فلا يغر بطيب العيش إنسان

وإنما هو تفاعل مع نص قضائي بلغ من الأهمية أن جعل من نفسه سابقة في مسألة لم يسبق طرحها بهذا الوضوح، فاستحق أن يقرأ قراءة متأنية تليق بما أثاره.

وقيمة التعليل في العمل القضائي ليست ترفا فقهيا ولا ترسيخا لعادة أكاديمية، بل هي في صميم السياسة القضائية للدولة. وقد أدرك ذلك المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني حين استقبل أعضاء المجلس الأعلى للقضاء ورؤساء غرف المجلس الأعلى يوم 24 أبريل 1995، فجاء في كلمته:

«أحثكم بجدية وتأكيد على إصدار المجلات القضائية التي تصدر فيها أحكامكم، لأنني كنت أقرأ بعض الأحكام قبل خمسة عشر أو عشرين عاما، وكانت تلك الأحكام بتعليلها تشرف المغرب وتشرف قضاء المغرب. ولي اليقين أن هؤلاء القضاة ما زالوا موجودين عندنا، وهذه النوعية من القضاء موجودة عندنا. فعلينا أن نعرف بفلسفتنا القضائية والمسببات القضائية، فسيكون ذلك إثراء لجميع القضاة أولا، وسيكون مرجعا من المراجع فيما إذا حدث حادث، وسيكون بطاقة تعريف لنوعية القضاء المغربي وما يشتمل عليه من اجتهاد في الرأي ومن ابتكار في تكوين القضاة».

وفي هذه الكلمة إشارتان بالغتا الدلالة لموضوعنا. أولاهما أن قيمة الحكم لا تقاس بمنطوقه بل بتعليله، وأن التعليل هو «بطاقة التعريف» بنوعية القضاء، وهو ما يجعل نقد التعليل نقدا لجوهر العمل القضائي لا لظاهره. وثانيتهما أن نشر الأحكام ومناقشتها إثراء للقضاة أنفسهم قبل غيرهم، وبناء لمرجع يرجع إليه «فيما إذا حدث حادث». وبذلك يجد التعليق على الأحكام سندا في التوجيه الرسمي لا في اجتهاد الفقهاء وحدهم، ويتحول من ممارسة تحتمل إلى ممارسة تطلب.

إشكالية الدراسة:

تنعقد إشكالية هذه الدراسة حول سؤال مركزي: إلى أي حد يملك القاضي الجنائي سلطة الموازنة بين ضمانة إجرائية آمرة وبين مقتضيات حسن سير المرفق القضائي؟ ويتفرع عن هذا السؤال ثلاثة أسئلة:

  • ما طبيعة القاعدة المقررة لإلزامية المؤازرة أمام غرفة الجنايات طبقا للمادة 316 من قانون المسطرة الجنائية: أهي حق ذاتي يملك المتهم التنازل عنه، أم قاعدة من النظام العام لا ترد عليها إرادته؟
  • ما أثر سكوت النص عن الجزاء على صحة الإجراء المخالف له؟ وهل يستفاد من هذا السكوت إباحة أم يستكمل بمقتضى عام؟
  • أين تنتهي حدود الوظيفة القضائية حين يتحول التعليل إلى موقف من نزاع مهني قائم خارج الدعوى وبين أغيار لا علاقة لهم بأطراف القضية؟

منهج الدراسة وخطتها

أعتمد في هذه الدراسة منهجا مزدوجا: تحليل مضمون القرار بتفكيك بنيته الحجاجية حيثية حيثية، ومقارنة بالحلول المقررة في نظم أخرى والاتفاقيات الدولية، مع مناقشة الأطروحة المؤيدة للقرار في أقوى صيغها لا في أضعفها. مع دراسة مقارنة للقرار، وقد اقتضى ذلك تقسيم الدراسة لثمانية اقسام حسب ما يلي من تفصيل:


القسم الأول: البطاقة التقنية للقرار

البيان المضمون
الجهة المصدرة محكمة الاستئناف بالعيون — غرفة الجنايات الابتدائية
رقم القرار وتاريخه 146/2026 بتاريخ 09 يوليوز 2026 — ملف عدد 177/2610/2026
الهيئة رئيس مقرر ومستشاران، بحضور ممثل النيابة العامة وكاتب الضبط
وضعية المتهمة معتقلة احتياطيا منذ 15/04/2026 — أحضرت «عن بعد» من السجن المحلي بالعيون
الوصف الجرمي المشاركة في تنظيم وتسهيل خروج أشخاص من التراب الوطني بصفة سرية واعتيادية في إطار عصابة منظمة عبر منافذ وأماكن غير مراكز الحدود المعدة لذلك
النصوص المطبقة المادة 52 (ف. 2 و3) من القانون 02.03؛ الفصلان 129 و147 من مجموعة القانون الجنائي
المنطوق سنتان حبسا، منها ثلاثة أشهر نافذة والباقي موقوف التنفيذ + غرامة نافذة 50.000 درهم + الصائر والإكراه البدني في الأدنى
واقعة الدراسة انعقاد الجلسة والبت في الجوهر دون حضور محام يؤازر المتهمة

القسم الثاني: المسار المسطري للقضية

  • 15/04/2026: وضع المتهمة رهن الاعتقال الاحتياطي.
  • 17/04/2026: تقديم أمام الوكيل العام للملك ثم استنطاق ابتدائي أمام قاضي التحقيق، وملتمس إجراء تحقيق.
  • 27/04/2026 و12/05/2026: سماع الشاهدة، واستنطاق تفصيلي أنكرت خلاله المتهمة المنسوب إليها.
  • 13/05/2026: البحث الاجتماعي حول شخصية المتهمة (محضر عدد 307).
  • 03/06/2026: قرار بالاطلاع بشأن انتهاء إجراءات التحقيق.
  • 19/06/2026: الأمر بالإحالة على غرفة الجنايات الابتدائية في حالة اعتقال، طبقا للمادة 419 من ق.م.ج.
  • 09/07/2026: الجلسة العلنية — إشعار المتهمة بحقها في تنصيب محام استنادا إلى المادة 385 من ق.م.ج فـ«تنازلت»؛ تعذر تعيين محام في إطار المساعدة القضائية لتخلف المحامي المكلف؛ اعتبار القضية جاهزة؛ مناقشة الجوهر وسماع الشاهدة؛ ملتمس النيابة العامة بتطبيق القانون؛ الحجز للمداولة والنطق في اليوم ذاته.

ولا بد من تسجيل مفارقة أولى في هذا الصدد ذلك أن: القرار يجمع في الجلسة ذاتها بين «تنازل» المتهمة عن تنصيب محام وبين «تعذر» تعيين محام في إطار المساعدة القضائية. وهما معطيان لا يستقيمان معا: فإن صح التنازل انتفت الحاجة إلى المساعدة القضائية، وإن سلك مسارها فذلك اعتراف ضمني بأن التنازل غير منتج لأثره.

القسم الثالث: الإيراد الحرفي لتعليل المحكمة

سنعمد هنا الى نقل حرفي لحيثيات القرار كما وردت في الصياغة الأصلية له وهي مرتبة كالآتي:

الحيثية الأولى: سند الإحالة

«بناء على إحالة القضية على هذه الغرفة بموجب الأمر بالإحالة الصادر عن قاضي التحقيق بهذه المحكمة بتاريخ 2026/06/19 طبقا للمادة 419 من قانون المسطرة الجنائية الرامي الى متابعة المتهمة من اجل المشاركة في تنظيم وتسهيل خروج أشخاص من التراب الوطني بصفة سرية واعتيادية في إطار عصابة منظمة عبر منافذ وأماكن غير مراكز الحدود المعدة خصيصا لذلك.»

الحيثية الثانية: الوضعية الإجرائية للمتهمة

«حيث إن الثابت للمحكمة أن المتهمة في حالة اعتقال احتياطي منذ تاريخ 2026/04/15 وأحضرت عن بعد من السجن المحلي بالعيون لعدة جلسات أخرها الجلسة العلنية المنعقدة بتاريخ 2026/07/09، كما انها تنازلت باختيارها عن حقها المقرر لها قانونا ودستورا بتنصيب محام للدفاع عنها كما تعذر تنصيب محام في إطار المساعدة القضائية لتخلف المحامي المكلف بذلك حسب جدول جلسات المساعدة القضائية لسنة 2026 قضايا الجنايات.»

الحيثية الثالثة: العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية

«وحيث إن المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تنص على أن لكل متهم بجريمة الحق في محاكمة عادلة، ومن بين ضماناتها الأساسية أن يحاكم دون تأخير لا مبرر له، وأن يحاكم حضوريا وأن يدافع عن نفسه بشخصه أو بواسطة محام من اختياره؛ وهي الضمانات التي يتعين استحضارها عند تطبيق النصوص الوطنية، انسجاما مع ما قررته ديباجة دستور المملكة بشأن سمو الاتفاقيات الدولية فور نشرها على التشريعات الوطنية.»

الحيثية الرابعة: الدستور

«وحيث إنه طبقا للفصول 117 و118 و120 من الدستور المغربي فالقاضي يتولى حماية حقوق الأشخاص وحرياتهم وأمنهم القضائي وتطبيق القانون تطبيقا عادلا، كما ان حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي يحميها القانون، ولكل شخص الحق في محاكمة عادلة وفي حكم يصدر داخل أجل معقول، وحقوق الدفاع مضمونة أمام جميع المحاكم.»

الحيثية الخامسة: قراءة المواد 316 و317 و423 من قانون المسطرة الجنائية

«وحيث إنه لئن كانت المادة 316 من قانون المسطرة الجنائية تنص على انه تكون مؤازرة المحامي في الجنايات أمام غرفة الجنايات إلزامية فإنها لم ترتب جزاء على عدم تفعيل هذا المقتضى، كما أن المادة 317 من نفس القانون وضعت استثناءات على حالة عدم اختيار محام أو عدم تعيينه أو تخلفه أو رفضه القيام بمهمته او وضع حد لها، وأجازت لرئيس الجلسة تعيين محام اخر في الحالة التي تكون فيها مؤازرة المحامي إلزامية، فضلا على أن المادة 423 من القانون ذاته أوجبت على رئيس الجلسة عند تغيب محامي المتهم ان يعين له تلقائيا محاميا في إطار المساعدة القضائية.»

الحيثية السادسة: قانون مهنة المحاماة

«وحيث تنص المادة 39 من القانون رقم 28.08 المتعلق بتعديل القانون المنظم لمهنة المحاماة على انه: ﴿لا يجوز للمحامين في كل الأحوال أن يتفقوا متواطئين فيما بينهم على أن يتوقفوا كليا عن تقديم المساعدات الواجبة عليهم إزاء القضاء سواء بالنسبة للجلسات أو الإجراءات﴾.»

الحيثية السابعة: الحيثية المحورية «الموازنة والسلطة التقديرية»

«وحيث إن المحكمة، وهي تباشر سلطتها في تحقيق التوازن بين الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة، وفي مقدمتها حق المتهمة في الاستعانة بمحام وفي حكم داخل اجل معقول، وبين مبدأ استمرارية المرفق القضائي وحسن سير العدالة، وبعد أن تبين لها استنفاد جميع الوسائل القانونية لتوفير المؤازرة دون جدوى لاسيما ان تخلف المحامي لا علاقة له بمصلحة المتهمة ولا حقها في الدفاع، فإنها ترى أن مقتضيات استمرارية المرفق القضائي باعتباره مرفقا دستوريا وسياديا، وما يقتضيه من ضمان انتظام سير العدالة وعدم تعطيلها، يبرر مواصلة النظر في الدعوى والبت فيها وفقا لما راج بجلسة المناقشة وبالنظر الى وثائق الملف ومستنداته، بالإضافة الى الوضع الصحي للمتهمة المصابة بمرض سرطان الثدي.»

الحيثيات الثامنة إلى الثانية عشرة: الإثبات والتكييف والعقوبة

«وحيث ان المقرر قانونا طبقا للمادة 286 من قانون المسطرة الجنائية أنه يمكن اثبات الجرائم بأي وسيلة من وسائل الاثبات ماعدا في الأحوال التي يقضي فيها القانون بخلاف ذلك، وتحكم المحكمة حسب اقتناعها الصميم في إطار مبدأ تساند وتكامل الأدلة الجنائية…»

«والثابت للمحكمة […] أن المنسوب للمتهمة ثابت إليها من خلال اعترافها خلال مرحلة التحقيق الإعدادي بكونها قد سبق لها كراء شقة لفائدة المدعو ش. وهو الاعتراف المعزز بشهادة الشاهدة […] والمعزز أيضا بنتيجة تنقيط الرقم الهاتفي للمتهمة تمهيديا […] وكذا معاينة عناصر الدرك الملكي هاتف المتهمة به محادثات […]»

«وحيث إن قيام المتهمة بالعمل بعلم وقصد وإرادة بالمشاركة في عملية تنظيم الهجرة السرية عن طريق توفير السكن للمرشحين للهجرة السرية وفق المفصل اعلاه في إطار عصابة، يجعل العناصر التكوينية للجناية المنسوب اليها متحققة، الوقائع محل النازلة ينطبق عليها الوصف القانوني محل المتابعة.»

«وحيث إن غرفة الجنايات بعد أن تداولت في الإدانة وثبتت لديها ، انتقلت الى مناقشة الظروف المشددة للعقوبة فتأكد لها تحققها متمثلة في ظرف العصابة […] وبشأن ظروف التخفيف استقرت مداولتها على أحقية المتهمة في الاستفادة منها أولا الجزاء المقرر للجريمة في القانون 10 الى 15 سنة قاس […] وثانيا لعدم ثبوت استفادتها ماديا […] وثالثا لعدم سوابقها القضائية […] ورابعا لظروفها العائلية […] وخامسا لوضعيتها الصحية لكونها مصابة بسرطان الثدي […]»

القسم الرابع: تفكيك البنية الحجاجية للتعليل

يقوم تعليل القرار في شقه المتعلق بالبت دون مؤازرة المحامي على سلسلة استدلالية من خمس حلقات:

الحلقة مضمونها
1.نزع الصفة الآمرة الاعتراف بأن المادة 316 تجعل المؤازرة إلزامية، ثم إفراغها من أثرها بحجة أن المشرع «لم يرتب جزاء» على مخالفتها.
2. تحويل الالتزام إلى رخصة قراءة المادتين 317 و423 بوصفهما مصدرا لـ«استثناءات» و«إجازة»، لا بوصفهما مصدرا لواجب محمول على رئيس الجلسة.
3. نقل المسؤولية استدعاء المادة 39 من قانون المهنة لتوصيف تخلف المحامي بأنه إخلال مهني، أي جعل سبب الخرق خارجا عن المحكمة.
4. افتعال تعارض بين حقين تصوير الوضع كتزاحم بين حق المتهمة في المؤازرة وحقها في المحاكمة داخل أجل معقول، مع ترجيح الثاني.
5. ترجيح بمعيار مؤسساتي الاحتكام إلى «استمرارية المرفق القضائي باعتباره مرفقا دستوريا وسياديا»، معززا بمعطى إنساني هو الوضع الصحي للمتهمة.

ويلاحظ في هذا الصدد صمت له دلالة عميقة إذ لم تشر المحكمة في أي موضع إلى المقتضيات المنظمة للبطلان في قانون المسطرة الجنائية، وهي الحلقة التي كان يتعين أن تناقش قبل أي «موازنة».

القسم الخامس: التكييف الفني للعيوب -وسيلتا الطعن-

تنقل هذه الخطوة التحليل من مستوى النقد العام إلى مستوى الوسائل القابلة للإثارة أمام جهة الطعن. ويمكن رد عيوب القرار إلى وسيلتين متمايزتين لا تتداخلان:

1. عيب فساد التعليل الموازي لانعدامه

إذ يتحقق حين يتضمن الحكم استنتاجات غير صحيحة أو يتوصل إلى نتيجة غير منطقية بالنظر إلى مقدماتها. وهو متحقق على ثلاثة أوجه:

  • استخلاص إباحة مخالفة المقتضى من مجرد سكوت النص عن الجزاء، وهو استنتاج لا يلزم عن مقدمته.
  • الاستدلال بنصين (المادتان 317 و423) يفرضان تعيين محام بديل، ثم استخلاص جواز المضي دون محام، وهي نتيجة معاكسة لمقتضى السند.
  • تقرير أن «تخلف المحامي لا علاقة له بمصلحة المتهمة ولا حقها في الدفاع»، ثم ترتيب أثر ضار بها على ذلك التخلف نفسه، وهو تناقض داخلي بين حيثية واحدة ونتيجتها.

2. عيب الخرق الجوهري للقانون

ويتحقق حين يقع تطبيق معيب لنص قانوني على النازلة. وهو متحقق بمخالفة مقتضى آمر يقرر إلزامية المؤازرة في الجنايات أمام غرفة الجنايات، وبإغفال المقتضى العام المنظم لأثر عدم إنجاز الإجراءات على الوجه القانوني، وبتطبيق نص خاص بالمسطرة الجنحية على محاكمة جنائية.

إن الفائدة العملية لهذا التمييز أن الوسيلتين مستقلتان في مآلهما: فإصلاح فساد التعليل قد يتم بتعليل آخر أسلم، أما الخرق الجوهري للقانون فلا يصلح إلا بإعادة الإجراء ذاته. ومن ثم فإن إثارة الوسيلتين معا أنجع من الاقتصار على إحداهما.

القسم السادس: مداخل النـقــد

المدخل الأول: طبيعة القاعدة – حق شخصي أم قاعدة من النظام العام الإجرائي؟-

إن مدار النقاش كله ينعقد في هذا المدخل بالأساس، فإذا كانت المؤازرة في الجنايات أمام غرفة الجنايات مجرد حق ذاتي للمتهم، صح التنازل عنه وصح ما بنته المحكمة. أما إذا كانت قاعدة تنظيمية من النظام العام الإجرائي، مقررة لحسن سير العدالة ولضمان جدية المحاكمة في الجنايات لا لمصلحة المتهم وحده، فإن إرادة المتهم لا ترد عليها أصلا، ويكون «التنازل» عديم الأثر ولو صدر صريحا.

ونرجح الفرضية الثانية لسببين جوهريين: الأول هو أن صياغة النص بلفظ «تكون… إلزامية»، وهي صيغة تقريرية موضوعية لا صيغة تخويل لصاحب حق؛ وثانيا انفراد الجنايات بهذا الحكم دون الجنح، وهو تخصيص لا يفهم إلا بوصفه تعبيرا عن إرادة تشديد من المشرع بإلزامية هذا المقتضى لكونها ترتبط وجودا وعدما بجسامة العقوبة المحتملة. وهنا لا بد من التفصيل في أمرين:

1. حجة «الضمان» المستمدة من الفصل 23 من الدستور

لقد أغفل القرار سندا دستوريا رغم مركزيته، وهو الفقرة الرابعة من الفصل 23 من الدستور التي تقرر أن قرينة البراءة والحق في محاكمة عادلة مضمونان. ودلالة لفظ «الضمان» ليست دلالة تزيد لغوي: فالضمان في أصله الاصطلاحي يفيد تعهد جهة ما بتحمل مسؤولية عن الغير، أي أن الدولة بقضائها المستقل تضمن المحاكمة العادلية. ولا يشرع الضمان عادة إلا حيث يتوقع الخطر. فاختيار المشرع الدستوري لهذا اللفظ دون سواه ينصرف إلى تقرير حماية لا تتعلق بظرف، أي حماية تستحق خصوصا في الظروف التي يخشى فيها التفريط.

ويترتب على ذلك أن المقتضى التشريعي المقرر لإلزامية المؤازرة ليس قاعدة إجرائية قائمة بذاتها، بل هو الأداة التي تتنزل بها ضمانة دستورية إلى مستوى التطبيق. ومخالفته ليست مخالفة لنص إجرائي فحسب، بل تعطيل لضمانة دستورية عبر تعطيل وسيلة إعمالها. وهو ما يقلب موقع القاضي في المعادلة: فمن يناط به حماية الحقوق والحريات بنص الدستور لا يملك أن يكون هو المعطل لوسيلة تلك الحماية.

2. الأساس الفقهي: قصور المتهم عن الدفاع عن نفسه

لا يستقيم تكييف القاعدة دون الوقوف على علتها. وقد عالج الفقه القانوني الإجرائي هذه العلة معالجة تبين أن إلزامية المؤازرة ليست تفضلا على المتهم ولا ترفا إجرائيا، بل هي جواب على قصور بنيوي يعتري كل من وضع موضع الاتهام، مهما بلغت درايته. ومن أدق ما صيغ في هذا الباب قول أحد الفقهاء:

«إذا كان الأصل أن صاحب الشأن هو الأجدر بإظهار حقه، وهو أعلم به وبحقيقته من غيره، إلا أنه في مجال الدفاع عن النفس حين توضع موضع التهمة، يقصر المرء عن الدفاع عن نفسه مهما كانت قوة حجته، ومهما بلغت درايته بأحكام القانون. فيكفي أن يوضع الإنسان موضع الاتهام لتهتز حجته وترتبك معرفته ودرايته، ومهما بلغ صموده وصلابته فإن طعنة الاتهام تصيب الفكر والنفس جميعا، لاسيما إذا تكالبت الظروف والملابسات — وقد يكون تجمعها في غير حق — أو إذا تكاثرت الأدلة وظاهرها يأخذ بخناق المتهم وباطنها الزيف والخداع. وليس أشد قسوة على الإنسانية من أن يلحق العقاب بريئا. ومن هنا كان وجود المحامي الذي ترتاح له نفس المتهم إلى جانبه، يستجلي منه حقيقة أمره ليعمل على إظهار حقه وإبراز دوافعه، ضرورة من ضرورات الحق والعدل، وأساسا لصحة المحاكمة.»

وهذا النص يحمل في تضاعيفه ثلاث نتائج قانونية دقيقة ينبغي استثمارها وهي كالآتي:

  • النتيجة الأولى: تأكيد الطابع النظامي للقاعدة
مقال قد يهمك :   يوسف الكاملي: التكييف القانوني للرموز المميزة المدعومة بالأصول -قراءة نقدية في مشروع القانون رقم 42.25-

 إذا كان القصور عن الدفاع أثرا ملازما لوضعية الاتهام ذاتها لا صفة شخصية في متهم دون آخر، فإن القاعدة التي تعالجه ليست مقررة لمصلحة فرد بعينه بل لصون بنية المحاكمة. وهو ما يضعها في مصاف قواعد النظام العام، ويخرجها من دائرة ما يجوز التنازل عنه.

  • النتيجة الثانية: بطلان «التنازل» من أساسه

 تنطوي فكرة التنازل هنا على تناقض ذاتي. فالمتهم الذي تقرر القاعدة أنه عاجز — بحكم وضعه لا بحكم شخصه — عن إدارة دفاعه، هو نفسه من يطلب إليه أن يقدر، في تلك اللحظة بالذات وتحت وطأة الاتهام والاعتقال، مدى حاجته إلى من يدير ذلك الدفاع. وهو تقدير يفترض توفر الأهلية التي يقوم النص على افتراض انتفائها. فالتنازل عن العلاج لا يصح ممن يقرر القانون أنه فاقد للقدرة على تقدير حاجته إليه.

  • النتيجة الثالثة: الربط بالأثر الملموس

لقد تنبأ النص الفقهي بما وقع في النازلة حرفيا، حين نبه إلى خطر الأدلة التي «ظاهرها يأخذ بخناق المتهم وباطنها الزيف». إذ بالرجوع لوقائع القضية يتبين أن الإدانة قامت مبدئيا على إقرار بواقعة محايدة — كراء شقة — رقي إلى مرتبة «الاعتراف»، دون أن يوجد من ينازع في هذه الترقية.

المدخل الثاني: مغالطة انتفاء الجزاء

1. صياغة المغالطة

إن تعليل القرار بأن المادة 316 من قانون المسطرة الجنائية «لم ترتب جزاء على عدم تفعيل هذا المقتضى» يستبطن انتقالا غير مشروع من ملاحظة وصفية — سكوت النص — إلى نتيجة معيارية هي جواز المخالفة. وهو انتقال يفتقر إلى الحد الأوسط كما يقول المناطقة: فسكوت النص عن الجزاء لا يعني انتفاءه، لأن الجزاء قد يرد في نص عام، وقد يستنتج من طبيعة المقتضى ذاته.

2. مبدأ عدم عبثية المشرع وحجة الأثر النافع

يقود منطق المحكمة، إذا أخذ على إطلاقه، إلى سؤال لا جواب له: ما الفرق إذن بين القاعدة الملزمة والقاعدة الاختيارية؟ وهل تستقيم عبارة «إلزامية» مع معنى «إلزامية عند الاقتضاء»؟ فالمقتضى الذي لا يترتب على مخالفته أثر لا يعدو أن يكون توصية موجهة إلى القاضي، له أن يأخذ بها وله أن يطرحها.

وهذه النتيجة تصطدم بقاعدة تأويلية راسخة تقضي بترجيح المعنى الذي يعمل النص على المعنى الذي يهمله؛ وهي قاعدة تصاغ في الأصول بأن الأصل في كلام المشرع الإعمال لا الإهمال، وتصاغ في التأويل الحديث بمبدأ الأثر النافع للنص. وأي تأويل يفضي إلى تجريد مقتضى تشريعي من كل مضمون معياري هو تأويل مردود بذاته.

3. الجزاء موجود: المقتضى العام لعدم إنجاز الإجراء

من المعلوم أن قانون المسطرة الجنائية يتضمن في المادة 751 منه مقتضى عاما يقرر أن كل إجراء يأمر به هذا القانون ولم يثبت إنجازه على الوجه القانوني يعد كأنه لم ينجز ولا يعتد به . وهو نص صيغ بعبارة عامة تشمل كل إجراء آمر، ولم يقصره المشرع على طائفة بعينها. وقد ذهب جانب من الفقه إلى أن سكوت قانون المسطرة الجنائية عن ذكر البطلان في كل مادة على حدة سكوت مقصود، لأن المشرع اكتفى بهذا المقتضى العام لحماية سائر نصوص القانون.

ويترتب على ذلك أن الهيئة كانت مقيدة بهذا النص أثناء أطوار المحاكمة، وأن الأثر المترتب على إغفال إجراء آمر هو اعتباره منعدما لا مجرد تسجيله كنقص.

4. الاستعمال غير المتماثل للقاعدة

تنتقل هذه الملاحظة بالنقاش من مستوى صحة الاستدلال إلى مستوى اتساقه. فقاعدة انتفاء الجزاء ظلت توظف تقليديا -والمحامون يعرفون ذلك جيدا- في اتجاه واحد: رد الدفوع الشكلية المثارة من الدفاع بشأن الخروقات التي تشوب محاضر الضابطة القضائية. أي أنها كانت أداة لتقييد الدفع. وفي القرار موضوع الدراسة تنقلب وجهتها فتصير أداة يعفي بها القاضي نفسه من مقتضى ملزم له هو شخصيا.

إن هذا الانزياح الوظيفي هو المشكل الحقيقي: القاعدة التي تقيد حقوق الدفاع حين يثيرها المتهم، وتطلق يد المحكمة حين تخالفها المحكمة، تفقد كل مضمون معياري وتتحول إلى أداة “نتائجية” يستدعى بها ما يناسب النتيجة المطلوبة. ومحل النقد ليس النتيجة في ذاتها، بل انتفاء التماثل في تطبيق القاعدة على الطرفين.

المدخل الثالث: انقلاب دلالة المادتين 317 و423 من ق.م.ج

بالرجوع للقرار يتضح أن المحكمة استحضرت نصين ثم استخلصت منهما عكس ما يقولانه. فالمادة 317 — بحسب ما نقلته المحكمة نفسها — «أجازت لرئيس الجلسة تعيين محام آخر في الحالة التي تكون فيها مؤازرة المحامي إلزامية»، والمادة 423 «أوجبت على رئيس الجلسة عند تغيب محامي المتهم أن يعين له تلقائيا محاميا». فالنصان يرسمان معا مخرجا إجرائيا واحدا عند تخلف المحامي هو تعيين بديل، لا الاستغناء عن المؤازرة.

والأدق من ذلك أن المادة 317 لم تضع «استثناءات» على الإلزامية كما فهمت المحكمة، بل عالجت حالات تعذر الحضور ورسمت لها حلا. فالخلط بين النص الذي يعالج عائقا والنص الذي ينشئ استثناء هو منبع الخطأ.

المدخل الرابع: اختلال معادلة الموازنة

إن الموازنة القضائية بين مبدأين تفترض أمرين: تكافؤ المرتبة المعيارية، وانتفاء البديل الأقل مساسا بالحق. وكلاهما محل نظر:

1. اختلال المرتبة المعيارية

من المعلوم أن «استمرارية المرفق القضائي» مبدأ تنظيمي يخص اشتغال الإدارة القضائية، بينما المؤازرة في الجنايات ضمانة موضوعية للمحاكمة العادلة مسندة إلى نص دستوري صريح. ووصف الأول بأنه مبدأ «دستوري وسيادي» لا يجد سندا نصيا في الوثيقة الدستورية. فالموازنة إذن ليست بين مبدأين من مرتبة واحدة، بل بين ضمانة دستورية ومقتضى تنظيمي، وهو ما يبطل المعادلة من أساسها.

2. انتفاء الضرورة: البدائل المتاحة

لم تناقش المحكمة أي بديل رغم توفر بدائل أقل مساسا كان أي منها كافيا ومن ذلك:

  • تأجيل الجلسة إلى حين توفر المؤازرة، وهو الحل الأبسط والأقل كلفة.
  • تعيين محام آخر أو مراسلة نقيب هيئة المحامين مجددا، وهو ما يفرضه النصان المستحضران في القرار ذاته.
  • اللجوء إلى التدابير البديلة للاعتقال الاحتياطي التي ينظمها قانون المسطرة الجنائية، لأنه إذا كان الحرص على أمد الاعتقال هو الدافع الحقيقي، ووجود هذه التدابير ينزع عن عذر الاعتقال كل قيمة، فإنه كان في وسع المحكمة أن تنهي وضعية الاعتقال (من خلال آلية السراح المؤقت) دون أن تنهي معها ضمانة الدفاع.

خاصة أن دعوى «استنفاد جميع الوسائل القانونية» وردت في القرار مرسلة دون بيان ما هي تلك الوسائل ولا ما جرى بشأنها، وهو ما يجعلها تأكيدا لا تعليلا.

3. المصلحة العامة لا تتضرر بالتأجيل

إن الاحتجاج بالمصلحة العامة يفترض أن يقابله ضرر فعلي يلحق بها لو سلك الطريق الآخر. وهو منتف هنا: فلا مصلحة عامة تتضرر من تأجيل محاكمة إلى حين توفر الضمانات. بل إن العكس هو الصحيح: المصلحة العامة في قيام العدالة على إجراءات سليمة أوكد منها في سرعة الفصل. وقد عبر عن ذلك القضاء المقارن بصيغة بليغة مؤداها أن “إفلات مجرم من العقاب أهون على العدالة من إدانة متهم بغير سند من القانون”.

ومن جهة قواعد أصول الفقه، فإن ما ينتظم هذا الوضع هو قاعدة تقديم درء المفاسد على جلب المصالح: فإن كان تسريع البت مكسبا، فإن مفسدة خرق ضمانات المحاكمة العادلة أعظم، لأنها لا تصيب المصلحة الخاصة وحدها بل تفسد المصلحة العامة ذاتها التي احتج بها.

المدخل الخامس: توظيف الحق في أجل معقول ضد المتهم ذاته

لقد استحضر القرار المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والفصل 120 من الدستور لتبرير سرعة البت. غير أن ضمانة الأجل المعقول مقررة لمصلحة المتهم، ولا يجوز الاحتجاج بها في مواجهته لحرمانه من ضمانة أخرى مقررة له في النص ذاته. والمادة 14 نفسها تقر في فقرتها الثالثة حق المتهم في أن تنتدب له محامي كلما اقتضت مصلحة العدالة ذلك. فالنص المستشهد به يحمل في طياته نقض الاستنتاج المبني عليه.

المدخل السادس: المادة 39 من قانون المهنة – ثلاثة اعتراضات –

1. شخصية الجزاء: لا تزر وازرة وزر أخرى

بالرجوع للقرار يتبين أن المحكمة قررت بنفسها أن «تخلف المحامي لا علاقة له بمصلحة المتهمة ولا حقها في الدفاع»، وهي عبارة تصلح حجة عليها لا لها. فما دام سبب الخرق أجنبيا عن المتهمة، فإن تحميلها تبعاته يخالف مبدأ شخصية الجزاء. والنتيجة العملية أن المتهمة تحاكم بلا دفاع بسبب ما وصفته المحكمة بأنه إخلال منسوب إلى غيرها (إضراب المحامون)، فيقع الأثر على من لا ذنب له إن سايرنا منطق القرار.

2. التعليل خارج الملف ومبدأ المواجهة

من المعلوم أن التعليل القضائي يقوم على قاعدة مزدوجة: أن يستند حصرا إلى عناصر الملف وإلى ما راج بجلسة المناقشة، وألا يبني القاضي حكمه على معرفة اكتسبها خارج الدعوى. وموضوع إضراب المحامين – أي الحيثية السادسة- لا يتصل بالوصف الجرمي ولا بأدلة الملف ولا بأي دفع أثير، ولا بشخص من أشخاص الدعوى.

ولا بد من تدقيق منهجي ضروري في هذا الصدد: إذ قد يعترض أحدهم ويقول بأن توقف المحامين وتعليق العمل بنظام المساعدة القضائية واقعتان معلنتان رسميا وذائعتان، فلا يقال إن المحكمة استقتهما من علم شخصي خفي. والاعتراض وجيه واقعا، لكنه لا يصمد قانونا لسببين: أولهما أن الوقائع المشهورة تعفي من الإثبات ولا تعفي من المناقشة؛ وثانيهما — وهو الأهم — أن المحكمة لم تكتف بإيراد الواقعة بل رتبت عليها تكييفا قانونيا ذا حمولة زجرية هو وصف «التواطؤ»، في مواجهة أشخاص وهيئات ليسوا أطرافا في الدعوى ولم تتح لهم فرصة الرد. والفارق بين إثبات الواقعة وتكييفها هو مربط الفرس.

3. الاختصاص والتفسير الضيق

  • من حيث الاختصاص: تقدير مدى إخلال المحامي بواجباته المهنية يدخل في ولاية الجهات التأديبية وفق المسطرة المرسومة لها في قانون المهنة، لا في ولاية غرفة الجنايات وهي تبت في متابعة جنائية لشخص ثالث. والمعلوم أن القاضي مقيد بحدود ما رفع إليه.
  • من حيث التكييف: ما دام النص ذو طابع زجري فإنه يخضع لقاعدة التفسير الضيق، وهو يشترط عنصرا محددا هو «الاتفاق متواطئين». والتواطؤ وصف يفترض السرية وانعقاد النية على غرض غير مشروع، ويصعب انطباقه على قرار مؤسساتي معلن صادر عن هيئة تمثيلية ومنشور في بلاغات رسمية ومعلل باعتراض على مشروع قانون معروض على السلطة التشريعية. إذ الوصف الأدق في هذه الحالة هو الامتناع الجماعي الاحتجاجي، وهو صنف قانوني مختلف.
  • من حيث وجهة الاحتجاج: إن الامتناع موجه إلى السلطتين التنفيذية والتشريعية بشأن نص منظم للمهنة، لا إلى السلطة القضائية. وإقحام القضاء طرفا في نزاع ليس طرفا فيه ينشئ خصومة مفتعلة تضر بموقعه أكثر مما تخدمه.

4. حيثية “تواطؤ المحامين” زيادة ليست موضوعية

يميز الفقه الإجرائي بين الحيثيات الحاملة للحل والحيثيات الزائدة عن مقتضاه. وقد تبدو الحيثية موضوع النقاش من الطائفة الثانية. غير أن الحيثية الزائدة تكون محايدة حين تقتصر على تزيد تفسيري، أما حين تحمل حكم قيمة على سلوك جهة خارجة عن الدعوى فإنها تنتج أثرا يمس المظهر الخارجي للحياد، ويطرح معها تساؤل حول ما إذا كانت تشكل سبق إبداء رأي في مسألة قد تعرض مستقبلا على القضاء.

المدخل السابع: توظيف الهشاشة الصحية -انقلاب في منطق الحماية-

بالرجوع للقرار يتبين أن المحكمة أدرجت إصابة المتهمة بسرطان الثدي ضمن مبررات مواصلة البت دون مؤازرة، ثم عادت فأدرجتها ضمن ظروف التخفيف. والمعطى الواحد لا ينبغي أن ينتج أثرين متعارضين: فوضعية الهشاشة تستدعي تكثيف الضمانات لا تخفيفها، وهي بالتحديد من الحالات التي تجعل انتداب محام مقتضى تفرضه مصلحة العدالة. وإذا كان القلق من طول الاعتقال هو الدافع الحقيقي، فالجواب الإجرائي عنه هو التدابير البديلة لا المحاكمة المنقوصة.

المدخل الثامن: الأثر الملموس لغياب الدفاع على الحل المعتمد

يتضح جليا بالاطلاع على القرار أن الخرق  لا يقتصر على بعده الشكلي، إذ يمكن تلمس أثره في متن التعليل ذاته ، وهو التحقق العملي لما نبه إليه الفقه كما قلنا سابقا وذلك حسب التوضيح الآتي:

  • قامت الإدانة أساسا على ما وصفته المحكمة بـ«اعتراف» المتهمة بكرائها شقة لأحد الأشخاص، في حين أن كراء شقة واقعة محايدة في ذاتها، وقد قرنته المتهمة بنفي صريح للعلم بصفة المكترين. ووصف إقرار بواقعة مادية محايدة بأنه «اعتراف» بالجناية انتقال تحتاج مقدماته إلى مناقشة لم تجر لغياب من يثيرها وهو الدفاع.
  • اعتمدت الإدانة على شهادة سماعية بالأساس دون مناقشة قيمتها الإثباتية ولا صلة الشاهدة بالنزاع.
  • أقر القرار ظرف التشديد المتمثل في «العصابة» دون بيان عناصره التكوينية، وهو الظرف الذي يقوم عليه التكييف الجنائي برمته. ولو كان الدفاع مؤازرا لأثارها دون شك.
  • النزول من عقوبة تتراوح بين 10 و15 سنة إلى سنتين، منها ثلاثة أشهر نافذة، فارق يصعب تفسيره إن كانت العناصر التكوينية والظرف المشدد ثابتين بيقين؛ وهو مؤشر على أن الملف كان يحتمل مناقشة جدية في الإدانة لا في العقوبة فحسب.

المدخل التاسع: اتحاد خرق المادة 316 من ق.م.ج مع المحاكمة عن بعد

تفيد الحيثية الثانية أن المتهمة «أحضرت عن بعد» لعدة جلسات أي حوكمت عبر تقنية التواصل عن بعد. واجتماع المحاكمة عن بعد مع الغياب التام للمؤازرة يضاعف المساس بحقوق الدفاع: فالتقنية تبعد المتهم ماديا عن قاعة الجلسة، والمحامي هو الحاضر الذي يعوض هذا البعد. وهو ما يطرح سؤالا جوهريا حول مدى استيفاء شروط اللجوء إلى المحاكمة عن بعد في نازلة الحال ومن مسألة موافقة المتهمة عليها، بوصف ذلك خرقا ثانيا محتملا يتراكب مع الأول.

المدخل العاشر: الخلط المحتمل بين مسطرتي الجنح والجنايات

ورد في القرار أن المتهمة أشعرت بحقها في تنصيب محام «طبقا لمقتضيات المادة 385 من قانون المسطرة الجنائية». والمادة 385 واردة في القسم المنظم للمسطرة أمام المحكمة الابتدائية في المادة الجنحية، حيث المؤازرة اختيارية كأصل ويصح التنازل عنها. أما المسطرة أمام غرفة الجنايات فتحكمها المادة 316 وما يليها. وهو ما يفسر جذر الإشكال: إذ عوملت المتهمة إجرائيا بمنطق الجنحة وهي في وضع المتهمة بجناية.

المدخل الحادي عشر: البعد الداخلي لاستقلال القاضي ونظرية المظاهر

1. تجاوز الطرح السببي

يميل الطرح الترافعي إلى إقامة صلة سببية مباشرة بين خطاب مؤسساتي سابق استحضر المادة 39 وبين استحضار القرار للمادة ذاتها. ولنكون صريحين فهذا الطرح غير قابل للإثبات علميا: فمسار تكوين القناعة داخل غرفة المداولة غير منظور، والتطابق الموضوعاتي بين خطابين لا يقوم دليلا على التأثير. غير أن العجز عن إثبات التأثير لا يسقط الإشكال، بل ينقله إلى مستوى تحليلي أمتن هو مستوى المظاهر.

2. معيار الشك المشروع

استقر في الاجتهاد المقارن التمييز بين حياد ذاتي يتعلق بقناعة القاضي الشخصية ويفترض قيامه حتى يثبت العكس، وحياد موضوعي يتعلق بما تظهره المعطيات الخارجية بصرف النظر عن القناعة الداخلية. ومعيار الحياد الموضوعي لا يشترط إثبات التحيز الفعلي، بل يكتفي بمعطيات موضوعية تبرر شكا مشروعا لدى المتقاضي. والقاعدة الحاكمة أن العدالة لا يكفي أن تتحقق، بل يجب أن يرى أنها تحققت.

وبتطبيق هذا المعيار، فإن انتقال موضوع قانوني بعينه من فضاء الخطاب المؤسساتي إلى متن قرار قضائي، في نزاع لا صلة له بالموضوع، معطى موضوعي كاف في ذاته لإثارة تساؤل مشروع. ولا حاجة، لصحة هذا التحليل، إلى إثبات أن القاضي قد تأثر فعلا.

3. الاستقلال في بعده الداخلي

يختزل استقلال القضاء عادة في بعده الخارجي، أي استقلال السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية. غير أن المعايير الدولية استقرت على أن للاستقلال بعدا داخليا لا يقل أهمية: استقلال القاضي داخل الجهاز القضائي ذاته، عن التراتبية الإدارية وعن المواقف المعبر عنها في المحافل المؤسساتية. فالقاضي المستقل لا يستمد عناصر تعليله من المواقف المؤسساتية السائدة بل من النص ومن الملف حصرا.

المدخل الثاني عشر: فعالية المؤازرة بوصفها التزاما على عاتق الدولة

يقوم تعليل القرار على نقل تبعات غياب المؤازرة إلى تخلف المحامي المكلف. وهذا النقل يتضمن مصادرة غير معلنة مفادها أن التزام توفير المؤازرة محمول على المحامي وحده. والتحليل المعياري يقود إلى نتيجة معاكسة: الالتزام محمول على الدولة، والمحامي المعين في إطار المساعدة القضائية ليس إلا الوسيلة التي تنفذ بها الدولة التزامها.

وقد استقر في المرجعية الحقوقية الدولية أن الضمانة لا تتحقق بمجرد تعيين شكلي، بل يجب أن تكون المساعدة عملية وفعالة لا نظرية ووهمية، ويجب على السلطات القضائية أن تتدخل بمجرد أن يبلغ الإخلال إلى علمها. وهو ما يعني أن علم المحكمة بتخلف المحامي لم يكن ينشئ لها رخصة في المضي، بل واجبا في التدخل.

وتكشف النازلة عطبا بنيويا يستدعي معالجة على مستوى النظام لا الحالة: فغياب آلية استبدال فوري عند تخلف المحامي المدرج في الجدول في حالة ممارسة الحق في الإضراب؛ هزالة الأتعاب وقدم الصيغة التنظيمية لنظام المساعدة القضائية والأزمة التي خلفها مشروع القانون 23.66 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة بسبب غياب المقاربة التشاركية للسلطة التنفيذية، يجعل سبب انهيار ضمانة الدفاع وبالتالي المحاكمة العادلة هيكليا ومنسوبا إلى تقصير في تدبير مرفق عمومي، لذا فنقل تبعاته إلى المتهم يشكل انحرافا في توزيع المخاطر والكلفة الإجرائية: إذ يتحمل الأضعف في العلاقة نتيجة إخفاق أقوى أطرافها.

المدخل الثالث عشر: الأثر النسقي -الأمن القضائي وخطر السابقة القضائية-

إن الأمن القضائي يفيد قابلية التوقع وارتفاع هذا المؤشر، أي قدرة المتقاضي على أن يعرف مسبقا المعاملة الإجرائية التي سيلقاها. والقرار يمس هذه القابلية مساسا مباشرا: إذ يصير حضور المحامي في الجناية رهينا بظروف عارضة لا بقاعدة ثابتة.

ومن المهم، أن نؤكد هنا أن هذا القرار صادر عن محكمة استئناف واحدة في المغرب. وعليه فالمعطى الجدير بالملاحظة أنه ليس اتجاها قضائيا معاديا لحقوق الدفاع، بل تباين داخل الاجتهاد ذاته: فبينما تسجل أحكام تثير البطلان تلقائيا وتستبعد محاضر مشوبة وتقصي اعترافات غير مقنعة تفعيلا للسلطة التقديرية، يصدر في المقابل قرار يسقط ضمانة آمرة. والمشكل إذن مشكل تذبذب لا مشكل توجه، وهو تشخيص أدق علميا وأشد فائدة لأنه يوجه المعالجة نحو توحيد الاجتهاد لا نحو الإدانة الشاملة.

مقال قد يهمك :   أحمد أجعون : مبدأ استمرارية المرافق العمومية وفقا لاجتهادات القضاء الإداري المغربي

وللقرار مدى يتجاوز النازلة: فالتعليل المعتمد قابل للاستنساخ في كل حالة يتعذر فيها حضور محام أيا كان سببه. وبذلك يتحول استثناء ظرفي إلى قاعدة عملية، وتفتح إمكانية تعميم المحاكمة الجنائية بلا دفاع كلما اقترنت بأزمة في تدبير المساعدة القضائية أو توقف المحامون عن تقديم الخدمات المهنية كما هو حاصل الآن.

المدخل الرابع عشر: المفارقة الزمنية -الخرق في سياق الإصلاح-

للبعد الزمني دلالة تحليلية ينبغي إبرازها في هذا الصدد. فالقانون رقم 03.23 القاضي بتغيير وتتميم قانون المسطرة الجنائية رقم 22.01، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 7437 بتاريخ 8 شتنبر 2025، دخل حيز التنفيذ بتاريخ 8 دجنبر 2025. وقد أعلن أن من مرتكزاته تحصين حقوق الدفاع، وضمان الحق في محاكمة داخل أجل معقول، وتوسيع الاستفادة من المساعدة القانونية.

وصدور القرار بتاريخ 9 يوليوز 2026، أي بعد نحو سبعة أشهر من دخول الإصلاح حيز التنفيذ، يضع الباحث أمام مفارقة صالحة لأن تكون خيطا ناظما لما قلناه سابقا: فالضمانة التي عززت نصا أسقطت ممارسة في أول اختبار جدي لها. وهو ما يفتح النقاش على إشكالية الفجوة بين الإصلاح التشريعي والتحول في الثقافة القضائية.

المدخل الخامس عشر: البعد التأديبي -هل يندرج الخرق ضمن الخطأ الجسيم؟-

1. النص المرجعي

تنص المادة 97 من القانون التنظيمي رقم 106.13 المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، كما وقع تغييرها وتتميمها بموجب المادة الفريدة من القانون التنظيمي رقم 14.22 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.23.37 بتاريخ 23 من شعبان 1444 (16 مارس 2023)، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 7180 بتاريخ فاتح رمضان 1444 (23 مارس 2023)، على ما يلي:

«يمكن توقيف القاضي حالا عن مزاولة مهامه إذا توبع جنائيا أو ارتكب خطأ جسيما.

 ويعد خطأ جسيما:

الخرق الخطير لقاعدة مسطرية تشكل ضمانة أساسية لحقوق وحريات الأطراف؛

 — الخرق الخطير لقانون الموضوع؛

— الإهمال والتأخير غير المبرر والمتكرر في بدء أو إنجاز مسطرة الحكم أو في القضايا أثناء ممارسته لمهامه القضائية؛ […]»

والبند الأول هو المعني بالتحليل. ويقرأ في ضوء الفصول 109 و110 و117 من الدستور، والمواد 40 و41 و42 و96 من القانون التنظيمي ذاته.

2-مطابقة الوقائع على البند الأول

يقوم البند على ثلاثة عناصر تراكمية. أولها هو أن تكون القاعدة مسطرية وهو أمر متحقق بداهة. وثانيها  أن تشكل ضمانة أساسية لحقوق وحريات الأطراف وهو الأمر المتحقق كذلك، بل إن القاعدة موضوع النازلة تكاد تكون النموذج المدرسي لما قصده المشرع ، بدليل انفراد الجنايات بها، واستنادها إلى نص دستوري صريح، وإدراج المرجعية الاتفاقية لها ضمن الضمانات الدنيا. أما العنصر الثالث فيتمثل في «الخطورة»  فهو محل النزاع كله، إذ لم يعرفه المشرع. ويقترح سدا لهذا الفراغ معيار خماسي:

  • مرتبة القاعدة المخالفة: وهي هنا قاعدة تشريعية تنزل ضمانة دستورية.
  • جسامة ما يترتب على النازلة: عقوبة تتراوح بين عشر سنوات وخمس عشرة سنة.
  • درجة وضوح النص: لفظ «إلزامية» حاسم في دلالته ولا يحتمل تأويلا ثانيا.
  • انتفاء السهو: الخرق أثبت في متن التعليل وعلل استقلالا، أي وقع مع العلم به.
  • توفر البديل الأقل مساسا وعدم سلوكه: كان تأجيل الجلسة كافيا، ولم يناقش.

3. الاعتراض الجوهري: حصانة الاجتهاد

من المعلوم أن القاضي لا يساءل تأديبيا عن قناعته ولا عن تأويله للقانون. ولو جاز ذلك لانقلبت المسطرة التأديبية إلى درجة تقاض إضافية، ولصار كل حكم ينقض مصدرا لمساءلة مصدره، وانتهى استقلال القضاء عمليا وإن بقي نصا. فالحكم المعيب طريقه الطعن لتقدير إلغائه او تأييده، لا أن يساءل من أصدره. وهذه ليست حصانة للأشخاص بل ضمانة للمتقاضين: إذ لا يستقيم أن يقضي القاضي وهو يخشى على مركزه من مضمون ما يقضي به.

4. معيار الفصل بين الاجتهاد والإخلال

رسم الاجتهاد التأديبي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية حدا فاصلا بالغ الدقة ينبغي أن يكون هو محور هذا المدخل لا المادة 97 وحدها. ومؤداه أن الرقابة التأديبية لا تنصرف إلى مضمون التقدير القضائي في ذاته، بل إلى كيفية ممارسة السلطة التقديرية، متى اتسمت بتعسف أو إهمال واضح أو غلو أو تقصير بين يخرج عن الأسس والضوابط المعقولة على نحو يمس بصورة العدالة ولا يعطي الانطباع بالتطبيق العادل للقانون.

وهذا المعيار ينقل السؤال من صيغته الخام — هل أخطأت المحكمة؟ — إلى صيغته الصحيحة: هل ما وقع تأويل قانوني، ولو خاطئ، لنص يحتمل التأويل؟ أم هو تعطيل واع لنص صريح لا يحتمله؟ فالأول محمي بحصانة الاجتهاد، والثاني وحده يدخل نطاق البند الأول.

5. تطبيق المعيار: حجتان متقابلتان

وفي هذا الصدد ولتتسم الدراسة بالتجرد لا بد من ابراز الحجج المتقابلة في هذا المحور:

في اتجاه نفي الخطأ الجسيم:

  • المحكمة لم تنكر إلزامية المؤازرة، بل نازعت في مسألة أخرى هي أثر مخالفتها عند سكوت النص عن الجزاء، وهي مسألة قانونية خلافية بحق.
  • الخلاف ليس مصطنعا: فقد صدرت عن محكمة النقض قرارات تذهب إلى أن القواعد التي لم يجعلها القانون تحت طائلة البطلان لا يترتب عن مخالفتها بطلان. ووجود اتجاه قضائي مؤيد ينفي عن الموقف صفة الشذوذ والفجور المسطري، وينقله من خانة التعطيل الواعي إلى خانة الاجتهاد المحمود والمرجوح.
  • المحكمة بذلت تعليلا مسهبا واستحضرت الدستور والعهد الدولي والنصوص الوطنية، وهو ما يبعد وصف «الإهمال الواضح» مهما كان التعليل مختلا في نتيجته.
  • لم يثبت في القرار ما يفيد قصدا أو تعسفا في مواجهة المتهمة؛ بل ورد الحرص على وضعها الصحي وعلى أمد اعتقالها ضمن مبررات البت، ثم أعملت ظروف التخفيف على نحو واسع.

في اتجاه إثبات التكييف بالخطأ الجسيم:

  • النص صريح بلفظ «إلزامية» ولا يعرض له تأويل ثان.
  • الخرق مثبت في متن القرار ومعلل استقلالا، فهو واقع عن علم لا عن سهو.
  • البديل الأقل مساسا كان متاحا ولم يناقش، وهو مؤشر على التقصير البين في تقدير الأسس المعقولة.
  • النتيجة مست بصورة العدالة على نحو تجاوز الملف إلى النقاش العام.

7. الخلاصة المرجحة

إن تعليل القرار القضائي موضوع النازلة، على اختلاله في نظرنا، صادر عن إعمال للسلطة التقديرية لا عن إهمالها. وهو ما يجعل النازلة في المنطقة الرمادية بين الاجتهاد المرجوح والإخلال المهني، مما يجعل  الفصل فيها معقودا لجهة واحدة هي المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وفق مسطرة تكفل للقاضي حقوق الدفاع التي هي موضوع النقاش أصلا.

المدخل السادس عشر: مناقشة الأطروحة المؤيدة لقرار محكمة الاستئناف بالعيون -التوظيف المعيب للسابقة الفرنسية-

1. أهمية هذا المدخل

لا يكتمل التعليق على قرار قضائي بعرض النقد وحده، بل باستيعاب الأطروحة المضادة ومناقشتها. وقد ظهرت مقالة منشورة تحت عنوان «تعذر حضور المحامي في قضايا الجنايات» لكاتبها الأستاذ رضى بلحسين (باحث في القانون ورئيس المحكمة الابتدائية بوزان)، تتبنى موقفا مؤيدا للقرار وتبني تأييدها على ركيزتين: أن المحكمة واجهت استحالة مادية وقانونية لا خرقا متعمدا، وأن محكمة النقض الفرنسية سبق أن تبنت التوجه ذاته في قرار صادر بتاريخ 23 ماي 2013.

ومناقشة هذه الأطروحة أو هذا الرأي ليست ترفا حجاجيا، بل ضرورة منهجية لسببين: أولهما أنها تمثل أقوى ما يمكن أن يقال دفاعا عن القرار، فمواجهتها تحصن المقال؛ وثانيهما أن الاستدلال بالسابقة الفرنسية يقوم — كما سيتبين — على قراءة مبتورة لها، وتصحيح هذه القراءة يقلب الحجة رأسا على عقب: إذ إن السابقة المستشهد بها تدين القرار القضائي بدل أن تسنده.

2. عرض الأطروحة المؤيدة

تقوم الأطروحة على العناصر الآتية:

  • أن المحكمة واجهت إشكالية عملية هي تخلف المحامي المعين في إطار المساعدة القضائية واستحالة تعويضه، فوضعت معيارا يميز بين الإلزامية الإجرائية كضمانة للمحاكمة، وبين تأثير التمسك بها على حق المتهم في البت داخل أجل معقول.
  • أن المحكمة أسست قضاءها على أن المادة 316 لم ترتب جزاء صريحا بالبطلان، وأبرزت أن الضمانات الإجرائية لا ينبغي أن تؤدي إلى توقف سير المرفق القضائي متى استنفدت المحكمة جميع الوسائل، مع الأخذ بعين الاعتبار الإرادة الصريحة للمتهمة ووضعيتها الصحية.
  • أن هذا التوجه يحيل على الاجتهاد المبدئي لمحكمة النقض الفرنسية، وتحديدا قرار غرفتها الجنائية الصادر بتاريخ 23 ماي 2013 رقم الطعن 12-83.721، الذي اعتبر أن قرار هيئة المحامين تعليق المشاركة في الجلسات بسبب الإضراب يشكل ظرفا لا يمكن تجاوزه وبمثابة قوة قاهرة تبرر البت في القضية على حالتها دون حضور محام.
  • أن القرارين يتقاطعان في مواجهة تعارض موضوعي بين حق المتهم في المؤازرة ومبدأ استمرارية المرفق العام للعدالة واحترام الأجل المعقول للإجراءات.
  • أن المحكمة لم تكن غايتها خرق مقتضى إجرائي من النظام العام، وإنما واجهت استحالة مادية وقانونية حالت دون إعماله، وأن القضاء يحتكم في مثل هذه النوازل إلى القاعدة الأصولية «لا تكليف بمستحيل» والمبدأ الكوني «العجز يعفي من حكم القانون» (Impotentia excusat legem).
  • أن الغاية التشريعية من حق الدفاع لا يمكن أن تتحول إلى مسوغ لتمديد الاعتقال الاحتياطي وتأخير الفصل في الدعوى متى ثبت وجود ظروف موضوعية قاهرة، تكريسا لمبدأ النجاعة القضائية دون التفريط في جوهر العدالة.

3. تحديد السابقة المستشهد بها

البيان المضمون
القرار Cass. crim., 23 mai 2013, pourvoi n° 12-83.721, FS-P+B
النشر Bull. crim. 2013, n° 114 — D. 2013, p. 1351
المآل نقض جزئي (cassation partielle) وليس رفضا كاملا للطعن
الجهة مصدرة القرار المطعون فيه محكمة الاستئناف بنيم (Cour d’appel de Nîmes)
قرار مواز صدر في اليوم ذاته Cass. crim., 23 mai 2013, n° 12-83.780, Bull. crim. 2013, n° 115 (رفض)
امتداد لاحق للاجتهاد Cass. crim., 8 juillet 2015, n° 14-86.400, publié au bulletin
الرابط الرسمي legifrance.gouv.fr/juri/id/JURITEXT000027450487

4. الاعتراض الأول: القرار الفرنسي لا يتعلق بالجنايات

هذا هو الاعتراض الحاسم، وهو مؤسس على ثلاثة أدلة مستقلة يعزز بعضها بعضا.

أ. التصنيف الرسمي في نشرة قرارات محكمة النقض

صنف القرار في نشرة الغرفة الجنائية تحت العنوان الآتي حرفيا:

« JURIDICTIONS CORRECTIONNELLES — Débats — Prévenu — Assistance d’un défenseur — Avocat — Commission d’office — Impossibilité — Grève du barreau — Circonstance insurmontable — Droits de la défense — Portée »

والعنوان لا يحتمل لبسا: «الجهات القضائية الجنحية» (juridictions correctionnelles)، لا محكمة الجنايات (cour d’assises). ووصف الشخص المتابع في القرار هو «prévenu»، وهو المصطلح المخصص في القانون الفرنسي للمتابع في جنحة، تمييزا له عن «accusé» المخصص للمتابع في جناية أمام محكمة الجنايات. وهذا التمييز الاصطلاحي حاسم في النظام الفرنسي، إذ يبنى عليه اختلاف كامل في نظام المؤازرة.

ب. النص المستشهد به في وسيلة الطعن

بنيت وسيلة الطعن على المادة 417 من قانون المسطرة الجنائية الفرنسي، وهي المادة الواردة في الباب المنظم للمسطرة أمام المحكمة الجنحية. ولو كانت النازلة جنائية لكان النص المستشهد به هو المادة 317 من القانون ذاته، وهي المادة المخصصة لحضور المدافع أمام محكمة الجنايات.

ج. مصيدة المصطلح -وهي مكمن المغالطة-

ينبني الاستدلال المنتقد على التباس اصطلاحي دقيق يستحق أن يفرد ببيان. فعبارة «Chambre criminelle» في التنظيم القضائي الفرنسي هي اسم الغرفة الجنائية بمحكمة النقض، وهي الغرفة التي تنظر في الطعون في جميع المواد الزجرية بلا استثناء أي المخالفات والجنح والجنايات معا. فهي بذلك تقابل «الغرفة الجنائية بمحكمة النقض» في التنظيم القضائي المغربي، ولا تقابل البتة «غرفة الجنايات» بمحكمة الاستئناف. غير أن الترجمة إلى العربية تنتج تشابها لفظيا يوحي للقارئ بأن القرار صادر في مادة جنائية، والحال أنه صادر عن الغرفة الجنائية بمحكمة النقض في نازلة جنحية. وهذا الالتباس هو المدخل الذي بني عليه القياس كله.

وأهمية هذا الاعتراض أن قواعد المؤازرة في الجنح تختلف عنها في الجنايات اختلافا جوهريا في النظامين الفرنسي والمغربي معا: فهي في الجنح اختيارية كأصل ويصح التنازل عنها، وفي الجنايات إلزامية لا ترد عليها إرادة المتهم. فالقياس هنا قياس مع الفارق كما يقول الأصوليون، بل مع الفارق الذي يشكل بذاته محل النزاع.

5. الاعتراض الثاني: بتر الشرط المزدوج من صيغة القرار

هذا الاعتراض هو الأخطر على الأطروحة المؤيدة، لأنه يظهر أن الصيغة التي نقلت عن القرار الفرنسي نقلت مبتورة من قيدها. فالملخص الرسمي للقرار (sommaire) جاء بالصيغة الآتية:

« La décision prise par un barreau de suspendre sa participation aux audiences d’une juridiction de jugement constitue une circonstance insurmontable justifiant que les affaires y soient retenues sans la présence d’un avocat DÈS LORS QUE la présence effective de ce dernier n’est pas obligatoire ET QUE les formalités légales ont été accomplies en vue de faire respecter les droits de la défense. »

فالقاعدة المقررة مشروطة بشرطين متلازمين لا بواحد:

  • الشرط الأول: ألا يكون الحضور الفعلي للمحامي إلزاميا بمقتضى النصوص.
  • الشرط الثاني: أن تكون الشكليات القانونية المقررة لاحترام حقوق الدفاع قد استوفيت.

وهنا ينقلب الاستدلال على صاحبه انقلابا تاما: فالشرط الأول هو بالضبط ما ينتفي في النازلة المغربية. إذ إن المادة 316 من ق.م.ج تجعل المؤازرة في الجنايات أمام غرفة الجنايات «إلزامية» بنص صريح. ومؤدى قاعدة محكمة النقض الفرنسية أن إضراب هيئة المحامين لا يبرر البت دون محام حين تكون المؤازرة إلزامية. فالسابقة المستشهد بها لا تسند القرار القضائي المنتقد، بل تنص صراحة على استبعاد الحل الذي انتهى إليه. وهي حجة على القرار لا له.

أما الشرط الثاني فيتعثر بدوره: إذ يفترض إثبات استيفاء الشكليات المقررة لحماية حقوق الدفاع، لا مجرد التأكيد المرسل. وقد اكتفى القرار القضائي بعبارة «استنفاد جميع الوسائل القانونية» دون بيان ما هي، ودون الإشارة إلى أي مراسلة جديدة لنقيب الهيئة أو إلى أي محاولة أخرى لتعيين بديل. وفي المقابل، يستفاد من التعليق الفقهي على النازلة الفرنسية أن الجهة القضائية هناك عرضت على المتابع تعيين محام، وأن النقيب هو الذي رفض التعيين أي أن الشكليات استوفيت فعلا وأثبت استيفاؤها.

6. الاعتراض الثالث: القانون الفرنسي نفسه يقرر عكس المطلوب في الجنايات

لا يقتصر الأمر على أن السابقة لا تشمل الجنايات، بل إن القانون الفرنسي يتضمن في مادته 317 من قانون المسطرة الجنائية مقتضى صريحا يجعل حضور المدافع إلى جانب المتهم أمام محكمة الجنايات إلزاميا، ويلزم الرئيس بتعيين مدافع تلقائيا إن لم يختر المتهم واحدا. فالشرط الذي وضعته محكمة النقض — «ألا يكون الحضور إلزاميا» — ليس شرطا تحريريا زائدا، بل هو الاستثناء الصريح الذي أخرجت به محكمة النقض الجنايات من نطاق قاعدتها.

وبذلك يستقيم أن يقال إن النظامين المغربي والفرنسي متطابقان في الحكم: كلاهما يجعل المؤازرة إلزامية في الجنايات، وكلاهما يجعلها اختيارية كأصل في الجنح. والفارق الوحيد أن القضاء الفرنسي احترم هذا التمييز، بينما نحا القرار موضوع النقاش مخالفة النص القانوني بتطبيق حل الجنح على نازلة جنائية .

7. الاعتراض الخامس: حدود قاعدة «لا تكليف بمستحيل»

استند هذا الرأي المؤيد للقرار القضائي إلى قاعدة «لا تكليف بمستحيل» وإلى المبدأ اللاتيني المقابل لها. والقاعدة صحيحة في ذاتها، لكن إعمالها هنا يقوم على خلط بين المستحيل والمتعذر:

  • محل الاستحالة: لم يكن المستحيل هو توفير المؤازرة، بل توفيرها في تلك الجلسة بالذات. والفرق بينهما فرق ما بين الاستحالة والتأخير. فالقاعدة تعذر عما لا يستطاع، لا عما يستطاع في وقت آخر.
  • شرط انتفاء البديل: لا تقوم القوة القاهرة إلا بانتفاء كل بديل معقول. وقد كان البديل قائما وبسيطا وبلا كلفة تذكر: تأجيل الجلسة. ووجود بديل واحد متاح ينفي وصف القوة القاهرة نفيا تاما.
  • انعكاس القاعدة: لو أعملت القاعدة على وجهها لأنتجت النتيجة المعاكسة. فالمحكمة هي التي كلفت بما لا تستطيع حين حاولت أن تجري محاكمة جنائية صحيحة بلا دفاع؛ إذ إن المحاكمة التي يشترط القانون لصحتها حضور المدافع لا تنعقد صحيحة بدونه، فالمستحيل هنا هو انعقاد المحاكمة لا تأجيلها.

9. الاعتراض السادس: التسليم بأن القاعدة من النظام العام

تضمنت المقالة المؤيدة عبارة تقرر أن المحكمة «لم تتغي البتة خرق مقتضى إجرائي من النظام العام». وهي عبارة تنطوي على تسليم ضمني بالغ الأثر: فهي تعترف بأن المقتضى المخالف من النظام العام.

وهذا التسليم يهدم الأطروحة من داخلها. ذلك أن قواعد النظام العام لا يتوقف أثرها على نية المخالف: فهي لا تخرق عمدا فقط، ولا يصححها حسن القصد. والجزاء المترتب عليها موضوعي يقوم بمجرد وقوع المخالفة. فالقول إن المحكمة «لم تتغي» الخرق قد يصلح دفاعا في المجال التأديبي لكنه لا يصلح دفاعا في المجال الإجرائي، لأن انتفاء القصد لا يصحح إجراء باطلا.

10. جدول المقارنة

وجه المقارنة النازلة الفرنسية (23 ماي 2013) النازلة المغربية (09 يوليوز 2026)
نوع الجهة القضائية جهة قضائية جنحية — محكمة الاستئناف بنيم غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بالعيون
وصف المتابع prévenu (متابع في جنحة) متهمة بجناية
طبيعة المؤازرة غير إلزامية بمقتضى النصوص إلزامية بنص المادة 316 من ق.م.ج
الشرط الأول في القاعدة متحقق: الحضور غير إلزامي منتف: الحضور إلزامي
الشرط الثاني في القاعدة متحقق ومثبت: عرض التعيين على المتابع ورفض النقيب غير مبين: تأكيد مرسل باستنفاد الوسائل دون بيانها
مآل الطعن نقض جزئي لم يبت بعد (أجل الاستئناف عشرة أيام)
النتيجة القاعدة انطبقت لتوفر شرطيها القاعدة لا تنطبق لانتفاء شرطها الأول

12. الخلاصة

إن السابقة الفرنسية المستشهد بها ليست سندا للقرار الصادر في النازلة المغربية، بل هي حجة عليه. فهي تقرر قاعدة مشروطة بشرطين، أولهما ألا يكون حضور المحامي إلزاميا، وهو الشرط الذي ينتفي في النازلة المغربية انتفاء تاما بنص المادة 316 من ق.م.ج. ومن ثم فإن إعمال القاعدة الفرنسية على النازلة المغربية إعمالا صحيحا يفضي إلى بطلان المحاكمة.

القسم السابع: دراسة مقارنة بين نازلة “العيون” وقضية أرتيكو ضد إيطاليا

أولا: تقديم -لماذا هذه السابقة بالذات؟-

إن القضية الشهيرة المعروف بقضية “أرتيكو ضد إيطاليا” تكاد تكون مطابقة للنازلة موضوع القرار القضائي ومضمونها: محام معين في إطار المساعدة القضائية لم يؤد مهمته، وسلطة قضائية علمت بذلك ولم تتخذ إجراء. وهي بذلك ليست سابقة قريبة من النازلة، بل سابقة مطابقة لها في بنيتها الواقعية والقانونية معا.

وتزداد قيمة هذه السابقة بأنها ليست مجرد حل لنازلة، بل هي المصدر التاريخي لمبدأ تفسيري صار حاكما للاتفاقية الأوروبية برمتها، هو مبدأ الفعالية: ومفادها أن الحقوق المضمونة يجب أن تكون عملية وفعلية لا نظرية ووهمية. وهو المبدأ الذي بنيت عليه لاحقا عشرات القواعد في مجالات لا تحصى، بما فيها الحق في الترجمة والحق في الولوج إلى القضاء. فالاستشهاد بها استشهاد بأصل لا بفرع.

ثانيا: البطاقة التقنية للقرار

البيان المضمون
الجهة المصدرة المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان — تشكيلة الغرفة
اسم القضية Artico c. Italie / Artico v. Italy
رقم الطلب 6694/74
تاريخ الصدور 13 ماي 1980
مرجع النشر الرسمي Série A n° 37 — الفقرات المرجعية: §§ 33 و35 و36 (ص. 16 و18)
مرجع HUDOC 001-57424
الدولة المدعى عليها الجمهورية الإيطالية
النص المطبق المادة 6 فقرة 3 (ج) من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان
المآل ثبوت الخرق
مقال قد يهمك :   اجتهاد قضائي: أساس الزواج هو المعاشرة والمساكنة-الغياب الطويل يعطي للزوجة الحق في التطليق

ثالثا: وقائع النازلة

السيد إيتوري أرتيكو، مواطن إيطالي من مواليد سنة 1917، كان يمارس مهنة المحاسبة. صدر في حقه حكمان: الأول في يناير 1965 عن قاضي المحكمة الابتدائية بفيرونا بثمانية عشر شهرا حبسا وغرامة من أجل النصب؛ والثاني في أكتوبر 1970 عن القاضي ذاته بأحد عشر شهرا إضافية وغرامة من أجل النصب وإصدار شيكات بدون رصيد.

وبعد استئناف لم يكلل بالنجاح أمام المحكمة الزجرية بفيرونا، طعن أرتيكو بالنقض. وفي غشت 1972 منح مؤازرة مجانية أمام محكمة النقض وعين له محام هو الأستاذ ديلا روكا.

غير أن المحامي المعين أخبره في شتنبر من السنة ذاتها بأنه لن يستطيع مؤازرته بسبب ارتباطات مهنية أخرى ولاعتبارات تتصل بوضعه الصحي، واكتفى بأن دله على عنوان زميل له وأوصاه به.

ولم يستسلم أرتيكو. فقد ألح على محاميه المعين إلحاحا بلغ حد الإزعاج، وأمطر محكمة النقض بالشكايات والعرائض، مخاطبا رئيس الغرفة المختصة ونائبه والنيابة العامة لدى المحكمة. غير أن السلطات القضائية الإيطالية لم تستبدل المحامي ولم تلزمه بأداء مهمته. ورفض طعنه بالنقض بتاريخ 12 نونبر 1973 دون أن يكون قد حظي بأي مؤازرة فعلية.

رابعا: المسألة القانونية والدفوع

1. المسألة المطروحة

هل يستنفد التزام الدولة المقرر في المادة 6 فقرة 3 (ج) بمجرد تعيين محام في إطار المساعدة القضائية؟ أم يمتد إلى ضمان أداء ذلك المحامي لمهمته فعليا؟

2. دفوع الحكومة الإيطالية

تمسكت الحكومة بتفسير حرفي ضيق للنص، مؤداه أن الالتزام المحمول على الدولة هو التزام بالتعيين لا بالنتيجة، وأن الدولة أدت ما عليها بمجرد تسمية محام، وأن ما وقع بعد ذلك يخص علاقة المحامي بموكله ولا تسأل عنه السلطات.

ويلاحظ أن جوهر هذا الدفع هو عينه ما اعتمده القرارالقضائي لمحكمة الاستئناف بالعيون موضوع الدراسة، وإن اختلفت العبارة. فحين تقرر المحكمة أن «تخلف المحامي لا علاقة له بمصلحة المتهمة ولا حقها في الدفاع»، وحين تنسب سبب الخرق إلى إخلال مهني منسوب إلى الغير، فإنها تتبنى المنطق الذي عرضته الحكومة الإيطالية أمام المحكمة الأوروبية سنة 1980: منطق نقل المسؤولية خارج الجهاز القضائي. وهو المنطق الذي رفض حينها رفضا صريحا.

خامسا: ما قررته المحكمة -خمس قواعد-

القاعدة الأولى: مبدأ الفعالية

قررت المحكمة أن الاتفاقية لا تضمن حقوقا نظرية أو وهمية، بل حقوقا عملية وفعلية. وهذه الصيغة، الواردة في الفقرة 33، هي الأشهر في تاريخ المحكمة وأكثرها استشهادا:

« The Convention is intended to guarantee not rights that are theoretical or illusory but rights that are practical and effective. »

ومقتضاها المنهجي أن أي تفسير للضمانة يفضي إلى تفريغها من أثرها العملي تفسير مردود، مهما بدا مستقيما من حيث حرفية النص.

القاعدة الثانية: التمييز بين «المؤازرة» و«التعيين»

انتقلت المحكمة من المبدأ العام إلى تحليل لغوي دقيق للنص، فلاحظت أن الفقرة الثالثة من المادة السادسة تتحدث عن «المؤازرة» لا عن «التعيين»:

« Article 6 § 3 (c) speaks of “assistance” and not of “nomination”. »

وهذا التمييز هو مفتاح الورقة كلها. فالتعيين واقعة إدارية تتم بمجرد إدراج اسم في جدول أو إصدار قرار، أما المؤازرة فأداء يتحقق في الجلسة. والنص لم يقرر حقا في أن يعين للمتهم محام، بل حقا في أن يؤازره محام. فبين المفهومين فرق ما بين الوسيلة والغاية، ولا يقوم أحدهما مقام الآخر.

القاعدة الثالثة: الالتزام الإيجابي المزدوج

استخلصت المحكمة من التمييز السابق نتيجة عملية صريحة، هي أن مجرد التعيين لا يضمن مؤازرة فعلية، لأن المحامي المعين قد يتوفى أو يمرض مرضا جسيما أو يعاق عن العمل مدة ممتدة أو يتنصل من واجباته. ثم قررت:

« If they are notified of the situation, the authorities must either replace him or cause him to fulfil his obligations. »

فالالتزام إذن مزدوج ومحدد: إما استبدال المحامي، وإما إلزامه بأداء واجبه. وليس للسلطات خيار ثالث. أما مناط قيام هذا الالتزام فهو العلم بالوضعية، لا طلب المعني ولا مبادرته.

وهذه نقطة يتعين إبرازها بقوة: عبارة القرار هي «إذا أخطرت السلطات بالوضعية». فالواجب ينعقد بمجرد بلوغ العلم، لا بتقديم طلب. وهو ما يعني أن سكوت المتهم أو حتى تنازله لا ينفي قيام الواجب متى كانت المحكمة عالمة بالإخفاق. وهذا هو الجواب المسبق على أي دفع مبني على «تنازل» المتهمة في نازلتنا.

القاعدة الرابعة: حدود مسؤولية الدولة

لم تقرر المحكمة مسؤولية مطلقة، بل رسمت لها حدا واضحا فقررت أن الدولة لا تسأل عن كل تقصير يصدر عن محام معين في إطار المساعدة القضائية. غير أنها أضافت أن ظروف النازلة كانت تفرض على السلطات المختصة أن تتخذ ما يلزم لكي يتمتع الطالب فعليا بالحق الذي اعترفت له به هي نفسها.

وقد تطور هذا الحد لاحقا في قضية كاماسينسكي ضد النمسا سنة 1989 إلى معيار مضبوط: أن الدولة لا تسأل إلا متى كان إخفاق المحامي ظاهرا بشكل يستدعي تدخلها. وهو معيار يتحقق في نازلتنا بأجل صوره، إذ لم يكن الإخفاق ظاهرا فحسب، بل مثبتا في متن الحكم ذاته لوجود توقف شامل عن تقديم الخدمات المهنية يعلمه الجميع، وليس تواطؤا سريا.

القاعدة الخامسة: لا يشترط إثبات الضرر

دفعت الحكومة بأن الطالب لم يثبت أن غياب المؤازرة أضر به فعليا في مآل طعنه. ورفضت المحكمة هذا الدفع، مقررة أن قيام الخرق متصور حتى في غياب ضرر، وأن مسألة الضرر لا تثار إلا في سياق تقدير الترضية العادلة لا في سياق ثبوت الخرق.

وأهمية هذه القاعدة في نازلتنا بالغة، لأنها تقطع الطريق على أقوى دفع متوقع في مواجهة التيار المؤيد للقرار. فسيقال إن المتهمة لم تتضرر ما دامت المحكمة قد نزلت بالعقوبة من مدى يتراوح بين عشر سنوات وخمس عشرة سنة إلى ثلاثة أشهر نافذة، وأعملت في حقها ظروف التخفيف على نحو واسع. والجواب أن خرق ضمانة المؤازرة يقوم بذاته، ولا يتوقف ثبوته على إثبات أن النتيجة كانت ستختلف. فالعقوبة المخففة قد تخفف الضرر، لكنها لا تصحح الإجراء.

سادسا: «الطريق الثالث» — عصب المقارنة

أبلغ ما في  قرار أرتيكو هو الفقرة 36، حيث لخصت المحكمة موقف السلطات الإيطالية في عبارة موجزة قاطعة. فبعد أن ذكرت بأن أمامها سبيلين لا ثالث لهما — الاستبدال أو الإلزام — قالت:

« They chose a third course – remaining passive –, whereas compliance with the Convention called for positive action on their part. »

أي «اختارت سبيلا ثالثا هو البقاء سلبية، في حين أن احترام الاتفاقية كان يقتضي منها عملا إيجابيا». فغرفة الجنايات بالعيون لم تستبدل المحامي المكلف، ولم تلزمه، ولم تخاطب النقيب مجددا، ولم تؤجل الجلسة. وقد أثبتت في تعليلها علمها بالوضعية، ثم اختارت السبيل الثالث ذاته: البقاء سلبية ثم البت. غير أنها زادت على السلطات الإيطالية أنها لم تكتف بالسلبية، بل عللت لها وبنت عليها حلا.

سابعا: جدول التطابق مع النازلة

وجه المقارنة قضية أرتيكو (1980)  نازلة العيون (2026)
مصدر الالتزام المادة 6/3 (ج) من الاتفاقية الأوروبية المادة 316 من ق.م.ج + الفصلان 23 و120 من الدستور + المادة 14 من العهد الدولي
واقعة التعيين تعيين محام في إطار المساعدة المجانية أمام محكمة النقض تعيين محام في إطار المساعدة القضائية وفق جدول جلسات سنة 2026
واقعة الإخفاق اعتذار المحامي المعين لارتباطاته المهنية ولوضعه الصحي تخلف المحامي المكلف عن الحضور بسبب الإضراب
علم السلطة شكايات متكررة من الطالب إلى رئيس الغرفة ونائبه والنيابة العامة إثبات المحكمة للواقعة في متن حيثياتها
السبيل الواجب الاستبدال أو الإلزام تعيين محام آخر (م. 317) أو التعيين التلقائي (م. 423) أو مخاطبة النقيب أو التأجيل أو السراح المؤقت..إلخ
السبيل المسلوك البقاء سلبية البقاء سلبية، مع تعليل يبرر السلبية
حجة الدولة التزام بالتعيين لا بالنتيجة؛ ما وقع بعده يخص المحامي تخلف المحامي لا علاقة له بمصلحة المتهمة ولا حقها في الدفاع
دفع انتفاء الضرر أثير ورفض: الخرق يقوم دون ضرر متوقع إثارته استنادا إلى تخفيف العقوبة
جسامة المسطرة طعن بالنقض في جنحتي نصب محاكمة جنائية ابتدائية بعقوبة من 10 إلى 15 سنة
المآل ثبوت الخرق معروض على غرفة الجنايات الاستئنافية

ويستفاد من الجدول أن التطابق ليس في النتيجة فحسب بل في كل حلقة من حلقات البناء: واقعة التعيين، ثم واقعة عدم الحضور، ثم علم السلطة، ثم انتفاء رد الفعل، ثم حجة نقل المسؤولية. بل إن النازلة المغربية أشد من نظيرتها الإيطالية في ثلاثة أوجه: أن المسطرة جنائية لا جنحية، وأن المؤازرة فيها إلزامية بنص صريح لا مجرد حق عام، وأن علم المحكمة بالإخفاق ثابت من الحكم نفسه لا من شكايات المعني.

القسم الثامن: خريطة النصوص

1. النصوص المستحضرة في القرار

النص موقعه في التعليل
المادة 14 من العهد الدولي استحضرت لتأسيس ضمانة الأجل المعقول، مع إغفال شقها المتعلق بانتداب المحامي
ديباجة الدستور سمو الاتفاقيات الدولية على التشريعات الوطنية
الفصول 117 و118 و120 حماية القاضي للحقوق؛ ضمان حق التقاضي؛ المحاكمة العادلة والأجل المعقول وحقوق الدفاع
المادة 316 من ق.م.ج إلزامية المؤازرة أمام غرفة الجنايات أفرغت من أثرها بحجة انتفاء الجزاء
المادتان 317 و423 تم تأويلهما كمصدر لاستثناء، وهما في الحقيقة مصدر لواجب التعيين
المادة 385 من ق.م.ج سند إشعار المتهمة وتلقي تنازلها وهي مادة جنحية
المادة 39 من القانون 28.08 منع التوقف الجماعي للمحامين عن تقديم المساعدة إزاء القضاء
المادة 52 من القانون 02.03 والفصول 55 و129 و147 التجريم وظرف العصابة؛ وقف التنفيذ؛ المشاركة

2. النصوص المغفلة في القرار القضائي

النص المغفل الأثر الذي كان سيترتب على استحضاره
الفصل 23 (ف. 4) من الدستور تقرير أن قرينة البراءة والمحاكمة العادلة «مضمونتان»، أي حماية غير معلقة على ظرف وهو ما ينسف منطق الموازنة
المقتضى العام لعدم إنجاز الإجراء (م. 751 ق.م.ج) وجود الجزاء الذي نفت المحكمة وجوده: اعتبار الإجراء غير المنجز على الوجه القانوني كأن لم ينجز
المادة 14/3 من العهد الدولي حق المتهم في انتداب محامي كلما اقتضت مصلحة العدالة، ولو لم يطلبها.
مقتضيات التدابير البديلة للاعتقال الاحتياطي انتفاء الضرورة التي بنيت عليها الموازنة، إذ كان يمكن إنهاء الاعتقال دون إنهاء الضمانة
الفصل 109 من الدستور استقلال القاضي وعدم خضوعه لأي ضغط أو تعليمات
المادتان 96 و97 من ق.ت 106.13 الإطار التأديبي: الخطأ المهني عموما، والخطأ الجسيم الموجب للتوقيف الفوري

خـاتـمـة:

في النهاية أقول، إن قرارا من هذا النوع يغري بتبني منطق التهويل. فالمرء يجد نفسه مدفوعا إلى استعارة المقولات الكبرى، فيتحدث على غرار ما ابتدعه المفكر فرانسيس فوكوياما حين أعلن «نهاية التاريخ» عن نهاية المحاكمة العادلة في قضايا الجنايات، وعن قيام دولة «السلطة التقديرية للقضاة» على أنقاض دولة القانون، وعن أفول القواعد الآمرة والعودة إلى الأحكام العرفية.

وأتحفظ عن هذا المسلك لسببين. أولهما منهجي: فلا يبنى حكم على نسق قضائي بأكمله من قرار واحد، ولا تستخلص القاعدة من الاستثناء. وقد تبين في ثنايا هذه الدراسة أن الاجتهاد القضائي المغربي يعرف في المسألة ذاتها اتجاها مقابلا يثير البطلان تلقائيا ويعمل السلطة التقديرية في تقييم الأدلة، فالمشكل مشكل تذبذب لا مشكل توجه. وثانيهما حجاجي: فالتهويل يضعف النقد بدل أن يقويه، لأنه ينقل النقاش من ميدان الحجة إلى ميدان الانطباع، ويمنح المنتقد فرصة الرد على المبالغة بدل الرد على المضمون.

فالأولى أن يحسن الظن: لذا أعتبر أن ما وقع مجرد اجتهاد لم يصادف الصواب، لا انقلابا على النظام الإجرائي. والقرار-وهو ابتدائي – ، قابل للاستئناف داخل أجل عشرة أيام من تاريخ صدوره — معروض بحكم القانون على غرفة الجنايات الاستئنافية، وفي أسباب الاستئناف ما يكفي وما يزيد.

وليس في المراجعة غضاضة على القاضي، بل هي من صميم رسالته. وقد أرسى ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في رسالته الجامعة إلى أبي موسى الأشعري، حين قال:

«لا يَمنَعُنَّكَ قَضَاءٌ قَضَيْتَهُ اليَوْمَ فَرَاجَعْتَ فِيهِ عَقْلَكَ وَهُدِيتَ فِيهِ لِرُشْدِكَ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى الحَقِّ، فَإِنَّ الحَقَّ قَدِيمٌ، وَمُرَاجَعَةُ الحَقِّ خَيْرٌ مِنَ التَّمَادِي فِي البَاطِلِ».

وفي هذه العبارة تأسيس مبكر لما يسميه الفقه المعاصر مبدأ التقاضي على درجتين. بل فيها ما هو أدق: فقوله «إن الحق قديم» تقرير بأن صدور الحكم لا يحيل الخطأ صوابا، ولا يكسب الإجراء الباطل صحة بمجرد مرور الزمن عليه. فحجية الشيء المقضي به تنهي الخصومة ولا تنشئ الحقيقة.

وفي الرسالة ذاتها ما يلامس صميم النازلة، إذ يقول:

«الفَهْمَ الفَهْمَ فِيمَا تَلَجْلَجَ فِي صَدْرِكَ مِمَّا لَيْسَ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ، ثُمَّ اعْرِفِ الأَشْبَاهَ وَالأَمْثَالَ، فَقِسِ الأُمُورَ عِنْدَ ذَلِكَ، وَاعْمِدْ إِلَى أَقْرَبِهَا إِلَى اللهِ وَأَشْبَهِهَا بِالحَقِّ».

وموضع الدقة في هذا النص شرط يسبق الاجتهاد ولا يلتفت إليه كثيرا: فالوصية بالقياس والنظر في الأشباه والأمثال معلقة صراحة على ما «تلجلج في الصدر مما ليس في كتاب ولا سنة»، أي على انتفاء النص. فحيث ورد النص الصريح فلا مجال للتلجلج ولا محل للقياس. وهذا هو مكمن الإشكال في النازلة: فالمادة 316 قد نصت بلفظ «إلزامية»، وهو لفظ لا يتلجلج في صدر ولا يحتمل معنيين. فما كان المقام مقام اجتهاد أصلا، بل مقام تنزيل لنص محكم.

ثم تختم الرسالة بما هو أشبه بميثاق سلوك قضائي:

«وَإِيَّاكَ وَالغَلَقَ وَالضَّجَرَ وَالتَّأَذِّيَ بِالخُصُومِ وَالتَّنَكُّرَ عِنْدَ الخُصُومَاتِ، فَإِنَّ الحَقَّ فِي مَوَاطِنِ الحَقِّ لِيُعَظِّمَ اللهُ بِهِ الأَجْرَ وَيُحْسِنَ بِهِ الذُّخْرَ. فَمَنْ صَحَّتْ نِيَّتُهُ وَأَقْبَلَ عَلَى نَفْسِهِ كَفَاهُ اللهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَمَنْ تَخَلَّقَ لِلنَّاسِ بِمَا يَعْلَمُ اللهُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ نَفْسِهِ شَانَهُ اللهُ. فَمَا ظَنُّكَ بِثَوَابِ غَيْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي عَاجِلِ رِزْقِهِ وَخَزَائِنِ رَحْمَتِهِ؟ وَالسَّلَامُ».

والنهي عن «الضجر» على وجه الخصوص جدير بالتأمل في سياق هذه النازلة. فالضجر من طول الإجراءات وتعذرها هو الوجه النفسي لما يصاغ قانونا في عبارات «استمرارية المرفق» و«الأجل المعقول». وهي عبارات صحيحة في ذاتها، لكنها حين تقدم على الضمانات الآمرة تتحول من مبادئ إلى معاذير. وقد نبهت الرسالة إلى أن الأصل هو الصبر على مواطن الحق لا التعجل في تجاوزها.

خلاصات ومقترحات:

تنتهي هذه الدراسة إلى جملة خلاصات:

  • أن إلزامية مؤازرة المحامي أمام غرفة الجنايات قاعدة من النظام العام تنزل ضمانة دستورية إلى مستوى التطبيق، ولا ترد عليها إرادة المتهم بالتنازل.
  • أن سكوت النص عن الجزاء لا يفيد الإباحة، وأن الجزاء قائم في المقتضى العام الذي يعتبر الإجراء غير المنجز على الوجه القانوني كأن لم ينجز.
  • أن معادلة الموازنة التي اعتمدها القرار مختلة في طرفيها: اختلالا في المرتبة المعيارية، واختلالا في شرط انتفاء البديل، إذ كان التأجيل متاحا وكافيا.
  • أن السابقة المقارنة التي استند إليها في تأييد القرار تقرر قاعدة مشروطة بألا يكون حضور المحامي إلزاميا، وهو الشرط الذي ينتفي في النازلة، فتكون حجة على القرار لا له.
  • أن انهيار الضمانة يعود في جذره إلى عطب هيكلي في المقاربة التشاركية للسلطة التنفذية التي تحاول تمرير مشروع القانون 23.66 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة وفي تدبير نظام المساعدة القضائية، وهو عطب منسوب إلى الدولة لا إلى المتهم، فلا يجوز أن يتحمل الأضعف في العلاقة تبعة إخفاق أقوى أطرافها.

ونقترح تبعا لذلك:

  • على المستوى التشريعي: التنصيص الصريح مستقبلا على البطلان جزاء لمخالفة إلزامية المؤازرة، قطعا لدابر التأويل الذي بني عليه القرار.
  • على المستوى المؤسساتي: ترسيخ مبدأ المقاربة التشاركية في المصادقة على مقتضيات مشروع قانون مهنة المحاماة 23.66.
  • على المستوى القضائي: توحيد الاجتهاد في هذه المسألة، بما يحقق الأمن القضائي ويجعل حضور المحامي في الجناية رهينا بقاعدة ثابتة لا بظروف عارضة.

واخيرا، إن ما حمل على كتابة هذه السطور ليس إحصاء خطأ ولا تتبع عثرة، بل حرص على قضاء أريد له أن يكون «بطاقة تعريف» بجودة العدالة في هذا البلد. وأحسب أن غرفة الجنايات الاستئنافية ستقول في هذا الملف كلمة تعيد الأمور إلى نصابها، فيكون في مراجعتها تصديق عملي لما قرره أمير المؤمنين من أن مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل. وحسبنا في هذه الدراسة: أن نثير السؤال، ثم يترك للقضاء أن يقول فيه الكلمة الأخيرة.


 المراجع:

1. النصوص الوطنية

  • دستور المملكة المغربية، لا سيما الفصول 23 و109 و110 و117 و118 و120 و122.
  • القانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية، كما وقع تغييره وتتميمه بالقانون رقم 03.23 المنشور بالجريدة الرسمية عدد 7437 بتاريخ 8 شتنبر 2025، الداخل حيز التنفيذ في 8 دجنبر 2025.
  • القانون التنظيمي رقم 106.13 المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، كما وقع تغييره وتتميمه بالقانون التنظيمي رقم 14.22 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.23.37 بتاريخ 16 مارس 2023، ج.ر عدد 7180 بتاريخ 23 مارس 2023.
  • القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية.
  • القانون رقم 28.08 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة.
  • القانون رقم 02.03 المتعلق بدخول وإقامة الأجانب بالمملكة المغربية وبالهجرة غير المشروعة.

2. المرجعية الاتفاقية والمعايير الدولية

  • العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، المادة 14.
  • التعليق العام رقم 32 (2007) الصادر عن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان بشأن الحق في المحاكمة العادلة.
  • المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين (هافانا 1990).
  • المبادئ الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية (1985).
  • مبادئ بنغالور للسلوك القضائي (2002)، لا سيما ما يتعلق بالبعد الداخلي للاستقلال.

3. الاجتهاد المقارن

  • Cass. crim., 23 mai 2013, pourvoi n° 12-83.721, FS-P+B, Bull. crim. 2013, n° 114 (cassation partielle) ; D. 2013, p. 1351.
  • Cass. crim., 23 mai 2013, pourvoi n° 12-83.780, Bull. crim. 2013, n° 115 (rejet).
  • Cass. crim., 8 juillet 2015, pourvoi n° 14-86.400, publié au bulletin.
  • Texte intégral : https://www.legifrance.gouv.fr/juri/id/JURITEXT000027450487/
  • Bulletin des arrêts de la Chambre criminelle, mai 2013, n° 114 et n° 115.
  • « Grève du barreau : circonstance insurmontable », Dalloz Actualité, 4 juin 2013.
  • Code de procédure pénale français, art. 317 et 417.
  • CEDH, Artico c. Italie, arrêt du 13 mai 1980, requête n° 6694/74, série A n° 37, spéc. §§ 33, 35 et 36 (pp. 16 et 18).
  • HUDOC : https://hudoc.echr.coe.int/eng?i=001-57424
  • Références de publication : [1980] ECHR 4 ; (1981) 3 EHRR 1 ; IHRL 26 (ECHR 1980).

4. مصادر أخرى

  • كلمة المغفور له الحسن الثاني أمام أعضاء المجلس الأعلى للقضاء بتاريخ 24 أبريل 1995.
  • رسالة عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري في القضاء.
  • أبو البقاء الرندي، نونيته في رثاء الأندلس.
  • Francis Fukuyama, The End of History and the Last Man, 1992.

error: عذرا, لا يمكن حاليا نسخ او طباعة محتوى الموقع للمزيد من المعلومات المرجوا التواصل مع فريق الموقع عبر البريد الالكتروني : [email protected]