مجلة مغرب القانونالقانون الخاصحسن بيرواين: ورقة بشأن المقتضيات المخالفة للدستور في مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة

حسن بيرواين: ورقة بشأن المقتضيات المخالفة للدستور في مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة

حسن بيرواين نقيب سابق محام بهيئة الدار البيضاء مقبول لدى محكمة النقض

الدار البيضاء في 2026/07/20


تتناول هذه الورقة بالنقد والتحليل جملة من المقتضيات الواردة في مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، كما وافق عليه مجلس النواب في قراءة ثانية بتاريخ 06 يوليوز 2026، وذلك من زاوية مدى انسجامه مع أحكام دستور المملكة المغربية لسنة 2011، ومع المبادئ المؤطرة لاختصاص المحكمة الدستورية في مراقبة دستورية القوانين قبل إصدار الأمر بتنفيذها.

أولاً: تعريف بالنص محل الإحالة:

يتعلق الأمر بمشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، وهو نص تشريعي شامل يعيد بناء الولوج إلى المهنة، وحالات التنافي، وكيفية الممارسة، والاختصاصات المهنية، والواجبات، والمساعدة القضائية، والأتعاب، والحسابات المهنية، والحصانة، والتأديب، والتوقيف والانقطاع، ثم تنظيم هيئات المحامين وأجهزتها.

وتظهر من بنية المشروع كثافة تنظيمية مرتفعة تمس مباشرة أو بصورة غير مباشرة الحقوق والحريات المهنية والاقتصادية والإجرائية لفئات متعددة: المحامين، والمحامين المتمرنين، والمرتفقين، والمتقاضين، والمستثمرين الأجانب، والمهنيين من أصحاب المهن الحرة الأخرى.

ثانيا: الإطار المرجعي الدستوري والاتفاقي المؤطر للطعن:

إن أي تنظيم تشريعي للمهنة، وإن كان يدخل في نطاق “مجال القانون” والسلطة التقديرية للمشرع، فإن هذه السلطة ليست مطلقة، بل تقف عند حدود عدم المساس بجوهر الحقوق والحريات، وعدم إقرار تمييز غير مبرر، وعدم تفويض جوهري مفرط للسلطة التنظيمية أو لهيئات مهنية على نحو يمس مجال القانون أو يخل بمبدأ الشرعية والوضوح التشريعي.

تخضع مهنة المحاماة لمبادئ دستورية حاكمة، أبرزها الفصول 6 (المساواة والأمن القانوني)، 8 (التنظيم الديمقراطي للمهن)، 19 (المناصفة)، 23 (قرينة البراءة)، 24 (سرية الاتصالات)، 25 و29 (حرية التعبير والاحتجاج)، و118 و120 (حق التقاضي وحقوق الدفاع والمحاكمة العادلة).

كما تستند إلى المرجعية الدولية، ولا سيما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المواد 14، 19، 22، 26) ومبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن دور المحامين (مبادئها لعام 1990) التي تفرض حماية استقلال المحامين وحرية تنظيمهم المهني، والعديد من العهود والمواثيق والإعلانات الدولية والإقليمية الأخرى.

وقد كرس القضاء الدستوري المغربي عدة قواعد دستورية ذات الصلة بموضوع هذه الورقة، وأهمها:

  • قرار المجلس الدستوري رقم 921/2013: الذي كرس ضرورة الموازنة بين سلطة الاتهام وسلطة الدفاع، مقرراً عدم المطابقة للدستور عندما لم يُمنح المحامي وقتاً كافياً بعد تسليم الملف كاملاً، وهي قاعدة تنطبق على ضمانات التفتيش والرقابة المالية والتوقيف المؤقت.
  • قرار المحكمة الدستورية رقم 255/25: الذي صرح بعدم دستورية منح وزير العدل اختصاصات تمس سير الدعوى، مؤكداً أن الشأن القضائي لا يسند للسلطة التنفيذية، مما يمنع الوصاية الإدارية على وظيفة الدفاع.
  • قرار المحكمة الدستورية المؤرخ في 22 يناير 2026: الذي استخلص مبدأ الحياد من الفصول 23 و118 و120 من الدستور، مقرراً أن الجهة التي تبت في التأديب أو الطعن يجب أن تكون مجردة من كل موقف مسبق، وألا يشارك فيها من باشر التحقيق أو أبدى رأياً في الموضوع.
  • قرار المحكمة الدستورية رقم 263/26 م.د: الذي أكد على ضرورة وضوح أسباب المسؤولية داخل المهن القانونية وارتباطها بمبدأ الأمن القانوني المستخلص من الفصل 6 من الدستور.
  • قرارات متعددة بشأن المساواة وحق التقاضي، والتي تؤكد أن القيود التي تعوق حق التقاضي أو تجعله عسيراً تعد مخالفة للدستور، وأن أي تمييز يجب أن يقوم على معيار موضوعي.

ثالثا: المآخذ المرتبطة بجودة التشريع والأمن القانوني وخرق مبدأ التشاركية:

مشروع القانون رقم 66.23 عرف مساراً متقلباً تشريعياً اتسم بتعديلات متكررة في مراحل متعددة، من مجلس الحكومة إلى الإيداع ثم المناقشة داخل اللجان والجلسات العامة في مجلسي البرلمان والقراءة الثانية، حيث يُستخلص من ذلك وجود مؤشر قوي على افتقار المشروع إلى النضج والصياغة المنسجمة.

وإذا كانت كثرة التعديلات في حد ذاتها ليست سبباً مستقلاً لعدم الدستورية، لكنها تصبح ذات دلالة دستورية عندما تنعكس في صورة تناقضات داخلية، وإحالات مفرطة على النصوص التنظيمية، وصيغ فضفاضة أو مبتورة، وفراغات تطبيقية تمس القاعدة القانونية للفهم والتوقع والتنفيذ، وهو ما يندرج ضمن متطلبات الأمن القانوني وجودة التشريع المستفادة من الفصل 6 من الدستور.

ومن مظاهر هذا الاضطراب، التعديلات التي طالت المادة 78 من المشروع خلال جميع مراحل العملية التشريعية، أو استعمال لفظ الشعارات في المادة 50 من المشروع، أو إسقاط أكثر من 50 مادة تهم هيكلة مؤسسة وطنية، مع ما ترتب عن كل هذه التعديلات من اختلال في النص، كان يتعين تداركه بإعادة صياغة نص منسجم ومتكامل بدل إدخال التعديلات في كل محطة من المسار التشريعي.

كما أن مسار إعداد المشروع عرف عدة تراجعات عن المبادئ التي تم التوافق عليها ما بين الحكومة والسلطة المكلفة بالعدل من جهة، والمهنيين عبر ممثليهم من جهة ثانية؛ ذلك أن التشاركية مبدأ دستوري وليست مسألة صورية، خصوصاً حينما يترتب عن التشاور التزامات جسدتها محاضر لجان العمل المشترك الموقعة من الطرفين، والالتزامات الشفوية والتعهدات المعنوية التي تهدف لإخراج نص تشريعي يحقق الأمن القانوني لجميع الأطراف.

رابعا: احترام تراتبية التشريع بخصوص مرجعية مشروع القانون 66.23:

سعى مشروع القانون رقم 66.23 في ديباجته ومواده الأولى إلى إرساء مرجعية تتوافق مع الدستور والالتزامات الدولية للمغرب، إلا أن الغوص في مقتضياته التفصيلية يكشف عن مفارقات وتناقضات بين “التنصيص النظري” و”التطبيق الفعلي” لهذه المبادئ. ويمكن تفصيل مدى المطابقة على النحو التالي:

أ: المطابقة النظرية والتنصيص الصريح على الاتفاقيات الدولية:

حرص المشرع على تأطير المهنة دولياً وحقوقياً من خلال:

  • المرجعية الحقوقية: تنص المادة الأولى صراحة على أن المحاماة تمارس وفقاً لـ “الاتفاقيات الدولية ذات الصلة التي صادقت عليها المملكة وتم نشرها في الجريدة الرسمية”، وتؤكد على دور المحاماة في “تحقيق العدالة وضمان المحاكمة العادلة والدفاع عن حقوق الإنسان”. كما تشير المادة 32 إلى أن المحامي يمارس مهامه بمجموع تراب المملكة وخارجه “وفق الاتفاقيات الدولية المصادق عليها”.
  • الاتفاقيات الثنائية ومبدأ المعاملة بالمثل: يبدو المشروع متطابقاً تماماً مع الأعراف والاتفاقيات الثنائية، حيث اشترط لولوج المهنة أو ممارستها من طرف الأجانب وجود اتفاقية تسمح لمواطني كل من الدولتين بممارسة المهنة في الدولة الأخرى مع مراعاة مبدأ المعاملة بالمثل. وقد تم تطبيق هذا المبدأ في شروط الولوج (المادة 5)، وأداء اليمين (المادة 12)، والممارسة (المادة 34).
مقال قد يهمك :   محمد البشير بروحو: هل يمكن تحميل الصين المسؤولية في انتشار جائحة الفيروس التاجي؟

ب: أوجه التعارض وعدم المطابقة مع الدستور والمواثيق الدولية:

رغم الديباجة الحقوقية المضمنة بالعرض التقديمي لوزارة العدل، فإن مواد المشروع تتضمن مقتضيات تتعارض مع المبادئ الدستورية والمواثيق الدولية المتعددة الأطراف (كمبادئ هافانا التوجيهية بشأن دور المحامين لسنة 1990)، ولا سيما:

  • المساس بشروط المحاكمة العادلة واستقلالية الدفاع: تؤكد المواثيق الدولية والدستور المغربي على أن استقلالية المحامين ركيزة للمحاكمة العادلة، ويجب أن تدير الهيئات المهنية شؤونها دون تدخل خارجي. لكن المشروع خرق هذا المبدأ.
  • تضخم دور النيابة العامة ووزارة العدل وخرق مبدأ التوازي ما بين سلطة الاتهام وسلطة الدفاع: منح الوكيل العام للملك صلاحيات توجيه المتابعات التأديبية وإمكانية إحالة الملفات بقوة القانون لغرفة المشورة لتجاوز مجالس الهيئات لسلطتها (المادتان 99 و100).
  • إقرار استثناءات على الولوج وممارسة المهنة لا تؤسس على الاتفاقيات الدولية الثنائية ومبدأ المعاملة بالمثل.
  • التناقض في حصانة الدفاع: تكفل المعايير الدولية تمتع المحامين بالحصانة المدنية والجنائية بالنسبة للتصريحات التي يدلون بها بنية حسنة أثناء مرافعاتهم.
  • ورغم أن المادة 78 من المشروع تقر بأنه “لا يسأل المحامي عما يرد في مرافعاته الشفوية أو في مذكراته مما يستلزمه الحق في الدفاع”، إلا أن المادة 81 تنسف هذه الحصانة بإخضاع المحامي لعقوبات القانون الجنائي بمجرد ارتكابه “سباً أو قذفاً أو تهديداً بأي وسيلة… أثناء ممارسته لمهنته أو بسببها”. هذا الاستثناء الفضفاض يشرعن المتابعات الكيدية ويتعارض مع الحماية الدولية المقررة لحرية الدفاع.
  • التقييد غير المتناسب لحرية التعبير: يضمن الدستور والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية حرية التعبير والتجمع السلمي. في حين ينص المشروع في المادة 50 صراحة على أنه: “يمنع رفع الشعارات داخل فضاءات المحاكم وقت انعقاد الجلسات”. هذه الصياغة المطلقة تشكل تقييداً يمس بالحقوق الدستورية للمحامين في الاحتجاج السلمي، خصوصاً وأنها لا تقيد أي صنف آخر من المهنيين أو المرتفقين وتخص بهذا التقييد المحامين فقط، الذين تعتبر المحاكم فضاءهم المهني الطبيعي.

خامسا: إخضاع المحامين والهيئات المهنية لرقابة كل من وزارة العدل والنيابة العامة والقضاء والمس بمبدأ استقلال مهنة المحاماة:

بالرجوع إلى مقتضيات مشروع قانون رقم 66.23، ورغم تنصيص المادة الأولى صراحة على أن المحاماة “مهنة حرة ومستقلة”، يتضح أن النص يفرض شبكة واسعة من الرقابة والوصاية على المحامين وهيئاتهم، وهو ما يمكن اعتباره خرقاً جوهرياً لهذه الاستقلالية عبر ثلاثة محاور رئيسية:

أ: وصاية السلطة التنفيذية (وزارة العدل):

يتدخل مشروع القانون في التسيير الذاتي للمهنة عبر منح وزارة العدل صلاحيات واسعة تمس باستقلالية التكوين والتأديب:

  • التحكم في الولوج والتكوين: أسندت المادة 11 للسلطة الحكومية المكلفة بالعدل مهمة تنظيم مباراة ولوج معهد التكوين، وتحديد نظامها وكيفية إجراءاتها بقرار وزاري.
  • تراخيص المكاتب الأجنبية: منحت المادة 35 لوزير العدل، بصفة استثنائية، صلاحية الإذن لمكاتب محاماة أجنبية بممارسة مهامها بالمغرب لارتباطها بمشاريع استثمارية، مما يهمش دور مجالس الهيئات في ضبط الممارسة المهنية داخل دوائر نفوذها.

ب: تضخم الدور الرقابي للنيابة العامة:

منح المشروع للوكيل العام للملك سلطات رقابية وتدخلية واسعة تجعله طرفاً مهيمناً، وهو ما يخل بمبدأ “تكافؤ الفرص” بين طرفي الخصومة الجنائية (النيابة العامة والدفاع):

  • الرقابة المالية وتفتيش المكاتب: تُخول المادة 74 للوكيل العام للملك أن يطلب من النقيب، أو من ينتدبه من أعضاء مجلس الهيئة، مرة في السنة على الأقل، مراقبة مكتب المحامي والتأكد من احترامه للنصوص التشريعية والضريبية ومسك حساباته.
  • التدخل في المساطر التأديبية: تلزم المادة 99 بإحالة جميع الشكايات الموجهة ضد المحامين إلى الوكيل العام للملك، وتعطيه المادتان 99 و100 حق الطعن والمنازعة في قرارات النقيب القاضية بحفظ هذه الشكايات.
  • الرقابة على القرارات والانتخابات والتسجيل: تمنح المادة 19 الوكيل العام للملك حق الطعن في قرارات قبول أو رفض تسجيل المحامين في الجدول. كما ألزمت المادة 139 بتبليغ جميع قرارات مجلس الهيئة وقرارات النقيب إليه، وتوجب المادة 135 تبليغه بمحاضر الانتخابات المهنية.

ج: الرقابة القبلية والبعدية للقضاء:

تتجاوز الرقابة القضائية في المشروع حدود التأكد من المشروعية لتمس بالاستقلال الإداري والسيادي لهيئات المحامين:

  • الوصاية القبلية على القوانين الداخلية: تنص المادة 122 على أن النظام الداخلي الذي يضعه مجلس الهيئة لتنظيم مهامه لا يكتسي صبغته النهائية ولا يُعمل به إلا بعد المصادقة عليه من طرف الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف، ويحق للوكيل العام للملك الطعن فيه. هذا المقتضى ينزع عن الهيئة صفتها التقريرية المستقلة.
  • إبطال قرارات مجلس الهيئة: منحت المادة 138 لغرفة المشورة بمحكمة الاستئناف صلاحية معاينة بطلان قرارات مجلس الهيئة التي تتخذها “خارج نطاق اختصاصاتها، أو تشكل مخالفة للقوانين الجاري بها العمل أو إخلالاً بالنظام العام”، وذلك بناءً على ملتمس من الوكيل العام للملك. إن العبارات الفضفاضة مثل “الإخلال بالنظام العام” قد تُوظف لإبطال مواقف وقرارات سيادية تتخذها الهيئات.

سادسا: عدم الفصل ما بين سلطة المتابعة وسلطة التأديب وخرق المشروعية:

يكرس مشروع القانون رقم 66.23 تداخلاً واضحاً بين سلطة الاتهام والمتابعة من جهة، وسلطة الحكم والتأديب من جهة أخرى، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة التي تقتضي فصل الجهة التي تتابع عن الجهة التي تُصدر القرار التأديبي. ويتجلى هذا الخرق بوضوح في أدوار كل من النقيب، وغرفة المشورة، والوكيل العام للملك.

مقال قد يهمك :   عبد الرزاق كمال: الـــتحكيـم ومـــسؤوليـة المحكـــم

أ: مؤسسة النقيب (الجمع بين سلطات الاتهام والتحقيق والحكم):

منح مشروع القانون للنقيب صلاحيات تجعله خصماً وحكماً في نفس الوقت:

  • سلطة المتابعة والتحقيق (الاتهام): يتلقى النقيب الشكايات الموجهة ضد المحامين (بما فيها المحالة من الوكيل العام للملك)، ويتخذ قراراً بشأن المتابعة أو الحفظ. كما يقرر إجراء تحقيق حضوري ويعين مقرراً لذلك. وأثناء الجلسة التأديبية، يقوم النقيب بدور “المدعي” حيث يعرض أمام مجلس الهيئة ملخصاً للأفعال الواردة في قرار المتابعة.
  • سلطة التأديب (الحكم): رغم قيامه بمهام المتابعة والاتهام، يتدخل النقيب في مرحلة إصدار القرار التأديبي، حيث نصت المادة 102 صراحة على أنه “يشارك النقيب في التصويت عند اتخاذ القرار التأديبي… في حالة تعادل الأصوات” لترجيح إحدى الكفتين. إن إشراك جهة المتابعة في التصويت على العقوبة يعد خرقاً صريحاً لحياد الجهة التأديبية.

ب: غرفة المشورة (الجمع بين مراقبة المتابعة والبت في الموضوع):

تشكل المقتضيات المنظمة لتدخل غرفة المشورة بمحكمة الاستئناف أوضح تجليات الخلط بين المتابعة والتأديب:

  • تنظر غرفة المشورة في المنازعات المرفوعة ضد قرار النقيب القاضي بحفظ الشكايات.
  • تنص المادة 100 على أنه “إذا ألغت غرفة المشورة بمحكمة الاستئناف قرار الحفظ الصريح الصادر عن النقيب، وجب عليها التصدي والبت في الموضوع”.
  • وجه الخلل: إن الغرفة بإلغائها لقرار الحفظ تكون قد كيّفت الأفعال واقتنعت بوجود ما يوجب المتابعة التأديبية (دور سلطة الاتهام). وإلزامها قانوناً بـ “التصدي والبت في الموضوع”.

يعني أنها ستصدر العقوبة التأديبية بنفسها (دور سلطة الحكم)، مما يحرم المحامي من حقه في المثول أمام درجتين منفصلتين للمتابعة والحكم، ويسلبه حقه في أن يُحاكم تأديبياً من طرف أقرانه في مجلس الهيئة.

ج: الوكيل العام للملك (تضخم سلطة الاتهام وهيمنتها على مسار التأديب):

تدخل الوكيل العام للملك في المسطرة التأديبية يتجاوز كونه جهة مشتكية، ليصبح موجِّهاً إجبارياً لمسار التأديب متجاوزاً استقلالية مجلس الهيئة:

  • سلطة توجيه المتابعة: يحيل الشكايات إلى النقيب، ويتم تبليغه وجوباً بجميع الشكايات وبقرارات الحفظ الصادرة عن النقيب.
  • سلطة تجاوز مجلس الهيئة: يحق للوكيل العام المنازعة في قرار الحفظ أمام غرفة المشورة. والأخطر من ذلك، أنه إذا لم يبت مجلس الهيئة في المنازعة داخل الأجل المحدد، “أحيل الملف بقوة القانون إلى غرفة المشورة… المختصة”.
  • سلطة الطعن العام: منح المشروع للوكيل العام للملك الحق في الطعن في القرارات الصادرة عن مجلس الهيئة أمام غرفة المشورة، وحق الطعن بالتعرض والنقض في قرارات هذه الأخيرة.

د: خرق المشروعية وغموض مفهوم المخالفة وغياب قاعدة التناسب ومنح جهة غير مهنية سلطة الإعفاء:

إن بعض الأفعال المؤسسة للمساءلة وردت بصياغة مرنة جداً، من قبيل الإخلال بالوقار أو الأمانة أو الشرف أو ما يتعلق بأفعال خارجية عن النطاق المهني، من دون ضبط تشريعي كاف يحد من السلطة التقديرية الواسعة ويصون مبدأ الشرعية التأديبية.

كما أن تحديد سلم العقوبات لم يرتبط بقاعدة التناسب ما بين الفعل المخالف والعقوبة.

ويبقى أهم تعديل مس المسطرة التأديبية هو إسقاط المتابعة لتنازل المشتكي، مما يمنح لجهة غير مهنية سلطة الإعفاء من المتابعة رغم وجود المخالفة، بالإضافة لما قد يترتب عن ذلك عملياً من خضوع المحامي للابتزاز خصوصاً فيما يتعلق باستحقاقه لأتعابه.

سابعا: مدى دستورية إخضاع حساب الودائع والأداءات لمراقبة المجلس الأعلى للحسابات:

ينص مشروع قانون رقم 66.23 صراحة في مادته 76 على أن “يخضع حساب ودائع وأداءات المحامين… لرقابة المجلس الأعلى للحسابات”. وتُلزم هذه المادة نقيب كل هيئة بأن يتولى سنوياً تقديم هذا الحساب إلى المجلس الأعلى للحسابات، متضمناً تفاصيل العمليات المالية المحاسبية وكيفيات حفظ الوثائق.

أ: مخالفة النطاق الدستوري لاختصاصات المجلس الأعلى للحسابات (طبيعة الأموال):

  • يحدد الدستور المغربي (تحديداً الفصل 147) مهمة المجلس الأعلى للحسابات في “المراقبة العليا للمالية العامة” والتأكد من حسن تدبير “الأموال العمومية”.
  • بالرجوع إلى مشروع القانون، نجد أن المادة 75 توضح أن هذا الحساب تودع فيه “المبالغ المسلمة للمحامين المسجلين بجدول هذه الهيئة بما فيها تلك العائدة لموكليهم” و”المبالغ الناتجة عن تنفيذ مقرر قضائي”.
  • وجه المخالفة: هذه الأموال هي أموال خاصة قطعية تعود للأفراد (المتقاضين والموكلين) ولا تكتسي طابع المال العام. وبالتالي، فإن توسيع اختصاص المجلس الأعلى للحسابات ليشمل التدقيق في أموال خاصة بحتة تديرها هيئة مهنية مستقلة، يعتبر خروجاً عن الاختصاص الدستوري الحصري للمجلس المتمثل في حماية المال العام.

ب: المساس بالمبدأ الدستوري لاستقلالية المهنة لتنظيمها الذاتي:

  • تؤكد المادة الأولى من مشروع القانون نفسه على أن المحاماة “مهنة حرة ومستقلة”.
  • وجه المخالفة: إن إخضاع حسابات الهيئات لرقابة مؤسسة دستورية تابعة للدولة يفرغ مبدأ الاستقلالية من محتواه المالي والإداري. استقلالية هيئات المحامين تقتضي أن تخضع ماليتها لرقابة أجهزتها التقريرية الداخلية (الجمعية العمومية ومجلس الهيئة)، أو لافتحاص مالي من طرف خبراء محاسبين مستقلين (Auditors)، وليس لرقابة أجهزة الدولة، خصوصاً وأن هذه الهيئات لا تتلقى إعانات مالية عمومية لتسيير هذا الحساب. وقد أقرت المادة 76 نفسها بوجود “تدبير داخلي” و”رقابة” دون ممارسة النقيب لصلاحياته للرقابة الداخلية، مما يجعل الإضافة الرقابية للمجلس الأعلى للحسابات ازدواجية غير مبررة وخرقاً لاستقلالية الهيئة.

ج: خرق مبدأ السر المهني:

  • ينص مشروع القانون في المادة 46 على واجب المحامي في “التقيد بالسر المهني”.
  • وجه المخالفة: إن مراقبة المجلس الأعلى للحسابات تتطلب بالضرورة الاطلاع على تفاصيل الحوالات، وأسماء الموكلين، وطبيعة النزاعات، ومآل التسويات المالية. هذا التدقيق المفصل من طرف قضاة المحاكم المالية قد يؤدي إلى إفشاء غير مباشر للسر المهني الذي يربط المحامي بموكله، وهو حق مكفول يندرج ضمن شروط المحاكمة العادلة وحماية الحياة الخاصة المكفولة دستورياً.
مقال قد يهمك :   مفهوم السعاية و نطاق تطبيق أحكامها بـيـن الفقه المالكي و القضاء المغربي.

ثامنا: التمييز غير المبرر في شروط الولوج لمهنة المحاماة:

من القواعد الراسخة للقضاء الدستوري المغربي، عدم دستورية التمييز غير المرتكز على مبررات موضوعية.

وإذا كان التسقيف العمري لولوج المهنة بتحديد السن الأقصى للمشاركة في مباراة الالتحاق بمعهد المحاماة في 45 سنة، قد يكون منسجماً مع التوجه التشريعي العام المنظم لباقي المهن القانونية بما في ذلك المهن الحرة.

غير أن الإشكال الدستوري الحقيقي يكمن في الاستثناءات الممنوحة لفئات محددة دون تبرير موضوعي كاف، بما يجعل العيب منصباً على عدم مساواة داخلية بين الخاضعين لنفس النظام القانوني.

وهو ما يُسقط وحدة المعيار التشريعي ويثير شبهة الإخلال بمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص.

تاسعا: خرق الحق في الإضراب المضمون دستورياً:

تتضمن المادة 50 مقتضيات تفرض قيوداً مباشرة وصريحة على العمل الجماعي والاحتجاجي للمحامين، وهو ما يمكن تحليله من زاوية “خرق الحق في الإضراب” على النحو التالي:

أ: تحليل الفقرة الأولى من المادة 50 (منع التوقف الجماعي عن العمل):

تنص الفقرة الأولى من المادة 50 على أنه: “يمنع على المحامين في كل الأحوال أن يتفقوا فيما بينهم، على أن يتوقفوا كلياً عن تقديم المساعدة الواجبة عليهم إزاء القضاء، سواء بالنسبة للجلسات أو الإجراءات”.

أوجه التعارض مع الحق في الإضراب:

  • منع دستوري للوسيلة: الإضراب في جوهره هو “اتفاق جماعي على التوقف عن العمل” كوسيلة للضغط أو الاحتجاج. وهذا النص يمنع هذا الاتفاق بصفة مطلقة (“في كل الأحوال”)، مما يجعل أي تنسيق بين المحامين لمقاطعة الجلسات أو الإجراءات القضائية فعلاً محظوراً قانوناً.
  • تقييد الاستقلالية: رغم أن المادة 1 تصف المهنة بأنها “مستقلة”، فإن هذا النص يسلب الهيئات المهنية والمحامين القدرة على استخدام التوقف عن العمل كأداة للدفاع عن مطالبهم المهنية أو استقلاليتهم تجاه السلطة.
  • ربط الممارسة بالواجب تجاه القضاء: النص يبرر المنع بكون التوقف يمس بـ “المساعدة الواجبة إزاء القضاء”، وهو ما يمنح الأولوية لاستمرارية المرفق القضائي على حساب الحق الدستوري في الاحتجاج والإضراب.

ب: تحليل الفقرة الثانية من المادة 50 (منع التظاهر برفع الشعارات):

تنص الفقرة الثانية من المادة 50 على أنه: “يمنع رفع الشعارات داخل فضاءات المحاكم وقت انعقاد الجلسات”.

أوجه التعارض مع الحق في التظاهر والاحتجاج:

  • محاصرة مكان الاحتجاج: المحاكم هي الفضاء المهني الطبيعي للمحامين، ومنع رفع الشعارات فيها يعني تجريد الوقفات الاحتجاجية من أبرز مظاهرها التعبيرية.
  • صياغة واسعة: عبارة “داخل فضاءات المحاكم” قد تشمل البهو والممرات وليس فقط قاعات الجلسات، مما يضيق الخناق على أي شكل من أشكال التعبير الجماعي العلني عن المواقف المهنية.

ج: التبعات الزجرية والتأديبية لهذا الخرق:

لا تكتفي المادة 50 بالمنع، بل يترتب على مخالفة هاتين الفقرتين آثار خطيرة تكرس تقييد حق الإضراب:

  • المساءلة التأديبية: يعتبر خرق مقتضيات المادة 50 بمثابة “مخالفة للنصوص التشريعية”، مما يعرض المحامي للعقوبات التأديبية المنصوص عليها في المادة 92، والتي تصل إلى التوقيف عن ممارسة المهنة لمدة ثلاث سنوات أو التشطيب من الجدول.
  • إمكانية المتابعة: بالنظر للمواد 99 و100 و103، تملك النيابة العامة سلطة مراقبة تنفيذ هذه المقتضيات، والطعن في أي قرار لهيئة المحامين قد يتسامح مع “التوقف الجماعي عن العمل” أو “رفع الشعارات”، بل وإحالة الملفات مباشرة على القضاء (غرفة المشورة) لتوقيع الجزاءات.

لذلك، تعتبر الفقرتان الأولى والثانية من المادة 50 بمثابة إلغاء عملي للحق في الإضراب بالنسبة للمحامين؛ فالأولى تمنع “التوقف الجماعي” (جوهر الإضراب)، والثانية تمنع “رفع الشعارات” (أبرز وسائل الاحتجاج)، وكلاهما محاط بترسانة من العقوبات التأديبية والرقابة الصارمة من النيابة العامة، مما يضع هذه المقتضيات في مواجهة مباشرة مع الفصل 29 من الدستور المغربي الذي يضمن الحق في الإضراب والتظاهر السلمي.

عاشرا: الاضطراب الخطير والمس بالأمن القانوني وخرق التنظيم الذاتي للمهنة:

تضمن مشروع القانون عدة تغييرات مست أجهزة المهنة والمقتضيات المنظمة لتشكيلها وطريقة انتخابها:

أ: الحرمان غير المبرر لفئات معينة من حق الترشح:

تضمن المشروع مقتضيات جديدة تحرم النقباء السابقين من حق الترشح لعضوية مجلس الهيئة، بشكل يعتبر تمييزاً غير مبرر ولا يستند على أي مبرر موضوعي، بل يشكل مساً مباشراً بحق الناخبين في اختيار من يمثلهم.

ب: الاختلال في المقتضيات المتعلقة بالمناصفة:

نصت الفقرة الثانية من المادة 133 على أنه: “تصرح المترشحات من النساء، أثناء تقديم الترشيح، بالترشح ضمن المقاعد العادية أو ضمن المقاعد المخصصة للنساء”.

لكن المشروع برمته وخصوصاً المادتين 123 و124 اللتين تحددان تشكيل مجلس الهيئة لم تخصص أية مقاعد للنساء ولم تحدث أية فئة خاصة بهن.

في حين نصت المادة 136 من المشروع على أنه يجب أن تكون تركيبة المجلس تضمن تمثيلية بالنسبة للجنسين لا تقل عن ثلث أعضائه، تحت طائلة البطلان.

وتعتبر هذه المقتضيات مثالاً واضحاً على الاضطراب في التشريع والمس بالأمن القانوني، خصوصاً وأنها ترتب جزاءً حاسماً هو البطلان.

إذن في غياب تخصيص فئة محددة واضحة للنساء، وفي غياب تحديد آلية انتخابية تضمن هذه التمثيلية النسبية وكيفية احتسابها بين جميع الفئات المكونة لمجلس الهيئة، يحدث هذا المقتضى فراغاً تشريعياً يولد النزاعات بدل أن يحسمها.

error: عذرا, لا يمكن حاليا نسخ او طباعة محتوى الموقع للمزيد من المعلومات المرجوا التواصل مع فريق الموقع عبر البريد الالكتروني : [email protected]