مجلة مغرب القانونالقانون الخاصالتخفيض التلقائي للعقوبة في قانون المسطرة الجنائية: نحو نظام عقابي حديث.

التخفيض التلقائي للعقوبة في قانون المسطرة الجنائية: نحو نظام عقابي حديث.

حسن أيت موح باحث في القانون.

لعل من أهم مستجدات قانون المسطرة الجنائية الجديد، إرساء نظام عقابي حديث يهدف الى تخفيض العقوبة المحكوم بها على السجين حسن السلوك، بشكل يحفز السجناء على الانضباط وإعادة الادماج في المجتمع. وهو يطبق فقط على الأحكام القضائية التي تتضمن عقوبة الحبس او السجن، وعلى السجين الذي ابان عن سلوك حسن أثناء التنفيذ، في خروج تام عن المبادئ المستقرة في النظم العقابية التقليدية التي لا تقبل تخفيض العقوبة المحكوم بها، لما في ذلك من مساس بحجية الحكم القضائي.

 ويخضع التخفيض التلقائي للعقوبة لمراقبة قاضي تطبيق العقوبات ووكيل الملك، مع منح إمكانية رفع التظلمات الى لجنة يرأسها قاضي تطبيق العقوبات.

وقد خصص قانون المسطرة الجنائية، لنظام التخفيض التلقائي للعقوبة سبع مواد من المادة1-632 الى المادة 7-632، دون إعطاء تعريف محدد له. وهو مايدفعنا الى تعريفه بالقول بأنه اجراء شبه قضائي لتعديل الاطار الزمني للعقوبة المحكوم بها ، وفقا لشروط وضوابط محددة، سنحاول الكشف عنها في الفقرة الأولى على أن نخصص الفقرة الثانية لبعض الملاحظات .

الفقرة الأولى: الشروط الموضوعية والشكلية للاستفادة من التخفيض التلقائي للعقوبة

اعتمد المشرع المغربي، ضمن مستجدات قانون المسطرة الجنائية، شروطا ينبغي توفرها في السجناء للاستفادة من التخفيض التلقائي للعقوبة السالبة للحرية. ومن أهم هذه الشروط المشار اليها في المادتين 1-632 و2-632:

  • تحسن سلوك السجين خلال تنفيذه للعقوبة السالبة للحرية، وهو شرط أساسي وجوهري يستوجب على السجين أن يبرهن على استحقاقه لهذه الميزة.

وخلافا للمشرع الفرنسي الذي يأخذ بمعيار مزدوج لاستحقاق السجين لمنحة التخفيض التلقائي للعقوبة بإضافة شرط ابداء السجين لجهود جدية لإعادة الادماج الى شرط حسن السلوك على نهج الفقرة الأولى من المادة 721 من قانون المسطرة الجنائية، فقد اقتصر المشرع المغربي في الفقرة الأولى من المادة 1-632 من قانون المسطرة الجنائية على شرط حسن السلوك فقط لاستفادة السجين من تخفيض تلقائي للعقوبة السالبة للحرية، والذي يحدد كالتالي:

-خمسة أيام عن كل شهر إذا كانت العقوبة سنة أو أقل.

– شهر واحد عن كل سنة ويومين عن كل شهر إذا كانت العقوبة المحكوم بها أكثر من سنة.

كما يلاحظ على المشرع المغربي، عند تنظيمه لأحكام التخفيض الإضافي في للعقوبة في المادة 5-632 من قانون المسطرة الجنائية أنه لم يتطلب سوى انخراط السجين في برامج الادماج او ابدائه مجهودات متميزة في متابعة دراسته أو في التكوين المهني أو الخضوع للعلاج، دون أن يشترط صراحة شرط حسن السلوك كشرط مستقل.

مقال قد يهمك :   دورية رئيس النيابة العامة حول حماية الموظفين القائمين على إنفاذ القانون (تحميل)

* عدم صدور أي قرار تأديبي في حق السجين، وفقا للمقتضيات التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالسجون، طيلة المدة التي يحتسب التخفيض على أساسها، وهو ما من شأنه تشجيع السجين على بذل جهد كاف للاستفادة من هذا النظام، الذي لا يطبق تلقائيا الا بعد تقييم سلوكه والرجوع الى ملفه الإداري بالمؤسسة السجنية.

* قضاء السجين ربع العقوبة السالبة للحرية المحكوم بها عليه على الأقل.

* صيرورة الحكم مكتسبا لقوة الشيء المقضي به، غير أن في حالة تأخر صدور حكم مكتسب لقوة الشيء المقضي به، فقد خول المشرع للسجين الحق في الاستفادة من التخفيض التلقائي من العقوبة السالبة للحرية، وذلك ابتداء من التاريخ الذي يستوفي فيه الشرط المتعلق بقضاء ربع العقوبة السالبة للحرية المحكوم بها عليه، وذلك مالم يكن قد قضى عقوبته. لهذا، فرض المشرع على المحاكم ومحكمة النقض اشعار المؤسسة السجنية بالطعون المقدمة والاحكام الصادرة في قضايا المعتقلين فور تقديمها أو صدورها، على أن تسهر النيابة العامة على التطبيق الفوري لهذا المقتضى.

وبمجرد تحقق هذه الشروط الموضوعية، يتولى مدير المؤسسة السجنية تنفيذ التخفيض التلقائي للعقوبة، بحيث يحيل داخل أجل ثلاثة أيام ، نسخة من قرار التخفيض التلقائي للعقوبة الى قاضي تطبيق العقوبات والى وكيل الملك الذي يوجد بدائرة نفوذه مقر المؤسسة السجنية، مرفقا بملخص الحالة الجنائية للمعني بالأمر يتضمن ملاحظات عن سلوكه وسيرته داخل المؤسسة السجنية وعن العقوبات التأديبية التي اتخذت في حقه وعن مساهمته في البرامج الاجتماعية والتربوية والصحية الرامية الى تسهيل الادماج في المجتمع.

ويمكن لقاضي تطبيق العقوبات أو وكيل الملك أن يطلب إيقاف تنفيذ التخفيض المقرر من قبل مدير المؤسسة السجنية خلال ثلاثة أيام من اشعارهما به، وعرض الامر على لجنة مراقبة تطبيق التخفيض التلقائي المنصوص عليها في المادة 4-632 من قانون المسطرة الجنائية، وذلك إذا كان لديهما ملاحظات حول سلوك السجين المستفيد، أو في حالة عدم توفر الشروط الأخرى للاستفادة من التخفيض التلقائي للعقوبة.

مقال قد يهمك :   خصوصيات الخبرة في المادة الضريبية

ولكل سجين لم يستفد من التخفيض التلقائي للعقوبة، إمكانية رفع تظلمه الى لجنة مراقبة تطبيق التخفيض التلقائي للعقوبي المحدثة بمقر المحكمة الابتدائية التي توجد بدائرة نفوذها المؤسسة السجنية، وتصدر اللجنة قرارها داخل أجل خمسة عشر يوما من تاريخ تقديم التظلم الى إدارة المؤسسة السجنية أو النيابة العامة او الى قاضي تطبيق العقوبات، الا أن المشرع فتح الباب للبت الفوري في التظلم المرفوع الى لجنة المراقبة التي يتعين عليها أن تصدر اللجنة قرارها فورا في حالة الاستعجال، وربط المشرع توفر حالة الاستعجال بما يمكن أن يؤدي اليه احتساب المدة المتنازع عليها من افراج فوري أو شيك عن السجين.

وتجدر الإشارة الى أن قرارات لجنة مراقبة تطبيق التخفيض التلقائي للعقوبة لا تقبل الطعن.

الفقرة الثانية: رصد بعض الملاحظات على نظام التخفيض التلقائي للعقوبة:

– يعد نظام التخفيض التلقائي للعقوبة من أكثر الأنظمة العقابية اثارة للاهتمام في قانون العقوبات الحديث، نظرا لتميزه عن باقي النظم المشابهة له، من قبيل:

* الافراج المقيد بشروط الذي عرفته المادة 622 من قانون المسطرة الجنائية على أنه” يمكن للمحكوم عليهم بعقوبة سالبة للحرية من أجل جناية أو جنحة، الذين برهنوا بما فيه الكفاية على تحسن سلوكهم، أن يستفيدوا من الافراج المقيد بشروط إذا كانوا من بين:

1-المحكوم عليهم من أجل جنحة الذين قضوا حبسا فعليا يعادل على الأقل نصف العقوبة المحكوم بها،

2-المحكوم عليهم بعقوبة جنائية أو بعقوبة جنحية من أجل وقائع وصفت بأنها جناية، أو من أجل جنحة يتجاوز الحد الأقصى للعقوبة المقررة لها خمس سنوات حبسا إذا قضوا حبسا فعليا يعادل على الأقل ثلثي العقوبة المحكوم بها….”.

 وعلى الرغم  أن هذين النظامين  يؤديان الى الافراج المبكر عن السجين من المؤسسة السجنية بعد قضاء مدة معينة من العقوبة، الا أن التخفيض التلقائي للعقوبة يختلف عن الافراج المقيد بشروط في أنه يمكن سحب اخر تخفيض تلقائي للعقوبة استفاد منه المحكوم عليه  الذي أبدى سلوكا سيئا ،وذلك بناء على ملتمس كتابي يقدمه مدير المؤسسة السجنية أو وكيل الملك أو الوكيل العام للملك او قاضي تطبيق العقوبات، وفقا لمقتضيات المادة 6-632 من قانون المسطرة الجنائية، خلافا للإفراج المقيد بشروط الذي لا يمكن العدول عنه الا بعد خروج السجين من المؤسسة السجنية وثبوت سوء سلوكه أو عدم احترامه للشروط المحددة في قرار الافراج المقيد بشروط، طبقا للمادة 624 من قانون المسطرة الجنائية.

مقال قد يهمك :   التعويض عن الأضرار الناتجة عن قرار إداري وعلاقته بمدى مشروعية جوهر القرار

* العفو الملكي المنظم بموجب الفصل 58 من دستور المملكة وكذا الظهير الشريف رقم 387-57-1، يعتبر حقا سياديا يمارسه صاحب الجلالة، وهو يتفق مع التخفيض التلقائي للعقوبة في كونه لا يلحق بأي حال من الأحوال ضررا بحقوق الغير. فيما يختلف عنه في أن العفو ليس حقا للسجين بصورة تلقائية بل هو منحة يمنحها صاحب الجلالة -باعتباره أمير المؤمنين ورئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية -لاعتبارات إنسانية.

– لا يعد التخفيض التلقائي للعقوبة نظاما بديلا لسلب الحرية، بل هو مكافأة تمنح للسجين على ضبط سلوكه خلال مرحلة تنفيذ العقوبة.

– عدم تمييز المشرع عند اقراره لهذا النظام بين المجرم العائد وغير العائد.

-عدم إقرار المشرع لمقتضى يمنع بموجبه المستفيد من هذا النظام من الاتصال بالضحية بعد الافراج عنه خلال المدة المطابقة لمدة التخفيض.

-عدم تحديد المشرع لمعيار الاحتساب، غير أنه باستقراء المادة1-632 من قانون المسطرة الجنائية، يتبين أن نقطة بداية احتساب التخفيض التلقائي للعقوبة هي مدة العقوبة التي حكمت بها المحكمة، وهو ما يتيح الحساب الدقيق لتاريخ الافراج عن المحكوم عليه.

– يلاحظ أن المشرع لم يحدد كيفية المنح، غير أنه بقراءتنا للمادة أعلاه، يتبين أن التخفيض يمنح دفعة واحدة إذا كانت مدة العقوبة أقل من سنة، وعلى شكل دفعات في غير ذلك، مع إمكانية تقسيم مدة التخفيض.

– يجب على القضاة عدم استحضار إمكانية استفادة المحكوم عليه من التخفيض التلقائي للعقوبة، عند تفريدهم لها، لما في ذلك من خروج عن مبدأ الحياد.

صفوة القول، ان ادخال نظام التخفيض التلقائي للعقوبة الى تشريعنا العقابي، ورهن استفادة السجين منه بمدى انضباط سلوكه أثناء تنفيذه للعقوبة بالمؤسسة السجنية-بصرف النظر عن الجريمة المرتكبة أو العقوبة المحكوم بها-من شأنه أن ينقل نظامنا العقابي الى نظام حديث، قائم على تشجيع السجناء على الاندماج المجتمعي من خلال التركيز على حاضرهم بدلا من ماضيهم.