مجلة مغرب القانونالقانون الخاصدور قانون حرية الأسعار والمنافسة في حماية الإرادة التعاقدية

دور قانون حرية الأسعار والمنافسة في حماية الإرادة التعاقدية

 أيمن بوناب حاصل على دبلوم الماستر في القانون الخاص تخصص: القانون المدني والتحولات الاقتصادية

The Role of the Law on Freedom of Pricing and Competition in Protecting Contractual Will.”


ملخص المقال:

 ” يعالج هذا المقال العلاقة بين حرية التعاقد والمنافسة المشروعة، ويبرز كيف أصبح قانون حرية الأسعار والمنافسة رقم 104.12 آلية أساسية لضمان توازن الإرادة التعاقدية، من خلال مكافحة الاتفاقات المنافية للمنافسة والتصدي للممارسات التي تحصر بها حرية الاختيار الاقتصادي للأطراف، بالإضافة إلى دور القضاء في إعمال رقابة مزدوجة على العقود وعلى الممارسات السوقية بما يكفل حماية الإرادة وتكريس عدالة تعاقدية حقيقية “.


Summary:

“This article examines the relationship between freedom of contract and fair competition, highlighting how Law No. 104.12 on freedom of pricing and competition has become a fundamental mechanism for ensuring the balance of contractual will. It achieves this by combating anti-competitive agreements and addressing practices that restrict the economic freedom of choice of the parties. The article also underscores the role of the judiciary in exercising a dual form of oversight over both contracts and market practices, thereby safeguarding free will and establishing genuine contractual justice.”


مقدمة:

تعد حرية الإرادة التعاقدية من الركائز الأساسية التي يقوم عليها القانون الخاص، إذ تمثل التعبير القانوني عن حرية الأفراد في إنشاء الروابط العقدية وتحديد مضمونها وآثارها في إطار من الرضائية والمساواة، غير أن هذه الحرية لم تعد مفهوما مطلقا كما كان عليه الأمر في ظل النظرية التقليدية لسلطان الإرادة، بل أضحت تمارس ضمن بيئة اقتصادية واجتماعية معقدة تتداخل فيها اعتبارات السوق والمنافسة والمصلحة العامة. فالعقد، باعتباره أداة لتداول الثروات وتنظيم المبادلات، يتأثر بشكل مباشر بالبنية التنافسية التي تحكم السوق، مما يجعل من الصعب تصور إرادة تعاقدية حرة في ظل اختلال قواعد المنافسة أو هيمنة بعض الفاعلين الاقتصاديين.

ومن هنا يبرز الدور الجوهري لقانون حماية الأسعار والمنافسة، ولا سيما القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة، باعتباره إطارا تشريعيا يهدف إلى إرساء نظام عام اقتصادي قائم على الشفافية وتكافؤ الفرص ومنع الممارسات الاحتكارية أو التعسفية، فحماية المنافسة لا تقتصر على صيانة التوازن داخل السوق فحسب، بل تمتد آثارها إلى ضمان توازن العلاقات التعاقدية ذاتها، من خلال الحد من الشروط المجحفة والتصدي للممارسات التي تقيد حرية الاختيار وتفرغ الإرادة من مضمونها الحقيقي.

وعليه، يثير موضوع دور قانون حماية الأسعار والمنافسة في تعزيز حرية الإرادة التعاقدية إشكالية محورية مفادها: إلى أي حد يساهم القانون104.12 من خلال قواعده الموضوعية وآلياته الرقابية والقضائية، في حماية الإرادة التعاقدية وتحقيق التوازن بين الأطراف داخل اقتصاد السوق؟

للإجابة عن هذه الإشكالية، سيتم تناول أثر الممارسات المنافية لقواعد المنافسة على الإرادة التعاقدية (المطلب الأول)، ثم إبراز الدور القضائي في تنظيم العقود وفقا لقانون حرية الأسعار والمنافسة (المطلب الثاني).

المطلب الأول: أثار الممارسات المنافية لقواعد المنافسة على الإرادة التعاقدية

تعد حرية المنافسة من الدعائم الأساسية التي يقوم عليها الاقتصاد الليبرالي الحر، الأمر الذي استوجب تنظيم آلياتها تفاديا لأي انحراف قد يلحق ضررا بالسوق، وقد اقتضى هذا التنظيم أحيانا تقييد بعض المبادئ التقليدية في القانون المدني، لاسيما مبدأ سلطان الإرادة وقوة العقد الملزمة ونسبية آثاره.

وفي هذا الإطار، نص المشرع المغربي في (المادة 6) من قانون حرية الأسعار والمنافسة[1]، على منع كل الأفعال التي تهدف ـ بشكل صريح أو ضمني ـ إلى إقامة اتفاقات أوتحالفات أو ممارسات تمييزية، أيا كانت طبيعتها أو سببها، متى كان الغرض منها عرقلة المنافسة أو تشويه سيرها الطبيعي داخل السوق.

ويهدف هذا المنع إلى ضمان بيئة تنافسية سليمة تقوم على الشفافية والنزاهة، بما يكفل حرية المبادرة الاقتصادية ويعزز العدالة التعاقدية، وهو ما يبرر الحد من إطلاق مبدأ سلطان الإرادة في بعض الحالات، وذلك خدمة للمصلحة العامة الاقتصادية.

وعليه، سنتطرق في هذا المطلب إلى ماهية الاتفاقات المنافية للمنافسة (الفقرة الأولى)، ثم الحديث عن تجليات الممارسات المؤثرة في الإرادة التعاقدية (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: ماهية الاتفاقات المنافية للمنافسة

تعد الاتفاقات المنافية لقواعد المنافسة من أخطر الممارسات التي تؤثر سلبا على حرية المنافسة في السوق، لما لها من أثر مباشر في تقييد النشاط الاقتصادي وتعطيل آليات السوق الحرة. ولهذا السبب، فقد تصدت معظم التشريعات المقارنة، بما في ذلك التشريع المغربي، لهذه الممارسات واعتبرتها غير مشروعة، بالنظر إلى ما تشكله من عرقلة لتوجهات الاقتصاد الوطني الموجه من طرف الدولة.

وفي هذا الإطار، حاول المشرع المغربي التخفيف من وطأة بعض المبادئ القانونية التقليدية، وعلى رأسها مبدأ سلطان الإرادة ومبدأ القوة الملزمة للعقد، اللذان يحظران من حيث الأصل أي تدخل خارجي في مضمون الاتفاقات العقدية، وبالنظر إلى خطورة الممارسات المنافية للمنافسة، فقد اعتبر المشرع المغربي أن كل اتفاق من شأنه المساس بحرية المنافسة يعد باطلا بقوة القانون، بغض النظر عن الإرادة الحرة للأطراف المتعاقدة[2].

ومع ذلك، يلاحظ على القانون المغربي، كما هو الحال في العديد من تشريعات المنافسة الأخرى، غياب تعريف دقيق ومفصل لمفهوم الاتفاقات المنافية للمنافسة، وقد دفع هذا الغموض عددا من المهتمين إلى محاولة سد هذا الفراغ من خلال تقديم اجتهادات فقهية متنوعة لتعريف هذا النوع من الاتفاقات.

فهناك من اعتبر الاتفاق المنافي للمنافسة بأنه تعاون إرادي بين جهات فاعلة في السوق بهدف تقييد المنافسة الحرة[3]. بينما يرى آخرون أن هذا الاتفاق هو نتيجة تنسيق بين عدة إرادات مستقلة تسعى إلى تبني سلوك جماعي يحد من التنافس داخل السوق. وهناك من يعرفه بأنه تلاقي إرادات طرفين أو أكثر، يتمتع كل طرف منها بالاستقلالية القانونية والاقتصادية اللازمة، من أجل المشاركة في فعل أو ممارسة – سواء كانت ظاهرة أو خفية – من شأنها أن تخل بالمنافسة أو تعرقلها أو تضيق نطاقها[4].

ومن خلال هذا التفاعل بين الإرادات، تتخلى المقاولات عن المنافسة الحقيقية، لتلجأ إلى إبرام اتفاقات تهدف إلى تقاسم السوق، أو تحديد الأسعار، أو الحد من حرية الدخول إلى السوق أو تقليص العرض، وغيرها من الوسائل التي تؤدي إلى تحريف قواعد التنافس السليم[5].

وعليه، يمكن استخلاص أن الاتفاق المنافي للمنافسة هو كل تنسيق أو تواطؤ، سواء كان صريحا أو ضمنيا، تعاقديا أو غير تعاقدي، بين شركتين أو أكثر، إذا كان موضوعه أو أثاره من شأنها أن تقيد أو تمنع أو تحرف المنافسة داخل السوق، بغض النظر عن الشكل القانوني الذي يتخذه هذا الاتفاق.

وعليه، سنحاول التطرق لشروط قيام الاتفاقات المنافية (أولا)، ثم دور النظام العام   الاقتصادي في تحقيق العدالة التنافسية (ثانيا).

أولا: شروط قيام الاتفاقات المنافية للمنافسة

لقيام الاتفاق المنافي للمنافسة يجب أن يتم اتفاق بين الأطراف سواء كان هذا الاتفاق صريح أو ضمني (أ) ثم المساس بالمنافسة (ب).

أ ـ عناصر الاتفاق وأشكاله

يفترض لوجود “الاتفاق” ضرورة تعدد أطرافه، أي أن يتحقق بين طرفين أو أكثر[6]، سواء تعلق الأمر بمقاولات فردية أو جماعية، شرط أن تتمتع هذه المقاولات باستقلال اقتصادي وقانوني. وهذا الاستقلال هو ما يميز المقاولات عن الفروع التابعة لنفس المجموعة الاقتصادية حيث إن هذه الأخيرة تعد في حكم الوحدة الاقتصادية الواحدة، وبالتالي فإن الممارسات المتفق عليها في هذا الإطار لا تعد من قبيل “الاتفاقات” غير المشروعة في مفهوم قانون المنافسة.

غير أن مجلس المنافسة المغربي[7]، تبنى توجها موسعا، حيث اعتبر أن الاتفاقات المنصوص عليها في المادة السادسة من القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة تنطبق على المقاولات التي تتمتع فقط بالاستقلال الاقتصادي، بغض النظر عما إذا كانت تتمتع أيضا بالاستقلال القانوني أو بالشخصية المعنوية. وبالموازاة، ذهب مجلس المنافسة الفرنسي إلى القول بعدم إمكانية الحديث عن وجود “اتفاق” في غياب استقلال حقيقي بين الأطراف، سواء كان هذا الاستقلال اقتصاديا أو قانونيا، مشددا على أن استقلال الفاعلين الاقتصاديين يعد شرطا جوهريا لقيام الاتفاق[8].

ويستفاد من ذلك أن الاتفاق يفترض اتحاد الإرادة، وهو ما ينسجم مع مبدأ “سلطان الإرادة” المنصوص عليه في الفصل 230 من قانون الالتزامات والعقود المغربي، والتي تقر بأن العقد شريعة المتعاقدين. إلا أن الإرادة في قانون المنافسة لا تفهم بنفس المفهوم الكلاسيكي في قانون العقود، بل يتم تقنينها وتقييدها حماية للسوق والمنافسة، وذلك من خلال مراقبة مضامين الاتفاقات وتأثيرها على حرية الأسعار وتوازن السوق.

وعليه، فإن الاتفاقات المعنية بمنع المنافسة لا تقتصر على نوع معين أو شكل قانوني محدد، وإنما تشمل جميع أنواع الاتفاقات حسب موقع الأطراف في السلسلة الاقتصادية، فهناك اتفاقات أفقية[9]، تبرم بين فاعلين اقتصاديين في نفس المستوى من السوق (مثلا بين شركتين منافستين) واتفاقات عمودية[10]، تتم بين مقاولات في مستويات مختلفة (مثل اتفاق بين موزع ومصنع).  لكن هذا التمييز لا يؤثر على التطبيق القانوني، باعتبار أن المادة السادسة من القانون المذكور جاءت بصيغة عامة ومجردة تنص على حظر كافة أنواع الاتفاقات، بغض النظر عن طبيعتها أو هيكلها، متى ثبت أنها تضر بحرية المنافسة.

وقد صُيغت المادة السادسة بصيغة شاملة، باستعمالها لعبارات مثل “كيفما كان شكلها”، مما يدل على رغبة المشرع في إدراج كل صور الاتفاقات، سواء كانت صريحة أو ضمنية، مكتوبة أو شفهية، أفقية أو عمودية، ضمن دائرة الرقابة القانونية متى ثبت أثرها الضارعلى المنافسة[11].

وفي هذا السياق، فإن الاتفاقات الصريحة هي التي تهدف بوضوح إلى الحد من المنافسة في مجال الإنتاج أو التوزيع أو تقديم الخدمات، حيث تتلاقى إرادة الأطراف بشكل مباشر لتحقيق نتيجة تؤثر سلبا على المنافسة، وهو ما يشكل مخالفة صريحة لمبادئ حرية الأسعار وتكافؤ الفرص في السوق.

كما قد تأتي هذه الاتفاقات بشكل ضمني وهي الحالة التي تتجه فيها إرادة الأطراف بصورة غير مباشرة من أجل تحقيق النتيجة التي يسعون إليها، والمتمثلة في تقييد المنافسة.

ب ـ المساس بالمنافسة

إن وجود الإرادة واتحادها بين الأطراف لا يفضي بالضرورة إلى اعتبار الاتفاق المبرم اتفاقا محظورا، ما لم يفض هذا الاتفاق إلى الإخلال بقواعد المنافسة. إذ لا يكفي تحقق الاتفاق في حد ذاته، بل يجب أن يكون هناك ارتباط سببي بين هذا الاتفاق وتأثيره الفعلي أو المحتمل في عرقلة السير الحر للمنافسة في السوق[12].

وقد أكدت (المادة 6 من ق.ح.أ.م)، هذا التوجه من خلال اشتراطها قيام علاقة سببية بين الاتفاق وتأثيره المباشر على المنافسة، مما يجعل هذه العلاقة شرطا جوهريا لقيام الحظر القانوني[13].

وتأسيسا، على إدراك المشرع لخطورة الاتفاقات التي تخل بالمنافسة على المصلحة العامة للاقتصاد الوطني، وعلى حرية المستهلكين في اختيار حاجياتهم من السوق، فقد وسع نطاق الحظر ليشمل؛ ليس فقط الاتفاقات التي أثرت فعلا على المنافسة، وإنما أيضا تلك التي يكون هدفها، أو يحتمل أن يترتب عليها، المساس بالمنافسة. ويستفاد من ذلك أن المشرع لم يقتصر على النتائج الفعلية المترتبة عن الاتفاق، بل استهدف كذلك الغرض المنافي للمنافسة، حتى وإن لم تسجل نتائج سلبية ملموسة في السوق. وهو ما يعكس الطابع الوقائي الذي تبناه المشرع حماية لحرية المنافسة وحماية إرادة المستهلكين وضمان سلامة السوق[14].

ثانيا: دور النظام العام الاقتصادي في تحقيق العدالة التنافسية

تعد العدالة التعاقدية والأمن القانوني من الركائز الأساسية في النظرية العامة للعقد، إذ تعتبر القوة الملزمة للعقد وسيلة لتحقيق العدالة وخدمة مصالح الأطراف المتعاقدة، ويستند هذا المبدأ إلى الرضائية، التي تشكل المحرك الجوهري للعقد. غير أن التطبيق المطلق لمبدأ الحرية التعاقدية، ضمن إطار اقتصاد السوق، أدى إلى توسع النشاط الاقتصادي بشكل كبير، مما أفرز نتائج سلبية تمثلت في اختلال التوازن بين قطاعات الإنتاج، والركود الاقتصادي، وارتفاع معدلات البطالة، وهي أزمات امتدت آثارها إلى مختلف المستويات الاجتماعية والاقتصادية[15].

أمام هذه التحديات، ظهرت الحاجة إلى مراجعة القواعد القانونية التي تنظم العلاقات الاقتصادية، مما استوجب اعتماد نموذج “الرأسمالية الموجهة”. هذا النظام يسعى إلى تجاوز حدود النظرية التقليدية التي تركز فقط على سلطان الإرادة، من خلال إقرار مبدأ تدخل الدولة لتوجيه الاقتصاد، لا سيما عبر التأثير على الطلب باعتباره العامل المحفز على العرض.

وفي هذا السياق، لم تعد المبادئ التقليدية وحدها كافية لتحقيق التنمية الاقتصادية، ويتجلى ذلك في القانون 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة، الذي يؤكد أن صحة العقود والاتفاقات لم تعد تقاس فقط بمطابقتها للشروط الشكلية أو برضى الأطراف، بل أصبحت تقيم وفق مقاربات اقتصادية تأخذ بعين الاعتبار آثارها على السوق[16]. ولهذا، أصبحت هذه الاتفاقات خاضعة لرقابة مزدوجة، من خلال مجلس المنافسة من جهة، والمحاكم من جهة اخرى، باعتبار أن الهدف من قانون المنافسة هو حماية مبدأ المنافسة ذاته داخل السوق، وليس حماية المتنافسين كأفراد[17].

مقال قد يهمك :   مصطفى درويش: آثار الإستئناف الفرعي بعد النقض والإحالة

وعليه، أضحى من الضروري تدخل الدولة لضبط الاتفاقات التي تنشأ عن مبدأ سلطان الإرادة، ليس لتقييد الإرادة التعاقدية، بل لحمايتها وضمان ممارستها ضمن إطار قانوني يوازن بين المصلحة العامة والخاصة. ويتم هذا التدخل من خلال آليات قانونية تضمن المشروعية وتحمي النظام الاقتصادي من الاختلالات التي قد تنتج عن تطبيق غير منضبط للحرية التعاقدية.

الفقرة الثانية: تجليات الممارسة المؤثرة في الإرادة التعاقدية

تعد الممارسات التمييزية شكلا من أشكال الإخلال بمبادئ العدالة التنافسية والمساواة والنزاهة والشفافية في العلاقات التجارية بين الأطراف المتعاقدة، وترجع هذه الممارسات في الغالب إلى إساءة استعمال الحرية التعاقدية وغياب مبدأ حسن النية والتعاون، فضلا عن استغلال أحد الأطراف لمركز قوة يتمتع به داخل العلاقة التعاقدية[18]. وهو ما يؤدي إلى نشوء علاقات غير متوازنة يغلب عليها طابع التعسف، حيث يفرض على الطرف الضعيف – بسبب حاجته إلى محل العقد وانعدام البدائل المتاحة – القبول بشروط مجحفة يفرضها الطرف القوي، كالبائع أو مقدم الخدمة[19].

وفي المقابل نجد المشرع المغربي فرض مجموعة من الالتزامات والممارسات المقابلة على عاتق المهني، نجد منها ضرورة إعلامه بالأسعار وشروط البيع وكذا إلزامية تسليم الفاتورة أثناء البيع، وبالتالي التصدي للممارسات التي تمس وتحد من المنافسة من أجل حماية الإرادة التعاقدية.

أولا: الممارسات التمييزية التي تنتهك حرية الإرادة التعاقدية

من أبرز صور هذه الممارسات التمييزية نجد، البيع المقيد أو المشروط (أ)، والالتزام بإعادة البيع أو تقديم الخدمة بسعر أدنى (ب).

أ ـ البيع المقيد أو المشروط

يعتبر البيع المقيد أو المشروط من تجليات الممارسات التميزية التي تؤثر على الإرادة، ولقد منعه المشرع من خلال الفقرة الثالثة من (المادة 61 من ق.ح.أ.م.[20])، ومن خلال هذه المادة يتبين أن البيع المقيد من الأساليب التجارية التي تعتمدها بعض المقاولات بهدف تصريف منتجات يصعب تسويقها بشكل مستقل، وتلجأ هذه المقاولات إلى ربط بيع هذه المنتجات بمنتجات أخرى أكثر رواجا، أو باشتراط تقديم خدمة إضافية، أو بفرض شراء كمية معينة من منتوج معين كشرط لإبرام العقد[21]. ويعد هذا النوع من الممارسات وسيلة للضغط على المتعاقد الآخر بهدف تحقيق مصالح تجارية على حساب مبدأ حرية التعاقد.

وقد سار المشرع المغربي على نهج نظيره الفرنسي، من خلال تنظيم حالات البيع أو تقديم الخدمة المشروطة، حيث حددها في ثلاث صور رئيسية: الأولى، عندما يشترط على الزبون شراء منتوجات أخرى في الوقت نفسه؛ الثانية، فرض شراء كمية محددة من منتوج معين؛ والثالثة، اشتراط تقديم خدمة أخرى موازية للحصول على الخدمة الأصلية[22]. وهذه الحالات تشترك جميعها في كونها تقيد الإرادة الحرة للمتعاقد وتلزم الطرف الضعيف بقبول شروط لم يكن يرغب فيها.

ويشكل هذا النوع من العقود إخلالا بمبدأ الحرية التعاقدية، إذ يجد الطرف الراغب في الحصول على منتوج أو خدمة نفسه أمام خيارين: إما قبول الشروط المفروضة من الطرف الآخر وإبرام العقد رغم إرادته، أو الامتناع عن التعاقد، وبالتالي حرمانه من الحصول على المنتوج أو الخدمة محل رغبته الأصلية. في كلتا الحالتين، تكون المصلحة الاقتصادية للمقاولة هي الطاغية، ويتم إهمال مصالح الطرف الآخر.

وتعد أول صورة لهذا النوع من البيوع في اقتصاد السوق، تلك التي تلزم المقاولة الممونة (الموردة) المقاولة الزبونة بشراء منتوج أو أكثر مرفق بالمنتوج الرئيسي المطلوب، والذي يمثل محور العلاقة التعاقدية، بالرغم من اختلافه عن هذا الأخير من حيث النوع أو الجنس.

ورغم ما قد يحققه هذا النوع من الشروط من منافع اقتصادية للمقاولة الممونة، فإنه بالمقابل يلحق أضرارا بالمقاولة الزبونة، إذ تجبر هذه الأخيرة على اقتناء منتجات ليست في حاجة إليها مما يكبدها خسائر مالية ناتجة عن صعوبة إعادة بيع تلك المنتجات أو تصريفها في السوق[23].

ومن صور هذه العقود المشروطة أيضا، اقتران بيع المنتوج بتقديم خدمة معينة، بحيث لا تستجيب المقاولة الممونة لطلب شراء المنتوج إلا إذا قبلت المقاولة الزبونة بالخدمة المفروضة عليها، مما يفقدها حرية الاختيار، ويجعل قبولها للخدمة شرطا لازما لإتمام الصفقة، وهذا الوضع يؤدي إلى نتيجتين محتملتين:

تزويد المقاولة الزبونة بكمية من المنتوجات تفوق حاجتها الفعلية، مما يُثقل كاهلها المالي ويؤدي إلى تراكم فائض من السلع غير القابلة للتصريف، وما يترتب عن ذلك من خسائر مؤكدة.

أو العكس، إذ تُفرض على المقاولة الزبونة كمية من المنتوجات تقل عن حاجتها الحقيقية، وهو ما يمكن المقاولة الممونة من التحكم في تدفق السلع داخل السوق، مما قد يؤدي إلى نقص في المنتجات وارتفاع في الأسعار، وعرقلة السير الطبيعي للسوق[24].

وفي حالات أخرى، قد تمتنع المقاولة الممونة عن الاستجابة لطلبات المقاولة الزبونة بخصوص كميات المنتوج، مما يفضي إلى تلاشي إرادة هذه الأخيرة وظهور إرادة الطرف الممون كإرادة مهيمنة، وهو ما يعد شكلا من أشكال الضغط أو الإكراه غير المشروع.

وعليه، فإن البيع المقيد يعد من الممارسات التي تتنافى مع مبادئ الشفافية والتوازن في العلاقات التعاقدية، مما يبرر تدخل المشرع لتنظيمها والحد من آثارها السلبية حماية للطرف الضعيف في العلاقة التعاقدية.

ب ـ الالتزام بإعادة البيع أو تقديم خدمة بسعر أدنى

يقضي مبدأ حرية الأسعار بمنح الموزعين والتجار حرية تحديد أسعار إعادة البيع للمنتجات أو الخدمات. غير أن هذه الحرية قد تتعرض للتقييد نتيجة ضغوط يمارسها الموردون أوالمنتجون، بهدف فرض حد أدنى للأسعار أو لهوامش الربح، ولحماية الموزعين والتجار من مثل هذه الممارسات التعسفية[25]، حيث نصت (المادة 60 من ق.ح.أ.م)، على حظر فرض حد أدنى لسعر إعادة البيع أو لتقديم خدمة أو لهامش ربح تجاري، سواء تم ذلك بطريقة مباشرة أو غير مباشرة[26].

ويشمل هذا الحظر كافة الأشخاص، بصرف النظر عن صفتهم، سواء كانوا منتجين أوبائعين بالجملة، أو موردين، أو إدارات أو غيرهم، كما يسري هذا المنع على جميع العقود المتعلقة بالبيع أو تقديم الخدمات دون استثناء، والحكمة من تجريم هذه الممارسة هي سعي المشرع إلى حماية آليات المنافسة الحرة ومنع رفع الأسعار بطرق غير مشروعة، بما يضمن بيئة اقتصادية تقوم على الشفافية والنزاهة، ذلك أن فرض حد أدنى للأسعار من شأنه أن يؤدي إلى تثبيت أسعار مرتفعة، وهو ما ينعكس سلبا على المستهلك باعتباره الطرف الأخير في سلسلة التوزيع[27].

كما أن محاولة بعض المؤسسات فرض تخفيضات كبيرة على الأسعار إلى درجة بيع المنتجات بالخسارة، غالبا ما تكون وسيلة مؤقتة للقضاء على المنافسين المحليين والاستحواذ على السوق. وما إن يتحقق لها ذلك، حتى تعمد إلى رفع الأسعار لتعويض خسائرها، مما يؤدي إلى تحميل المستهلك عبء هذه السياسات الإقصائية.

ولا تعتبر هذه الممارسة محظورة قانونا إلا إذا ثبت وجود إلزام فعلي من قبل المورد أو المزود بفرض حد أدنى للأسعار أو لهوامش الربح، وقد يتم هذا الإلزام بشكل صريح ومباشر[28] أو من خلال وسائل غير مباشرة[29]، تستهدف التأثير على حرية وإرادة التاجر في تحديد أسعار البيع.

ويعد تدخل المشرع المغربي في قانون حرية الأسعار والمنافسة تدخلا إيجابيا، حيث أقر قواعد آمرة يترتب على مخالفتها جزاء يتمثل في غرامة مالية تتراوح بين خمسة آلاف (5.000) وثلاثمائة ألف (300.000) درهم، وتضاعف هذه الغرامة في حالة العود خلال أجل خمس (5) سنوات[30]، وذلك حتى ولو ترتب على ذلك تقييد نسبي لمبدأ الحرية التعاقدية، ما دام الهدف المتوخى هو حماية أسس المنافسة الشريفة والنزيهة، بما يساهم في تعزيز الاقتصاد الوطني ويظل تدخل المشرع لتجريم هذه الممارسات، باعتبارها إخلالا بمبادئ المساواة والشفافية والنزاهة في العلاقات التجارية، مشروطا بكونها تلحق ضررا بسير المنافسة داخل السوق[31].

وللحد من هذه الممارسات عمل المشرع على التدخل من خلال فرض مجموعة من الممارسات المقيدة للمنافسة ضمانا للشفافية.

ثانيا: الممارسات المقيدة للمنافسة كضمان لحماية الإرادة التعاقدية

لقد فرض المشرع المغربي من خلال القانون 104.12 المتعلق ب (ح.أ.م)، مجموعة من الممارسات المقيدة للمنافسة على عاتق المهني من أجل توفير الحماية اللازمة للمستهلك، وذلك عن طريق الإعلام بالأسعار(أ)، ثم الالتزام بتسليم الفاتورة (ب).

أ ـ الإعلام بالأسعار

 يعد الالتزام بالأسعار من أهم الالتزامات التي ينبغي على المهني أن يفي بها، باعتبارها تصب في اتجاه تحقيق الشفافية في السوق وخدمة المنافسة من جهة، كما يهدف إلى حماية المتعاقد من التلاعبات الممكنة في الأسعار، مما يجعل إرادته غير معيب بغلط أو تدليس ويساعده على حسن الاختيار بين البضائع والخدمات المتنافسة في السوق[32]، وبالرجوع إلى القانون رقم (104.12) المتعلق ب (ح.أ.م)، نجده يلزم المهنيون بإعلام المستهلكين بأسعار السلع والمنتجات بشكل واضح[33]، وذلك لحمايتهم من التلاعب بالأسعار بسبب جهلهم بها، وضمان أن يكون رضاهم قائما على علم ومعرفة، وخاليا من أي تلاعب أو خداع، فالمستهلك عادة ما يقارن بين الأسعار في مختلف المحلات أو عند مقدمي الخدمات، ولهذا أوجب المشرع على البائعين عرض الأسعار بوضوح لحماية الطرف الضعيف ( المستهلك)، من الزيادات غير القانونية.

وتنص (المادة 2) من نفس القانون على أنه: ” تحدد أسعار السلع والخدمات في الأصل عن طريق المنافسة الحرة، إلا إذا نص القانون على خلاف ذلك”[34]. وهذا يعني أن مبدأ حرية تحديد الأسعار هو القاعدة العامة، ومع ذلك؛ يمكن للمشرع أن يتدخل لتحديد أسعار بعض المنتجات والخدمات من خلال نصوص تنظيمية، وذلك بهدف ضبط السوق، وتفادي ارتفاع الأسعار بشكل مبالغ فيه، وهو ما يعود بالنفع على المستهلك.

ويحق للإدارة أن تتدخل لتنظيم الأسعار، بعد استشارة مجلس المنافسة، في حالات استثنائية محددة، وهي[35]:

ـ غياب شروط المنافسة في السوق.

ـ ظروف استثنائية تؤثر على قطاع معين، كارتفاع كبير في الأسعار نتيجة عوامل خارجية وفي هذه الحالة يمكن للإدارة اتخاذ تدابير مؤقتة لمدة لا تتجاوز 6 أشهر قابلة للتمديد مرة واحدة.

 ـ اتفاق توافقي على الأسعار، حيث يتم التوصل إلى صيغة مرنة لتحديد الأسعار باتفاق بين الإدارة والقطاع المعني.

أما بخصوص طريقة إخبار المستهلك بالأسعار، فلم يحدد القانون وسيلة واحدة، بل أورد عدة أمثلة مثل: وضع علامة، أو ملصق، أو إعلان…، مما يترك المجال مفتوحا لاختيار الوسيلة المناسبة لتحقيق هذا الإعلام بوضوح[36].

ب ـ الالتزام بتسليم الفاتورة

إن مبدأ شفافية العلاقات التجارية يفرض أن تحرر فاتورة عن كل شراء سلعة أو تقديم خدمة، ويجب أن تحرر في نظيرين، وأن تكون مرقمة من قبل ومسحوبة من سلسلة، أو تطبع بنظام معلوماتي وفق سلسلة متصلة، كما أن المهني ملزم بالاحتفاظ بنظير منها طوال خمس سنوات ابتداء من تاريخ تحرير الفاتورة[37]، وهذه الأخيرة تعد وسيلة أساسية للإثبات في المجال الاقتصادي، خاصة في ظل التطور المتسارع للمعاملات وتنوعها وتعدد أطرافها، الأمر الذي يستوجب على المهنيين الاعتماد على الفاتورة والحرص على طلبها وتسليمها ضمن تعاملاتهم اليومية[38]، لما لها من دور في إثبات المعاملات وتنفيذ الالتزامات المترتبة عنها عند الاقتضاء.

ولقد نص المشرع المغربي على الفاتورة من خلال القسم السادس، من الباب الأول من القانون (104.12) المتعلق ب (ح.أ.م)، حيث نصت المادة 58 منه على أنه: “يجب أن تحرر فاتورة عن كل عملية شراء سلع أو منتجات، أو عن تقديم أي خدمة بين المهنيين.” وهو ما يكرس الطابع الإلزامي لتحرير الفاتورة بمجرد إبرام العقد[39]، كما يحق للمشتري المطالبة بالحصول على نسخة منها، وفي حالة امتناع البائع عن تسليمها، يتحمل هذا الأخير المسؤولية عن الأضرار الناتجة عن ذلك الامتناع[40].

غير أن الإشكال العملي المطروح يتمثل في صعوبة إثبات هذا الامتناع، خاصة في غياب أي دليل مادي يدعمه، مما يفرغ الفاتورة من فعاليتها في تحقيق حماية حقيقية لإرادة المستهلك ويعزى ذلك إلى عدة أسباب، من بينها ضعف الجزاءات المقررة عند مخالفة الأحكام المتعلقة بها، وتشتت النصوص القانونية المنظمة لها بين قانون حرية الأسعار والمنافسة، والقانون الجنائي[41]، ومدونة التجارة فيما يخص وجوب الإشارة في الفاتورة إلى رقم القيد في السجل التجاري[42]، فضلا عن النصوص ذات الطابع الضريبي.

وإدراكا من المشرع لخطورة هذه الممارسات، وما تخلفه من آثار سلبية على السير السليم لقواعد المنافسة، وكذلك على مصلحة المستهلك، عمل على توحيد الإطار القانوني المتعلق بها من خلال سن القانون رقم 104.12 ومرسومه التطبيقي، واللذين تضمنا مقتضيات تهدف إلى حماية إرادة المستهلك من جهة، وتكريس مبدأ الشفافية والنزاهة في المعاملات الاقتصادية من جهة أخرى.

إلا أن هذه المقتضيات، وعلى الرغم من أهميتها، لا تزال عاجزة عن تحقيق الحماية المرجوة، نظرا لما تشهده الحياة العملية من خروقات مستمرة لأحكامها، ما يؤثر سلبا على حرية المنافسة، وبالتالي على النشاط الاقتصادي بوجه عام، لذلك بات من الضروري تدخل القضاء للاضطلاع بدوره في تفعيل قواعد المنافسة ضمن إطار وظيفته التوجيهية للعقد، كما سيتم بيانه في (المطلب الثاني).

مقال قد يهمك :   خالد شهيم: قراءة في تعديلات مدونة الجمارك الواردة في مشروع قانون مالية 2024

المطلب الثاني: الدور القضائي في تنظيم العقود وفقا لقانون حرية الأسعار والمنافسة

أدى اتساع نطاق العلاقات التعاقدية وتطور القواعد القانونية إلى تقييد مبدأ سلطان الإرادة حيث لم يعد هذا المبدأ يحتل ذات المكانة التي كان يتمتع بها سابقا، نظرا لتزايد تدخل السلطة العامة والمشرع في تنظيم العلاقات التعاقدية، بهدف حماية الطرف الضعيف من الاستغلال أوالتعسف في استعمال الحق، ولم يعد العقد السليم يُختزل في توافق الإرادتين فقط، بل أصبح يشترط فيه أيضا التوازن بين منافع الطرفين[43].

 وبناء على ذلك، أصبح من الضروري وجود نظام قانوني يحد من تغول الطرف القوي اقتصاديا ويوفر الحماية للطرف الضعيف، ومع أن تدخل القاضي في تعديل العقد يعد خروجا عن مبدأ “العقد شريعة المتعاقدين”، الذي يفرض احترام الإرادة المتعاقدة وتنفيذ بنود العقد كما أبرمت، فإن الواقع القضائي المعاصر يشهد تحولا في هذا الصدد، إذ لم يعد تدخل القاضي انتقاصا من الإرادة بل حماية لها.

وقد تطور دوره ليشمل توجيه العقد اقتصاديا واجتماعيا، من خلال مراجعة الشروط التعاقدية اللاتنافسية (الفقرة الأولى)، والسعي لتحقيق التوازن بين أطراف العلاقة التعاقدية في ظل قواعد حرية الأسعار والمنافسة (الفقرة الثانية)، وذلك عبر تطبيق مبادئ العدالة بما يضمن توازن المصالح داخل السوق.

الفقرة الأولى: التقدير القضائي لشروط التنافسية في العقود

بالرغم من الطابع المزدوج لتوجيه العقد، الذي يفترض احترام حرية الإرادة من جهة وتدخل الدولة من جهة أخرى، فإن القضاء الحديث لم يعد يقتصر على الدور التقليدي في تفسير العقود أو تطبيق القواعد القانونية الجامدة، بل أصبح فاعلا اقتصاديا مؤثرا، فقد بات يبتدع حلولا مستجدة تتماشى مع التطورات الاقتصادية، الأمر الذي أدى إلى وصف القضاء في بعض الأنظمة القانونية الحديثة بـ “القضاء الاقتصادي”[44].

ويعزى هذا التطور إلى محدودية الآليات التقليدية التي تمكن القاضي من التدخل في مضمون العقد، الأمر الذي دفع بالقضاء إلى اللجوء بشكل متزايد إلى فكرة النظام العام كأداة لتقييم مدى مشروعية الشروط العقدية، بحيث يمنح قانون حرية الأسعار والمنافسة، سواء في التشريع المغربي أو في التشريعات المقارنة، صلاحيات صريحة للقاضي لتقدير مدى قانونية الشروط التعاقدية التي تتنافى مع قواعد المنافسة. كما يتيح له سلطة الحكم ببطلان أي تصرف قانوني يهدف إلى تقييد حرية المنافسة أو تهديد استقرار اقتصاد السوق، بما يضمن حماية فعالة للمتنافسين ووقاية الفاعلين الاقتصاديين من الآثار السلبية للممارسات الاحتكارية[45].

وفي هذا الصدد، يعتبر قرار محكمة النقض الفرنسية[46]، الصادر بتاريخ 18 فبراير 1992 محطة بارزة لهذا التوجه القضائي الحديث؛ فقد ألغت المحكمة بموجبه شرطا تعاقديا يلزم موزعي البنزين المتعاملين مع إحدى المحطات بإرجاع البراميل على حالتها عند انتهاء عقد الامتياز. وقد شكل هذا الحكم سابقة قضائية هامة، حيث ساهم في دعم حقوق الموزعين الذين ظلوا لسنوات خاضعين لهذا الشرط المجحف، دون أن تجد اعتراضاتهم سندا في الشريعة العامة للالتزامات.

وقد كانت المحاكم في السابق تعتبر هذا النوع من الشروط مشروعة لورودها في عقد مبرم بحرية بين الأطراف، وترفض اعتبارها تعسفية، إلا أن الغرفة التجارية بمحكمة النقض الفرنسية وبعد استطلاع رأي مجلس المنافسة، أخضعت هذه الشروط لمراقبة قضائية دقيقة واعتبرتها منافية لقواعد المنافسة، وذلك تطبيقا للمادة 7 من أمر 1 دجنبر 1966، المقابلة للمادة 6 من القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة[47].

ويبرز هذا القرار التحول الجوهري في دور القضاء، الذي لم يعد محصورا في الفصل في المنازعات، بل أصبح أداة لتكريس التوازن الاقتصادي والاجتماعي، وحماية النظام العام الاقتصادي من خلال رقابة شروط العقود في ضوء مبادئ المنافسة المشروعة.

والملاحظ من خلال هذه النازلة أن شرط الاسترداد بالطبيعة الذي التزم به الموزعون مع المحطة تم بشكل طوعي وبمحض إرادتهم، ما يجعله نتيجة تراضي تعاقدي بين الطرفين، ومن منظور قانون العقود، فإن هذا التراضي يشكل سببا كافيا لإضفاء المشروعية على الشرط، ولا يمكن تقييده بأي اعتبار آخر طالما أن الإرادتين اتفقتا بحرية[48]. فالقانون المدني في نطاق العلاقات التعاقدية الفردية، يكرس مبدأ سلطان الإرادة ويمنح القوة الإلزامية للاتفاقات، ما لم تتعارض مع النظام العام أو الآداب العامة.

غير أن قانون المنافسة يعتمد مقاربة مختلفة في تقدير الشروط التعاقدية، فهو لا يكتفي بالتثبت من التراضي الشكلي بين الأطراف، بل يخضع مضمون الشرط لرقابة موضوعية تهدف إلى حماية السير الطبيعي للسوق وضمان المنافسة الحرة والنزيهة، وقد يعتبر الشرط التعاقدي غير مشروع إذا ترتب عليه إخلال بالتوازن داخل السوق أو أثر سلبا على حرية المنافسة، حتى لو تم الاتفاق عليه طواعية بين الأطراف.

وقد كرس القضاء الفرنسي هذا التوجه في قرار لمحكمة النقض[49] بتاريخ 3 نوفمبر 1992 جاء فيه ما يلي:” حيث رفض أحد الموزعين التحول إلى نظام الوكالة الذي فرضته الشركة البترولية، في حين وافق عليه باقي الموزعين، هذا الرفض أدى إلى وضع اقتصادي غير متكافئ، عرقل قدرة الموزع على منافسة زملائه، مما دفعه إلى رفع دعوى للمطالبة بالتعويض، وقد رفضت المحكمة التجارية بباريس دعواه، معتبرة أن قبوله السابق للعقد يلزمه وأن ما قامت به الشركة لا يعد مساسا بالعقد، بل مجرد تغيير في طريقة التعامل مع بقية الموزعين.

لكن محكمة الاستئناف بباريس ألغت الحكم الأول، مستندة إلى الفقرة الثالثة من الفصل 1134 من القانون المدني الفرنسي[50]، واعتبرت أن على الشركة التزاما بالبحث عن حلول تحافظ على توازن العلاقة التعاقدية وتمكن الموزع من الاستمرار في السوق بقدرة تنافسية متكافئة، غير أن الغرفة التجارية بمحكمة النقض رفضت هذا الطعن، واعتبرت أن حرمان الموزع من القدرة على المنافسة لا يعد دليلا على سوء نية الشركة، ما دامت قد نفذت العقد وفقا لما تم الاتفاق عليه.

وتبرز هذه الواقعة التباين بين قانون العقود الذي يمنح الأولوية للتراضي، وقانون المنافسة الذي يقدر الشروط بناء على أثارها الاقتصادية، مما يعكس ثنائية مهمة في تفسير وتنفيذ الالتزامات التعاقدية.

الفقرة الثانية: الموازنة بين التعاقدية والتنافسية

في ظل بروز ممارسات بعض المتعاقدين الذين يتعمدون فرض شروط تعاقدية مجحفة ويقومون بإعداد عقود نموذجية مسبقة تحرم الطرف الضعيف من حق التفاوض والاختيار الحر ظهرت الحاجة إلى إعادة النظر في المفهوم التقليدي لمبدأ سلطان الإرادة، فالمفهوم الكلاسيكي لهذا المبدأ، القائم على القوة الملزمة للعقد، أدى في كثير من الأحيان إلى الإضرار بالطرف الضعيف داخل العلاقة التعاقدية.

أمام هذا الوضع، تدخل كل من المشرع المغربي والقضاء بهدف إيجاد حلول تخفف من صرامة هذا المفهوم التقليدي، خاصة عندما يستخدم خارج نطاقه الطبيعي، وقد تم ذلك من خلال سن نصوص قانونية واجتهادات قضائية تبنت توجها حديثا في تفسير مبدأ سلطان الإرادة.

 وعليه، لم يعد العقد وثيقة جامدة لا يمكن تعديلها أو إلغاؤها إلا بإرادة الطرفين، بل أصبح من المقبول أن يتدخل القضاء لإعادة التوازن إلى العلاقة التعاقدية إذا شابها اختلال يهدد مصالح أحد الطرفين[51]، خصوصا الطرف الضعيف في العلاقة التعاقدية[52].

ويقوم هذا التوجه على اعتبار أن القوة الملزمة للعقد لم تعد غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لتحقيق العدالة التعاقدية والتوازن الاقتصادي بين المتعاقدين. لذلك، لم يعد دور القاضي يقتصر على تطبيق النصوص القانونية بشكل جامد، بل أصبح مطالبا بمراعاة الظروف الاقتصادية والاجتماعية المحيطة بالعقد، وبالعمل على إعادة التوازن إلى العلاقة التعاقدية كلما لزم الأمر.

وفي هذا السياق، ساهم قانون المنافسة في ترسيخ هذا الدور الجديد للقضاء، حيث أتاح له إمكانية مراقبة الشروط التعاقدية التعسفية والتدخل لإقرار توازن حقيقي وفعال بين المتعاقدين بما ينسجم مع العدالة التنافسية ومبادئ حرية التعاقد، حيث أصبح القضاء أداة لحماية التوازن في السوق وضمان استقراره، من خلال إرساء عدالة تعاقدية حقيقية، وليس مجرد عدالة صورية تستند فقط إلى مبدأ سلطان الإرادة[53].

وعليه، فإن مكافحة الممارسات المنافية والمقيدة للمنافسة، المشار إليها سابقا، والتي تهدف إلى الإخلال بقواعد وشفافية المنافسة السليمة، تظل غير كافية ما لم تدعم بالحماية القضائية باعتبار أن القضاء يعد الأداة الأساسية لتفعيل الحماية التشريعية.

ومن خلال ما تم بيانه في هذا المطلب، يتضح أن التدخل القضائي التوجيهي في العقود يعد عنصرا محوريا في تحقيق التوازن بين مصالح الأطراف المتعاقدة، بما يكفل حماية الإرادة التعاقدية دون إطلاقها على نحو يمس بمبادئ المنافسة المشروعة، ويسهم هذا التدخل في تعزيز سياسة تنافسية نزيهة ضمن إطار اقتصاد السوق، الذي ينظم بموجب قانون حرية الأسعار والمنافسة.

خاتمة:

يتضح من خلال ما سبق أن حرية الإرادة التعاقدية، رغم مكانتها المركزية في النظرية العامة للعقد، لم تعد مفهوما مطلقا معزولا عن محيطه الاقتصادي، بل أصبحت مرتبطة ارتباطا وثيقا بمدى سلامة البيئة التنافسية داخل السوق. فالممارسات المنافية والمقيدة للمنافسة، سواء تعلقت بالاتفاقات الاحتكارية أو البيع المقيد أو فرض حد أدنى للأسعار، لا تؤثر فقط على البنية الاقتصادية للسوق، بل تمتد آثارها لتقويض حرية الاختيار والإرادة الحقيقية للأطراف المتعاقدة، لاسيما الطرف الضعيف.

وقد جاء القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة ليؤسس لنظام عام اقتصادي حديث، يقوم على تقييد سلطان الإرادة كلما انحرف عن غايته المشروعة، ويخضع الاتفاقات لرقابة موضوعية تراعي آثارها الاقتصادية والاجتماعية. كما عزز هذا التوجه من خلال تمكين مجلس المنافسة والقضاء من صلاحيات واسعة لمراقبة الشروط التعاقدية والحكم ببطلان الممارسات المخلة بالمنافسة، بما يحقق توازنا دقيقا بين الحرية التعاقدية ومتطلبات العدالة التنافسية.

وعليه، فإن حماية المنافسة تشكل في جوهرها حماية غير مباشرة للإرادة التعاقدية ذاتها، إذ لا يمكن تصور إرادة حرة ومتوازنة إلا في ظل سوق تحكمه قواعد الشفافية وتكافؤ الفرص، ومن ثم، فإن التكامل بين التدخل التشريعي والرقابة القضائية يظل شرطا أساسيا لتكريس عدالة تعاقدية حقيقية، تضمن استقرار المعاملات وتحقيق التنمية الاقتصادية في إطار من المنافسة المشروعة.


لائحة المراجع:

  • المراجع باللغة العربية:
  • محمد تعليت، “مبدأ سلطان الإرادة بين قانون العقود وقانون المنافسة”، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة محمد الأول، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ـ وجدة، السنة الجامعية 2010 ـ 2011.
  • خالد الناصري، ” أثر قانون حرية الأسعار والمنافسة على نظرية العقد”، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ـ فاس، السنة الجامعية 2013 ـ 2014.
  • تقرير مجلس المنافسة المغربي لسنة 2009، ص75. يمكن الاطلاع عليه على الرابط التالي: https://conseil-concurrence.ma/ تم الاطلاع عليه بتاريخ 2025/05/08 على الساعة 20:25.
  • مجيد حمدون، ” حدود علاقة قانون حرية الأسعار والمنافسة بالنظرية العامة للعقد”، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة مولاي إسماعيل، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ـ مولاي إسماعيل، السنة الجامعية، 2018 ـ2017.
  • نوال الرحموني، ” حرية الأسعار والمنافسة في القانون المغربي دراسة مقارنة، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، جامعة محمد الأول، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ـ وجدة، السنة الجامعية 2008 ـ 200.
  • محمد البوعزاوي، ” حماية المستهلك في ضوء قوانين المنافسة”، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة عبد المالك السعدي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ـ تطوان، السنة الجامعية،2022 ـ 2023.
  • لوطفي الشرقاوي، ” حماية المقاولات الصغرى والمتوسطة من الممارسات المنافية لقواعد المنافسة”، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة مولاي إسماعيل، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ـ مكناس، السنة الجامعية 2016 ـ 2015.
  • رشيد ناجد، تأثير قانون المنافسة على القوة الملزمة للعقد الاتفاقات المنافية للمنافسة نموذجا، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة محمد الخامس ـ السويسي ـ الرباط، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ـ الرباط، السنة الجامعية 2012 ـ 2013.
  • مفيد الفارسي، “حرية الأسعار والمنافسة في التشريع المغربي”. رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، جامعة محمد الأول، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ـ وجدة، السنة الجامعية 1999-2000.
  • عبد الرحمان الشرقاوي، ” دور القضاء في تحقيق التوازن العقدي، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، الرباط ـ أكدال، السنة الجامعية 2001 ـ 2002.
  • القوانين:
  • المواد 2 ـ 3 ـ 4 ـ 6 ـ7 ـ 10ـ 75 ـ 59 ـ 60 ـ 78 من القانون 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة.

  • المراجع باللغة الفرنسية:
  • Azzedine lamnini: notion er régulations de l’abus de puissance économique mémoire desa université sidi mohammed ben abdellah fes faculté du droit fer 2007-2008.
  • Hassania charkaoui,droit commercial,Ennajah 1éme édition,2001.

[1] ـ تنص المادة 6 على ما يلي:” تحظر الأعمال المدبرة أو الاتفاقيات أو الاتفاقات أو التحالفات الصريحة أو الضمنية كيفما كان شكلها وأيا كان سببها، عندما يكون الغرض منها أو يمكن أن تترتب عليها عرقلة المنافسة أو الحد منها أو تحريف سيرها في سوق ما، ولا سيما عندما تهدف إلى:

مقال قد يهمك :   الطعن بالإلغاء في قرارات مجلس الوصاية بين جمود النص و الاجتهاد القضائي

1 ـ الحد من دخول السوق أو من الممارسة الحرة للمنافسة من لدن منشآت أخرى؛

2 ـ عرقلة تكوين الأسعار عن طريق الآليات الحرة للسوق بافتعال ارتفاعها أو انخفاضها؛

3 ـ حصر أو مراقبة الإنتاج أو المنافذ أو الاستثمارات أو التقدم التقني؛

4 ـ تقسيم الأسواق أو مصادر التموين أو الصفقات العمومية.

[2] ـ تنص المادة 10 من القانون 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة على أنه:” يعد باطلا بقوة القانون كل التزام أو اتفاقية أو بند تعاقدي يتعلق بممارسة محظورة تطبيقا للمادتين 6 ‏ و7 ‏ أعلاه.

يمكن أن يثار البطلان المذكور من لدن الأطراف والأغيار على السواء. ولا يجوز الاحتجاج به على الأغيار من لدن الأطراف، وتعاينه إن اقتضى الحال المحاكم المختصة التي يجب أن يبلغ إليها رأي مجلس المنافسة أو قراره إن سبق اتخاذه.”

[3] ـ محمد تعليت، “مبدأ سلطان الإرادة بين قانون العقود وقانون المنافسة”، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة محمد الأول، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ـ وجدة، السنة الجامعية 2010 ـ 2011، ص: 63.

[4] ـ خالد الناصري، ” أثر قانون حرية الأسعار والمنافسة على نظرية العقد”، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ـ فاس، السنة الجامعية 2013 ـ 2014، ص: 4.

[5] ـ كالاتفاق على طريقة واحدة لتحديد الثمن، أو على اقتسام السوق إلى مناطق جغرافية تستقل كل واحدة منها بإحداها، وبالتالي فمثل هذه الاتفاقات تعتبر خطيرة لكونها تقوم مصالح رأسمالية تتعارض مع المصلحة العامة. 

[6]  ـ كما لا يهم كذلك فيما يخص طبيعة أطراف الاتفاق ما إذا كانوا ينتمون للقطاع الخاص أو العام، ما دام أنه يستوي حسب المادة الأولى (ق.ح. ا. م) الاتيان بهذا الفعل من منشآت تابعة للقطاع الخاص أو العام أذا كانت تمارس نشاط يخرج عن المهام الرئيسية للمرفق العام وسخرت كل إمكانياتها لممارسة نشاط ذات طابع اقتصادي.

[7] ـ تقرير مجلس المنافسة المغربي لسنة 2009، ص75. يمكن الاطلاع عليه على الرابط التالي: https://conseil-concurrence.ma/ تم الاطلاع عليه بتاريخ 2025/05/08 على الساعة 20:25.

[8] ـ مجيد حمدون، ” حدود علاقة قانون حرية الأسعار والمنافسة بالنظرية العامة للعقد”، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة مولاي إسماعيل، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ـ مولاي إسماعيل، السنة الجامعية، 2018 ـ2017، ص: 34.

[9] ـ فالاتفاقات الأفقية هي التي تكون بين طرفين أو مقاولتين أو أكثر يوجدون في مركز تنافسي واحد. أو مماثل، كأن يكون كل منهما تاجر بالجملة، أو منتجا لسلعة معينة، أو موزعا لسلعة معينة. وتتعدد الصور التي يمكن أن تتخذها هذه الاتفاقات، فقد يكون موضوعها اتفاقات تحديد الأسعار، أو اتفاقات تقسيم الأسواق، أو اتفاقات الامتناع عن التعامل.

[10] ـ الاتفاقات العمودية هي التي تتم بين أطراف توجد على مستوى مختلف في السوق، كالاتفاق الذي يجمع بين منتج أو موزع أو بين تاجر بالجملة ومنتج، والتي تفرض قيودا على حرية المنافسة.

[11] ـ نوال الرحموني، ” حرية الأسعار والمنافسة في القانون المغربي دراسة مقارنة، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، جامعة محمد الأول، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ـ وجدة، السنة الجامعية 2008 ـ 2009، ص: 183.

[12] ـ محمد البوعزاوي، ” حماية المستهلك في ضوء قوانين المنافسة”، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة عبد المالك السعدي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ـ تطوان، السنة الجامعية،2022 ـ 2023، ص: 19.

[13]  ـHassania charkaoui,droit commercial,Ennajah 1éme édition,2001,p,211.

[14] ـ لوطفي الشرقاوي، ” حماية المقاولات الصغرى والمتوسطة من الممارسات المنافية لقواعد المنافسة”، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة مولاي إسماعيل، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ـ مكناس، السنة الجامعية 2016 ـ 2015، ص:22.

[15] ـ مجيد حمدون، م.س، ص: 41.

[16] ـ رشيد ناجد، تأثير قانون المنافسة على القوة الملزمة للعقد الاتفاقات المنافية للمنافسة نموذجا، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة محمد الخامس ـ السويسي ـ الرباط، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ـ الرباط، السنة الجامعية 2012 ـ 2013، ص:57.

[17]ـ   Azzedine lamnini: notion er régulations de l’abus de puissance économique mémoire desa université sidi mohammed ben abdellah fes faculté du droit fer 2007-2008. p. 244.

[18] ـ مجيد حمدون، م.س، ص: 26.

[19] ـ تنص المادة 75 من قانون حماية الأسعار والمنافسة في فقرتها الأولى على أنه:” يعاقب بالحبس من شهرين إلى سنة وبغرامة من عشرة آلاف (10.000) إلى خمسمائة ألف (500.000) درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط كل شخص ذاتي شارك على سبيل التدليس أو عن علم مشاركة شخصية وحاسمة في تخطيط الممارسات المشار إليها في المادتين 6 و7 من هذا القانون أو تنظيمها أو تنفيذها أو مراقبتها”.

[20] ـ تنص المادة 61 من ق.ح.أ.م، في فقرتها الأخيرة على أنه:” يمنع على كل منتج أو مستورد أو بائع بالجملة أو مقدم خدمات:

3 ـ أن يوقف بيع سلعة أو منتوج أو تقديم خدمة لأجل نشاط مهني إما على شراء سلع أو منتجات أخرى في آن واحد وإما على شراء كمية مفروضة وإما على تقديم خدمة أخرى.”

[21]  ـ مجيد حمدون، م.س، ص: 27.

[22] ـ خالد الناصري، م.س، ص: 46 و47.

[23] ـ وهو ما تأكده المادتين 59 و60 من القانون 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة.

[24] ـ خالد الناصري، م.س، ص: 48.

[25] ـ مجيد حمدون، م.س، ص: 29.

[26] ـ تنص المادة 60 من ق.ح.أ.م، على أنه:” يمنع على كل شخص أن يفرض بصفة مباشرة أو غير مباشرة حدا أدنى لسعر إعادة بيع منتوج أو سلعة أو لسعر خدمة أو هامش تجاري.”

[27] ـ نوال الرحموني، م.س، ص: 459.

[28] ـ الالتزام بصفة مباشرة: كأن تنص على ذلك في العقد المبرم بينهما، بحيث أن مخالفته يؤدي إما لفسخ العقد وإما لتطبيق شرط جزائي في مضمن العقد.

[29] ـ الالتزام بصفة غير مباشرة: كأن تضع المقاولة الممونة حدا للامتيازات أو المنافع المالية التي كانت تستفيد منهم المقاولة الموزعة.

[30] ـ تنص المادة 78 من ق.ح.أ.م، على ما يلي:” تعاقب المخالفات لمقتضيات الباب الأول من القسم السادس والمادتين 65 و67 من هذا القانون والنصوص المتخذة لتطبيقها بغرامة من خمسة آلاف (5.000) إلى ثلاثمائة ألف (300.000) درهم في حالة العود داخل أجل خمس (5) سنوات، يرفع مبلغ الغرامة المطبقة الضعف”.

[31] ـ تتميز الممارسات التمييزية عن الممارسات المنافية لقواعد المنافسة رغم التشابه الكبير بينهما، من حيث أن الأخيرة تعد مخالفة لقواعد المنافسة بمجرد وقوعها، ويترتب عليها تطبيق الجزاء فورا. أما الممارسات التمييزية، فلا تعتبر ممنوعة إلا إذا تم تنفيذها فعليا وثبت تأثيرها السلبي على المنافسة.

[32] ـ حنان أزداي،” تأثير قانون حرية الأسعار والمنافسة على قانون العقود”. رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص، جامعة محمد الخامس ـ أكدال، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعيةـ أكدال ـ الرباط، السنة الجامعية 2003 ـ 2004، ص: 11.

[33] ـ تنص المادة 59 من ق.ح.أ.م، على أنه:” يجب على كل منتج أو مقدم خدمات أو مستورد أو بائع بالجملة أن يخبر كل من يشتري سلعة أو منتوجا أو يطلب تقديم خدمة لأجل نشاط مهني فيما إذا طلب ذلك بجدول أسعاره وشروط بيعه.

وتشمل هذه الشروط تلك المتعلقة بالتسديد وضمانات الأداء، وإن اقتضى الحال التخفيضات الممنوحة أيا كان تاريخ تسديدها.

يتم الإخبار المذكور بأي وسيلة مطابقة لأعراف المهنة”.

[34] ـ تنص المادة 2 من ق.ح.أ.م، على أنه:” باستثناء الحالات التي ينص فيها القانون على خلاف ذلك، تحدد أسعار السلع والمنتوجات والخدمات عن طريق المنافسة الحرة مع مراعاة أحكام الفقرة 2 بعده والمادتين 3 ‏ و4 ‏ أدناه.

لا تطبق أحكام الفقرة الأولى أعلاه على السلع والمنتوجات والخدمات التي تحدد قائمتها بنص تنظيمي بعد استشارة مجلس المنافسة.

‏تحدد بنص تنظيمي كيفيات تنظيم أسعار السلع والمنتوجات والخدمات وكذا كيفيات سحبها من القائمة المذكورة”.

[35] ـ وهو ما نصت عليه المادة 4 من ق.ح.أ.م:” … باتخاذ تدابير مؤقتة ضد ارتفاع أو انخفاض فاحش في الأسعار تعلله ظروف استثنائية…”.

[36] ـ تنص الفقرة الأخيرة من المادة 59 من قانون ح.أ.م، على أنه:” يتم الإخبار المذكور بأي وسيلة مطابقة لأعراف المهنة”.

[37] ـ حنان أزداي، م.س، ص: 28.

[38]  ـ من المبررات الأساسية التي دفعت المشرع المغربي إلى تنظيم الالتزام بتقديم الفاتورة ما يلي:

    ـ عدم كفاية القواعد العامة لظهير الالتزامات والعقود في تنظيم الفاعلية الاقتصادية، بل عمل تخصيصها ببعض القواعد الخاصة تروم ضمان النزاهة المهنية والشفافية في المعاملات وتحقيق التوازن العقدي وحماية رضا المتعاقد مع المهنيين.

    ـ الأهمية البالغة للفاتورة في التضييق من التلاعبات في الأسعار وتوفير وسيلة إثبات.

    ـ كونها ألية مهمة أوجدها قانون حرية الأسعار والمنافسة لحماية الطرف الضعيف في التعاقد، خصوصا أمام صراحة المادة 58 التي تؤكد على إجبارية تقديم الفاتورة للمستهلك.

[39] ـ لقد حددت الفقرة الخامسة من المادة 58 من قانون ح.أ.م البيانات الواجب توفرها في الفاتورة وهي بيانات تتعلق بهوية الفاعلين الاقتصادين وبيانات تتعلق بتحديد محل العقد، وأخرى تتعلق بظروف المعاملة التجارية.

[40] ـ الحسين بلحسايني، ” قانون حرية المنافسة وحرية الأسعار بين المؤثرات الخارجية والاكراهات الداخلية”، مقال منشور بالمجلة المغربية للاقتصاد والقانون، العدد 3، يونيو 2001، ص: 14 وما بعدها.

[41]  ـ ينص الفصل 357 من القانون الجنائي في فقرته الأولى على ما يلي:” من ارتكب، بإحدى الوسائل المشار إليها في الفصل 354، تزويرا في محرر تجاري أوبنكي، أو حاول ذلك، يعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وغرامة من مائتين وخمسين إلى عشرين ألف درهم.

[42] ـ تنص المادة 41 من مدونة التجارة في فقرتها الأولى على ما يلي:” يجب أن يسجل بالسجل التجاري المحلي للمكان الذي يستغل فيه الأصل التجاري كل فرع أو وكالة لشركة تجارية أو لتاجر يوجد مقره الاجتماعي أو مركزه الرئيسي بالخارج، وكذا كل ممثلية تجارية أو وكالة تجارية لدول أو لجماعات أو لمؤسسات عامة أجنبية”.

[43] ـ خالد مجاهدين، م.س، ص: 226.

[44] ـ ياسين المنصوري، “المقاربة الاقتصادية للعقد”، م.س، ص: 89.

[45] ـ حنان أزداي، م.س، ص: 82.

[46] ـ caass.com 18 février 1992ـ JCPـ 1992.

 أورده مفيد الفارسي، “حرية الأسعار والمنافسة في التشريع المغربي”. رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، جامعة محمد الأول، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ـ وجدة، السنة الجامعية 1999-2000، ص: 85.

[47] ـ خالد الناصري، م.س، ص: 98.

[48] ـ مجيد حمدون، م.س، ص: 57.

[49] ـ cass.com 3 Novembre 1992, Rev,trim dr 1993, 124 obs. 

أوردته حنان أزداي، “تأثير قانون حرية الأسعار والمنافسة على قانون العقود”، م.س، ص: 84.

 [50]ـ Article 1134 du code civil dans sa redaction antérieure à l’ordonnance n° 2016-131 du 10 février 2016, devenu articles 1103 et 1193 du même code, ensemble l’article 1186 du code civil dans sa rédaction issue […] 1134 du code civil dans sa rédaction antérieure à l’ordonnance n° 2016-131 du 10 février 2016, devenu articles 1103 et 1193 du même code, ensemble l’article 1186 du code civil dans sa rédaction issue.

Posté sur le site web suivant :

https://www.legifrance.gouv.fr/search/all?tab_selection=all&searchField=ALL&query=Article+1134/date de visite : 21/05/2025, à 18 :49h.

ـ يقابله الفصل 231 من ق.ل.ع الذي ينص على ما يلي:” كل تعهد يجب تنفيذه بحسن نية، وهو لا يلزم بما وقع التصريح به فحسب، بل أيضا بكل ملحقات الالتزام التي يقررها القانون أو العرف أو الإنصاف وفقا لما تقتضيه طبيعته.”

[51] ـ من النصوص القانونية التي توجد بقانون الالتزامات والعقود التي اعتمد فيها هذا التوجه هناك:

 ـ الفصل 54 الذي يمكن أن يستقل به القاضي لتقدير وجود الغبن الاستغلالي.

 ـ الفصل 243 الذي يسمح للقضاء بسلطة منح أجال معتدلة للوفاء ووقف إجراءات التنفيذ.

 ـ الفصل 264 الذي يعطي للمحكمة سلطة تخفيض الشرط الجزائي إذا كان مبالغ فيه أو الرفع منه إذا كان زهيدا.

بالإضافة إلى نصوص خاصة تنظم موضوع التخفيض من الالتزام المرهق، زد على ذلك الضمانات التي جاء بها قانون 31.08 المتعلق بتدابير حماية المستهلك والذي يمنح للمحكمة سلطة إبطال الشروط التعسفية، وإعطاء رئيس المحكمة سلطة منح الأجل الإسترحامي ووقف إجراءات التنفيذ.

[52] ـ مازن القضاوي، القضاء والعدالة التعاقدية، بحث نهاية التكوين بالمعهد العالي للقضاء، مديرية تكوين الملحقين القضائيين والقضاء، الفوج 41، فترة التدريب، 2017 ـ 2015، ص:2.

[53] ـ عبد الرحمان الشرقاوي، ” دور القضاء في تحقيق التوازن العقدي، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، الرباط ـ أكدال، السنة الجامعية 2001 ـ 2002، ص: 69.

error: عذرا, لا يمكن حاليا نسخ او طباعة محتوى الموقع للمزيد من المعلومات المرجوا التواصل مع فريق الموقع عبر البريد الالكتروني : [email protected]