مجلة مغرب القانونالقانون الخاصإشكالية الانسجام التشريعي في مشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بمهنة التوثيق العدلي، المادة 63 نموذجا

إشكالية الانسجام التشريعي في مشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بمهنة التوثيق العدلي، المادة 63 نموذجا

نورالدين مصلوحي، عدل بدائرة محكمة الاستئناف بالرباط

خريج ماستر القانون والممارسة القضائية بجامعة محمد الخامس بالرباط

يعرف الانسجام التشريعي (Legislative Harmony) بأنه ذلك التوافق والتناغم الذي يكون بين نصوص القانون الواحد، أو نصوص قانون واحد مع قوانين أخرى ذات صلة وطيدة به، فبتحقق هذا الانسجام يكون هناك اتساق وانتظام للقوانين، وهو (أي الانسجام التشريعي) مبدأ فعال، وركيزة أساسية في بناء دولة القانون، حيث يضمن هذا المبدأ عدم تضارب النصوص القانونية وسهولة تطبيقها.

ويمكن القول أن الانسجام التشريعي ينقسم إلى نوعين، إنسجام تشريعي داخلي ويتم من خلال التأكد من انسجام نصوص القانون مع بعضها البعض والتأكد من عدم تعارضها، وانسجام خارجي يتحقق من خلال انسجام القانون مع المواثيق الدولية، وأيضا مع التشريعات الوطنية الداخلية ذات العلاقة[1].

ويحسن بنا في هذا المقال حتى يكون بدوره منسجما، تقسيمه إلى مطلبين، نتناول في الأول موقف المحكمة الدستورية المغربية من مبدإ الانسجام التشريعي، لنختم بالمطلب الثاني الذي سنسلط الضوء فيه على المادة 63 من مشروع القانون رقم 16.22 ومدى احترامها لمبدإ الانسجام التشريعي.

المطلب الأول: موقف المحكمة الدستورية المغربية من مبدإ الانسجام التشريعي:

اعتبارا لما للانسجام التشريعي من أهمية بالغة، فإن المحكمة الدستورية المغربية أكدت أن مراقبة مدى تحققه يعد من صميم صلاحياتها، ولم تكتفي بذلك بل تطرقت حتى إلى غاية مهمة لهذا المبدإ، حيث جاء في قرار لها صدر بتاريخ 22/01/2026 وهي تبت في مطابقة بعض نصوص القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة ما يلي: “وحيث إن من ضمن صلاحيات المحكمة الدستورية مراقبة مدى تحقق مبدأ الانسجام التشريعي في مواد القانون الواحد لغاية ضمان إمكانية تطبيقها، دون تعارض فيما بينها[2]“.

وعبرت المحكمة المذكورة بوضوح عن أهمية مبدأ الانسجام التشريعي دون أن تنسى ذكر الهدف منه، وهي بصدد ذكر القواعد التي تستحضرها حين تبت في مدى اندراج مقتضى معروض أمامها في مجال القانون أو التنظيم فقالت: “…وتستحضر من جهة ثالثة ما يترتب عن أحكام الفقرة الأولى من الفصل السادس من الدستور، من متطلبات تسهيل الولوج إلى القانون، ومقروئيته، ووضوحه، وانسجامه، تفاديا لتضارب تأويل مقتضياته، وتعطيل نفاذ مضامينه وحسن تطبيقه[3].

المطلب الثاني: مدى تطابق المادة 63 من مشروع القانون مع مبدإ الانسجام التشريعي

تنص الفقرة الأولى من المادة 63 من مشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بمهنة التوثيق العدلي على ما يلي: “يجب على العدل أن يقدم نسخا من العقود والشهادات التي يتلقاها لمكتب التسجيل المختص لاستيفاء إجراءات التسجيل إما مباشرة بمكتب التسجيل أو بطريقة إلكترونية، وأداء الواجب في الأجل المحدد قانونا، وأن ينجز الإجراءات الضرورية للتقييد بالسجلات العقارية وغيرها، ويقوم بإجراءات النشر المطلوبة“.

يلاحظ من منطوق الفقرة أعلاه أن المشرع يلزم العدل بواجبات عدة، وسنركز بالأساس على واجبين منها وهما:

1-أداء الواجب في الأجل المحدد:

يقصد المشرع بالواجب ضريبة تسجيل العقود التي تخضع إجباريا لأداء هذا الواجب بعد استيفاء إجراء التسجيل، أو العقود التي تخضع لمبدإ الإختيارية في التسجيل والأداء لكن المتعاقد اختار تسجيلها وأداء الواجب عنها.

مقال قد يهمك :   إشكالات الطعن بتعرض الغير الخارج عن الخصومة من خلال العمل القضائي.

لكن بالإطلاع على جميع النصوص التي جاء بها مشروع القانون رقم 16.22، لا نجد أي نص يمنح الحق للعدل في تسلم مبلغ ضريبة التسجيل من المتعاقد، بل إن المادة 39 من المشروع تمنع العدل من تسلم أموال أو الإحتفاظ بها مقابل فوائد، ولا تستثني من هذا المنع إلا حالتين أحالت بشأنهما إلى المادتين 19 و 33، الأولى تخص تقاضي العدل لأتعابه، والثانية تتعلق بتسلمه من المتعاقدين ما أداه نيابة عنهما من صوائر بشرط أن يتم إثباتها، فهل المشرع يُلزم العدل بأداء ضريبة التسجيل من ماله الخاص ثم طلب مبلغها بعد ذلك من المتعاقد بعد إثبات أداءها؟

إن إلزام العدل بأداء ضريبة التسجيل وعدم النص على طريقة تسليم المتعاقد للعدل مبلغ هذه الضريبة أو الإحالة إلى نص تنظيمي بشأن ذلك يجعل نص المادة 63 المذكورة أعلاه مخالفا لروح مبدإ الانسجام التشريعي، لسببين، أولهما وهو أن المادة 63 تتضارب مع المادة 39 السالف الإشارة إليها، وثانيهما هو أن إعمال مقتضى المادة 63 على حالته دون تنظيم كيفية تسليم مبلغ ضريبة التسجيل للعدل من طرف المتعاقد يجعل الواجب الملقى على عاتق العدل أمرا مستحيل التطبيق.

2-التقييد بالسجل العقاري:

إن التقييد بالسجل العقاري يسبقه أداء وجيبات المحافظة على الأملاك العقارية، وما قيل بشأن أداء واجبات التسجيل هو نفسه ما نثيره في هذا الصدد بشأن وجيبات المحافظة العقارية.

 أيضا وعلاقة بتحقيق مبدإ الانسجام التشريعي لاسيما في معناه الخارجي، والذي يقتضي انسجام نصوص القانون الواحد مع نصوص قانونية أخرى متصلة به، يلاحَظ أن المادة 63 من نص المشروع اقتبسها واضع المشروع من القانون رقم 32.09 المنظم لمهنة التوثيق، وبالضبط المادة 47 منه والتي جاء فيها ما يلي:

يجب على الموثق أن يقدم نسخا من المحررات والعقود بعد الإشهاد بمطابقتها للأصل من طرفه، لمكتب التسجيل المختص لاستيفاء إجراء التسجيل وأداء الواجب في الأجل المحدد قانونا وإنجاز الإجراءات الضرورية للتقييد في السجلات العقارية وغيرها لضمان فعاليتها ويقوم بإجراءات النشر والتبليغ عند الاقتضاء.

يمكن للأطراف المعنيين إعفاء الموثق من إجراءات النشر والتبليغ، وذلك تحت مسؤوليتهم، ويشار إلى ذلك في صلب العقد أو في وثيقة مستقلة ثابتة التاريخ يوقعها الطرف المعني“.

ويمكننا رصد المصطلحات المقتبسة حرفيا وهي كالتالي:

– نسخا من العقود؛

– لمكتب التسجيل المختص لاستيفاء إجراء التسجيل وأداء الواجب في الأجل المحدد قانونا وإنجاز الإجراءات الضرورية للتقييد في السجلات العقارية؛

– ويقوم بإجراءات النشر؛

وعلاقة بما ذكر، فالمادة 39 من المشروع السالف الذكر، وفي شقها الذي يمنع على العدل تسلم أموال أو الإحتفاظ بها مقابل فوائد، تم نَسخه بالحرف من المادة 33 من القانون رقم 32.09 المنظم لمهنة التوثيق، التي جاء في طليعتها ما يلي:

مقال قد يهمك :   لمحة عن التفويت المستندي للديون: الطبيعة القانونية و الأطراف الفاعلة

يمنع على كل موثق ما يلي: – أن يتسلم أموالا أو يحتفظ بها مقابل فوائد…

لكن يلاحظ كيف أن الفرق بين المادتين شاسع جدا، فالمادة 33 من القانون رقم 32.09 المنظم لمهنة التوثيق تَمنع على الموثق تسلم الأموال من المتعاقدين والإحتفاظ بها في حسابه الخاص مقابل فوائد. وضمانا لقيامه بأداء بواجب تقييد العقد بالسجل العقاري في أحسن الظروف، منحت له حق تسلم الودائع من المتعاقدين كثمن البيع وضريبة التسجيل ووجيبات المحافظة العقارية، ولذلك فالفقرة ما قبل الأخيرة من نفس المادة تُلزم الموثق بوضع المبالغ التي في عهدته فور تسلمها بصندوق الإيداع والتدبير. أما المادة 39 من مشروع القانون رقم 16.22 المنظم لمهنة التوثيق العدلي فمنعت مطلقا على العدل تسلم الأموال أو الإحتفاظ بها مقابل فوائد.

ولذلك، وبعد إمعان النظر فيما تم ذكره، لا يسعنا إلا الخروج بالإستنتاجات التالية:

  1. إن عدم منح العدول صلاحية تسلم الودائع ووضعها فورا لدى صندوق الإيداع والتدبير، يعتبر خرقا لمبدإ الانسجام التشريعي، إذ كيف للمشرع أن يلزم العدول بواجبات ألزم بها الموثقين ومتعهم بآلية كفيلة بتحقيق هذه الواجبات ألا وهي تسلم الودائع، في حين حرم العدول من هذه الآلية، وهذا بلا مراء ضرب من ضروب عدم الانسجام التشريعي الخارجي، أيضا فإن الفصل 06 من الدستور ينص على ما يلي: “القانون أسمى تعبير عن إرادة الأمة، والجميع أشخاصا ذاتيين أو اعتباريين، بما فيهم السلطات العمومية، متساوون أمامه، وملزمون بالإمتثال له” ولا شك أن مقتضى المادة 33 من القانون رقم 32.09 المنظم لمهنة التوثيق، إنما شرعت لحفظ حقوق المتعاقدين، والمتعاقدون الذين قد يطلبون خدمات الموثق لا فرق بينهم وبين المتعاقدين الذي قد يطلبون خدمات العدول، فهم مستهلكوا العقار ولا يجب التمييز بينهم في الآليات الحمائية، وفي ضمانات الأمن التوثيقي والتعاقدي.
  2. بناء على الفصل 67 من ظهير التحفيظ العقاري، فإن “الأفعال الإرادية والاتفاقات التعاقدية، الرامية إلى تأسيس حق عيني أو نقله إلى الغير أو الإقرار به أو تغييره أو إسقاطه، لا تنتج أي أثر ولو بين الأطراف إلا من تاريخ التقييد بالرسم العقاري“، وحسب قرار لمحكمة النقض، فإن “التقييد بالسجل العقاري شرط صحة التفويت في العقارات المحفظة، ولا تتم نقل ملكية الملك موضوع التفويت بدونه[4]“. وبحرمان العدول من صلاحية تسلم ثمن العقار ووضعه لدى صندوق الإيداع والتدبير، إلى حين تقييد العقد بالسجل العقاري، سيؤدي هذا إلى عرقلة عمل العدول في القيام بإجراء التقييد إذا حدث وأن تحققت بعض الوقائع، كقيام البائع بعد توثيق العقد عند العدول ببيع العقار مرة ثانية، أو سحب البائع لنظير الرسم العقاري من المحافظة العقارية، إذ أن هذا السحب يحول وتقييد العقد بالسجل العقاري، جاء في الفصل 89 من ظهير التحفيظ العقاري ما يلي: “إذا كان الطلب يتعلق بحق يقتضي إنشاؤه موافقة المالك المقيد والحائز لنظير الرسم العقاري، فيجب على المحافظ على الأملاك العقارية أن يرفض التقييد عند عدم الإدلاء بالنظير“. وتمكين العدول من تسلم الودائع يحول بلا شك من قيام البائع بأحد الفعلين المذكورين، لأن البائع بطبيعة الحالة لن يسلم له الثمن إلا بعد تقييد العقد بالسجل العقاري، عكس إذا تسلمه من المشتري قبل إتمام عملية التقييد المذكورة، وهذا كاف للقول أن المادة 39 و 63 تتنافيان مع مبدإ الانسجام التشريعي الداخلي، وتجعل الواجبات الملقاة على عاتق العدل في المادة 63 غير قابلة للتطبيق.
  3. إن غياب مقتضيات تضمن لمشتري العقار حقه في التقييد بالرسم العقاري يضرب في الصميم الأمن التوثيقي والتعاقدي، إذ جاء في مذكرة تقديم مشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بالتوثيق العدلي في سياق ذكر هدف المهنة: “هدفها الأساسي هو توثيق الحقوق والمعاملات، والحفاظ على أعراض الناس وأنسابهم، وتحقيق الأمن التوثيقي والتعاقدي الذي يجنب الأطراف الوقوع في النزاعات واللجوء إلى القضاء لفض الخصومات” ومن المعلوم أن الهدف السالف الذكر كي يتحقق عمليا يجب أن يمنح للعدول آليات عمل مشابهة للمهن التوثيقية المنافسة، حتى يتم حماية مستهلكي العقار من النصب والإحتيال، وضمان أمنهم التوثيقي والتعاقدي.
مقال قد يهمك :   حسن أوريد : جامعاتنا مريضة و كليات الحقوق و الآداب تحتاج تدخلا سريعا

وفي الأخير لا بأس من اقتراحنا ما يلي:

أولا: مادام أن المشرع في المادة 04 من القانون رقم 39.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية، لا يفرق بين العدول وبين الموثقين في توثيق المعاملات المنصبة على العقار، فإن المشرع مدعو في نفس الوقت إلى الحرص على تحقيق مبدإ الانسجام التشريعي في القوانين المنظمة لعمل محرري العقود، وذلك عن طريق المساواة بينهم في الصلاحيات الممنوحة من أجل إتمام الإجراءات القبلية والبعدية للتصرفات العقارية، ونعني بالأساس منح العدول صلاحية تسلم الودائع ووضعها فورا بصندوق الإيداع والتدبير، وأيضا التخلي عن خطاب القاضي المكلف بالتوثيق الذي يضعف نجاعة الوثيقة العدلية ويثبط تطورها.

ثانيا: باعتبار أن بعض قوانين المالية التي تصدر سنويا تحرم العدول من توثيق عقود البيع المنصبة على العقار السكني المدعم من الدولة، ونظرا لأن هذا الحرمان يخالف مبدأ الانسجام التشريعي كما بيناه في المطلب الأول، فإننا ندعو الجهات المنصوص عليها في الفصل 132 من الدستور، لاسيما رئيس الحكومة أو رئيس مجلس النواب أو رئيس مجلس المستشارين إلى تحمل مسؤوليتهم، وإحالة مثل هذه القوانين وكذا مشروع القانون المنظم لمهنة التوثيق العدلي قبل إصدار الأمر بتنفيذها إلى المحكمة الدستورية لتبت في مطابقتها للدستور.


[1] الدليل العملي لمراجعة التشريعات وتحليلها، معهد الحقوق، جامعة بيرزيت، 2017 ص 35

[2] قرار رقم 26/261 م د ملف عدد 26/309 بتاريخ 22/01/2026

[3] قرار رقم 2019/90 بتاريخ 13/03/2019 بشأن طلب رئيس الحكومة من المحكمة الدستورية التصريح بأن مقتضيات المرسوم الملكي بشأن الساعة القانونية لا تكتسي طابعا تشريعا.

[4] قرار رقم 32/1 بتاريخ 28/03/2023 ملف عقاري رقم 5568/1/1/2020 منشور بمنصة البوابة القضائية للمملكة المغربية https://juriscassation.cspj.ma

error: عذرا, لا يمكن حاليا نسخ او طباعة محتوى الموقع للمزيد من المعلومات المرجوا التواصل مع فريق الموقع عبر البريد الالكتروني : [email protected]